موظفو الشركة يحملون على القوارب من فرضة الدمام في زيارة الى تاروت بداية الخمسينياتعنق الزجاجة… الهجرات وتقلص المجتمع البحريني القديم

في هذه المدة مرت دلمون (جزيرة البحرين) بعدة تغيرات بيئية واقتصادية وسياسية, وأصبحت الجزيرة في هذه المدة طاردة للسكان على عكس المدة السابقة عندما كانت تستقطب الهجرات إليها, وحتى نتعرف على الأسباب علينا أولاً أن نتتبع الهجرات وتواريخها. ففي بداية هذه المدة أستطاع الكاشيون الذين سيطروا على جنوب بلاد مابين النهرين أن يسيطروا على دلمون وضموها إلى مملكتهم وذلك سنة 1600 قبل الميلاد، وقد بنى الكاشيون المدينة الثالثة في موقع القلعة. ولعل هذه السيطرة أكسبت دلمون شيئاً من الأهمية، إلا أن دلمون عادت لتفقد أهميتها التاريخية بنهاية حكم الكاشيين في سنة 1225 قبل الميلاد وحتى قبل ذلك.

وتُعد المدة ما بعد الكاشية أي 1200 – 700 مدة صمتٍ تامٍ بالنسبة لدلمون مدة غموضٍ بالنسبة للاستيطان, إذ تشير الدراسات لاستيطان جماعة كبيرة من السكان لجزيرة البحرين لا يُعلم من أين جاءوا, إلا أنهم لم يستمروا طويلاً وهاجروا من البحرين بهدوءٍ وسلام. ويبدو أن هذه الجماعة لم تندمج مع الجماعات التي كانت تستوطن جزيرة البحرين قبلهم والدليل هو وجود قطع فخار يميز هذه المجموعة الكبيرة مع الفخار الذي يميز الجماعات الأقدم منها. وباختفاء الفخار المميز لهذه المجموعة وتقلص أماكن الاستيطان تم التكهن بأن هذه المجموعة التي استقرت غادرت ولم تندمج مع الجماعات القديمة.
تقسيم أحداث عنق الزجاجة
يلاحظ مما سبق أن المدة مابين 1700 ق.م و 700 ق.م شهدت تناقصاً ملحوظاً في مناطق الاستيطان ومساحة الأرض المستخدمة مما يدل على تناقص في عدد السكان, ليس هذا وحسب بل أن المجموعات الجديدة التي تستوطن الجزيرة سرعان ما تهجرها. وهذا يعني أنه كانت هناك مجموعة من الأحداث التي أدت لهجرة هذه الجماعات وتناقصها. في علم وراثة الشعوب يستخدم مصطلح أحداث «عنق الزجاجة» للإشارة لمجموعة الأحداث التي أدت لتناقص أعداد مجموعة من السكان على مدى مدة طويلة من الزمن. ومعنى ذلك أن الأعداد الغفيرة من السكان تعرضت لمجموعة من الأحداث أدت لغربلتها وبذلك أدت لتقليص أعداد السكان, إلا أن هذه الأعداد الأقل من السكان تحمل عوامل وراثية معينة جعلتها أكثر تكيفاً مع البيئة المحلية. ويمكننا تلخيص تلك الأحداث أي أحداث عنق الزجاجة في ثلاثة أحداث رئيسية: أحداث اقتصادية, وأحداث بيئية وأحداث لها علاقة بالتكيف الجيني – البيئي وبالتحديد لها علاقة بمرض فقر الدم المنجلي والملاريا.
أولا: التغيرات البيئية
أدت مجموعة من التغيرات البيئية إلى تقلص الأراضي الزراعية وانحسارها في المناطق رقم 1 و 2 أي المنطقة العمرانية ومنطقة الزراعة المكثفة والمنطقة الانتقالية التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة, ويمكننا أن نوجز تلك التغيرات في التالي:
1 – التغير في مستوى البحر
فقد أدى انخفاض مستوى البحر ووصوله لمستواه الحالي إلى انكشاف أراضٍ جديدة. ومع وجود رياح الشمال أدى ذلك لزيادة حمل حبيبات الرمال الموجودة في الأراضي المنكشفة على السواحل الشمالية والشمالية الغربية وترسيبها في المناطق المنخفضة على الساحل الشرقي, وأدى ذلك لردم أراضٍ وعيونٍ عديدة.
وبعد مدة وجيزة (مابين 1700 و 1600 قبل الميلاد) ارتفع مستوى البحر بمقدار مترٍ واحدٍ عن مستواه الحالي مما أدى لاختفاء الساحل الشرقي مجدداً وتدمير المزارع وكذلك آثار السكنى القديم. وهذا يوضح لنا سبب عدم العثور على آثار قديمة للاستيطان في تلك المناطق. عاد مستوى البحر لمستواه الحالي قرابة 700 قبل الميلاد. ويمثل هذا التاريخ بداية تكوين الساحل الشرقي الحالي.
2 – تقلص نسبة الموارد المائية
تمثل ذلك في قلة الأمطار وانخفاض ضغط المياه الجوفية وبالتالي انخفاض مستواها ونقص في تدفق العيون مما أدى بالسكان لطلي جدران العيون بطبقة تمنع امتصاص المياه من قبل التربة وبذلك يزداد الضغط الرأسي للماء.
ثانيا: التغيرات الاقتصادية
تعتبر هذه الفترة فترة الأفول الاقتصادي والاستراتيجي لدلمون وذلك نتيجة لاختفاء حضارة وادي السند الذي جف نهرها الذي يعتبر العصب المغذي لهذه الحضارة وتبعه غزو شعوب الأريان لهذه المنطقة, مما أدى بشعوب حضارة وادي السند أن تنتشر مكونة جماعات متفرقة أصبحت لاحقا النواة التي كونت الشعب القبلي في شبه القارة الهندية. كذلك, ظهرت مراكز تجارية جديدة تنافس دلمون ساهمت في تقليص دور دلمون السابق كوسيط تجاري. أما في جنوب بلاد مابين النهرين فأخذت تمر بفترة ركود اقتصادي.
ثالثا: الملاريا و جين فقر الدم المنجلي
يرى الباحثون في أصل انتشار مرض فقر الدم المنجلي وغيره من أمراض الدم الوراثية أن الطفرة حدثت مع انتشار الزراعة. إذ مع وجود الزراعة و قنوات الري المختلفة أدى الماء الراكد إلى تكاثر الحشرات ومنها البعوض الذي يحمل الطفيل الذي يسبب مرض الملاريا. وقد أثرت تلك التغيرات البيئية على اتزان المحتوى الجيني للمجموعات السكانية البشرية بشكلٍ عمل على فرز وانتخاب التركيبات الجينية لهيموجلوبين الدم ذات العلاقة بمدى مقاومة الإنسان للملاريا ومنها مجموعة طفرات أحدثت تغيرات في هيموجلوبين الدم. وبما أن طفيل الملاريا يعيش على كريات الدم الحمراء السليمة، أصبحت تلك الطفرات تعطي وقاية من مرض الملاريا. والطفرة المؤدية لمرض فقر الدم المنجلي هي من أفضل تلك الطفرات التي توفر الحماية من مرض الملاريا.
الطفرة التي تسبب مرض فقر الدم المنجلي تحدث في جين بيتا المسئول عن تصنيع السلسلة الببتيدية بيتا والتي تدخل في تركيب هيموجلوبين الدم. وينتج المرض من وجود هذا الهيموجلوبين الغير طبيعي, والذي يحمل خاصية البلورة عندما تقل نسبة الأوكسجين في الدم, ويؤدي هذا إلى تغير شكل كريات الدم الحمراء من الدائري المُقعر السطحين الطبيعي إلى الشكل المنجلي الأمر الذي يؤدي إلى انسداد الأوعية الدموية الدقيقة, وعندها يشكو المريض من آلام شديدة إما في البطن أو في المفاصل.
وبما أن كل شخص يحمل نسختين من الجين بيتا (إحداها من الأب والأخرى من الأم) فيمكننا تمييز ثلاث مجموعات من السكان:
الأول وهو الشخص الطبيعي الذي لم يرث أية نسخة من الجين المصاب. والثاني وهو الحامل للمرض وهو الشخص الذي ورث جيناً واحداً يحمل الطفرة إما من الأم أو من الأب. والحامل للمرض يكون طبيعياً تماماً ولا يشكو شيئاً وتكون تحاليله طبيعية, ولا يكشف حمله للمرض إلا إذا أجري له تحليل نسب أنواع الهيموجلوبين في الدم, حيث يكون الهيموجلوبين الغير طبيعي موجوداً بنسبة 30 – 40 في المئة وتحليل تغير شكل الكريات الحمراء يكون موجباً.
أما النوع الثالث فهو المصاب بمرض فقر الدم المنجلي وفي هذه الحالة يكون الشخص قد ورث جينين مصابين بالطفرة أحدهما من الأم والآخر من الأب. والمريض به يشكو من الأعراض التي ذكرناها آنفا وتأتي على هيئة نوبات وأي عامل يؤدي إلى انخفاض نسبة الأوكسجين في الدم يؤدي إلى حدوث نوبة للمريض.
وفيما يخص مقاومة المجموعات المختلفة من الأشخاص لمرض الملاريا فالشخص الحامل للمرض أو الهجين لن يصاب بالملاريا وسيعيش مدةً أطول وكذلك الأفراد المصابون بالمرض لن يصابوا بمرض الملاريا ولكنهم سيموتون بسبب شدة مرض فقر الدم المنجلي. أما الأشخاص الطبيعيون الذين لا يحملون جين المرض فهم أكثر عرضة للموت بمرض الملاريا بسب سلامة خلايا الدم الحمراء. وهكذا تكون فرصة الحاملين للمرض أكبر من غيرهم ليبقوا و يتكاثروا وتنتشر علاماتهم الوراثية المرتبطة مع طفرة فقر الدم المنجلي و هذا ما يسمى بالميزة الإنتقائية.
بقلم: حسين محمد حسين الجمري