«دوحة شباثة».. حيث الشمس لا تصل الأرض
ثمة جنّة كانت هنا..
 

 

 

 
يوم كانت جنة..

لا يذكرها المؤرخون إلا بنخيلها وعيونها. يسميها البعض «سيحة شباثة». وصفها الشيخ محمد علي التاجر في كتابه «عقد اللآل في تاريخ أوال»: سابية وجنوبها شبافة وكلتاهما ذات مياه جارية ونخيل باسقة.
وفي دليل الخليج، يقول لوريمر: شبافة (شباثة) تبعد ثلاثة أميال شرق الرفاع الشرقي تحوي ينبوعاً، وفيها حدائق النخيل التابعة لأهل النويدرات الذين يخيمون بها صيفا، وقرية صلبا (سلباء) أقرب القرى لها.
وقال عنها الشيخ المبارك في حاضر البحرين: «شباثى» بفتح الشين والباء المخففة مقصورة وهي الآن خراب.
لماذا دوحة؟ الدوحة في اللغة تعني المظلة العظيمة، وأطلق القدماء لفظ الدوحة على شباثة لكثرة نخلها الكثيف الباسق. كان النخل يظلل كامل مساحتها فلا تصل الشمس إلى الأرض إلا في أماكن قليلة. هذا ما يؤكده كبار السن في المنطقة.
كانت أشهر المناطق الزراعية القديمة في جزيرة البحرين. تضم عدداً كبيراً من مزارع النخيل. تعود ملكيتها إلى أهل النويدرات والقرى القريبة منها كالمعامير والعكر والرفاع وحالة أم البيض سابقاً.
في القديم كانت منطقة شباثة الزراعية تقع ضمن الحزام الأخضر المحيط بسواحل جزيرة البحرين من الجهة الغربية والشمالية والساحل الشرقي الممتد من المنامة وجدعلي وتوبلي والنبيه صالح وسند والعكر والمعامير ثم شباثة والسبابي والفارسية وسلبا وزويد وأبوجرجور وصولاً إلى أطراف عسكر.1300articles_images
الخرائط القديمة التي بينت المواقع الزراعية في جزيرة البحرين، تبين أن شباثة كانت مرصوصة بالنخيل الباسقة ولم يكن الفراغ يتخللها، عدا منطقة جبال سعود القريبة من ينبوع الخريص المحاذي للساحل القريب من حالة أم البيض وهي مساحة صغيرة.
لم تكن دوحة شباثة تحوي بيوتاً. لكن أصحاب المزارع والنخيل يظعنون فيها في فصل الصيف. لذلك كان كل ما تحويه من أماكن للسكن هي عبارة عن مظاعن وعرش. قبل الخمسينات كان يظعن فيها بعض البدو أصحاب المواشي والرعاة؛ لأنها غنية بأنواع الحشائش والمياه.
حيث كانت..
على الساحل الشرقي لجزيرة البحرين. يوضح لوريمر أنها تبعد ثلاثة أميال شرق الرفاع الشرقي، وهي تقع جنوب المعامير، وتحديداً شرق شركة نفط البحرين (بابكو). حدودها القديمة تمتد من أطراف النويدرات القريبة من بربورة مروراً بمنطقة الشريعة (دوار النويدرات) التي كانت عبارة عن مجمع لمياه الجداول الممتدة من بربورة إلى شباثة وكان الماء يتجمع في منطقة الشريعة ثم يتوزع على فروع عدة وجداول مياه إلى المزارع والنخيل القريبة، ومن الجهة الشمالية تبدأ من أنابيب النفط جنوب المعامير إلى الجنوب قرب قرية سلباء وقرية الفارسية المهجورتين وتحديداً قرب ساحل حالة أم البيض، ومن الغرب تحدها مصفاة التكرير (بابكو). وقبل العشرينات كانت منطقة بابكو تقع ضمن حدود شباثة.
نخل وماء..
لم تكن تحوي غير النخيل. لكن بعض المزارعين كانوا يزرعون بعض المحاصيل البسيطة في مواسم معينة كالطماطم والبقل والبطيخ. نخيلها مقسمة إلى مناطق عدة كالجوابير والسبابي والصرم والنخيل. الصرمة هي المربع المزروع بالنخيل وإن اختلفت أضلاعه قليلاً. أما السبابي فهو جمع الساب وهو الجدول أو النهر وجمعها بالعامية «سبابي» وتسمى السبابي لكثرة جداول المياه فيها.
يذكر لوريمر أن سابية وشباثة هما عينان ذواتا مياه عذبة وقنوات مياه تحت الأرض (ثقب) وتقومان بري العديد من النخيل والمزارع القريبة منهما، ويذكر أن النخيل والمزارع تعود إلى أهل النويدرات وبعض الذين يظعنون بالقرب من العينين.
يؤكد المعمرون أن دوحة شباثة كانت تحوي عيوناً طبيعية قديمة، وقبل أعوام عدة وقفتُ على إحدى الدراسات التوثيقية تتحدث عن طرق الري في البحرين وتذكر أن منطقة شباثة تحوي عيناً أو عينين طبيعيتين. الثابت أن شرق شباثة كان يوجد فيها «ينبوع الخريّص» الذي كان موجوداً منذ القدم، وهو عبارة عن «كوكب» ذي مياه عذبة، ويمتد منه جدول يصب في بركة مبنية بالحجارة البحرية وتستخدم البركة للشرب وري النخيل ومازالت آثارها باقية حتى يومنا.
لماذا سميت بالخريص؟ لانتشار الحشائش الكثيفة والأسل حول الينبوع، ولذا كان يطلق عليه باللهجة العامية «الخريّص» أي المكان الوعر.
الحاج علي بن كاظم النويدري، يذكر أن نخيل شباثة كانت تعتمد على مصادر المياه المتصلة بعيون منطقة بربورة كعين كبرى وعين صغرى وعين الحرامية، حيث كانت الأنهار والجداول تخرج من بربورة وتتصل بالنويدرات وتمتد إلى شباثة، وهذه الأنهار كانت آثارها باقية حتى فترة السبعينات، وقد شاهدها كثير من الناس، وآثار الأنهار كانت موجودة بين بربورة وشباثة وكانت تمر على شارع مجلس التعاون القديم ومصفاة النفط (بابكو).
هجرة شباثة..
هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى هجرة الناس من شباثة، وبالتالي تصحر المنطقة وموت النخيل. فبعد إنشاء شركة بابكو قامت بابكو بحفر بعض الآبار العميقة، ما أدى إلى تأثر المياه الجوفية القريبة من الشركة، حيث نضحت أغلب العيون القريبة منها. وبعد أعوام قليلة من تشغيل شركة بابكو التحق العديد من المزارعين بشركة نفط البحرين، ما أدى إلى إهمال النخيل، وبالتالي تصحر المساحات المزروعة. كما تلوثت المياه الجوفية بنسبة عالية من مادة الكبريت وبعض المواد النفطية. قام بعض المزارعين في الخمسينات بحفر بعض الآبار العميقة، لكنهم وجدوا المياه تحوي نسبة كبيرة من الكبريت الذي يقتل الزرع. تسبب معمل التكرير (بابكو) بتلويث التربة السطحية المحيطة بالمنطقة، لاسيما القريبة منها مثل شباثة والفارسية وزويد التي كانت مكتظة بالزرع والنخيل.
من ناحية أخرى، كان لظهور المهن الجديدة بعد اكتشاف النفط، تلك المهن الأقل كلفة وجهداً والأكثر فائدة من مشقة المزارع والنخيل، كان لها دور في إهمال الناس للدوحة والزراعة فيها. الأهم أنه لم يكن يتوافر أي دعم حكومي للمزارعين، بل كانت هناك ضرائب ومشكلات كثيرة ترتبط بمهنة النخالوة والمزارعين.
الجنة الآن..
1303articles_imagesالآن.. شباثة لم تعد جنة، وليس فيها من الجنة إلا أثرها المقاوم للزمن. لكن يبدو أن هذا الأثر لن يبقى يقاوم طويلاً، طالما أن هناك عوامل تعرية طبيعية وعوامل جرف صناعية. تحولت إلى أرض متصحرة خالية من الزراعة والعيون والجداول. أصبحت جزءاً من مساحة قرية المعامير ويطلق عليها «جنوب المعامير». إدارياً، تتبع المحافظة الجنوبية. قبل عقدين كانت محمية لكثير من أنواع الطيور المحلية والمهاجرة وكان يقصدها كثير من الناس للصيد. أما اليوم فقد هجرتها الطيور بعد أن هجرها الإنسان، ولم تعد تجد فيها غير آثار الأنهار وبقايا جذوع النخيــــل، والأنقاض، والشمـــس الغاضبةــــ على موت الحياة فيهــا.
كثير من أهالي المنطقة كانوا يعتبرونها آخر متنفس القرية، فهي خالية من المصانع والشركات ويتخذها كثير من الأهالي مضماراً للمشي والركض. لكن المصانع زحفت عليها قبل أربعة أعوام، فتم ردم نصف مساحتها تمهيداً لتحويلها إلى قسائم صناعية.
بقلم: جاسم حسين آل عباس

 

هذا المقال للاستاذة باسمة القصاب نشر في صحيفة الوقت في نفس الصفحة التي نشر فيها الموضوع
أوان الوقت.. الجنة ليست الآن
بقلم: باسمة القصاب 
66blog_authorالبحث في ذاكرة المكان حبلى بالصور. وفي هذه الجزيرة الصغيرة، كلما حضرت الذاكرة، ابتهجت الصور بجنة وارفة وعيون عذبة ونخيل. كأننا نستعيد ذاكرة هي ليست ذاكرة مكاننا. كأن التاريخ، يحفظ بذاكرته، صوراً لجنان، هي خارج حدودنا المائية التي دفنها (هي الأخرى) التراب.
في مدينة المنامة ترعرعت. لم أحظ بنشأة خضراء أحكي عنها. لكن أؤلئك الذين نشأوا يمرحون ويلعبون بين زرائع قريتهم الخضراء، يرتمسون في دواليب مياهها النابعة من الأرض، يذكرون كيف داخلت الخضرة صباهم الأجمل، بل كيف مازجت نفوسهم وأرواحهم وأخلاقهم ولغتهم، كيف تشربت شخوصهم بأخلاق الزرع والماء، فصارت رابية في مثل طراوة الماء، ولطافة الزرع..
لن تصدق ما لا ترى؟ أعرف. لكن الذاكرة القريبة تروي، والخيال يشغف بنا إلى سحر لم يعد يُرى. هنا يقدم لنا الباحث جاسم حسين، المهتم بذاكرة المكان في هذه الجزيرة، شيئاً عن (دوحة شباثة). إن ثمّة جنة كانت هنا. جنة بقيت تقاوم الموت حتى وقت قريب. جنة كانت (تتشبث) بالحياة وسط أسباب الموت. لعله لهذا كان اسمها شباثة، أو لهذا صار. 
1303articles_imagesفي هذه الجنة، كان الظل أصلاً والشمس استحياء. الشمس ليست تصل الأرض المنبسطة. ثمة ما يمنع الوصول. كثافة خضراء متراصة متشابكة تقف بافتعار وافتخار. قد ينجح خيط شعاع ذكي، في التواطؤ مع نخلة شقية، تمرره عبر سعفاتها الفارعات بدلال، فيلمع راقصاً في فوضى المكان، فينخلب بنا الجمال والمكان. تتسع صدورنا كلما تفرع السعف في صحن النخيل. تنبسط النخلة في قلوبنا يداً مفتوحة بالحب مفتونة بالعطاء. هكذا قيل أن ”دوحة شباثة” كانت. وهكذا قيل أن معظم هذه الأرض كانت. غطاء أخضر، وما انكشف منها كان البحر. والبحر أغنية أخرى..
لكن هذه الجنة ليست الآن. وليس البحر الآن. ليست دوحة وليست جنة وليست سيحة وليست صرمة. الجنة الآن كلها وجهاً مكشوفاً، لا للبحر، بل للعراء والجرف وصهيل الشمس النادبة.
ليست جنة تتشبث الآن بالحياة كما فعلت ”شباثة” قبل أن ينفرط إليها اليأس. هَجَرت شباثة نخيلها، بعد أن وجدت النخيل نفسها، عطاء غير محتفى به. فالنخلة حيث تبادلها حباً بحب. ومتى ما هجَرتَ أن تكون لصيقها الأقرب، هجرتك. أيضاً، هجرت شباثة عيونها، بعد أن وجدت العيون نفسها، رياً غير معترف به. فالماء حيث عطشك إليه، وذهاب روحك مبتلة نحوه، لكن متى صار ريّك من غير سقياه، نضب..
وهكذا هو جمالنا الطبيعي، يغادرنا سريعاً، كلما استبدلناه بجمال إسمنتي، ونتصحر..
وكذلك إنساننا ليس الآن!!
يطلق عليها اليوم منطقة شباثة الصناعية، بعد أن كانت دوحة شباثة الزراعية. جنة خضراء من جنان البحرين التي بقت وارفة حتى وقت قريب. لكنها اليوم صارت عروشاً خاوية وعراء.