قبل أيام غيرت اسم المدونة من الاسم السابق إلى (سنوات الجريش) فسألني بعض الإخوة عن مغزى التسمية بهذا الاسم وبعد أن شرحت لهم الهدف والمعنى نصحني بعضهم بأن اكتب في هذا الأمر كي تتضح الصورة للإخوة الزوار ولذا أضع بين أيديكم هذا الموضوع الذي يتحدث عن سنوات الجريش التي مرت على البحرين وأتمنى أن تنال استحسانكم.

سنوات الجريش   البطاقة

منذ القدم كان الناس يؤرخون لأنفسهم بالأحداث المهمة التي تقع عليهم ويجعلون بعض الأحداث المهمة كمحطات مفصلية حيث يرتبط بها العديد من التواريخ، ومن الأحداث المهمة التي وقعت في تلك الفترات كانت أحداث سنوات الجريش أو كما يطلق عليها أيضا سنة البطاقة، سنة البطاقة حدثت أثناء نشوب الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى محاصرة البحار وخطوط التجارة في المحيطات وهذا الأمر أدى إلى توقف الاستيراد والتصدير في أغلب دول العالم ومنها دول الخليج وجزيرة البحرين، في ذلك الوقت لم يكن أي احد يستطيع أن يدخل البحر للصيد فأي سفينة تتحرك في المياه يتم قصفها أو تتعرض للخطر بسبب الألغام المنتشرة في البحار لذا توقف اغلب صيادو السمك وكذا أهل الغوص مما أدى إلى نفاذ المواد الغذائية والاستهلاكية وانعدامها من الأسواق المحلية، ومما فآقم المشكلة هو أن الأمطار قلت بدرجة كبيرة مما أدى إلى كساد الزراعة وقلة إنتاج التمر فاغلب النخيل تحول رطبها إلى (شيصة) وبذلك

ضاع احد ابرز مصادر الطعام لدا الناس، وفي تلك الفترة استغل التجار هذه المعانات حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى إضعاف مضاعفة بالرغم من قلة دخل عامة الناس الفقراء، ولذا تعرضت حياة الناس للخطر فهم مهددون بالموت جوعا وقد مات العديد من الناس في مختلف مناطق البحرين، حينها قامت الحكومة بطرح مشروع البطاقة وذلك لضمان عدم التلاعب بالأسعار فكانت الحكومة تشتري (جلات) التمر من من يملكها ثم تبيعه على الناس بالرطل حسب أعداد أفراد الأسرة كي لا يموت احد من الجوع، وكانUntitled-10 بعض التجار الطماعين يبيعون التمر والطحين والقهوة وغيرها من المواد الغذائية بالخفاء على بعض المتنفذين والأغنياء وعندما يبلغ عنهم تقوم الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة فيتم مصادرة المواد منهم وتباع على عامة الناس في الأسواق والبيع يتم عبر البطاقة التي يحدد فيها عدد أفراد الأسرة، وفي تلك الفترة نفذ الرز والدقيق والعديد من المواد الغذائية وبقى الجريش والتمر فقط حيث يتم بيعهم بالبطاقة بأسعار موحدة ومقبولة لذا كان الجميع يحصلون على الجريش والتمر حسب أعداد الأفراد ولذا كان المال لا ينفع صاحبه وان كان غنيا، وهذا الحال استمر لمدة سبع سنوات ولذا يشبه البعض هذه السنوات بالسبع العجاف التي ذكرها القرآن في عهد عزيز مصر، هذه السنوات الصعبة مرت على أهل المعامير ولكن مرت معها العديد من الأحداث المرة والأليمة وهنا سأذكر بعض الذي سمعته من الذين عايشوا هذه السنوات وشاهدوا أحداثها.

يذكر الحاج حسن بن يوسف آل سعيد أن فترة المجاعة والقحط كانت اشد السنوات التي مرت علينا في البحرين والخليج، في القرية وصل بنا الأمر إلى درجة أننا بلينا بمرض غريب وهو إننا إذا أكلنا لا نشعر بالشبع بل نتضور جوعا أكثر، وفي حديثه عن القرية يقول كنا في المعامير نجمع الجريش والتمر الفاسد ونخزنهما للحيوانات لكننا اضطررنا لأكلهما بسبب القحط وكان طعمهما لذيذ للغاية بسبب الجوع، ويقول الحاج حسن إن والده الحاج محمد بن يوسف آل سعيد توفي بسبب الجوع في تلك الفترة ففي ذلك اليوم كنت في البحر ولم اعلم بوفاته إلا بعد عودتي من البحر وللأسف لم احضر تشييعه ودفنه، وفي نفس الفترة توفي أخي واسمه سعيد وكان حينها يبلل الليف الذي نصنع به الحبل قرب ساحل القرية وهو يتضور جوعا فسقط أمام الناس ومات معه العديد من أهل القرية ومنهم على سبيل المثال محمد بن علي بن متروك وصالح بن متروك وأم الحاج عباس بن مدن بن اللطيف والعديد من الأطفال والنساء.

وعن هذه الأيام يتحدث الحاج محمد بن هلال فيقول كانت أياما صعبة وكريهة حتى من خلال الذاكرة، في تلك الأيام كنا نشتري التمر بالبطاقة وكان التمر اسود (القار) وطعمه كريه جدا، ولا أبالغ حين أقول إننا كنا أكثر من عشرون شخصا نتقاسم بيننا أرز قليل لا يكفي خمسة أشخاص، كنا لا نهجع ولا نستطيع النوم بسبب الآم الجوع والكثير من الناس أصيبوا بالهلوسة إلى درجة إن كل شيء يرونه في أمامهم يتخيلونه كالطعام وبعضهم كان يأكل الخوص والحشيش وذلك ليشعر بالشبع ولكنه لا يشعر بالشبع مهما يأكل، والوجبة الرئيسية حينها كانت الجريش وهو مثل (الشوار) الذي يعطى للغنم كنا نطبخه ونأكله لنبقى على قيد الحياة فقط.

وأما الحاج جعفر بن عبدالله بن عتيق فيقول كان عمري حوالي 16 سنة واذكر بان الجوع اشتد في آخر عامين وفيهما توفي المرحوم الحاج ناصر بن محمد بن عتيق بسبب الجوع وهو والد المرحوم أحمد وعلي ناصر.

أما الحاج جاسم بن علي بن أحمد آل حسين أبو عباس فما زال يذكر تلك الأعوام القاسية بقوله: لا يمكن أن اصف تلك الأيام لأنها مليئة بالأحداث والمرارة، ما زلت اذكر إن أخي المرحوم الحاج جعفر مع المرحوم الحاج حسين بن حميد في فترة المجاعة كانا عائدان من سترة فشاهد أخي الحاج جعفر روث -فضلات- حمار فتخيله تمرا من شدة الجوع وأراد أن يأكله ولكن الحاج حسين منعه وقال له انه ليس تمر بل روث حمار فالقاه من يده، ويضيف إن أهل المعامير كانوا أغنياء بسبب عملهم في الغوص ولكنهم افتقروا بسبب توقفهم عن دخول البحر، ويذكر إن شخص اسمه مسلم بن متروك توفي بسبب الجوع وكفن بقطعة (خيشة) إذ شمل القحط كل الواردات والصادرات فالناس كانت تتستر بقطع ملابس ممزقة ومرقعة وفي نفس الفترة توفي بعض أهل القرية من الجوع وكنا نشيعهم إلى المقبرة في العكر، ووصل الأمر ببعض الناس المؤمنين أنهم لجئوا إلى السرقة لسد جوعهم وجوع أطفالهم وهم أناس شرفاء لكنهم اضطروا إلى السرقة ليبقوا على قيد الحياة بانتظار الفرج، صدقني عشنا مرارة الموت ولكن رحمة الله أوقفت الحرب وعادت الأمور بالتدريج إلى حالها، وعن تلك المحنة قال لي بيتين يحفظهما منذ سنوات الجريش وهما:

هذي سنة وليها اسنين ومكحلة وليه اعيون

والرجال منها شابت والنسوان راحوا يطحنون69

وأما الحاج سلمان بن عيسى بن محمد بن مزعل فيصف تلك الأيام قائلا مرت علينا الفترة دون أن يقر لنا قرار فذات يوم شعرت بالموت يقترب مني وكأنني احتضر بسبب الجوع فقلت لأبي رحمه الله أنا جائع جدا فرد علي بكلمة لم افهمها وهي (الله ملك الحمد وهو يرزق) وفي صباح اليوم الثاني استيقظنا وإذا بأربع قلات من التمر موجودة على باب البيت فلم نصدق ذلك.

ويذكر الحاج سلمان حادثة وقعت في أواخر سنوات الجريش وهي أن المرحوم الحاج عيسى بن عبدالله آل عباس كان احد النوخذة ويملك (محمل) كبير للغوص وهو ميسور الحال حينها كان يخرج في أنصاف الليالي ويحمل على ظهره بعض التمر والصدقات ويوزعها على بيوت الفقراء من أهل القرية وذات يوم شاهده احد أهل القرية وأفشى الأمر مدعيا إن الحاج عيسى يلبس يتلثم كالنساء في منتصف الليل وعلى اثر هذا تأثر الحاج عيسى كثيرا وأصيب بالمرض والغم وتوفي في نفس الفترة.

ويذكر الحاج سلمان بعض الأبيات النبطية التي حفظها عن المرحوم الحاج جعفر بن إبراهيم بن عبدالله آل عباس الذي كان يعمل نهاما في الغوص وكان ماهرا في نظم الشعر والمواويل النبطية، يقول كان الحاج جعفر يردد هذه الأبيات في سنوات الجريش التي حلت على البحرين والقصيدة تحوي تعابير رائعة تصف حجم المعاناة وألألآم التي حلت على البحرين والمعامير في فترة الحرب العالمية الثانية وبالخصوص في أخر عامين من الحرب عام 1944م والعام 1945م، حيث يقول فيها:

ياهي سنة تيهت بالي ولا لي فكر               خلت جميع الخلق تمشي بليه فكر

انهض يا مولاي وانته مولى الذخر               نجي شيعتك من القحط يا علي

**********

ويا هي سنة تحولت علينا ببرق ورعود         خلت جميع الخلق تنقش الأرض بعود

انهض يا إمامي وانته ظلنا الممدود            نجي شيعتك من القحط يا علي

وأما المرحوم الحاج علي بن عبدالله بن عتيق (البناي) ذكر لي بيتان آخران قالهما الحاج جعفر بن إبراهيم آل عباس في نفس الفترة وكان يتحدث فيهما عن قانون البطاقة الذي طبق على الناس في سنوات الجريش ويخص فيهما دكان السلمابادي الواقع في المعامير الذي ذكرناه سلفا، ويقول في مطلعها:

سلط عليك من دكان         شوفك يجيب الأحزان

لاجينا الى البطاقة              كنه غليون خاكة

          يزمر علينا الدكان

وفي الختام يجب علينا أن نعرف إن نعم الله علينا لا تحصى، ما ذكرته هو قليل من المعانات التي عاشها الناس في تلك الفترة وإذا تأملنا فيها سنعرف إن نعم الله علينا كثيرة ونحن نجهلها فالحمد له على ما انعم وبالشكر تدوم النعم