كتاب تاريخ البحرين تأليف الشيخ محمد عليّ آل عصفور وهو من الكتب المشهورة والقيمة ويحوي الكثير من المعلومات الثمينة في عدة جوانب من تاريخ البحرين، وهنا ننقل لكم الكتاب كاملا لكي تستفيدوا منه في البحوث والقراءة واللطيف ان الكتاب يبدأ من الفهرست:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الفهرس
الباب الاول في عدد قراها وأساميها وغير ذلك من المطالب
الباب الثاني في أقسام فواكهها ورطبها وتمرها
الباب الثالث في عيونها
فائدة جليلة
فضيلة عظيمة
حكاية حسنة
فائدة
جوهرة فاخرة
الباب الرابع في ذكر ملوك البحرين وما وقع عليها
الباب الخامس في ما وقع عليها بعد ظهور الاسلام
الباب السادس في ذكر مشائخ آل مذكور جعلهم اللّه في دار السرور
الباب السابع في نبذة من مكاتبات السلاطين مع مشايخ آل مذكور
فصل في أسماك البحرين وحوتها
فصل في ذكر تكون اللؤلؤة
الباب الثامن في ذكر مواضع البحرين التي ضبطها صاحب القاموس
الباب التاسع في ذكر وقعات البحرين وما صدر عليها
الباب العاشر في قصة الوزير مع أهل البحرين بالرمانة
حادثة غريبة
جزيرة خارك
الباب الحادي عشر في ذكر محاسن اهل البحرين وشعرائها وعلمائها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي فاوت بين العباد، وفضّل بعض خلقه علي بعضٍ حتي في الأمكنةِ والبلاد، والصلاة والسلام علي أشرف الموجودات محمد وآله السادة الأمجاد.
وبعد فيقول الراجي لعفو ربه الغفور محمد عليّ آل عصفور: إن الناس قد صنّفوا كتب التواريخ والسير وذكروا ما وقع في العالم من أبناءِ أبناء البشر، حتي لايتركوا منها أرضاً إلاّ عينوها طولاً وعرضاً، ووصفوا البلدان شرقاً وغرباً، وقطّعوها إرباً إرباً، لأن منهم من أتي علي ذكر مصر وافريقيا، وأيام الفراعنة والأكاسرة، والخلفاء الأمويين، ومنهم من رغب في ذكرِ بغداد والأهوال والشداد والخلفاء العباسيين والسلاطين السلاجقة، ومنهم من تعلّق قلبه بذكر الهند وافيالها، فأتي بما يكشف عن حالةٍ، وكم ألّفوا في وصف البلدان كتاباً، وقالوا صواباً، إلاّ إنهم ـ شكر اللّه سعيهم ـ ما رمّموا في ذكر البحرين فصلاً ولا باباً، أو ذكروا وتقصّوا خطاباً، اللّهم إلاّ أن يقال إنهم اقتصروا علي الزبد، واختصروا ومالوا في المطالب إلي قول المتأخرين واقتصروا.
إذ البحرين من المدن العظيمة، إو لها ذكر في الجغرافية القديمة، مع ما فيها من الوقائع، وما خرج عنها من الودائع، فلذا أحببت تأليف كتاب مستقلّ حيث أذكر تلك القري الفاخرة التي تخرج منها القري الظاهرة، حتي يسير فيها من كان خبيراً وبالمطالب بصيراً، وباللّه أستعين، فإنّه خير موفّق ومعين.
فأقول: اتّفقت كلمة علماء الجغرافية قديماً وحديثاً علي أن البحرين جزيرة من جزائر بحر فارس؛ وإنما سميت بحريناً لأنها واقعة بين بحر عمان وبحر فارس.
قال المسعودي بعد ذكر جمل من الأخبار عن البحر الحبشي ومقداره وسعة خلجانه ما هذا لفظه: ويتشعّب من هذا البحر خليج آخر وهو بحر فارس، وينتهي إلي بلاد الأبلّه والخشبات وعبّادان من أرض البصرة، وعرضه في الأصل خمسمائة ميل، وطول هذا الخليج ألف وأربعمائة ميل، وربما يصير عرض طرفيه مائة وخمسين ميلاً، وهذا الخليج مثلث الشكل، ينتهي أحد زواياه إلي بلاد ابلّه، وعليه مما يلي المشرق ساحل فارس من بلاد دورق الفرس، ـ إلي أن قال ـ: ويقابل ما ذكرنا من مبدء ساحل كرمان والسند بلاد البحرين وبلاد عمان، وفي ذلك الساحل مدينة البرارة والقطيف من ساحل هجر، وفي هذا الخط وقعت جزائر كثيرة مثل جزيرة خارك وخاركو، وبينه وبين بوشهر فراسخ فيها مََغَاصُ اللؤلؤ، ـ إلي أن قال ـ: وهذا البحر وهو خليج فارس ويعرف بالبحر الفارسي، عليه ما وصفنا من البحرين، وفارس، والبصره، وعمان الي رأس الجمجمة، ومن البحرين إلي بوشهرثلاثين فرسخاً، وفيها عيون كبار كعين السجور وسيأتي تفصيله إن شاء الله.
والإحساء واقعة من طرف قبلة البحرين، والقطيف علي سمت شمال البحرين، وهذه الجزيرة شراعية الشكل، قال بعض علمائنا(رض): إنها كالشراع المرمي علي البحر الموّاج.
قال الدميري: ومن مسقط إلي رأس الجمجمة خمسون فرسخاً وهذا آخر بحر فارس، وطوله أربعمائة فرسخ، وفي هذا البحر جزائر كثيرة كعمان، والخطّ الخاركي]، ومسقط، والبحرين، والقطيف، والإحساء، ـ إلي أن قال ـ: ورأس الجمجمة جبل متّصل ببلاد اليمن، فمن هنالك تنطلق المراكب إلي البحر الثاني، وأما البحرين وجزيرة خارك ففيهما مغاص اللّؤلؤ، وللغواص واللّؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة.
وبالجملة فالبحرين علي ما قيل: عبارة عن مملكة وسيعة وساحة فسيحة، من جانب ينتهي إلي البصرة وآخر إلي عمان، فبمرور الأيام والشهور قطّعوها وأخذوها الأجانب، وأما الآن فالبحرين يطلق علي جزيرة أوال فقط، فطوله من الشمال إلي الجنوب سبعة فراسخ، ومنتهي عرضها فرسخين، وأغلب أهاليها إماميّ المذهب، وعدد نفوسها ـ علي ما قيل ـ مائة وخمسين ألفاً، والظاهر أنه اكثر، فالتّجار وأهل المراكب وأرباب المعاملات مقيمون في بندر المنعمة المشهور بالمنامة، وحكّامها وأهل المناصب ساكنون في المحرّق، وهما من اكبر العمران فيها.
قال شيخنا العلاّمة الشيخ ياسين: والخطّ سيف البحرين وإليه تنسب الرماح الخطّيه، وفي القاموس مثله، إلاّ أنه قال: لأنها تُحمل من بلاد الهند وتُباع هنا.
الباب الاول
في عدد قراها وأساميها وغير ذلك من المطالب
قد يطلق أوال علي البحرين جميعاً تسمية للشيء بإسم جزئه، كما يطلق هجر عليه.
قال في القاموس: هجر اسم لجميع أرض البحرين، قال بعض مشائخنا: أوال وهي بفتح الهمزة، جزيرة عظيمة معمورة بالعلم والعمل حتي أنّه ورد فيها عنه صلى الله عليه وآله وسلم: إذا فقدتم العلم فاطلبوه من البحرين، لا يقدر احد أن يحيط بوصفها، وما وقع عليها تفصيلاً.
قال في القاموس: أوال كسحاب، جزيرة كبيرة بالبحرين عندها مغاص اللّؤلؤ، وذكر بعض شارحي الهمزة أنه يجوز ضم الهمزة، الي أن قال ـ قدس سره ـ: وهي الآن مختصة باسم البحرين عند الإطلاق، وإن كان في الأصل وعند عدم التقييد يطلق لفظ البحرين علي الخطّ والإحساء، وفي الحديث: لو ضربونا حتي يبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أننا علي الحق، ـ وهجر هنا البحرين ـ.
وفي الخبر: عجبت لتاجر هجر وراكب البحر، أي إن تاجرها وراكب البحر سواء، وفيها قري متعددة.
قال بعض مشائخنا: كان عدد قري البحرين في الزمان السابق بعدد ايام السنه، وبظلمهم ما بقي الآن سقوفها وفروشها <فتلك بيوتهم خاويه> علي عروشها، والقري معمورة الآن أزيد من مائتين، فمنها: منامة، ومنها محرق، والسماهيج، والجفير، والحورة، ورأس رمان، ونعيم، ومني وكتكان، وكرزكان، وسنابس، والدية، وكرباباد، وقلعة، وكرّانه، وجد الحاج، وحنوسان، وآيار، وجبل الدخان، وجزيرة ام النعسان، وشريبة، والبديع، ودار، وبني جمرة، وسار، وضلع، وعالي، وبوري، وجزيرة، وحجر، واُكُل، وهجر، والقدم، وابو قوه، والسهلة، وجد حفص، والهملة، ورويس، وباربار، وأوال، وسترة ـ وهي خمسة قري ـ ورفاع، وبلاد القديم، وكوَرهَ، وتوبلي، وغريفة، ودار كليب، والزنج، والسقية، وجبيلات، وحلّة الصغيرة، وجو ـ وهي الواقعة منتهي جنوب البحرين ـ ومشهد، وابو صبُيع، ومصلي، وجبلة الحبش، وماحوز، وقرية، ومرخ، ودمستان، ومقابا، وبستان، وقرية الخارجية، والدونج، وعراد، والعقير، وجور، وصداد، وسَند، ولقبيط، وجُنبّه، وجد علي، وهلتا، وعالي حويض، وحلّة الكبيرة، وحلّة علي، وشويكة، وصداغة، وبنّي، وقريق المزارعة، وشهركان، وعين الدار، وسلم آباد، وجروزان، وحرنان ـ قريتان بالبحرين كبري وصغري ـ ذكرها في القاموس، وغير ذلك ممّا يأتي في حالات العلماء والشعراء في هذه الجزيرة.
الباب الثاني
في أقسام فواكهها ورطبها وتمرها
وهي الموز، واللوز، والخوخ، والترنج، والرّمان، والتين، والمشمش، والصبّار ـ وهو نوع من التمر الهندي ـ وفيها شجرة الحناء، والسدر، والطوف.
وأمّا رطبها وتمرها فهما علي أنواع: وهي الخنيزي، ومرزبان، وسلمي، ونفول، وخصّاب، ومهز، وخلاص، وخصايب العصفور، وحلو تاروت، وحلو أبيض، وفرناج،، وماجي، وخضيري، وشريفي، ومدللّ، ومبشر ـ وهي أول نخلة يوجد فيها الرطب ولذا سميت بمبشر ـ وآزاد، ورطب الحمري، والشنبري.
وبالجملة فمن خصائص هذه الجزيرة إن الرطب يوجد فيها ثمانية أشهر ولايوجد في غيرها بهذا المقدار، وكانت في السابق من أكثر البلاد تمراً، وأطيبها رطباً، حتي ضربوا بها المثل المشهور: كناقل التمر إلي هجر.
قال في المعجم: إن هجر مدينة كبيرة واقعة في البحرين، كثيرة من النخل والرمّان، والزيتون، والتين، والاترج، والقطن، ـ إلي أن قال ـ ومن عجائبها أن من سكنها عظم طحاله ـ إلي أن قال ـ وبقلالها شبّه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بقلل الجنة، وهي الواقعة في أقليم أوال ـ إلي أن قال ـ فيها من العلماء والزّهاد والعبّاد والأدباء والشعراء ما لا يحصي.
الباب الثالث
في عيونها
وفيها من العيون ما لاتحصي، وأمّا العيون الكبار: فعين القصاري: وهي الواقعة في بلاد القديم، وعين العداري: وهي الواقعة في السهلة، وعين أبو زيدان: وهي الواقعة في مشهد، فأمّا عين السجور: وهي من أكبر العيون وأكثرها نفعاً ودفنها عبد الملك بن مروان.
قال جدي العلاّمة الشيخ يوسف ـ قدّس سرّه الشريف ـ في كشكوله نقلاً من كتاب معتبر يشتمل علي جملة من فضائل علي (عليه السلام) وأخبار تدخل في ذلك الباب ما لفظه: وأمّا ما كان من خبر أهل الشام فإنّه لمّا قُتل عامر بن الطفيل بن ربيعة الشيباني وجاءت الأخبار بذلك إلي الشام، وقد كان قد مات مروان بن الحكم وتولّي الأمر من بعده عبد الملك بن مروان، فسار بنفسه إلي الكوفة في ألوف لا يحصي عددهم إلاّ اللّه، وقد آلي علي نفسه أن لا يبقي بها أحداً من شيعة علي (عليه السلام) إلاّ قتلهُ، فلمّا سمع بذلك إبراهيم بن مالك الأشتر، وصعصعة بن صوحان، وعمرو بن عامر الهمداني المعلم، وجماعة من خواصّ الشيعة، هربوا من عبد الملك إلي جزيرة البحرين، وكان زيد بن صوحان العبدي والياً عليها من قِبل الحسن (عليه السلام) ، ولم يتمكن من عزله بنو أمية خوفاً من أهل البحرين؛ لأنّهم لم يسلّموا أمراً إلي بني أمية أبداً، وهم كانوا أشجع أهل الدنيا وأقواهم جناناً، وأفصحهم لساناً، وأحبهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) قلباً.
قال: فبقي زيد بن صوحان حاكماً في البحرين الي زمان عبد الملك بن مروان، إلي أن هربوا عنده الجماعة المذكورين، فتبعهم عبد الملك الي القطيف وأرسل إليهم من أصحابه] إلي البحرين، فدافعت عنهم أهل البحرين، وقتلوا جميع من أرسلهم عبد الملك، فجاء اليه الخبر وهو في القطيف بأن أهل البحرين قتلوا جميع أصحابه الذين أرسلهم إلي أهل الكوفة، فلمّا سمع بذلك حشّد عليهم من الاعراب و البوادي مالم يعلم عددهم إلاّ اللّه، وانحدر علي أهل البحرين عبد الملك بنفسه، وجلس في الطرف الغربي، وكان مخيمهم من أول الدراز إلي بني جمرة، حتي ملأت عساكره الأماكن والفلوات، وقلعة البحرين يومئذٍ في البلاد القديم عند مشهد، وهي القلعة التي بناها الملك دقيانوس وهو الذي ادّعي الربوبية، وهربوا عنه أصحاب الكهف، والرقيم جبل في الإحساء، وكان زمان هذا الملك في الفترة التي ما بين موسي بن عمران وعيسي بن مريم عليهم السلام وبقيت هذه القعلة إلي زمان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وإلي زمان بني أميه، وكانت بيوت أهل البحرين يومئذ متصلة من خلف القطاع الجنوبي إلي باربار وإلي كرزكان، وكان الرجل من أهل البحرين في ذلك الزمان يعد بألف فارس.
قال ثم أنّه لمّا أنحدر عليهم عبد الملك جعل زيد بن صوحان علي القلعة من يحرسها وخرج مع أهل البحرين إلي قتال عبد الملك، وجعل إبراهيم بن مالك الأشتر، وسندر معهما عسكر كبير في وسط البلد، وجعل سهلان بن علي ومعه أهل الأطراف الشرقية علي الشرقية، وجعل صعصعة أخاه وهو أغلب عسكره في الطرف الجنوبي، وجلس الأمير زيد بن صوحان في كرزكان ومعه أهل الأطراف الغربية، ثم وقعت الحرب بينهم وبين عبد الملك، ووقعت بينهم مقابلة عظيمة يطول شرحها في هذا المكان، قال: فلما رأي عبد الملك الشجاعة من أهل البحرين وقوة بأسهم علي الحروب، ورآهم أفرس أهل الدنيا، وكان يخرج عليهم بخمسين ألف وبالمائة ألف من أصحابة فيحصدهم أهل البحرين حصد السنبل، حتي كادوا يقتلون عبد الملك، فأشاروا عليه بعد ذلك أرباب أهل دولته بان يستميل أهل البحرين بالرشاء والعطاء، فأستمال جهّالهم وأشرارهم بذلك، وأغري’ بعضهم علي بعض، فقتل شرارهم خيارهم، وقتلوا أخا زيد بن صوحان والجماعة الذين خرجوا معهم من الكوفة والذين نصروهم من أهل البحرين.
قال: فلما ظفر عبد الملك بالبحرين وأهلها، أحضر أهل الأطراف الذين نصروه والذين أستأمنوا، ودعاهم إلي الخروج من التشيع، فأبوا أن يخرجوا من دينهم وأمتنعوا عليه وقد أخذهم الندم علي قتلهم أخيارهم، فلمّا نظر عبد الملك إلي بعضهم وإظهارهم العداوة، خاف منهم خوفاً شديداً، فقال لهم: طيبوا نفوسكم فإني أترككم علي دينكم ولكم عندي ما أردتم، ولكن أريد منكم أن تكونوا في جزيرتكم هذه ولا أحد منكم يحمل السيف ولا العصي ولا يشد وسطه إلي حرب أبداً، ولا أحد ينقل السلاح ولكم عليَّ أن لا اخذ منكم شيئاً من خراج بلدكم، ولا أتعرض لكم بعد سنتي هذه، وهذا الشرط بيني وبينكم، وعليَّ في ذلك عهد اللّه وميثاقه.
قال: فحالف أهل البحرين علي ذلك، وكتب اللّه عليهم الذلّة، فلم يشدّوا أوساطهم بعد ذلك إلي الحرب، ولم يقتتلوا إلي يومنا هذا.
ثم إنّ عبد الملك دفن عين السجور، وكانت أقوي عين في البحرين، ودفن عيوناً كثيرة منها، لإن مراده ضعف أهل البحرين، وولّي راجعاً بعد ذلك، انتهي.
يقول جامع هذه الطرف ومهدي هذه التحف: إن هذه الحكاية وإن كانت لا تخلو من ركاكة في التعبير وخلل في التحبير، مع إصلاح كثير منها حال النقل، إلاّ أن مضمونها موافق لما هو الموجود الآن في تلك البلاد ومشهور بين الخلف من قبور اولئك الأمجاد، فإن قبور هؤلاء المشار إليهم كلّهم موجودة في البحرين، أتّخذوها مزارات يتبركون بها وينذرون إليها ويقصدونها من كلّ جانب ومكان، سيما قبر صعصعة وأخوه زيد بن صوحان.
وأمّا عين السجور ـ بالسين المهملة ثم الجيم ـ المشار اليها في آخر الخبر، فموقعها في قريتنا من البحرين بقرب الساحل، والنظر فيها ظهر من آثار تلك العين، وسعة دائرتها الموجودة الآن يدل علي قوّتها وغزارة مائها، وكان ذلك الملعون قد أحكم رجمها بالحجارة الهائلة والصخور الثقيلة، وأخفي أثرها بالكلية، وبقيت كذلك إلي زمن الحاج يوسف الناصر وكان من أكابر أهل البحرين وأعيانهم المشار إليهم، وكان ذا حدس صائب وفكر ثاقب في إستخراج المياه من الأرض، وقد استخرج عيوناً كثيرة مبتكرة، فعمد من جهة الغرب إلي إخراج مائها وضرب خيامه عندها، ووضع العملة فيها، وأخرج منها أحجاراً وصخوراً ـ علي ماذكرنا ـ يعجز المائة رجل علي سحب واحدة منها، وقد نحتها ذلك الملعون من جزيرة بقرب البحرين تسمي ـ قدا ـ وبقي العمل فيها حتي لما قرب خروج أول مائها، جاء رجل من العملة إلي الحاج يوسف المرقوم، وقال: إني رأيت في المنام إن هذه العين في صورة إمرأة وهي تريد ثوراً سميناً! فأسرَّ الحاج يوسف في نفسه أنه ذلك الثور السمين!؟ وأخذته الواهمة، فمرض وثقل حاله في ذلك المرض حتي مات، وبقيت علي ماهي عليه إلي الآن، وإلي الآن بعض تلك الأحجار موجودة حول العين، وبعض قد سحبه الناس ووضعوه في أساس البيوت، وكانوا إذا همّوا بسحب شيء منها تجتمع لها جموع عديدة من الرجال، واللّه العالم بحقائق الاحوال.
فائدة جليلة:
ذكر أبو جمهور الإحسائي ـ قدّس سرّه ـ في كتاب عوالي اللّئالئ ـ نقلاً عن ابن عباس ـ قال: أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة لجمعة في عبد القيس بجواثا ـ وهو اسم حصن بالبحرين ـ وفي هذا الحديث دليل علي أن أهل البحرين كانوا أفضل من أهالي أكثر البلدان، وللبحرين مزية وفضيلة كما سيأتي نبذة منها ان شاء اللّه.
قال جدي العلاّمة ـ أعلي اللّه مقامه ـ في كشكوله: حكي لي والدي ـ قدّس سرّه ـ أن السبب في مجئ والد البهائي ـ قدّس سرّهما ـ إلي البحرين، أنه كان بمكة المشرفة وقد قصد المجاورة فيها فرأي في المنام كأن القيامة قد قامت، وقد أمر بالبحرين أن تدفع بأرضها إلي الجنّة، فأختار الإنتقال من مكة المعظمة، وأتي البحرين وجاور فيها حتي توفي ـ رحمه اللّه ـ ولمّا سمع بقدومه علماء البحرين، وقد كان جملة من الفضلاء يجتمعون للدرس والتدريس في مسجد جدحفص، ومنهم العلاّمة الشيخ داود بن أبي شافير، وكان ذلك الوقت قد خرج الشيخ داود المزبور من قرية جدحفص لمباغضة حصلت بينه وبين بعض علمائها، فلمّا سمعوا بقدوم الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ بهاء الدين ـ قدّس سرّه ـ عرفوا أنه بعد مجيئه ربما يحضر إلي المسجد في يوم الدرس، وكان الشيخ داود ذا يدٍ طولي’ في علم المناظرة والجدال، فمضوا إليه وصالحوه، وحضر المسجد كما كان سابقاً.
فلما ورد الشيخ ـ قدّس سرّه ـ سأل عن محل مجمع الفضلاء في البلد، فأخبروه باليوم الذي يحضرون فيه في المسجد المزبور، فاتفق حضوره في بعض الأيام، وجري البحث بينه وبين الحاضرين، فتولّي ذلك الشيخ داود وأطال النزال والجدال معه، فلمّا انصرف الشيخ أنشأ هذين البيتين ثم لم يحضر بعد هناك حتي توفي ـ رض ـ:
أناس في أوالٍ قد تصدّوا لمحوا العلم واشتغلوا بلمم
فان باحثتهم لم تلق منهم سوي حرفين لِمْ لِمْ لا نُسَلِّم
وقال البهائي ـ قدّس سرّه الشريف ـ يرثي والده الشيخ العلاّمة حسين بن عبد الصمد، وقد توفي بالمصلي من قري البحرين لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وتسعمائة عن ست وستين سنة وشهرين وسبعة أيام، ومولده أول يوم من محرم سنة ثمانية عشرة وتسعمائة ـ رحمه اللّه تعالي ـ:
قف بالطلول وسلها أنّ سلماها ورق من جرع الأجفان جرعاها
وردّد الطرف في أطراف ساحتها وأرجّ الروح من أرواح أرجاها
فإن يفتك من الأطلال مخبرها فلا يفوتنّك مراءها ورماها
ربوع فضل تباهي التبر تربتها ودار أنسٍ تحاك الدّر حصباها
إلي أن قال ـ طاب ثراه ـ:
فالمجد يبكي عليها جازعاً أسفاً والدين يندبها والفضل ينعاها
ياحبّذا أزمنٌ في ظلّهم سلفت ماكان أقصرها عمراً وأحلاها
أوقات أنسٍ قضيناها فما ذُكرت إلاّ وقطع قلب الصبا ذكراها
ياجيرة هجروا وأستوطنوا هجراً واهاً لقلب المعنّي بعدكم واها
رعياً لليلات وصل بالحي سلفت سقياً لأيامنا بالحيف سقياها
لفقدكم شُق جيد المجد وانصدعت أركانه وبكم ماكان أقواها
وجُزّ من شامخات العلم أرفعها وأنهد من باذخات العلم أرساها
ياثاوياً بالمصلّي من قري هجر كُسيت من حلل الرضوان أضفاها
أقمت يا بحر بالبحرين فاجتمعت ثلاثة كن أمثالاً وأشباهاً
ثلاثة أنت أنداها وأغزرها جوداً وأعذبها طمعاً وأصفاها
حويت من درر العليا ما حويا لكن درّك أعلاها وأغلاها
ـ إلي أن قال ـ :
ويا ضريحاً علا فوق السماك علّي عليك من صلوات اللّه أزكاها
فيك انطوي من شموس الفضل أضواها ومن معالم دين اللّه أسناها
ومن شوامخ أطواد الفتوة أرسا ها وأرفعها قدراً وأبهاها
فاسحب علي الفلك الأعلي ذيول علي فقد حويت من العليا أعلاها
عليك منا سلام اللّه ما صدحت علي غصون اراك الدوح ورقاها
فضيلة عظيمة:
في كشكول الشيخ ياسين ـ قدّس سرّه ـ كما رواه الشيخ الأجل الأمجد الشيخ أحمد بن زين الدين في كشكوله،قال: رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إن اللّه خيرني في هجرتي هذه بين المدينة والبحرين أو قنسرين، فأخترت المدينة.
وقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: إذا شبّهت عليكم المذاهب والاديان فعليكم بمدينتي هذه، ومدينة يقال لها البحرين، ومن دان بدينهم من أهل الأمصار.
وقال صلى الله عليه وآله وسلمسترتد اُمتي من بعدي إلا مدينتي هذه، ومدينة يقال لها البحرين، فأنها فسطاط المؤمن يومئذ.
قال ـ رضي اللّه عنه ـ ما حاصله: البحرين يطلق علي الأحساء والقطيف والبحرين، وفي تخصيصه هذا الزمان بأوال مستحدث قال الشاعر:
فيا قاصداً البحرين يزجي شمله كأن علي أشداقها الحدل كرسفا
وقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: إذا فقدتم العلم فاطلبوه من مدينتي هذه، ومدينة يقال لها البحرين، ـ إلي أن قال قدس سره ـ: فأوال وخط بلد، والإحساء بلد، ويطلق علي الجميع هجر.
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما في كتاب نفس الرحمن: لو فقد الإسلام في الأرض لوجد في هجر.
وقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما في بعض صحاح العامة ـ وكما هو في نظري البخاري ـ: رأيت في المنام أني أهاجر إلي بلدة فيها نخل، فذهب وهمي الي انها هجر، فاذا هي المدينة يثرب.
حكاية حسنة:
قال فخر المشائخ الشيخ سليمان الماحوزي: كنت في حدود السنة الحادية عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية في بعض بنادر فارس، وكان فيه رجل من علماء أهل التقوي من بلاد السند، حنفي المذهب متعصّب في مذهبه قد قرأ كثيراً من العلم، ورد هناك بعنوان التجارة فاتّفق لي الإجتماع به في عدة مجالس، وكان من جملة ما صدر بيني وبينه أنه بعد ما فاوضني في مسائل متعددة فينجرّ فيه النزاع بيننا وبينهم فصّلناها في رسالة منفردة.
قال لي: أنت أخلاقك غير أخلاق أهل البحرين، وطباعك غير طباعهم،وما فيك من المعايب إلاّ انك بحراني، واخذ يذم البحرين وأهلها بما لا يجوز ذكره، فقلت له: البلاد يكون فيها الكامل والناقص و الخير والشرّير، والمؤمن والكافر والعالم والجاهل، فاطلاق القول بذمّ البلاد لا يحسن من أهل العقل والسداد، وبعد هذا فالبحرين من الأمصار الجليلة المحمودة، ولها ذكر حَسن في كتب حديثكم دون تقه، فإنها لم يجر لها ذكر في حديث ولا سنّة، وطباع أهلها معروفة بالعصبية والعناد.
فقال لي بعجلة: في أيّ كتب حديثنا ذُكر البحرين؟
فقلت: في كتاب مشكاة المصابيح تصنيف محي السنّة الحسين بن مسعود الفراء البغوي، فإنه روي في باب حرم المدينة ـ حرسها اللّه ـ عن حريز بن عبد اللّه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن اللّه اوحي إليّ، أيّ هولاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين، فقد عدل اللّه البحرين بالمدينة وخيره في الهجرة إليها، ولم يذكر تقه مجال. فانكر كون الخبر المذكور في شيء من كتب حديثهم فضلاً عن كونه في مشكاة المصابيح، وأدعي أنه قرأ الكتاب المذكور في بلاده علي مشايخه ـ وكان الكتاب المذكور بصحبتي ـ فقلت له: الكتاب موجود معنا بنسخة صحيحة معتمدة، وقد كنت اشتريتها من دار السلطنة إصفهان المحروسة في جملة الكتب التي اشتريتها من هناك، ثم احضرت الكتاب، فلمّا رآه وجم واُقحم كأنما القمته حجراً، وأخذ يتعجب مما رزقنا اللّه سبحانه من الحفظ وكثرة التتبع، وأعرض عما كان فيه.
تتميم وفيه قصة أبو هريرة:
ومن كتاب مجالس المؤمنين للسيد نور الدين، المعروف بالشهيد الثالث في ترجمة البحرين قال: إن البحرين اسم لجميع البلدان التي علي ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان.
وقال بعضهم إن البحرين قصبة هجر ـ الي ان قال ـ: والبلاد المشهورة بالبحرين القطيف، وادّه، وهجر، وينبوبه، وزاره، وجواثا، وشابور، ودارين، وغايه.
وفي السنة الثامنة من الهجرة أرسل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم العلاء بن عبد اللّه الحضرمي الي أهل تلك الديار بالدخول في الإسلام أو قبول الجزية، وكتب بذلك الي المنذر بن واسخت مرزبان هجر، ولما وصل كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الي هذين الإثنين الّلذين هما رئيسا تلك الولاية دخلا في الاسلام، وكذلك جميع العرب الذين معهما وبعض العجم وأهل القري، والزرّاعة من المجوس واليهود والنصاري صالحوا علي نصف غلتهم من الزراعة والتمر، وبقوا علي مذاهبهم والعلاء المزبور في ذلك العام أرسل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من مال تلك الولاية ثمانين الف دينار، وبعد ذلك عزل الرسول العلاء وولّي إبان بن العاص وسعيد بن أمية، وبقيا الي وقت وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ولّيّ أبو بكر عزله وولّي العلاء ايضاً، ولما كان في زمن عمر عزله وولّي أبو هريرة، ولما ولّيّ ذلك المكان حصل منه خيانة عظيمة في الأموال التي قبضها. روي محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: استعملني عمر بن الخطاب علي البحرين فاجتمعت لي اثني عشر ألف دينار، فلما قدمت إلي عمر قال لي: يا عدو اللّه وعدو المسلمين!
قال: قلت: لست بعدو اللّه والمسلمين.
قال: فمن أين اجتمعت هذه الأموال؟
قلت: خيل لي تناتجت وسهام اجتمعت.
قال: فاخذ مني اثني عشر الفا.
فائدة:
قال السيوطي في تاريخ الخلفاء فصل الشيخان: عن جابر ـ رضي اللّه عنه ـ، قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: لو جاء مال البحرين أعطيتك كذا وكذا، فلما جاء مال البحرين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو بكر: من كان له عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم دَين او عِدة فليأتنا، فجئت واخبرته فقال: خذ، فأخذت فوجدتها خمسمائة فاعطاني ألفاً وخمسمائة.
الي ان قال السيد المشار اليه في الكتاب المذكور؛ وتشيع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والأحساء من قديم الأيام الي هذه الايام ظاهر شائع، ومنشأ ذلك شمول اللّطف الإلهي لأهل تلك الديار، وكان في مبدء الإسلام مدة مديدة عامل تلك الديار إبان بن سعيد من جملة محبي أهل البيت عليهم السلام، وكان ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر مع بني هاشم، وفي زمان ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) جعل حكومة تلك الديار ـ علي ما في كتاب تحفة الإحباء ـ مذكور مدّة بمعبد بن عباس وبعض الأوقات بعمر بن أبي سلمة الذي أمه أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ممتازاً علي غيره في العلم والعبادة والعقل وطيب الطينة وصفاء السريرة، وفي ذلك المكان قرر احقية الأمير(عليه السلام) بالخلافة وبيعة الغدير، ونقي عن قلوبهم الشك والشبهة في ذلك. انتهي.
جوهرة فاخرة:
ذكر صاحب الكشاف: أن صالحاً (عليه السلام) مات بحضرموت، وإنها إنّما سُميت بذلك، لأن صاحلاً حين حضرها مات.
وقال المطرزي في المُغرّب: هي بلدة صغيرة شرقي عدن.
وقال أبو حيان في البحر: عن أبي القاسم الأنصاري أنه قال: رأيت قبر صالح عليه السلام بالشام في بلدة يقال لها عكشي، فكيف يكون بحضرموت!؟
وأمّا ما أشتهر بين أهل البحرين من أن قبره في جزيرة اُكُل فلا مستند له من كلام السلف، ولم نجده بعد التتبّع في موضع يشهد عليه، وظهور الكرامات لم يدل علي إنه هو هو، والعجيب من شيخنا الصالح كيف جزم بذلك ! واللّه العالم بمواقع الأمور.
الباب الرابع
في ذكر ملوك البحرين وما وقع عليها
اول من سكن هذه الجزيرة طائفة من العمالقة المشهورة بالجاشم ـ بالشين المعجمة ـ، ثم ملك من بعدهم قوم من بني طسم من أهل اليمامة، وفي زمان بخت نصر اختارت شعبة من بني أزد سكناها، فلما جلس أردشير علي سرير ملكه استولت عساكره علي هذه الجزيرة، حتي ظهر في العالم سابور ذو الأكتاف وقصد تدمير الأعراب، فجاء الي مدينة هجر وقتل من أهاليها جماعة كثيرة.
قال المسعودي في مروج الذهب: وقد كان سابور في سيره في البلاد أتي علي بلاد البحرين وفيها يومئذ بنو تميم وبنو بكر وبنو عبد القيس، فأمعن في قتلهم وفر بنو تميم وشيخها يومئذ عمرو بن تميم بن مر وله يومئذ ثلاثمائة سنة، وكان يعلّق في عمود البيت في قفّةٍ قد اتخذت له، فأرادوا حمله فأبي عليهم إلاّ أن يتركوه في ديارهم، وقال: أنا هالك اليوم أوغداً وماذا بقي لي من فسحة العمر، ولعل اللّه ينجيكم من صولة هذا الملك المسّلط علي العرب، فخلّوا عنه وتركوه علي ما كان عليه، فصبّحت خيل سابور الديار، فنظروا إلي أهلها وقد أرتحلوا، ونظروا إلي قفّةٍ معلّقةٍ في شجرة، وسمع عمرو صهيل الخيل ووقعها وهمهمة الرجال، فأقبل يصيح بصوت ضعيف، فأخذوه وجاءوا به الي سابور، فلما وُضع بين يديه نظر إلي دلائل الهرم ومرور الأيام عليه ظاهرة، فقال له سابور: من أنت أيها الشيخ الفاني؟
قال: أنا عمرو بن تميم بن مر وقد بلغت من العمر ما تري، وقد هرب الناس منك لإسرافك في القتل، وشدّة عقوبتك إياهم، وآثرت الفناء علي يديك لتُبقي علي من مضي من قومي، ولعلّ اللّه ملك السموات والأرض يجري علي يديك فرجهم، ويصرّفك عمّا أنت بسبيله من قتلهم، وأنا سائلك عن أمر إن أنت أذنت لي فيه.
فقال له سابور قل: نسمع منك.
فقال له عمرو: ما الذي يحملك علي قتل رعيتك ورجال العرب؟
فقال سابور: أقتلهم لما ارتكبوا من أخذ بلادي وأهل مملكتي.
فقال عمرو: فعلوا ذلك ولست عليهم بقيم، فلما بلغت بقوا علي ما كانوا عليه من الفساد هيبةً.
قال سابور: أقتلهم لإنا ملوك الفرس نجد في مخزون علمنا وما سلف من أخبار أوائلنا إنّ العرب ستدال علينا وتكون لهم الغلبة علي ملكنا.
فقال عمرو: هذا أمر تستحقه أو تظنه.
قال: بل أستحقه، لابدّ يكون ذلك.
قال له عمرو: فإن كنت تعلم ذلك فَلِمَ تسيء إلي العرب، واللّه لإن تبقِ علي العرب جميعاً وتحسن إليهم، ليكافئونك عند إدالة الدولة لهم علي قومك بإحسانك، وإن أنت طالت بك المدّة كافؤك عند مصير الملك اليهم، فيبغون عليك وعلي قومك، إن كان الأمر حقاً كما تقول فهو أحزم في الرأي وأنفع في العاقبة ، وإن كان باطلاً فَلِمَ تستعجل الأثم وتسفك دماء رعيتك.
فقال سابور: الأمر صحيح وهو كائن لكم، والرأي ما قالت، ولقد صدقت في القول، ونصحت في الخطاب.
فنادي منادي سابور بأمان الناس، ورُفع السيف، وكُفَّ عن قتلهم.
ويقال إن عمرو بقي في هذا العالم بعد هذا الوقت ثمانين سنة. إنتهي كلام المسعودي.
فلما انتقلت سلطنة الساسانية إلي أنوشيروان، فوّض إمارة تلك الجزيرة وعمان علي يد المنذر بن النعمان، ولم يزل علي حاله حتي طلع من مشرق السياسة شمس الإسلام، فصارت حكومة تلك النواحي إلي أبناء المنذر المزبور، فكانت تلك الساحة من متصرفات المسلمين كما سيأتي.
الباب الخامس
فيما وقع عليها بعد ظهور الإسلام
ولما ظهرت كلمة التوحيد، فأرسل رسول المجد صلى الله عليه وآله وسلم العلاء الحضرمي الي البحرين، وقد مضي من الهجرة ست سنين، فلما وصل إليهم قبلوه وأطاعوه، وقبلوا أوامره ونواهيه طوعاً ورضاً، فلمّا قُبض رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وانتقلت خلافة الإسلام إلي أبي بكر بن أبي قحافة، عزل علاء الحضرمي من البحرين وولّي غيره، فلما ولّي غيره، تغيرت طبائعهم، وأرتدّوا عن الإسلام، فكتب الوالي إلي الخليفة وقائع ما صدر عن الناس في تلك الجزيرة، فطلب أبو بكر علاء الحضرمي أيضاً وضم معه جيوش الإسلام، فحاصروا البحرين مدة حتي وقعت الحرب والشدائد، وفُتحت البحرين، وقُتل من أهلها ومن المسلمين جماعة كثيرة، فلمّا استولت جيوش الأسلام علي تلك الناحية، كتب علاء الحضرمي إلي الخليفه بفتح البحرين، وأرسل إليه غنائم كثيرة، وتمكّن في البحرين إلي أن انتهي أمر الخلافة إلي عمر بن الخطاب، فجاء إلي المدينة عند الخليفة، وتكلّم معه في فتح بعض الجزائر من بحر فارس، فأذن له.
ثم جاء إلي البحرين مع خلق كثير، وحاصر السيراف وعمان ومسقط وغيرها من الجزائر حتي فتحها، وأمر ببناء المساجد المبنية والجوامع المعمورة للصلوات.
وفي السنة الثانية والسبعين من الهجرة: جاء أبو فديك الخارجي وحاصر البحرين، وغلب علي أهلها حتي انتزع البحرين من أيدي بني اُميه، فلمّا سمع عبد الملك بن مروان ذلك، أرسل إلي البحرين جيوشاً عظيمة، وقتل أبو فديك الخارجي مع جماعة من أصحابه وأنصاره، فما أفلت منهم إلاّ نفر يسير، ثم أمر عبد الملك أهل البحرين باستحكام البنيان، وتشييد القلاع والحصون، وترتيب الرجال، وغير ذلك مما يطول شرحه.
وفي السنة الخامسة بعد المائة حمل علي البحرين مسعود بن أبي زبيب العبدي، والوالي يومئذ عليها أشعث بن عبد اللّه بن جارود، فلما رأي بطشه وكثرة عدد عدوّه هرب منها، فجاس مسعود فيها وملكها، حتي مضي من حكومته عشرون سنة، ثم قتله سفيان بن عمرو العقيلي، وتصرف بالجزيرة.
وفي سنة خمسين بعد المائة أرسل المنصور العباسي إلي البحرين عقبة بن سليم، فقتل واليها وجماعة كثيرة، وسبوا نساءهم، وأرسل جماعة منهم إلي بغداد عند الخليفة.
وفي سنة 299 هـ غارت الزنج علي واسط وهجّرت أهلها حفاة عراة، وأخربت ديارها وأحرقتها، ثم دخلت الزنج البصرة وأحرقوا الجامع، وقُتل منها إثني عشر ألفا وهرب باقي أهلها بأسوأ حال، ثم دخلوا البحرين وقُتل من أهاليها جماعة كثيرة، وكان صاحب الزنج خارجياً يسب عثمان وعلياً وعائشة ومعاوية، وقيل كان زنديقاً.
وفي سنة 311 هـ دخل أبو طاهر القرمطي علي أبي سعيد القرمطي البصرة ليلاً في ألف وسبعمائة فارس، فوضعوا فيهم السيف وأحرقوا الجامع وسبوا الحريم، ثم دخلوا البحرين واتخذوا من هجر دار أقامتهم ودار هجرتهم.
وفي سنة 313 هـ لم يحجّ أحد من المسلمين من معارضة القرامطة.
وفي سنة 317 هـ حجّ بالناس منصور الديلمي، فدخل الناس مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية أبو طاهر القرمطي، فقتل الحاج قتلاً ذريعاً في المسجد وفي فجاج مكة، وقتل أمير مكة إبن محارب، واقتلعوا باب الكعبة والحجر الأسود وأتي به إلي هجر، ولم يرد إلاّ بعد نيف وعشرين سنة، ومكانه في البحرين مشهور معروف.
وفي سنة 930 الثلاثين وتسعمائة ظهر جماعة في بلاد عمان الموسومون بالبرتغالية فجاؤا إلي البحرين وأستقروا فيها مدّة مائة سنة، وبنوا قلعة محكمة في منعمة، وبقيت الي الآن آثارها، وإن قيل إن هذه الأبنية من أبنية الأكاسرة والسلاطين الساسانية.
وفي سنة التاسع والثلاثين بعد الألف: غزا الشاه عباس الصفوي تلك الجزيرة، واستولت عساكره عليها، حتي قتلوا من جماعة البرتغالية خلقاً كثيراً، وولّي عليها إمام قلي خان والي فارس، وكان ملكه إلي سنة الثالث والأربعين بعد الألف، بعدها فوضوا أمر حكومة البحرين إلي رجل يسمي بسوندك السلطان.
وفي سنة السابع والسبعين بعد الألف ملكها بابا خان، ثم ولاّها إبن قزلخان.
وفي سنة الثالث عشر بعد المائة والألف قد تلبسها مهدي قلي خان بأمر الشاه حسين الصفوي، وعزل ونصّب بعده قزاق السلطان، لأمر يطول شرحه قال شاعرهم:
مهدي قلي حرفوه عن بحريننا عام الفتور وحكّموا قزاق
ملأ الفجاج ببغيه وفجوره فلذا أتي تاريخه قد زاغا
وهو سنة 1113، وسيأتي في حالات العلماء بعض الوقائع.
وفي سنة الخمسين والمائة بعد الألف أتي سيف بن الإمام سلطان مسقط مع جماعة من البياضية والخوارج، وتملكوا البحرين وقتلوا من الشيعة ما لا يحصي.
وفي سنة الثاني والخمسين بعد المائة وألف استولت عساكر نادرشاه علي البنادر، فافتتحوا المدن والجزائر حتي غلبوا علي مسقط وعلي البحرين، وقتلوا السيف البياضي و من معه من الخوارج، ثم فوض أمر الحكومة إلي الشيخ غيث والشيخ نصر من آل مذكور.
وفي سنة السابع والمائتين بعد الألف ظهر في قطر جماعة من آل عتوب، فمنعوا الناس التعزية والمراثي علي الحسين عليه السلام، واعتقدوا أنه من البدعة، فافشوا ذلك الإعتقاد، وأظهروا الفساد بين العباد، وأمروا أهل البحرين بسلوكهم، فلمّا سمع الشيخ نصر تلك المقالة وشنيع فعالهم، أمر عساكره بمقاتلتهم، فالتقيا فصارت بينهما ملحمة عظيمة ، فانكسرت جيوش الشيخ نصر، ففر إلي بوشهر واستغاث إلي حاكم شيراز فلم يجبه احد، فاستولت عساكر أحمد بن خليفة علي البحرين، وهجر بعض علمائها إلي بنادر فارس، منهم جدي العّلامة الشيخ خلف ـ قدّس سرّه ـ وسيأتي تفصيل ذلك.
وفي سنة 1224 هـ هجم سعود بن عبد العزيز إمام نجد علي قطر والبحرين
وفي سنة 1226 هـ أخذ عبد الرحمن بن خليفة البيعة من أهالي قطر والبحرين.
وفي سنة 1215 هـ حارب سيد سعيد إمام مسقط والبحرين، وافتتن منهم خلقا كثيراً، وفي تلك السنة جاء الشيخ نصر من بوشهر إلي البحرين لبعض المناسبات فاغتنم الفرصة وتصرف الجزيرة عن سيد سعيد.
الباب السادس
في ذكر مشائخ آل مذكور جعلهم اللّه في دار السرور
إن المشائخ المشهورين بآل مذكور كانوا طائفة من أكابر نجد وأعاظمهم، رحلوا إلي البحرين سنة عشرين بعد الألف، وفي تلك السنة كتب الشاه عباس الصفوي إلي بعض العلماء بارسال رجل عارف اليه ليسأله عن حالات الجزائر والثغور، فأرسل اليه الشيخ عبيد بن مذكور، حتي وصل إصفهان فاجتمع بالسلطان وتكلما في فتح بعض الجزائر والأمكنة المتعلقة ببحر فارس، كمسقط والبحرين والقطيف والإحساء وغير ذلك، ويومئذٍ كانت الجزائر تحت يد جماعة البرتغالية، فسأل الشاه من الشيخ التدبير في ذلك، وأمره أن يبين له حالات الجزائر والخلجان وما يتعلق بها.
ومما قاله الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد: فبحر الهند يسمي بالبحر الحبشي، فهو من أعظم البحار، ويتشعب من هذا البحر خليجان عظيمان، أحدهما بحر فارس وفيه جزائر وشبه جزائر منها يظهر، وفيه قلعة من أعجب قلاع الدنيا يقال لها سلخ وهي من بناء الهراسيب الكناني ثم جدده سابور الأردشير، وكان أهاليه من اليونان، فتحه عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهذه القطعة من شمالها الي جنوبها ثلاثة فراسخ، وعلي طرفه الشمالي بساتين بديعة وقلاع غريبة أكثرها مخروبة، فهو قليل الماء كثير البساتين، والأشجار أكثرها القطن والعنب والتين.
وفي سنة خمسين ومائتين كثر المسلمون فيها، وكان فيها شجرة من العنب ثمرتها ثلاثمائة مناً تبريزي، وهو من عجائب الدنيا، وكان عدد المقتولين من جنود الإسلام خمساً وعشرين ألفا، وفي تلك السنة وقعت الحرب بينهم وأهل البحرين، وهجر أغلب أهالي البحرين الي ريظهر.
وعلي الجملة وفي هذه الشعبة من البحر وقعت جزائر وشبه جزائر مثل البحرين، وخارك، وخاركو، وهرمز، وقشم، وقيس، وام السلام، وجزيرة العتم، وجزيرة الفلم، وبو شعيب، وابو موسي، وشطرار، وتوقيع، وفرور، وهندراتي، وهنجام، وأبيض، وأم الكرم، وأم النخيلة، وأم الحطب، وأبو علي، وأبو سعفة، ودمام، ودلمة، وحالول، وعوبي، وفارس، وقرثين، وفران، وجزيرة الحسان، وغير ذلك من الجزائر الصغار.
واعلم يا سيدي إن بحر الصين والهند وفارس واليمن متصلة مياهها غير منفصلة، إلاّ أن هيجانها وركودها مختلف لإختلاف مهابّ رياحها وآثار ثورانها، فبحر فارس تكثر أمواجه ويصعب ركوبه عند لين بحر الهند واستقامة ركوبه وقلّة أمواجه، ويلين بحر فارس وتقل أمواجه عند إرتجاج بحر الهند وإضطراب أمواجه وظلمته وصعوبة ركوبه، فأول ما تبتديء صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة، وقرب الإستوائي الخريفي، ولا يزال في كلّ يوم تكثر أمواجه الي أن تصير الشمس الي برج الحوت، فأشدّ ما يكون ذلك في آخر الخريف عند كون الشمس في القوس، ثم تلين الي أن تعود الشمس الي السنبلة ـ الي أن قال ـ: والغوص علي اللؤلؤ في بحر فارس ـ أعني في البحرين وخارك ـ إنما يكون في أول نيسان الي آخر أيلول، وما عدا ذلك من شهور السنة فلا غوص فيه، وما عداه من البحار لا لؤلؤ فيه، وهو خاص بالبحر الحبشي من بلاد خارك وقطر وعمان والبحرين.
فلما سمع الشاه هذا الكلام من الشيخ أكرمه وعظّمه وخلع عليه خلعة سنية، فلقّبه بالخان، وولاّه علي البحرين وأمره بتصرف الجزاير، فجاء الشيخ عبد خان الي البحرين وكتب كتاباً الي سلطان مسقط وهدّده بجنود العجم وعساكر الصفوية، ثم أمر بعض أقوامه بالمسير الي مسقط، ومعه كتاب من عنده ما صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللّه وابن عبده الي من اوتي الرئاسة من عنده، إمامنا الأعظم وسلطاننا الأفخم، وبعد
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته، فالعروض الي خدمتكم إنه قد وجهت اليكم رجلاً من أعمامي عارفاً حليماً شكوراً كريماً، وله يد في السياسة وإنما أمرّته علي جماعة الأعاجم والساكنين هناك من اولي الأعاظم لأمر قد وصل إلينا من سلطان المسلمين الخاقان الأعظم الشاه عباس الصفوي ، فإذا نزل بساحتكم فاكرموه وأمر أصحابك بتعظيمه وتكريمه، فإن في ذلك لك صلاحاً وللعامة فلاحاً والسلام.
فسار الشيخ خميس مع كتاب الشيخ عبيد خان الي مسقط، فلمّا عرف سلطان مسقط ذلك الخطاب، كَتب الي الشيخ:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، ما كتبت الينا قد فهمناه وعلمناه، ولكن القوم ما رضوا عنه لبغض الناس لسلاطين العجم، وإن لجماعة المسلمين حق معلوم، فإذا ما رضوا ما رضينا والسلام.
ثم إن الشيخ عبد الخان كتب الوقائع الي الشاه عباس، ومما قال فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا ما أمرتم عبدكم في كتابة الوقائع، فما قصرت فبلغت أوامركم الي الأمير والحقير، ونصحتهم حق النصيحة، فسلطان مسقط قد سقط عن مسقط رأسه، وزلزل بنيانه وأساسه، لإعتماده علي مردة الشياطين، وركونه علي سلطان البرتغالية الملاعين، وأنتم تعلمون من ضيق المسالك علي المسلمين، واما أمر البحرين، فقد علمتم منافعها، وإطاعة أهلها فهم لكم مطيعون ولأمركم متبعون، إلا أنهم مقهورون بأيدي الكفرة، وقد بلغني من ظلمهم علي المسلمين ما إن بلغتكم لبكيتم بدل الدموع دماً، وأنتم ظل اللّه علي خلقه، فما كفاهم مسقط والبحرين والسيراف حتي غلبوا علي جزيرة خارك، طمعاً لإخراج لئالئه وجواهره، أدركوا الإسلام وأهله والسلام.
وما كتبه الشاه عباس الصفوي اليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، شيخنا المكرم الوقور، الشيخ عبيد خان آل مذكور، فقد وصلنا كتابك وعلمنا ما في خطابك، فجزاك اللّه عن الإسلام خير الجزاء، فاعلم إنا قد وجهنا اليكم جنوداً لو وجهتهم الي الجبال الشامخة لأزالوها، فبشر الذين إتبعك، وقل لهم إن فرج اللّه قريب، ثم انتقل من مكانك واستوطن الريظهر، حتي يجيء أمرنا اليك، فجد جهدك والسلام.
فجاء الشيخ عبيدخان المزبور إلي بوشهر، وعين السفن والمركب، وهيأ لهم المنازل والمراتب، فجاءت عساكره المنصورة، وهم عشرة آلاف من أهل الزنكنة والدشت والهولة، وكان الآمر لهم إمام قلي خان والي فارس، فركبوا السفن وحملوا أولاً علي الخارك فقتلوا من جماعة البرتغالية خلقاً كثيراً وتصرفوا بالجزيرة.
ثم أتوا علي البحرين فحاصروها وقتلوا نفوساً، فما بقي من مردة الشياطين إلاّ النساء والصبيان، ثم حملوا علي القطيف والإحساء وباقي الجزائر فأخذوها أخذ عزيزٍ مقتدر، فولّي إمام قلي خان الشيخ عبد خان علي القطيف والإحساء، فعظّمه وشرّفه غاية التشريف، فأخبر الشاه عباس بفتح البحرين والجزائر فأمرهم بمحاصرة مسقط، فما قدروا عليها لما فيه من الجبال الشامخة والقلاع المحكمة، ولما لمشايخ آل مذكور في تلك الجزائر من مقاتلين وتحكيمات.
إلي أن قام بالسلطنة نادر شاه في السنة الثانية والأربعين بعد المائة والألف، فارتحل جماعة من مشائخ آل مذكور من البحرين، منهم سيف العرب الشيخ غيث والشيخ نصر وكانا حاكمان علي البحرين والقطيف، وبسبب القتال الذي وقع بينهم وبين الأباضية والخوارج، كُسروا واستوطنوا بوشهر والجزيرة، حتي سمعوا بخبر نادرشاه وعزمه علي فارس، فكتبوا إليه وقائع ما صدر منهم مع إمام مسقط وجماعة البياضية، وغلبتهم علي الجزائر والبحرين وسائر الأمكنة المتعلقة ببحر فارس.
ومما كتبه نادرشاه إلي الشيخ غيث والشيخ نصر من آل مذكور و>اغوث الملّة وناصر الدولة، قد فهمنا ملحمتكم مع إمام مسقط وجماعة البياضية، وغلبتهم علي جزائر فارس، فسلطانكم ليس بغافل عمّا وقع عليكم، وفي عامنا هذا ننتقم منهم كانتقام ذو الأكتاف من الأعراب والأشراف، وإن لنا جيشاً قد نزلوا في السيراف وبندر الصبية، وإنهم جاركم فلا تعجلوا بالمسير حتي يأتيكم أمرنا والسلام.
ومما كتبه السلطان نادرشاه، وهو من انشاء ميرزا مهدي خان صاحب الدرة ـ رحمة اللّه عليه ـ:
السلام علي من نصرنا يداً ولساناً ورحمة اللّه وبركاته، وبعد فاعلم انه قد توجه اليكم لقتال عدوكم قوم معروفون بالنجدة والشدة، وأما ما ذكرتم من أمر سلطان مسقط وعدم تسليمه الجزائر، فليس بينه وبيننا إلاّ المحاكمة بالسيف، فإذا أتاكم كتابي فامر بالناس علي قتال عدوهم، <إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون> .
ومما كتبه الشيخ نصر خان الي مهدي خان صاحب الدرّة:
وأما ما كتبتم لعدوكم في أمر القتال وتعيين الرجال لإضمحلال مردة الشياطين فعلته وأطعته، فنحن بحمد اللّه غير مقصرين لأداء حقوق سلطاننا، وإن عساكر الدشت والهوله حاضرون منتظرون لأمركم، وإن عساكر الدشت والهوله علي ما بلغني مقيمون في السيراف والسلام.
عبدكم نصر
ثم استولت عساكر نادرشاه علي ساحل كرمان ـ يعني العباسي ـ وتصرفوا القلاع البرتغالية، فسار بعضهم الي بندر السند، وبعضهم حملوا علي البحرين وسائر الجزائر حتي قتلوا من البياضية خلقاً كثيراً وتصرفوا البحرين، وولّي نادرشاه عليها الشيخ نصر خان وأخذ الشيخ غيث وأنضم معه عساكر الدشت والزنكنه فأمرهم بمحاصرة مسقط، فحاصروها خمسة عشر يوماً حتي عجزوا، فلما عرف النادر عجزهم لما في مسقط من الجبال الشامخة والقلاع المحكمة التي بُنيت عليها، سار بنفسه مع أربعة آلاف فحاصروها حتي غلبوا عليها وفتحوها وقتلوا أخا السيف البياضي وبقية الخوارج، ثم ولّي الشيخ غيث خان.
هذا ما وجدت من فوائد بعض مشائخنا.
الباب السابع
في نبذة من مكاتبات السلاطين مع مشايخ آل مذكور
ومما كتبه ميرزا مهدي خان الوزير إلي الشيخ نصر خان رحمة اللّه عليه:
وقد بلغي إنك اجتمعت مع رجل مسيحي وكلمته في الجزائر والخليج، وتزعم إنه سياحاً، فغرك بمنقولات خطابه، ومقولات أيابه وذهابه، حتي مددت له بساطاً منيعاً، وشددت وسطك له سريعاً، أما قرأت قوله تعالي: <لن ترضي عنك اليهود ولا النصاري حتي تتبع ملتهم> ، فإن اتبعت أهوائه بعدما فهمت حكم اللّه فأنت إذاً من الهالكين، ولا تخفضن جناحك إلاّ للمؤمنين، والسلام علي علي من اتعظ بمواعظ اللّه ورحمة اللّه وبركاته.
مهدي
ومما كتبه الشيخ نصر خان إلي الوزير المهدي خان جواب كتابته:
وأمّا ما ذكرتم في مكالمتي مع المسيحي ومودّتي له، فما بلغكم فغير بالغ، وأنتم تعلمون إن مواظبتي في الثغور ودقتي في الأمور مشهور غير منكور، وأما بسط الفراش وإطعام الناس فمن شيم الأنبياء والسلاطين، فأميرنا لم يحسن تركها، والسلام.
عبدكم نصر
ومما كتبه الوزير المهدي خان ـ رحمة اللّه عليه ـ اليه أيضاً:
فقد وصل كتابك إلينا كالخطيب المصقع، له عبارات وإشارات وتصريحات وتلويحات، إلاّ إنه لاينفعنا ولاينفعك، إذ ليس لنا كلام في الإطعام من حيث الحلال والحرام فله موضع آخر في فقه الأحكام، وإنما كلامنا في علم السياسة وموضوعات الرئاسة، فما أشبه كلامنا وكلامك مع من قال: أريه السهي ويريني القمر، وقد حكي لي من أثق بحكايته إن الرجل المسيحي قد استجازك في إكتشاف جبيلات البحر، وحصر أراضيها وتلالها، وإنما أغضيت طرفي عن ذلك وحملتك علي أحسن المسالك، لعلمنا بحسن سيرتك وصفاء سريرتك، فأعملوا بما ترونه لكم من الصلاح، وتعتقدونه من جادّة الفلاح، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
مهدي
ومما كتبه الوزير المهدي خان إلي الشيخ غيث خان في مسقط ما مضمونها:
وأما ما كتبت في الخراج ونقصه عمّا كان لا يقبله السلطان، مع علمكم بكثرة الإحتياج إليه، وقد سمعت إنّ الدنانير المسكوكة عندكم ليس عليها أثر الإسلام، فإن كان كما سمعت فأمنع الناس عن بسطه وقبضه حتي تُرسل اليكم سكة سلطانكم، وورق خاقانكم، لإن للأشياء مناسبات، ولا ينسب للثغور غيرها والسلام.
مهدي
ومما كتبه الشيخ غيث خان إلي الوزير مهدي خان:
فكاتب الوقائع كتب إليّ وقائعاً عجيبة، منها إن بعض الخوارج قد عزموا الخروج علي عبدكم،ومنها إن شيخاً من شيوخ عمان قد أمر الناس علي المقابلة معي والمخالفة مع سلطان العجم، ومنها أن المراكب والسفن التي تركناها في بندر الصبّة والسيراف قد أحرقوها ولم يعرف فاعلها، ومنها أن جماعة البياضية قد اتصلوا بالزنجبار وشكوا عند سلطانه لأنه بياضي فأوعدهم في هذا العام التدارك والتلافي لما فاتهم، وعلي الجملة الناس في إضطراب وإلتباس ومالي إليكم إلاّ الإلتماس، والسلام.
عبدكم غيث العرب
فأجابه المهدي خان ـ رض ـ:
أما ما ذكرت من أمر الخوراج فما لهم من خروج، والشيخ العماني لا يقدر علي ذلك إذا كنت بصيراً في أمرك هنالك، فمحاصرة مسقط لأمثال هؤلاء ممتنعة الحصول، بالخصوص مع حصنك المنيع وبنيانك المرصوص، وإحراق الجواري علي ما بلغني منسوب إلي جارك، فلا تخبر الناس علي ما أتيت، ولتكن من المتجاهلين، واتصال جماعة البياضة بسلطان الزنجبار ضدان لا يجتمعان، فليس لهم علي ما فاتهم إلاّ الحزن واليأس، وقد أمرنا خوانين الدشت والهولة علي معاونتكم إن طرقكم طارق، فأمر الناس بالصبر وتوكل علي اللّه، وكن كالجبل لا تحركك العواصف، والسلام.
مهدي
ومما كتبه الوزير المهدي خان للشيخ غيث خان في البحرين:
غيث الجود، وغوث المنجود، قد وصل كتابكم المرقوم، ودرّ خطابكم المنظوم، يخبر عن صحة مزاجكم، وصفاء مائكم وزجاجكم، فحمدنا اللّه علي ذلك وشكرناه مما هنالك، وإن سألتم عنّا فنحن في إصلاح ما أفسدته، وإنجاح ما المته، وأعلم إن الناس قد أكثروا الشكاية عمّن أمّرتهم علي البلاد، وأعطيتهم زمام العباد، فأتاني جماعة من الحجاج يشكون من شيخ الإحساء وما صدر عليهم منه في الصبح والمساء، أقسم باللّه الذي علت كلمته لأن أمكني اللّه عليه لأقيمن عليه حداً يضرب به الأمثال ويحكي عنه الرجال،فإذا أتاك كتابي فأسقطه عن مسقط رأسه،وحاول بينه وبين أساسه، حتي يفيء إلي أمر اللّه ورسوله، ويرجع إلي مأمولنا ومؤموله والسلام.
مهدي
ومما كتبه السلطان شاه عباس الصفوي للشيخ عبد خان من آل مذكور سنة 1011:
وما كتبت إلينا من حفظك للثغور، فلا زلت في ذلك محموداً مشكوراً، إلاّ أن بعض رؤساء الدين قد أسند إليك فعلاً مجهولاً، وعملاً باطلاً، ولو حفظت لنا ألفاً من الأمصار، ويصدر منك حركة تضاهي حركة الأشرار، ما أنت عندنا بمكان ومقدار، ومن سعادة السلطان أن تكون ولاته متأدبين بآدابه، وجادين علي نهج صوابه، ولقد علمت أهمية الثغور لدينا، ومسؤليتها علينا، خصوصاًً البحرين؛ فإن عورتها مكشوفة وخطتها مخوفة ، والعدو قريب منها، وكثيراً ما يأتيها فجأة وأعلم أنه قد ألزمنا عليك أولاً أن تتخذ لحراستها من الأمناء الثقات، ومن انتخبتهم من الشجعان الكماة، وأن تؤكد عليهم في إستعمال أسباب الحفظ والإستظهار، إذ في ذلك حسم لمادّة طمع الكفار، وإنما أمّرتك علي جزائر العرب وأمصارهم، وفوضتك أمر جندها وزعمائها واسرارهم، لتكون ذلك رغبة لك في فتح سائر الديار، ومعونة علي إجتناء تلك الأثمار، والسلام علي المجاهدين في مرضات اللّه ورحمة اللّه وبركاته.
ومما كتبه ميرزا مهدي خان الوزير الي الشيخ غيث خان:
فقد بلغني إنك عجزت عن مقاتلة شيخ القطيف، ووليته إمارة الوضيع والشريف، حتي قَتَل رجلاً من أعمامك، وانهد ركناً من قوامك، ولقد كنت اظنك عند الهزاهز وقوراً، وفي المعارك صبوراً، فما ذكرته حق لكن لافي حقك، وصدق لكن لا من خلقك، فإذا وصل كتابي إليك فاحمل عليه حملة الأسد، ولا تنتظر المرافقة من أحد، فإن كففت عن الثغور ألسنة الطاغين، فنعم الوفاق وإلاّ لا ترجو منّا إلاّ الطلاق، وما كتبت إلينا من قلّة الخراج فلا تخش عن سلطانك، ولك الأمر فاقض ما أنت قاض، ولاتقف عن هذا الأمر، وأكتب لنا حالات زيد وعمرو، فما كنت إلاّ كالبدر التمام يزيد هزالاً حتي يعود هلالاً ، والنخل ذات الأكمام تصير حطباً بعدما تعطي رطباً، وجاهدوا في اللّه حق جهاده فإن في ذلك عزةً وتشريفاً وتكريماً ، ولاتقعد عن الجهاد فإنه إهانة وذلاً والسلام.
مهدي
ومما كتبه الشيخ غيث خان الي الوزير المهدي خان:
إن أهل البلدة المعروفة، وأرباب قريتنا الموصوفة، عاملونا بالغدر والإنكار، ومنعونا الراحة والقرار، ونهبوا أموالنا بالعتوّ والإستكبار، ومن المعلوم الواضح عند سلطاننا الأعظم وخاقاننا المكرم، إن إمام مسقط منع الناس الجمعة والجماعات، وأمرهم بإطاعة عبد من عبيده إذلالاً للشيعة، وإخماداً للشريعة، ومن المعلوم الواضح عند جنابكم الشريف أزادكم اللّه العزة والتشريف إني قليل البضاعة والنفقة ، ولاأقدر علي المقاتلة مع هؤلاء الفسقة، وشيخ القطيف قد خرج عن طاعتنا، ونقض عهود الخلافة ، فالأمر اليكم ولاحول ولاقوة إلاّ باللّه العليّ العظيم، وإن عبدكم لايقدر علي الحركة ولا السكون، فحير في أمره مع هذا الملعون والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
عبدكم غيث
ومما كتبه الوزير المهدي خان الي الشيخ غيث خان:
فاعلم أيها الشيخ إن النوم للراعي مستلزم لفقدان اغنامه، فتيقض عن رقدتك، وإغتنم في مدتك، لئلا يهلك الذئب أغنامك، ولعمري أغنامك أغني منك، فوالذي خلقك فسواك، لو كنت كما كان فاخترت سواك، وقد كثرت الشكاية عن فقرك، وأظهرت النكاية من دهرك، مع إن سفن التجارة قد تجري في بحرك، والمراكب السيارة قد تسري في برك، فأمرك غريب، وشأنك عجيب وما هذه البلية التي ابتليت بها إلاّ من نفسك، وكأني بك وقد هجموا علي أرضك، بل علي عرضك، وطمعوا في نقدك بل في فقدك، وقطّعوا إقطاعك بل أظلاعك، حتي ضاعت جلّ ضياعك، وهدموا حصونك وقلاعك، وعفت آثار دارك، وانمحت أطلال ديارك، فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتّالاً، فكسّر حلية السيف، وقم ضع لك خلخالاً والسلام.
مهدي
ومما كتبه الميرزا مهدي خان وزير نادر شاه الي الشيخ غيث آل مذكور:
نور حدقة الإمارة والرئاسة والإقبال، ونور حديقة البسالة والسياسة والإجلال، شيخنا الوقور الشيخ غيث خان آل مذكور، أما بعد فقد ساعدنا التوفيق بزيارة كتابكم، والإستماع لخطابكم، أما ما ذكرتم من أمر الرجل من أنه قد ضاقت به النصيحة، وطابت له الفضيحة، ورضي بالقصة الشنيعة دون المليحة، فدعه فإنه رأي التعب مريحة، فخخف ما عندك من الهمة العالية في نصيحة نفسه الفانية، ودعه وغرامه، وقللّ نصيحته وملامه، وإعزب من ذلك إنك لاتعلم من يهواه، وليس عندك خير من هواه، والحكم علي الغائب شاهد عليك بالمعائب، وقد بلغني أن من قلّت بضاعته، وغرته جماعته، فقد خالف الأمر، ونقض العهد، واستولي عليه الشيطان فخان السلطان.
وقد أمرناكم بإخراجه من الجزائر، أو إرساله الينا بالزواجر، فما أقعدك عن التابعة لأمر الوزير إلاّ الجبن والخيانة وسوء التدبير، فإن شئت تبعت طريق السلامة، وإن شئت سلكت سبيل الملامة ، فالذي يحلو لك من الطريقين فاتبعه بغير بين والسلام.
مهدي
ومما كتبه بعض مشائخنا إلي الشاه عباس الصفوي في سنة 1014 حين غلبت البرتغالية علي البحرين:
ومما قال فيه: كيف رضيت همته العلية، وشيمته القدسية بالجلوس في دار أصفهان، والإغضاء عن جمع ما تشتت من أهل إيران، أم كيف قعدت به حميته ورسبت به غيرته، عن إقامة أعمدة هذه الطريقة الحنيفة، وتشييد أعلامها الواضحة الجلية، التي هي عين منهاج العترة المحمدية، بعد أن صُرفت في إظهار نورها الاعمار، وارتكبت في تشييد دعائمها الأهاويل والأخطار، فحسبك من تشتت شملها، وتفرق كلمة أهلها، واضمحلال آثارها، واندراس أعلامها، ما لو تأمله الشاب لشاب، او حمل بعضهم هذا الأمر جبل رضوي لساخ وذاب، كيف لا وقد كانت الآفاق بسنا نوركم مشرقة، وافئدة المخالفين بثواقب شهب تحقيقات أهلها محترقة، علي الخصوص آبائك الكرام وأجدادك العظام، حتي صارت الطريقة لا تُنسب إلاّ اليهم، ولا تُعرف إلاّ بهم، حتي كأنها صارت مقرونة بهم، فبوجودهم ظهرت، وبموتهم فُقدت، ولم يبقَ من أطلالها إلاّ عروش خاوية، وآثار متداعية، ومع ذلك اكتفينا من عمارها بالخراب، ومن مائها بالسراب، فأبي الدهر الخوّان إلاّ قلع آثارها من أصولها، واضمحلال أسمها فرضاً عن رسمها، لأنه بعد أن هدأت في البحرين شقشقتها، واطفئ من سائر الآفاق نورها، لم يسمو لها ذكر ولم يظهر لها حيث إلاّ في هذين البلدين القطيف والبحرين، فأما البحرين فقد صاح فيها صائح القوم، ونعق ناعقهم، فاستجلبت عقول الهمج الرعاع، واستمالت قلوب المسلمين في الجملة، بعد أن أظهر الحاسد غيه، والمخادع بغيه، فتهافتت عليها الناس كتهافت الفراش علي النار، فدني وأحرق نفسه، ولو اهتدي رشداً لأبعد.
واما كاتب الوقائع فقد تذكر عهود أوطانه، ورجع الي مكانه، فليس منكم فيها مرشد ولا مساعد، وأما الخوّانين فخانوا العهد وخلّوا العقد، وجلسوا في زاوية الخمول، أما خوفاً من سلطان البرتغالية، أو طمعاً في دنياهم الدنية، ولعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.
وهذا كتاب كتبه الي علماء البحرين، وحرضهم علي حفظ الثغور والتدبر:
أما إني أخبرتكم بأنّ لكم خصم قوي، وعدو غوي يكمن لإبادتكم، ويحول بيننا وبين إرادتكم، ويريد أن يطلع من مكمنه، ويشدّ عليكم من مأمنه، فيدرككم ويهلككم جميعاً، ولا مناص من كيده، ولا خلاص من قيده، وينبغي لعلماء الإسلام وحماة الدين وحفظة ثغور المسلمين أن يقطعوا دابر الطغيان، ويستأصلوا شأفة البغي والعدوان، فأين أمر معروفكم، وما هذه المنكرات بأعينكم، ولعمري قد تضعضعت البلاد، وتزلزلت الأغوار والأنجاد، واختلّت مصالح العباد، وقامت قيامة الأمجاد
وما الدين إلاّ بالجهاد قوامه ولاقام إلاّ بعد سلّ القواضب
ولا المجد إلاّ بالشجاعة والندا وجري العوالي فوق مجري السلاهب
والسلام عليكم وعلي العاكفين ببابكم ورحمة اللّه وبركاته.
مهدي
الشيخ عبد الرسول خان من آل مذكور :
وهو إبن الشيخ نصر المتقدم ذكره، وهذا الشيخ بعد مجيء والده الي بوشهر استوطن بوشهر، فلما مات أبوه تصدي للحكومة في بوشهر وسائر الجزائر من بحر فارس، فدانت له المشائخ العرب، وحُملت اليه الهدايا والضرائب، وكان شاباً مدبراً، وله يد في السياسة وأمر الرعية، وله حروب في الدشت وبعض الجزائر، وهذا الشيخ أول من أخذ في تعمير بلدتنا بوشهر، وكان يأمر بأمر سلطان البرين وخاقان البحرين محمد شاه قاجار وفتح علي شاه قاجار، وللشيخ مع هذين السلطانين مكاتبات، وله عندهما منزلة رفيعة وجاه عظيم.
وفي سنة عشرين ومائتين بعد الألف كتب اليه بعض العلماء ما صار في البحرين علي الشيعة، وتبضع الشريعة، فكتب الوقائع حسب ما صار الي حاكم فارس، فلم يجبه أحد لإختلال الملك وفساد داخله، ثم استوطن في بوشهر في السنة المذكورة علاّمة الدهر الشيخ حسن آل عصفور قدس اللّه روحه، فأرسل الشيخ عبدالرسول خان كتاباً الي السلطان الأعظم فتح علي شاه وذكر فيه ان الشيخ حسن من آل عصفور وهو من عماد بلادنا البحرين ومن بني أعمامنا قطن بوشهر، وهجر من البحرين مع بني أعمامه لكثرة ما وقع عليهم من الشتم والسبي، فكتب اليه السلطان فتح علي شاه بالفارسية كتاباً، فأكسيته لباس العربية ليكون طرازاً واحداً.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
معتمد السلطان الشيخ عبد الرسول خان ماذكرت في مجيء شيخنا الوقور الشيخ حسن من آل عصفور الي بلدكم فمن حضكم وإقبالكم، إذ هو رئيس ملتنا وشريك دولتنا، فقررّت له في كّل سنة خمسمائة توماناً، وهذه وظيفتي الي جنابه، وأما وظيفتك فأكرمه وعظّم مكانه، فكما جعلتك حاكماً علي الناس فجعلته حاكماً عليكم لولم يكن بلدكم ثغوراً، لما رضيت توقفه هناك مع احتياج الناس اليه في دار الخلافة.
وأما أمر البحرين فأمرنا حاكم فارس بإنتزاعها من يد الخوارج والسلام.
وسيأتي حالات هذا الشيخ في حالات العلماء.
ولمشائخ آل مذكور خدمات عظيمة في عصر هذا السلطان، مثل مقاتلة الشيخ حسين خان مع الافرنج في جزيرة خارك وسائر الجزائر فشكر اللّه مساعيهم الجميلة.
ذا حدس صائب، له يد طولي في السياسة وأمور الملكية، واستوطن في الدير والكنگون وبندر الفاو من بنادر الدشت، وله مقاتلة عظيمة بعد وفاة نادرشاه في البنادر مع جماعة الإفرنج المشهورين بالفرنسيين، حتي صفّا عنهم الجزائروالخليج وقصته مشهورة.
فصل
في أسماك البحرين وحوتها
ولحومها الّذ من سائر لحوم الأسماك، بل لحوم الأسماك التي تكوّنت في هذا البحر ـ أعني البحر الفارسي ـ أطيب والذ من سائر حيتان البحار، وقد ذكر علماء الطبيعة بأن السمك يستنشق بأصداغه، فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه مقام الهواء، وإنما استغني عن الهواء في إقامة الحياة ولم نستغن نحن عنه.
قال الجاحظ: ونسيم الهواء الذي يعيش به الطير لو دام علي السمك ساعة قتله، وما ذكره الجاحظ من كون النسيم يضر بالسمك فليس علي إطلاقه، لإن من السمك نوع يطير علي وجه الماء مسافة طويلة ثم ينزل كما هو مشاهد في الخليج، وللسمك أنواع وأحسنها وأطيبها والذها: الحمام، ثم الراشكو، والبياح العربي، والسبيطي، والصافي، ومن أصنافه ما هو علي شكل الحيات فرب سمكة تأتي في بعض فصول السنة وتنقطع في بعضها، ومن جملة أنواعه: السقنقور، والدلفين، والتمساح، ونوع منه المسمي بربيان المعروف عند الأعاجم بميگو وله حلقة عجيبة ولحم حار بعكس لحوم غيره فإنه بارد رطب، وربيان البحرين أغلي من ربيان بحر عمان وسائر الجزائر وأفخر.
قال بعض الطبيعيين: ويكره من جملتها الأسود والأصفر والأجامي، وسمك الأنهار والعيون بل ترث الأمراض المزمنة، ومن أنواعها سمك يقال لها: الكواف ولصيده أمر غريب وشأن عجيب؛ لأن للصيادين طبيلات يطبلون بها، وهم يستعملونها في الليالي المقمرة فيجتمع هذا النوع من السمك حول السفينة التي فيها الصيادون فيسهل صيدها، وهو مخصوص ببعض فصول السنة، وهو بجملته كثير الأكل لبرد مزاج معدته وقربها من فمه، وإنه ليس له عنق ولا صوت.
وفي البحرين ما يوجد من أقسامه غير ما ذكرنا إلاّ بعض الأقسام الأخر الذي ضبطناه ورأيناه مثل: الميد العربي، وجمجام، وميد صفطي، واشكون، وچفدار، وچنعد، وحاكول، ووحار، وجنبس، ومچوه، وكرارج، وسلوس، وفي بحر عمان وسائر جزائر فارس يوجد غير هذه الأقسام، بل لا تُعدّ كما في بلدتنا بوشهر مثل: الحلوا وهو قسمين الأبيض والأسود، وخارو، ومشعوم، وشوريده، وكباب، وغبات، وثير وغير ذلك.
فصل
في ذكر تكون اللؤلؤة
قال المسعودي: وقد ذكرنا كيفية تكوّن اللؤلؤ وتنازع الناس في تكوّنه، ومن ذهب منهم الي أن ذلك من المطر، ومن ذهب منهم الي أن ذلك من غير المطر، وصفة صدف اللؤلؤ العتيق منه والحديث الذي يسمي بالمحار والمعروف بالبلبل، واللحم في الصدف والشحم وهو حيوان يفرّغ ما فيه من اللؤلؤ والدر خوفاً من الغاصة كخوف المرأة علي ولدها، وقد أتينا علي ذكر كيفية الغوص، وإن الغاصة لا يكادون يتناولون شيئاً إلاّ السمك من اللحمان والتمر لا غيرهما، من الاقوات وما يلحقهم وذكر شيء، إذ أنهم لخروج النفس من هناك بدلاً عن المنخرين يجعل عليهما من الدفل أو من القرن بقسمها كالمشقاص لا من الخشب، وما يجعل في آذانهم من القطن فيه شيء من الدهن فيعصر من ذلك الدهن اليسير في الماء في قعره فيضيء لهم بذلك في البحر ضياءً بيناً، ومايطلون به أقدامهم وشفاههم من السواد خوفاً من بلع دواب البحر إياهم ـ الي ان قال ـ وللغواص واللؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة.
وللعلماء في ذلك إختلاف عظيم، والذي استفدناه من تتبع مستخرجات أصناف الحيوانات البحرية من كلمات أرباب الهيئة الجديدة: أن اللؤلؤ رشحة من رشحات الدود المعروف بابيكول الذي هو نوع من المالوس الدود البحري الذي يعيش في طبقات الماء، وبيان ذلك: أن هذا النوع من الدود إذا أراد التغذي استجلب الحيوانات الذرّة الي جوف الصدف، فربما صادف معها حين دخولها شيء من الذرات السنخية فتتصدع الدودة بملاحقة هذا النوع من الذرات السنخية، فترشح عليها رشحة هي مادة اللؤلؤ، فتتكون حسب مشيئة الله تعالي لؤلؤة تامة، ثم يغطيها بغطاء يحجبها عنها، وكذلك الصدف رشحة من رشحات هذا الدود: وذلك أن هذا النوع يبيض كالسمك فإذا انفقست البيضة عن الدودة رشح جنباها وظهرها مادة النورة مايعة فبالتصاق ماء البحر يحصل فيها الإنجماد فيصير صدفاً، وهو بمنزلة الجلد الثاني للدودة، بحيث يكون إنطباقه وإنفتاحه بإختيارها وإرادتها، وهذا الصدف إنما هو نوره يستعمل في مضانّه.
والغوص مختص بجزيرة سيلون والبحرين وعمان وخارك والبحر الأحمر وخليج المكسيكا، وعمق ماء اللؤلؤ عشرة أذرع الي عشرين.
والقول بأن تكوّن اللؤلؤ من ماء المطر إن صدر عن أهل العصمة فمؤل، اللّهم إلاّ أن يقال إنها تكوّنت من مطر نيسان وهو من جزء مادة الدودة، ويقربه ما قالوا من إنها قلّت إن قل ماء مطر نيسان إذ له مدخلية تامة في تكون الدودة.
سلام.ممنون .خیلی خوب بود.از دست اندرکاران وبسایت به
این خوبی سپاسگزارم
خسته نباشید ممنون به خاطر این وبسایت زیبا
عاشق این وبسایت شدم من.عالی هستید شما
سلام.خواستم بابت وبسایت خوبتون ازتون
تشکر کنم و امیدوارم باعث ایجاد انگیزه براتون
بشه
سلام میشه لینک داخل مطلبو چک کنید.برای من مشکل داشت.ممنون
سلام میشه لینک داخل مطلبو چک کنید.برای من مشکل داشت.ممنون
سلام.وبسایتتون خیلی خوب و مفیده.به کارتون ادامه بدین
سلام میشه لینک داخل مطلبو چک کنید.برای
من مشکل داشت.ممنون