جعفر الصميخ بحكم موقع قرية النويدرات قبالة مصنع التكرير فقد كان من الطبيعي أن يقبل عدد كبير من أبنائها على العمل في المصنع، وكان الأهالي يستندون على مواقيت "صفارة" بابكو في برمجة أعمالهم اليومية، بما في ذلك موعد تناول وجبة الغداء أو ترقب مجيء العمال من الشركة، وبالتالي فكان لابد من اطّلاعهم بشكل يومي على مجريات الأحداث وتطوراتها في بابكو، فضلاً عن صدور قرار فصل حوالي 1500 من العمال وما لحق من ضرر لمجمل العائلات.
لذا فقد اجتمع بعض من شباب القرية مساء يوم السبت الموافق 13 مارس 1965 في مجلس "بيت الهدي" وقرروا المشاركة صباح اليوم التالي في منع

العمال من الالتحاق بأعمالهم عبر المدخل الرئيسي وهو دوار بابكو الذي لا يزال حالياً في موقعه، لذلك أعدّوا العدة لذلك بتثبيت المسامير في قطع من الألواح الخشبية واعتراض سيارات "سالم خطر" بوضع تلك الألواح في عرض الشارع لإجبار السيارات على التوقف أو تفريغ إطاراتها من الهواء.
كنت أدرس في الصف السادس بمدرسة المعامير الابتدائية، وما أن انتشر خبر خروج أهالي النويدرات إلى الشارع العام "الشريعة" في الصباح الباكر من يوم الأحد الموافق 14 مارس 1965 حتى تم الإذن للطلبة بالانصراف من المدرسة إلى منازلهم، لكنني كنت من ضمن من توجهوا إلى الشريعة بدلاً من المنزل.. هناك شاهدت حوالي عدداً كبيراً من شباب القرية متجمعين قرب كشك "صندقة" المرطبات قرب الشارع الرئيسي، وكانوا يمنعون السيارات من المرور عبر الشارع المؤدي إلى بابكو، وبالذات تلك التي تنقل العمال، حتى أن إحدى السيارات التي يملكها شخص معروف بعمالته إلى النظام قد انتبه إلى خشبة المسامير فتوقف قبلها بمسافة قصيرة، فانطلق مسرعاً بسيارته إلى الخلف عائداً من حيث أتى.. وخلال عودته عاجله الشباب برشقات من الحجارة. لم يصاحب تجمع الأهالي أي من الهتافات، ولم ألحظ أياً من علامات الخوف أو الجزع على أي منهم.. بقيت معهم لمدة ساعة تقريباً حتى صرخ علي صليل المعروف بقوة نظره، منبهاً إلى أنه يرى عربات "أجياب" الشرطة قادمة من صوب الرفاع، وما هي إلا بضع دقائق حتى توقفت عربتان على الشارع الرئيسي المحاذي للقرية، وترجّل منها شرطة يحملون عصياً طويلة فبدءوا يلحقون خلف المتظاهرين في محاولة للإمساك بهم. بالنسبة لي أسرعت راكضاً جهة غرب بيت الأستاذ جاسم معراج، وكان يركض خلفي أحد رجال الشرطة لكنه لم يستطع اللحاق بي، واصلت الركض تجاه بيتنا جهة نخيل "العالية" (بيت الأستاذ منصور سرحان حالياً)، ثم دخلت بيت ابنة عمي لكن زوجها طردني حال معرفته أن الشرطة تلاحقني، فتوجهت إلى منزلنا، حيث كانت تجري أعمال تركيب الأسلاك الكهربائية للمرة الأولى في القرية.
أما في ساحة المواجهة أمام مدخل القرية، فقد علمت فيما بعد أن الشرطة أمسكت بجارنا المرحوم عمران مكي عمران، وحسب روايته لي شخصياُ فقد تعاقب عليه شرطيان بالضرب على جسده من كل ناحية، وما عاد يحتمل الألم، ولكونه يعمل نجاراً ويحتفظ بمنشار في جيبه، ومن فرط الألم فقد أخرجه ونشر أنف الشرطي بعنف، وخر الشرطي على الأرض في دمائه، وتحرر عمران من آلامه، ومن ثم أسرع باتجاه القرية، أما عبد الله بن زيد فقد تم إلقاء القبض عليه بعد مطاردة الشرطة له في مدخل القرية، مما حدا بالأهالي إلى إعادة التجمع باتجاه الشرطة وبكل شجاعة رافعين أيديهم للإعلان عن عدم وجود أسلحة لديهم، وذلك بهدف المطالبة بإطلاق سراحه، لكن الشرطة عاجلتهم بإطلاق الرصاص الانشطاري عليهم، وكانت الشرطة تصوب باتجاه الجزء الأسفل من الجسم، أصابت إحداها الشهيد عبد الله مرهون سرحان في رأسه، فخر صريعاً في الحال، ثم انكب عليه الشهيد الحاج عبد النبي سرحان، فأطلقت الشرطة وابلاً من الرصاص في جسده، ومن جهته انكب الحاج علي سرحان على أخيه، طلب قائد الشرطة من الحاج علي الابتعاد عن جثتي الشهيدين غير أنه رفض ذلك فهددوه بإطلاق الرصاص عليه، لكن وصول طائرة الهيلوكبتر ترافق مع إصدارهم الأوامر بوقف إطلاق النار، وأصر الحاج علي على البقاء قرب جثتي الشهيدين إلى أن تم نقلهما في الجيب وقد فارقا الحياة. وقد ذكر رواة آخرون أن إطلاق النار إنما كان مصدره طائرة الهيلوكبتر نفسها.. وهذا ما يفسر إصابة الشهيد عبد الله مرهون برصاصة في رأسه، وورود بعض الإصابات الطفيفة في الأجزاء العليا من أجسامهم، ومن ناحية أخرى أصيب خمسة آخرون برصاص الشرطة في أجزاء متفرقة من أجسادهم، وهم المرحوم الشيخ جاسم قمبر، والدكتور منصور سرحان والأستاذ عيسى إسماعيل والأستاذ جعفر محمد مكي عمران والسيد درباس سلمان درباس، حيث نقلتهم سيارات الشرطة إلى مستشفى النعيم للعلاج، ومكثوا هناك لمدة أسبوع، تم نقلهم بعد ذلك إلى المركز الصحي في القلعة، حيث بقوا هنا يوماً واحداً، وأثناء وجودهم في المركز الصحي طالبوا بإرجاعهم إلى مستشفى النعيم، وعوضاً عن ذلك صدرت الأوامر بإيداعهم سجن القلعة مدة أسبوع آخر قبل خضوعهم للتحقيق وإطلاق سراحهم دون استكمال العلاج.
وما أن انتشر خبر استشهاد عبد النبي سرحان وعبد الله مرهون حتى خرجت القرية عن بكرة أبيها وتجمعوا في البراحة الواقعة خلف بيتنا "موقع بيت السيد الباكستاني"، حيث كان الغضب والحنق الشديدين تجاه النظام الحاكم يسيطران على مشاعر الأهالي، وأذكر أن أحد المواطنين من كبار السن جاء شاهراً منجله، وأعلن عن أنه سيتوجه إلى الشرطة لمواجهتهم، غير أن الأهالي حالوا دون ذلك.. مكث الأهالي فترة طويلة متجمعين قرب منزل الشهيدين المجاورين لمنزلنا حتى وصل جثمانهما في وقت الظهيرة إلى مقبرة العكر الشرقي.. فخرج الأهالي متوجهين إلى هناك حيث سيتم دفنهما، ونظراً لضخامة العدد المتوجه إلى القرية المجاورة مروراً بالمستنقعات التي تفصل القريتين، فقد كان أفراد الشرطة لا يزالون مرابطين على الشارع، وكادوا يطلقون النار على الأهالي وارتكاب مجزرة بحقهم لاعتقادهم بأنهم متوجهون لاستنهاض القرى المجاورة والخروج معاً في تظاهرة تضم القرى الأخرى ، لكن أحد أفراد الشرطة كان من قرية النويدرات، وشرح لهم أن أهالي القرية إنما هم ذاهبون لدفن الشهيدين.. فتراجع الشرطة عن قرارهم.
علمت فيما بعد أيضاً أنه كان من المقرر أن تخرج سترة بقيادة المناضل حسن علي رضي في وقت متزامن مع تحرك أهالي قرية النويدرات التي كان يقودها الشهيد المناضل عبد الله مرهون بحكم انتمائه إلى حركة القوميين العرب، بحيث ينضم أهالي المنطقتين في مظاهرة واحدة عارمة، وقد تجمعوا فعلاً قرب نادي سترة عازمين على الانطلاق سيراً على الأقدام مروراً بالمعامير والعكر الشرقي بقصد انضمام أكبر عدد ممكن إليهم من القرى الأخرى والالتقاء بشباب النويدرات من أجل الخروج جميعاً باتجاه دوار ألبا لمنع العمال من الوصول إلى بابكو، لكن ما أن سمع أهالي سترة خبر إطلاق الرصاص في النويدرات ومصرع الشهيدين حتى تراجعوا.
كما علمت مؤخراً أن الشرطة اعتقلت الأستاذ جمعة منديل مدير مدرسة المعامير آنذاك أثناء تواجده في القرية، بينما كان أبناؤه في سيارته قرب بيت محمد عبدالوهاب بانتظار عودته، لكنه بقي رهن الاعتقال زمناً قصيراً قبل إطلاق سراحه، وقد تكفل الدكتور مكي سرحان بنقلهم إلى بيتهم في المنامة.
بقلم: جعفر الصميخ- النويدرات