fish1كتاب تاريخ البحرين تأليف الشيخ محمد عليّ آل عصفور وهو من الكتب المشهورة والقيمة ويحوي الكثير من المعلومات الثمينة في عدة جوانب من تاريخ البحرين، وهنا ننقل لكم الكتاب كاملا لكي تستفيدوا منه في البحوث والقراءة واللطيف ان الكتاب يبدأ من الفهرست:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الفهرس
الباب الاول في عدد قراها وأساميها وغير ذلك من المطالب

الباب الثاني في أقسام فواكهها ورطبها وتمرها
الباب الثالث في عيونها
فائدة جليلة
فضيلة عظيمة
حكاية حسنة
فائدة
جوهرة فاخرة
الباب الرابع في ذكر ملوك البحرين وما وقع عليها
الباب الخامس في ما وقع عليها بعد ظهور الاسلام
الباب السادس في ذكر مشائخ آل مذكور جعلهم اللّه في دار السرور
الباب السابع في نبذة من مكاتبات السلاطين مع مشايخ آل مذكور
فصل في أسماك البحرين وحوتها
فصل في ذكر تكون اللؤلؤة
الباب الثامن في ذكر مواضع البحرين التي ضبطها صاحب القاموس
الباب التاسع في ذكر وقعات البحرين وما صدر عليها
الباب العاشر في قصة الوزير مع أهل البحرين بالرمانة
حادثة غريبة
جزيرة خارك
الباب الحادي عشر في ذكر محاسن اهل البحرين وشعرائها وعلمائها

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي فاوت بين العباد، وفضّل بعض خلقه علي بعضٍ حتي في الأمكنةِ والبلاد، والصلاة والسلام علي أشرف الموجودات محمد وآله السادة الأمجاد.
وبعد فيقول الراجي لعفو ربه الغفور محمد عليّ آل عصفور: إن الناس قد صنّفوا كتب التواريخ والسير وذكروا ما وقع في العالم من أبناءِ أبناء البشر، حتي لايتركوا منها أرضاً إلاّ عينوها طولاً وعرضاً، ووصفوا البلدان شرقاً وغرباً، وقطّعوها إرباً إرباً، لأن منهم من أتي علي ذكر مصر وافريقيا، وأيام الفراعنة والأكاسرة، والخلفاء الأمويين، ومنهم من رغب في ذكرِ بغداد والأهوال والشداد والخلفاء العباسيين والسلاطين السلاجقة، ومنهم من تعلّق قلبه بذكر الهند وافيالها، فأتي بما يكشف عن حالةٍ، وكم ألّفوا في وصف البلدان كتاباً، وقالوا صواباً، إلاّ إنهم ـ شكر اللّه سعيهم ـ ما رمّموا في ذكر البحرين فصلاً ولا باباً، أو ذكروا وتقصّوا خطاباً، اللّهم إلاّ أن يقال إنهم اقتصروا علي الزبد، واختصروا ومالوا في المطالب إلي قول المتأخرين واقتصروا.
إذ البحرين من المدن العظيمة، إو لها ذكر في الجغرافية القديمة، مع ما فيها من الوقائع، وما خرج عنها من الودائع، فلذا أحببت تأليف كتاب مستقلّ حيث أذكر تلك القري الفاخرة التي تخرج منها القري الظاهرة، حتي يسير فيها من كان خبيراً وبالمطالب بصيراً، وباللّه أستعين، فإنّه خير موفّق ومعين.
فأقول: اتّفقت كلمة علماء الجغرافية قديماً وحديثاً علي أن البحرين جزيرة من جزائر بحر فارس؛ وإنما سميت بحريناً لأنها واقعة بين بحر عمان وبحر فارس.
قال المسعودي بعد ذكر جمل من الأخبار عن البحر الحبشي ومقداره وسعة خلجانه ما هذا لفظه: ويتشعّب من هذا البحر خليج آخر وهو بحر فارس، وينتهي إلي بلاد الأبلّه والخشبات وعبّادان من أرض البصرة، وعرضه في الأصل خمسمائة ميل، وطول هذا الخليج ألف وأربعمائة ميل، وربما يصير عرض طرفيه مائة وخمسين ميلاً، وهذا الخليج مثلث الشكل، ينتهي أحد زواياه إلي بلاد ابلّه، وعليه مما يلي المشرق ساحل فارس من بلاد دورق الفرس، ـ إلي أن قال ـ: ويقابل ما ذكرنا من مبدء ساحل كرمان والسند بلاد البحرين وبلاد عمان، وفي ذلك الساحل مدينة البرارة والقطيف من ساحل هجر، وفي هذا الخط وقعت جزائر كثيرة مثل جزيرة خارك وخاركو، وبينه وبين بوشهر فراسخ فيها مََغَاصُ اللؤلؤ، ـ إلي أن قال ـ: وهذا البحر وهو خليج فارس ويعرف بالبحر الفارسي، عليه ما وصفنا من البحرين، وفارس، والبصره، وعمان الي رأس الجمجمة، ومن البحرين إلي بوشهرثلاثين فرسخاً، وفيها عيون كبار كعين السجور وسيأتي تفصيله إن شاء الله.
والإحساء واقعة من طرف قبلة البحرين، والقطيف علي سمت شمال البحرين، وهذه الجزيرة شراعية الشكل، قال بعض علمائنا(رض): إنها كالشراع المرمي علي البحر الموّاج.
قال الدميري: ومن مسقط إلي رأس الجمجمة خمسون فرسخاً وهذا آخر بحر فارس، وطوله أربعمائة فرسخ، وفي هذا البحر جزائر كثيرة كعمان، والخطّ الخاركي]، ومسقط، والبحرين، والقطيف، والإحساء، ـ إلي أن قال ـ: ورأس الجمجمة جبل متّصل ببلاد اليمن، فمن هنالك تنطلق المراكب إلي البحر الثاني، وأما البحرين وجزيرة خارك ففيهما مغاص اللّؤلؤ، وللغواص واللّؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة.
وبالجملة فالبحرين علي ما قيل: عبارة عن مملكة وسيعة وساحة فسيحة، من جانب ينتهي إلي البصرة وآخر إلي عمان، فبمرور الأيام والشهور قطّعوها وأخذوها الأجانب، وأما الآن فالبحرين يطلق علي جزيرة أوال فقط، فطوله من الشمال إلي الجنوب سبعة فراسخ، ومنتهي عرضها فرسخين، وأغلب أهاليها إماميّ المذهب، وعدد نفوسها ـ علي ما قيل ـ مائة وخمسين ألفاً، والظاهر أنه اكثر، فالتّجار وأهل المراكب وأرباب المعاملات مقيمون في بندر المنعمة المشهور بالمنامة، وحكّامها وأهل المناصب ساكنون في المحرّق، وهما من اكبر العمران فيها.
قال شيخنا العلاّمة الشيخ ياسين: والخطّ سيف البحرين وإليه تنسب الرماح الخطّيه، وفي القاموس مثله، إلاّ أنه قال: لأنها تُحمل من بلاد الهند وتُباع هنا.

 

الباب الاول
في عدد قراها وأساميها وغير ذلك من المطالب
قد يطلق أوال علي البحرين جميعاً تسمية للشيء بإسم جزئه، كما يطلق هجر عليه.
قال في القاموس: هجر اسم لجميع أرض البحرين، قال بعض مشائخنا: أوال وهي بفتح الهمزة، جزيرة عظيمة معمورة بالعلم والعمل حتي أنّه ورد فيها عنه صلى الله عليه وآله وسلم: إذا فقدتم العلم فاطلبوه من البحرين، لا يقدر احد أن يحيط بوصفها، وما وقع عليها تفصيلاً.
قال في القاموس: أوال كسحاب، جزيرة كبيرة بالبحرين عندها مغاص اللّؤلؤ، وذكر بعض شارحي الهمزة أنه يجوز ضم الهمزة، الي أن قال ـ قدس سره ـ: وهي الآن مختصة باسم البحرين عند الإطلاق، وإن كان في الأصل وعند عدم التقييد يطلق لفظ البحرين علي الخطّ والإحساء، وفي الحديث: لو ضربونا حتي يبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أننا علي الحق، ـ وهجر هنا البحرين ـ.
وفي الخبر: عجبت لتاجر هجر وراكب البحر، أي إن تاجرها وراكب البحر سواء، وفيها قري متعددة.
قال بعض مشائخنا: كان عدد قري البحرين في الزمان السابق بعدد ايام السنه، وبظلمهم ما بقي الآن سقوفها وفروشها <فتلك بيوتهم خاويه> علي عروشها، والقري معمورة الآن أزيد من مائتين، فمنها: منامة، ومنها محرق، والسماهيج، والجفير، والحورة، ورأس رمان، ونعيم، ومني وكتكان، وكرزكان، وسنابس، والدية، وكرباباد، وقلعة، وكرّانه، وجد الحاج، وحنوسان، وآيار، وجبل الدخان، وجزيرة ام النعسان، وشريبة، والبديع، ودار، وبني جمرة، وسار، وضلع، وعالي، وبوري، وجزيرة، وحجر، واُكُل، وهجر، والقدم، وابو قوه، والسهلة، وجد حفص، والهملة، ورويس، وباربار، وأوال، وسترة ـ وهي خمسة قري ـ ورفاع، وبلاد القديم، وكوَرهَ، وتوبلي، وغريفة، ودار كليب، والزنج، والسقية، وجبيلات، وحلّة الصغيرة، وجو ـ وهي الواقعة منتهي جنوب البحرين ـ ومشهد، وابو صبُيع، ومصلي، وجبلة الحبش، وماحوز، وقرية، ومرخ، ودمستان، ومقابا، وبستان، وقرية الخارجية، والدونج، وعراد، والعقير، وجور، وصداد، وسَند، ولقبيط، وجُنبّه، وجد علي، وهلتا، وعالي حويض، وحلّة الكبيرة، وحلّة علي، وشويكة، وصداغة، وبنّي، وقريق المزارعة، وشهركان، وعين الدار، وسلم آباد، وجروزان، وحرنان ـ قريتان بالبحرين كبري وصغري ـ ذكرها في القاموس، وغير ذلك ممّا يأتي في حالات العلماء والشعراء في هذه الجزيرة.

 

الباب الثاني
في أقسام فواكهها ورطبها وتمرها
وهي الموز، واللوز، والخوخ، والترنج، والرّمان، والتين، والمشمش، والصبّار ـ وهو نوع من التمر الهندي ـ وفيها شجرة الحناء، والسدر، والطوف.
وأمّا رطبها وتمرها فهما علي أنواع: وهي الخنيزي، ومرزبان، وسلمي، ونفول، وخصّاب، ومهز، وخلاص، وخصايب العصفور، وحلو تاروت، وحلو أبيض، وفرناج،، وماجي، وخضيري، وشريفي، ومدللّ، ومبشر ـ وهي أول نخلة يوجد فيها الرطب ولذا سميت بمبشر ـ وآزاد، ورطب الحمري، والشنبري.
وبالجملة فمن خصائص هذه الجزيرة إن الرطب يوجد فيها ثمانية أشهر ولايوجد في غيرها بهذا المقدار، وكانت في السابق من أكثر البلاد تمراً، وأطيبها رطباً، حتي ضربوا بها المثل المشهور: كناقل التمر إلي هجر.
قال في المعجم: إن هجر مدينة كبيرة واقعة في البحرين، كثيرة من النخل والرمّان، والزيتون، والتين، والاترج، والقطن، ـ إلي أن قال ـ ومن عجائبها أن من سكنها عظم طحاله ـ إلي أن قال ـ وبقلالها شبّه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بقلل الجنة، وهي الواقعة في أقليم أوال ـ إلي أن قال ـ فيها من العلماء والزّهاد والعبّاد والأدباء والشعراء ما لا يحصي.

 

الباب الثالث
في عيونها
وفيها من العيون ما لاتحصي، وأمّا العيون الكبار: فعين القصاري: وهي الواقعة في بلاد القديم، وعين العداري: وهي الواقعة في السهلة، وعين أبو زيدان: وهي الواقعة في مشهد، فأمّا عين السجور: وهي من أكبر العيون وأكثرها نفعاً ودفنها عبد الملك بن مروان.
قال جدي العلاّمة الشيخ يوسف ـ قدّس سرّه الشريف ـ في كشكوله نقلاً من كتاب معتبر يشتمل علي جملة من فضائل علي (عليه السلام) وأخبار تدخل في ذلك الباب ما لفظه: وأمّا ما كان من خبر أهل الشام فإنّه لمّا قُتل عامر بن الطفيل بن ربيعة الشيباني وجاءت الأخبار بذلك إلي الشام، وقد كان قد مات مروان بن الحكم وتولّي الأمر من بعده عبد الملك بن مروان، فسار بنفسه إلي الكوفة في ألوف لا يحصي عددهم إلاّ اللّه، وقد آلي علي نفسه أن لا يبقي بها أحداً من شيعة علي (عليه السلام) إلاّ قتلهُ، فلمّا سمع بذلك إبراهيم بن مالك الأشتر، وصعصعة بن صوحان، وعمرو بن عامر الهمداني المعلم، وجماعة من خواصّ الشيعة، هربوا من عبد الملك إلي جزيرة البحرين، وكان زيد بن صوحان العبدي والياً عليها من قِبل الحسن (عليه السلام) ، ولم يتمكن من عزله بنو أمية خوفاً من أهل البحرين؛ لأنّهم لم يسلّموا أمراً إلي بني أمية أبداً، وهم كانوا أشجع أهل الدنيا وأقواهم جناناً، وأفصحهم لساناً، وأحبهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) قلباً.
قال: فبقي زيد بن صوحان حاكماً في البحرين الي زمان عبد الملك بن مروان، إلي أن هربوا عنده الجماعة المذكورين، فتبعهم عبد الملك الي القطيف وأرسل إليهم من أصحابه] إلي البحرين، فدافعت عنهم أهل البحرين، وقتلوا جميع من أرسلهم عبد الملك، فجاء اليه الخبر وهو في القطيف بأن أهل البحرين قتلوا جميع أصحابه الذين أرسلهم إلي أهل الكوفة، فلمّا سمع بذلك حشّد عليهم من الاعراب و البوادي مالم يعلم عددهم إلاّ اللّه، وانحدر علي أهل البحرين عبد الملك بنفسه، وجلس في الطرف الغربي، وكان مخيمهم من أول الدراز إلي بني جمرة، حتي ملأت عساكره الأماكن والفلوات، وقلعة البحرين يومئذٍ في البلاد القديم عند مشهد، وهي القلعة التي بناها الملك دقيانوس وهو الذي ادّعي الربوبية، وهربوا عنه أصحاب الكهف، والرقيم جبل في الإحساء، وكان زمان هذا الملك في الفترة التي ما بين موسي بن عمران وعيسي بن مريم عليهم السلام وبقيت هذه القعلة إلي زمان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وإلي زمان بني أميه، وكانت بيوت أهل البحرين يومئذ متصلة من خلف القطاع الجنوبي إلي باربار وإلي كرزكان، وكان الرجل من أهل البحرين في ذلك الزمان يعد بألف فارس.
قال ثم أنّه لمّا أنحدر عليهم عبد الملك جعل زيد بن صوحان علي القلعة من يحرسها وخرج مع أهل البحرين إلي قتال عبد الملك، وجعل إبراهيم بن مالك الأشتر، وسندر معهما عسكر كبير في وسط البلد، وجعل سهلان بن علي ومعه أهل الأطراف الشرقية علي الشرقية، وجعل صعصعة أخاه وهو أغلب عسكره في الطرف الجنوبي، وجلس الأمير زيد بن صوحان في كرزكان ومعه أهل الأطراف الغربية، ثم وقعت الحرب بينهم وبين عبد الملك، ووقعت بينهم مقابلة عظيمة يطول شرحها في هذا المكان، قال: فلما رأي عبد الملك الشجاعة من أهل البحرين وقوة بأسهم علي الحروب، ورآهم أفرس أهل الدنيا، وكان يخرج عليهم بخمسين ألف وبالمائة ألف من أصحابة فيحصدهم أهل البحرين حصد السنبل، حتي كادوا يقتلون عبد الملك، فأشاروا عليه بعد ذلك أرباب أهل دولته بان يستميل أهل البحرين بالرشاء والعطاء، فأستمال جهّالهم وأشرارهم بذلك، وأغري’ بعضهم علي بعض، فقتل شرارهم خيارهم، وقتلوا أخا زيد بن صوحان والجماعة الذين خرجوا معهم من الكوفة والذين نصروهم من أهل البحرين.
قال: فلما ظفر عبد الملك بالبحرين وأهلها، أحضر أهل الأطراف الذين نصروه والذين أستأمنوا، ودعاهم إلي الخروج من التشيع، فأبوا أن يخرجوا من دينهم وأمتنعوا عليه وقد أخذهم الندم علي قتلهم أخيارهم، فلمّا نظر عبد الملك إلي بعضهم وإظهارهم العداوة، خاف منهم خوفاً شديداً، فقال لهم: طيبوا نفوسكم فإني أترككم علي دينكم ولكم عندي ما أردتم، ولكن أريد منكم أن تكونوا في جزيرتكم هذه ولا أحد منكم يحمل السيف ولا العصي ولا يشد وسطه إلي حرب أبداً، ولا أحد ينقل السلاح ولكم عليَّ أن لا اخذ منكم شيئاً من خراج بلدكم، ولا أتعرض لكم بعد سنتي هذه، وهذا الشرط بيني وبينكم، وعليَّ في ذلك عهد اللّه وميثاقه.
قال: فحالف أهل البحرين علي ذلك، وكتب اللّه عليهم الذلّة، فلم يشدّوا أوساطهم بعد ذلك إلي الحرب، ولم يقتتلوا إلي يومنا هذا.
ثم إنّ عبد الملك دفن عين السجور، وكانت أقوي عين في البحرين، ودفن عيوناً كثيرة منها، لإن مراده ضعف أهل البحرين، وولّي راجعاً بعد ذلك، انتهي.
يقول جامع هذه الطرف ومهدي هذه التحف: إن هذه الحكاية وإن كانت لا تخلو من ركاكة في التعبير وخلل في التحبير، مع إصلاح كثير منها حال النقل، إلاّ أن مضمونها موافق لما هو الموجود الآن في تلك البلاد ومشهور بين الخلف من قبور اولئك الأمجاد، فإن قبور هؤلاء المشار إليهم كلّهم موجودة في البحرين، أتّخذوها مزارات يتبركون بها وينذرون إليها ويقصدونها من كلّ جانب ومكان، سيما قبر صعصعة وأخوه زيد بن صوحان.
وأمّا عين السجور ـ بالسين المهملة ثم الجيم ـ المشار اليها في آخر الخبر، فموقعها في قريتنا من البحرين بقرب الساحل، والنظر فيها ظهر من آثار تلك العين، وسعة دائرتها الموجودة الآن يدل علي قوّتها وغزارة مائها، وكان ذلك الملعون قد أحكم رجمها بالحجارة الهائلة والصخور الثقيلة، وأخفي أثرها بالكلية، وبقيت كذلك إلي زمن الحاج يوسف الناصر وكان من أكابر أهل البحرين وأعيانهم المشار إليهم، وكان ذا حدس صائب وفكر ثاقب في إستخراج المياه من الأرض، وقد استخرج عيوناً كثيرة مبتكرة، فعمد من جهة الغرب إلي إخراج مائها وضرب خيامه عندها، ووضع العملة فيها، وأخرج منها أحجاراً وصخوراً ـ علي ماذكرنا ـ يعجز المائة رجل علي سحب واحدة منها، وقد نحتها ذلك الملعون من جزيرة بقرب البحرين تسمي ـ قدا ـ وبقي العمل فيها حتي لما قرب خروج أول مائها، جاء رجل من العملة إلي الحاج يوسف المرقوم، وقال: إني رأيت في المنام إن هذه العين في صورة إمرأة وهي تريد ثوراً سميناً! فأسرَّ الحاج يوسف في نفسه أنه ذلك الثور السمين!؟ وأخذته الواهمة، فمرض وثقل حاله في ذلك المرض حتي مات، وبقيت علي ماهي عليه إلي الآن، وإلي الآن بعض تلك الأحجار موجودة حول العين، وبعض قد سحبه الناس ووضعوه في أساس البيوت، وكانوا إذا همّوا بسحب شيء منها تجتمع لها جموع عديدة من الرجال، واللّه العالم بحقائق الاحوال.
فائدة جليلة:
ذكر أبو جمهور الإحسائي ـ قدّس سرّه ـ في كتاب عوالي اللّئالئ ـ نقلاً عن ابن عباس ـ قال: أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة لجمعة في عبد القيس بجواثا ـ وهو اسم حصن بالبحرين ـ وفي هذا الحديث دليل علي أن أهل البحرين كانوا أفضل من أهالي أكثر البلدان، وللبحرين مزية وفضيلة كما سيأتي نبذة منها ان شاء اللّه.
قال جدي العلاّمة ـ أعلي اللّه مقامه ـ في كشكوله: حكي لي والدي ـ قدّس سرّه ـ أن السبب في مجئ والد البهائي ـ قدّس سرّهما ـ إلي البحرين، أنه كان بمكة المشرفة وقد قصد المجاورة فيها فرأي في المنام كأن القيامة قد قامت، وقد أمر بالبحرين أن تدفع بأرضها إلي الجنّة، فأختار الإنتقال من مكة المعظمة، وأتي البحرين وجاور فيها حتي توفي ـ رحمه اللّه ـ ولمّا سمع بقدومه علماء البحرين، وقد كان جملة من الفضلاء يجتمعون للدرس والتدريس في مسجد جدحفص، ومنهم العلاّمة الشيخ داود بن أبي شافير، وكان ذلك الوقت قد خرج الشيخ داود المزبور من قرية جدحفص لمباغضة حصلت بينه وبين بعض علمائها، فلمّا سمعوا بقدوم الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ بهاء الدين ـ قدّس سرّه ـ عرفوا أنه بعد مجيئه ربما يحضر إلي المسجد في يوم الدرس، وكان الشيخ داود ذا يدٍ طولي’ في علم المناظرة والجدال، فمضوا إليه وصالحوه، وحضر المسجد كما كان سابقاً.
فلما ورد الشيخ ـ قدّس سرّه ـ سأل عن محل مجمع الفضلاء في البلد، فأخبروه باليوم الذي يحضرون فيه في المسجد المزبور، فاتفق حضوره في بعض الأيام، وجري البحث بينه وبين الحاضرين، فتولّي ذلك الشيخ داود وأطال النزال والجدال معه، فلمّا انصرف الشيخ أنشأ هذين البيتين ثم لم يحضر بعد هناك حتي توفي ـ رض ـ:
أناس في أوالٍ قد تصدّوا لمحوا العلم واشتغلوا بلمم
فان باحثتهم لم تلق منهم سوي حرفين لِمْ لِمْ لا نُسَلِّم
وقال البهائي ـ قدّس سرّه الشريف ـ يرثي والده الشيخ العلاّمة حسين بن عبد الصمد، وقد توفي بالمصلي من قري البحرين لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وتسعمائة عن ست وستين سنة وشهرين وسبعة أيام، ومولده أول يوم من محرم سنة ثمانية عشرة وتسعمائة ـ رحمه اللّه تعالي ـ:
قف بالطلول وسلها أنّ سلماها ورق من جرع الأجفان جرعاها
وردّد الطرف في أطراف ساحتها وأرجّ الروح من أرواح أرجاها
فإن يفتك من الأطلال مخبرها فلا يفوتنّك مراءها ورماها
ربوع فضل تباهي التبر تربتها ودار أنسٍ تحاك الدّر حصباها
إلي أن قال ـ طاب ثراه ـ:
فالمجد يبكي عليها جازعاً أسفاً والدين يندبها والفضل ينعاها
ياحبّذا أزمنٌ في ظلّهم سلفت ماكان أقصرها عمراً وأحلاها
أوقات أنسٍ قضيناها فما ذُكرت إلاّ وقطع قلب الصبا ذكراها
ياجيرة هجروا وأستوطنوا هجراً واهاً لقلب المعنّي بعدكم واها
رعياً لليلات وصل بالحي سلفت سقياً لأيامنا بالحيف سقياها
لفقدكم شُق جيد المجد وانصدعت أركانه وبكم ماكان أقواها
وجُزّ من شامخات العلم أرفعها وأنهد من باذخات العلم أرساها
ياثاوياً بالمصلّي من قري هجر كُسيت من حلل الرضوان أضفاها
أقمت يا بحر بالبحرين فاجتمعت ثلاثة كن أمثالاً وأشباهاً
ثلاثة أنت أنداها وأغزرها جوداً وأعذبها طمعاً وأصفاها
حويت من درر العليا ما حويا لكن درّك أعلاها وأغلاها
ـ إلي أن قال ـ :
ويا ضريحاً علا فوق السماك علّي عليك من صلوات اللّه أزكاها
فيك انطوي من شموس الفضل أضواها ومن معالم دين اللّه أسناها
ومن شوامخ أطواد الفتوة أرسا ها وأرفعها قدراً وأبهاها
فاسحب علي الفلك الأعلي ذيول علي فقد حويت من العليا أعلاها
عليك منا سلام اللّه ما صدحت علي غصون اراك الدوح ورقاها
فضيلة عظيمة:
في كشكول الشيخ ياسين ـ قدّس سرّه ـ كما رواه الشيخ الأجل الأمجد الشيخ أحمد بن زين الدين في كشكوله،قال: رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إن اللّه خيرني في هجرتي هذه بين المدينة والبحرين أو قنسرين، فأخترت المدينة.
وقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: إذا شبّهت عليكم المذاهب والاديان فعليكم بمدينتي هذه، ومدينة يقال لها البحرين، ومن دان بدينهم من أهل الأمصار.
وقال صلى الله عليه وآله وسلمسترتد اُمتي من بعدي إلا مدينتي هذه، ومدينة يقال لها البحرين، فأنها فسطاط المؤمن يومئذ.
قال ـ رضي اللّه عنه ـ ما حاصله: البحرين يطلق علي الأحساء والقطيف والبحرين، وفي تخصيصه هذا الزمان بأوال مستحدث قال الشاعر:
فيا قاصداً البحرين يزجي شمله كأن علي أشداقها الحدل كرسفا
وقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: إذا فقدتم العلم فاطلبوه من مدينتي هذه، ومدينة يقال لها البحرين، ـ إلي أن قال قدس سره ـ: فأوال وخط بلد، والإحساء بلد، ويطلق علي الجميع هجر.
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما في كتاب نفس الرحمن: لو فقد الإسلام في الأرض لوجد في هجر.
وقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما في بعض صحاح العامة ـ وكما هو في نظري البخاري ـ: رأيت في المنام أني أهاجر إلي بلدة فيها نخل، فذهب وهمي الي انها هجر، فاذا هي المدينة يثرب.
حكاية حسنة:
قال فخر المشائخ الشيخ سليمان الماحوزي: كنت في حدود السنة الحادية عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية في بعض بنادر فارس، وكان فيه رجل من علماء أهل التقوي من بلاد السند، حنفي المذهب متعصّب في مذهبه قد قرأ كثيراً من العلم، ورد هناك بعنوان التجارة فاتّفق لي الإجتماع به في عدة مجالس، وكان من جملة ما صدر بيني وبينه أنه بعد ما فاوضني في مسائل متعددة فينجرّ فيه النزاع بيننا وبينهم فصّلناها في رسالة منفردة.
قال لي: أنت أخلاقك غير أخلاق أهل البحرين، وطباعك غير طباعهم،وما فيك من المعايب إلاّ انك بحراني، واخذ يذم البحرين وأهلها بما لا يجوز ذكره، فقلت له: البلاد يكون فيها الكامل والناقص و الخير والشرّير، والمؤمن والكافر والعالم والجاهل، فاطلاق القول بذمّ البلاد لا يحسن من أهل العقل والسداد، وبعد هذا فالبحرين من الأمصار الجليلة المحمودة، ولها ذكر حَسن في كتب حديثكم دون تقه، فإنها لم يجر لها ذكر في حديث ولا سنّة، وطباع أهلها معروفة بالعصبية والعناد.
فقال لي بعجلة: في أيّ كتب حديثنا ذُكر البحرين؟
فقلت: في كتاب مشكاة المصابيح تصنيف محي السنّة الحسين بن مسعود الفراء البغوي، فإنه روي في باب حرم المدينة ـ حرسها اللّه ـ عن حريز بن عبد اللّه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن اللّه اوحي إليّ، أيّ هولاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين، فقد عدل اللّه البحرين بالمدينة وخيره في الهجرة إليها، ولم يذكر تقه مجال. فانكر كون الخبر المذكور في شيء من كتب حديثهم فضلاً عن كونه في مشكاة المصابيح، وأدعي أنه قرأ الكتاب المذكور في بلاده علي مشايخه ـ وكان الكتاب المذكور بصحبتي ـ فقلت له: الكتاب موجود معنا بنسخة صحيحة معتمدة، وقد كنت اشتريتها من دار السلطنة إصفهان المحروسة في جملة الكتب التي اشتريتها من هناك، ثم احضرت الكتاب، فلمّا رآه وجم واُقحم كأنما القمته حجراً، وأخذ يتعجب مما رزقنا اللّه سبحانه من الحفظ وكثرة التتبع، وأعرض عما كان فيه.
تتميم وفيه قصة أبو هريرة:
ومن كتاب مجالس المؤمنين للسيد نور الدين، المعروف بالشهيد الثالث في ترجمة البحرين قال: إن البحرين اسم لجميع البلدان التي علي ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان.
وقال بعضهم إن البحرين قصبة هجر ـ الي ان قال ـ: والبلاد المشهورة بالبحرين القطيف، وادّه، وهجر، وينبوبه، وزاره، وجواثا، وشابور، ودارين، وغايه.
وفي السنة الثامنة من الهجرة أرسل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم العلاء بن عبد اللّه الحضرمي الي أهل تلك الديار بالدخول في الإسلام أو قبول الجزية، وكتب بذلك الي المنذر بن واسخت مرزبان هجر، ولما وصل كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الي هذين الإثنين الّلذين هما رئيسا تلك الولاية دخلا في الاسلام، وكذلك جميع العرب الذين معهما وبعض العجم وأهل القري، والزرّاعة من المجوس واليهود والنصاري صالحوا علي نصف غلتهم من الزراعة والتمر، وبقوا علي مذاهبهم والعلاء المزبور في ذلك العام أرسل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من مال تلك الولاية ثمانين الف دينار، وبعد ذلك عزل الرسول العلاء وولّي إبان بن العاص وسعيد بن أمية، وبقيا الي وقت وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ولّيّ أبو بكر عزله وولّي العلاء ايضاً، ولما كان في زمن عمر عزله وولّي أبو هريرة، ولما ولّيّ ذلك المكان حصل منه خيانة عظيمة في الأموال التي قبضها. روي محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: استعملني عمر بن الخطاب علي البحرين فاجتمعت لي اثني عشر ألف دينار، فلما قدمت إلي عمر قال لي: يا عدو اللّه وعدو المسلمين!
قال: قلت: لست بعدو اللّه والمسلمين.
قال: فمن أين اجتمعت هذه الأموال؟
قلت: خيل لي تناتجت وسهام اجتمعت.
قال: فاخذ مني اثني عشر الفا.
فائدة:
قال السيوطي في تاريخ الخلفاء فصل الشيخان: عن جابر ـ رضي اللّه عنه ـ، قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: لو جاء مال البحرين أعطيتك كذا وكذا، فلما جاء مال البحرين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو بكر: من كان له عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم دَين او عِدة فليأتنا، فجئت واخبرته فقال: خذ، فأخذت فوجدتها خمسمائة فاعطاني ألفاً وخمسمائة.
الي ان قال السيد المشار اليه في الكتاب المذكور؛ وتشيع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والأحساء من قديم الأيام الي هذه الايام ظاهر شائع، ومنشأ ذلك شمول اللّطف الإلهي لأهل تلك الديار، وكان في مبدء الإسلام مدة مديدة عامل تلك الديار إبان بن سعيد من جملة محبي أهل البيت عليهم السلام، وكان ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر مع بني هاشم، وفي زمان ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) جعل حكومة تلك الديار ـ علي ما في كتاب تحفة الإحباء ـ مذكور مدّة بمعبد بن عباس وبعض الأوقات بعمر بن أبي سلمة الذي أمه أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ممتازاً علي غيره في العلم والعبادة والعقل وطيب الطينة وصفاء السريرة، وفي ذلك المكان قرر احقية الأمير(عليه السلام) بالخلافة وبيعة الغدير، ونقي عن قلوبهم الشك والشبهة في ذلك. انتهي.
جوهرة فاخرة:
ذكر صاحب الكشاف: أن صالحاً (عليه السلام) مات بحضرموت، وإنها إنّما سُميت بذلك، لأن صاحلاً حين حضرها مات.
وقال المطرزي في المُغرّب: هي بلدة صغيرة شرقي عدن.
وقال أبو حيان في البحر: عن أبي القاسم الأنصاري أنه قال: رأيت قبر صالح عليه السلام بالشام في بلدة يقال لها عكشي، فكيف يكون بحضرموت!؟
وأمّا ما أشتهر بين أهل البحرين من أن قبره في جزيرة اُكُل فلا مستند له من كلام السلف، ولم نجده بعد التتبّع في موضع يشهد عليه، وظهور الكرامات لم يدل علي إنه هو هو، والعجيب من شيخنا الصالح كيف جزم بذلك ! واللّه العالم بمواقع الأمور.

 

الباب الرابع
في ذكر ملوك البحرين وما وقع عليها
اول من سكن هذه الجزيرة طائفة من العمالقة المشهورة بالجاشم ـ بالشين المعجمة ـ، ثم ملك من بعدهم قوم من بني طسم من أهل اليمامة، وفي زمان بخت نصر اختارت شعبة من بني أزد سكناها، فلما جلس أردشير علي سرير ملكه استولت عساكره علي هذه الجزيرة، حتي ظهر في العالم سابور ذو الأكتاف وقصد تدمير الأعراب، فجاء الي مدينة هجر وقتل من أهاليها جماعة كثيرة.
قال المسعودي في مروج الذهب: وقد كان سابور في سيره في البلاد أتي علي بلاد البحرين وفيها يومئذ بنو تميم وبنو بكر وبنو عبد القيس، فأمعن في قتلهم وفر بنو تميم وشيخها يومئذ عمرو بن تميم بن مر وله يومئذ ثلاثمائة سنة، وكان يعلّق في عمود البيت في قفّةٍ قد اتخذت له، فأرادوا حمله فأبي عليهم إلاّ أن يتركوه في ديارهم، وقال: أنا هالك اليوم أوغداً وماذا بقي لي من فسحة العمر، ولعل اللّه ينجيكم من صولة هذا الملك المسّلط علي العرب، فخلّوا عنه وتركوه علي ما كان عليه، فصبّحت خيل سابور الديار، فنظروا إلي أهلها وقد أرتحلوا، ونظروا إلي قفّةٍ معلّقةٍ في شجرة، وسمع عمرو صهيل الخيل ووقعها وهمهمة الرجال، فأقبل يصيح بصوت ضعيف، فأخذوه وجاءوا به الي سابور، فلما وُضع بين يديه نظر إلي دلائل الهرم ومرور الأيام عليه ظاهرة، فقال له سابور: من أنت أيها الشيخ الفاني؟
قال: أنا عمرو بن تميم بن مر وقد بلغت من العمر ما تري، وقد هرب الناس منك لإسرافك في القتل، وشدّة عقوبتك إياهم، وآثرت الفناء علي يديك لتُبقي علي من مضي من قومي، ولعلّ اللّه ملك السموات والأرض يجري علي يديك فرجهم، ويصرّفك عمّا أنت بسبيله من قتلهم، وأنا سائلك عن أمر إن أنت أذنت لي فيه.
فقال له سابور قل: نسمع منك.
فقال له عمرو: ما الذي يحملك علي قتل رعيتك ورجال العرب؟
فقال سابور: أقتلهم لما ارتكبوا من أخذ بلادي وأهل مملكتي.
فقال عمرو: فعلوا ذلك ولست عليهم بقيم، فلما بلغت بقوا علي ما كانوا عليه من الفساد هيبةً.
قال سابور: أقتلهم لإنا ملوك الفرس نجد في مخزون علمنا وما سلف من أخبار أوائلنا إنّ العرب ستدال علينا وتكون لهم الغلبة علي ملكنا.
فقال عمرو: هذا أمر تستحقه أو تظنه.
قال: بل أستحقه، لابدّ يكون ذلك.
قال له عمرو: فإن كنت تعلم ذلك فَلِمَ تسيء إلي العرب، واللّه لإن تبقِ علي العرب جميعاً وتحسن إليهم، ليكافئونك عند إدالة الدولة لهم علي قومك بإحسانك، وإن أنت طالت بك المدّة كافؤك عند مصير الملك اليهم، فيبغون عليك وعلي قومك، إن كان الأمر حقاً كما تقول فهو أحزم في الرأي وأنفع في العاقبة ، وإن كان باطلاً فَلِمَ تستعجل الأثم وتسفك دماء رعيتك.
فقال سابور: الأمر صحيح وهو كائن لكم، والرأي ما قالت، ولقد صدقت في القول، ونصحت في الخطاب.
فنادي منادي سابور بأمان الناس، ورُفع السيف، وكُفَّ عن قتلهم.
ويقال إن عمرو بقي في هذا العالم بعد هذا الوقت ثمانين سنة. إنتهي كلام المسعودي.
فلما انتقلت سلطنة الساسانية إلي أنوشيروان، فوّض إمارة تلك الجزيرة وعمان علي يد المنذر بن النعمان، ولم يزل علي حاله حتي طلع من مشرق السياسة شمس الإسلام، فصارت حكومة تلك النواحي إلي أبناء المنذر المزبور، فكانت تلك الساحة من متصرفات المسلمين كما سيأتي.

 

الباب الخامس
فيما وقع عليها بعد ظهور الإسلام
ولما ظهرت كلمة التوحيد، فأرسل رسول المجد صلى الله عليه وآله وسلم العلاء الحضرمي الي البحرين، وقد مضي من الهجرة ست سنين، فلما وصل إليهم قبلوه وأطاعوه، وقبلوا أوامره ونواهيه طوعاً ورضاً، فلمّا قُبض رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، وانتقلت خلافة الإسلام إلي أبي بكر بن أبي قحافة، عزل علاء الحضرمي من البحرين وولّي غيره، فلما ولّي غيره، تغيرت طبائعهم، وأرتدّوا عن الإسلام، فكتب الوالي إلي الخليفة وقائع ما صدر عن الناس في تلك الجزيرة، فطلب أبو بكر علاء الحضرمي أيضاً وضم معه جيوش الإسلام، فحاصروا البحرين مدة حتي وقعت الحرب والشدائد، وفُتحت البحرين، وقُتل من أهلها ومن المسلمين جماعة كثيرة، فلمّا استولت جيوش الأسلام علي تلك الناحية، كتب علاء الحضرمي إلي الخليفه بفتح البحرين، وأرسل إليه غنائم كثيرة، وتمكّن في البحرين إلي أن انتهي أمر الخلافة إلي عمر بن الخطاب، فجاء إلي المدينة عند الخليفة، وتكلّم معه في فتح بعض الجزائر من بحر فارس، فأذن له.
ثم جاء إلي البحرين مع خلق كثير، وحاصر السيراف وعمان ومسقط وغيرها من الجزائر حتي فتحها، وأمر ببناء المساجد المبنية والجوامع المعمورة للصلوات.
وفي السنة الثانية والسبعين من الهجرة: جاء أبو فديك الخارجي وحاصر البحرين، وغلب علي أهلها حتي انتزع البحرين من أيدي بني اُميه، فلمّا سمع عبد الملك بن مروان ذلك، أرسل إلي البحرين جيوشاً عظيمة، وقتل أبو فديك الخارجي مع جماعة من أصحابه وأنصاره، فما أفلت منهم إلاّ نفر يسير، ثم أمر عبد الملك أهل البحرين باستحكام البنيان، وتشييد القلاع والحصون، وترتيب الرجال، وغير ذلك مما يطول شرحه.
وفي السنة الخامسة بعد المائة حمل علي البحرين مسعود بن أبي زبيب العبدي، والوالي يومئذ عليها أشعث بن عبد اللّه بن جارود، فلما رأي بطشه وكثرة عدد عدوّه هرب منها، فجاس مسعود فيها وملكها، حتي مضي من حكومته عشرون سنة، ثم قتله سفيان بن عمرو العقيلي، وتصرف بالجزيرة.
وفي سنة خمسين بعد المائة أرسل المنصور العباسي إلي البحرين عقبة بن سليم، فقتل واليها وجماعة كثيرة، وسبوا نساءهم، وأرسل جماعة منهم إلي بغداد عند الخليفة.
وفي سنة 299 هـ غارت الزنج علي واسط وهجّرت أهلها حفاة عراة، وأخربت ديارها وأحرقتها، ثم دخلت الزنج البصرة وأحرقوا الجامع، وقُتل منها إثني عشر ألفا وهرب باقي أهلها بأسوأ حال، ثم دخلوا البحرين وقُتل من أهاليها جماعة كثيرة، وكان صاحب الزنج خارجياً يسب عثمان وعلياً وعائشة ومعاوية، وقيل كان زنديقاً.
وفي سنة 311 هـ دخل أبو طاهر القرمطي علي أبي سعيد القرمطي البصرة ليلاً في ألف وسبعمائة فارس، فوضعوا فيهم السيف وأحرقوا الجامع وسبوا الحريم، ثم دخلوا البحرين واتخذوا من هجر دار أقامتهم ودار هجرتهم.
وفي سنة 313 هـ لم يحجّ أحد من المسلمين من معارضة القرامطة.
وفي سنة 317 هـ حجّ بالناس منصور الديلمي، فدخل الناس مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية أبو طاهر القرمطي، فقتل الحاج قتلاً ذريعاً في المسجد وفي فجاج مكة، وقتل أمير مكة إبن محارب، واقتلعوا باب الكعبة والحجر الأسود وأتي به إلي هجر، ولم يرد إلاّ بعد نيف وعشرين سنة، ومكانه في البحرين مشهور معروف.
وفي سنة 930 الثلاثين وتسعمائة ظهر جماعة في بلاد عمان الموسومون بالبرتغالية فجاؤا إلي البحرين وأستقروا فيها مدّة مائة سنة، وبنوا قلعة محكمة في منعمة، وبقيت الي الآن آثارها، وإن قيل إن هذه الأبنية من أبنية الأكاسرة والسلاطين الساسانية.
وفي سنة التاسع والثلاثين بعد الألف: غزا الشاه عباس الصفوي تلك الجزيرة، واستولت عساكره عليها، حتي قتلوا من جماعة البرتغالية خلقاً كثيراً، وولّي عليها إمام قلي خان والي فارس، وكان ملكه إلي سنة الثالث والأربعين بعد الألف، بعدها فوضوا أمر حكومة البحرين إلي رجل يسمي بسوندك السلطان.
وفي سنة السابع والسبعين بعد الألف ملكها بابا خان، ثم ولاّها إبن قزلخان.
وفي سنة الثالث عشر بعد المائة والألف قد تلبسها مهدي قلي خان بأمر الشاه حسين الصفوي، وعزل ونصّب بعده قزاق السلطان، لأمر يطول شرحه قال شاعرهم:
مهدي قلي حرفوه عن بحريننا عام الفتور وحكّموا قزاق
ملأ الفجاج ببغيه وفجوره فلذا أتي تاريخه قد زاغا
وهو سنة 1113، وسيأتي في حالات العلماء بعض الوقائع.
وفي سنة الخمسين والمائة بعد الألف أتي سيف بن الإمام سلطان مسقط مع جماعة من البياضية والخوارج، وتملكوا البحرين وقتلوا من الشيعة ما لا يحصي.
وفي سنة الثاني والخمسين بعد المائة وألف استولت عساكر نادرشاه علي البنادر، فافتتحوا المدن والجزائر حتي غلبوا علي مسقط وعلي البحرين، وقتلوا السيف البياضي و من معه من الخوارج، ثم فوض أمر الحكومة إلي الشيخ غيث والشيخ نصر من آل مذكور.
وفي سنة السابع والمائتين بعد الألف ظهر في قطر جماعة من آل عتوب، فمنعوا الناس التعزية والمراثي علي الحسين عليه السلام، واعتقدوا أنه من البدعة، فافشوا ذلك الإعتقاد، وأظهروا الفساد بين العباد، وأمروا أهل البحرين بسلوكهم، فلمّا سمع الشيخ نصر تلك المقالة وشنيع فعالهم، أمر عساكره بمقاتلتهم، فالتقيا فصارت بينهما ملحمة عظيمة ، فانكسرت جيوش الشيخ نصر، ففر إلي بوشهر واستغاث إلي حاكم شيراز فلم يجبه احد، فاستولت عساكر أحمد بن خليفة علي البحرين، وهجر بعض علمائها إلي بنادر فارس، منهم جدي العّلامة الشيخ خلف ـ قدّس سرّه ـ وسيأتي تفصيل ذلك.
وفي سنة 1224 هـ هجم سعود بن عبد العزيز إمام نجد علي قطر والبحرين
وفي سنة 1226 هـ أخذ عبد الرحمن بن خليفة البيعة من أهالي قطر والبحرين.
وفي سنة 1215 هـ حارب سيد سعيد إمام مسقط والبحرين، وافتتن منهم خلقا كثيراً، وفي تلك السنة جاء الشيخ نصر من بوشهر إلي البحرين لبعض المناسبات فاغتنم الفرصة وتصرف الجزيرة عن سيد سعيد.

 

الباب السادس
في ذكر مشائخ آل مذكور جعلهم اللّه في دار السرور
إن المشائخ المشهورين بآل مذكور كانوا طائفة من أكابر نجد وأعاظمهم، رحلوا إلي البحرين سنة عشرين بعد الألف، وفي تلك السنة كتب الشاه عباس الصفوي إلي بعض العلماء بارسال رجل عارف اليه ليسأله عن حالات الجزائر والثغور، فأرسل اليه الشيخ عبيد بن مذكور، حتي وصل إصفهان فاجتمع بالسلطان وتكلما في فتح بعض الجزائر والأمكنة المتعلقة ببحر فارس، كمسقط والبحرين والقطيف والإحساء وغير ذلك، ويومئذٍ كانت الجزائر تحت يد جماعة البرتغالية، فسأل الشاه من الشيخ التدبير في ذلك، وأمره أن يبين له حالات الجزائر والخلجان وما يتعلق بها.
ومما قاله الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد: فبحر الهند يسمي بالبحر الحبشي، فهو من أعظم البحار، ويتشعب من هذا البحر خليجان عظيمان، أحدهما بحر فارس وفيه جزائر وشبه جزائر منها يظهر، وفيه قلعة من أعجب قلاع الدنيا يقال لها سلخ وهي من بناء الهراسيب الكناني ثم جدده سابور الأردشير، وكان أهاليه من اليونان، فتحه عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهذه القطعة من شمالها الي جنوبها ثلاثة فراسخ، وعلي طرفه الشمالي بساتين بديعة وقلاع غريبة أكثرها مخروبة، فهو قليل الماء كثير البساتين، والأشجار أكثرها القطن والعنب والتين.
وفي سنة خمسين ومائتين كثر المسلمون فيها، وكان فيها شجرة من العنب ثمرتها ثلاثمائة مناً تبريزي، وهو من عجائب الدنيا، وكان عدد المقتولين من جنود الإسلام خمساً وعشرين ألفا، وفي تلك السنة وقعت الحرب بينهم وأهل البحرين، وهجر أغلب أهالي البحرين الي ريظهر.
وعلي الجملة وفي هذه الشعبة من البحر وقعت جزائر وشبه جزائر مثل البحرين، وخارك، وخاركو، وهرمز، وقشم، وقيس، وام السلام، وجزيرة العتم، وجزيرة الفلم، وبو شعيب، وابو موسي، وشطرار، وتوقيع، وفرور، وهندراتي، وهنجام، وأبيض، وأم الكرم، وأم النخيلة، وأم الحطب، وأبو علي، وأبو سعفة، ودمام، ودلمة، وحالول، وعوبي، وفارس، وقرثين، وفران، وجزيرة الحسان، وغير ذلك من الجزائر الصغار.
واعلم يا سيدي إن بحر الصين والهند وفارس واليمن متصلة مياهها غير منفصلة، إلاّ أن هيجانها وركودها مختلف لإختلاف مهابّ رياحها وآثار ثورانها، فبحر فارس تكثر أمواجه ويصعب ركوبه عند لين بحر الهند واستقامة ركوبه وقلّة أمواجه، ويلين بحر فارس وتقل أمواجه عند إرتجاج بحر الهند وإضطراب أمواجه وظلمته وصعوبة ركوبه، فأول ما تبتديء صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة، وقرب الإستوائي الخريفي، ولا يزال في كلّ يوم تكثر أمواجه الي أن تصير الشمس الي برج الحوت، فأشدّ ما يكون ذلك في آخر الخريف عند كون الشمس في القوس، ثم تلين الي أن تعود الشمس الي السنبلة ـ الي أن قال ـ: والغوص علي اللؤلؤ في بحر فارس ـ أعني في البحرين وخارك ـ إنما يكون في أول نيسان الي آخر أيلول، وما عدا ذلك من شهور السنة فلا غوص فيه، وما عداه من البحار لا لؤلؤ فيه، وهو خاص بالبحر الحبشي من بلاد خارك وقطر وعمان والبحرين.
فلما سمع الشاه هذا الكلام من الشيخ أكرمه وعظّمه وخلع عليه خلعة سنية، فلقّبه بالخان، وولاّه علي البحرين وأمره بتصرف الجزاير، فجاء الشيخ عبد خان الي البحرين وكتب كتاباً الي سلطان مسقط وهدّده بجنود العجم وعساكر الصفوية، ثم أمر بعض أقوامه بالمسير الي مسقط، ومعه كتاب من عنده ما صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللّه وابن عبده الي من اوتي الرئاسة من عنده، إمامنا الأعظم وسلطاننا الأفخم، وبعد
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته، فالعروض الي خدمتكم إنه قد وجهت اليكم رجلاً من أعمامي عارفاً حليماً شكوراً كريماً، وله يد في السياسة وإنما أمرّته علي جماعة الأعاجم والساكنين هناك من اولي الأعاظم لأمر قد وصل إلينا من سلطان المسلمين الخاقان الأعظم الشاه عباس الصفوي ، فإذا نزل بساحتكم فاكرموه وأمر أصحابك بتعظيمه وتكريمه، فإن في ذلك لك صلاحاً وللعامة فلاحاً والسلام.
فسار الشيخ خميس مع كتاب الشيخ عبيد خان الي مسقط، فلمّا عرف سلطان مسقط ذلك الخطاب، كَتب الي الشيخ:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، ما كتبت الينا قد فهمناه وعلمناه، ولكن القوم ما رضوا عنه لبغض الناس لسلاطين العجم، وإن لجماعة المسلمين حق معلوم، فإذا ما رضوا ما رضينا والسلام.
ثم إن الشيخ عبد الخان كتب الوقائع الي الشاه عباس، ومما قال فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا ما أمرتم عبدكم في كتابة الوقائع، فما قصرت فبلغت أوامركم الي الأمير والحقير، ونصحتهم حق النصيحة، فسلطان مسقط قد سقط عن مسقط رأسه، وزلزل بنيانه وأساسه، لإعتماده علي مردة الشياطين، وركونه علي سلطان البرتغالية الملاعين، وأنتم تعلمون من ضيق المسالك علي المسلمين، واما أمر البحرين، فقد علمتم منافعها، وإطاعة أهلها فهم لكم مطيعون ولأمركم متبعون، إلا أنهم مقهورون بأيدي الكفرة، وقد بلغني من ظلمهم علي المسلمين ما إن بلغتكم لبكيتم بدل الدموع دماً، وأنتم ظل اللّه علي خلقه، فما كفاهم مسقط والبحرين والسيراف حتي غلبوا علي جزيرة خارك، طمعاً لإخراج لئالئه وجواهره، أدركوا الإسلام وأهله والسلام.
وما كتبه الشاه عباس الصفوي اليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، شيخنا المكرم الوقور، الشيخ عبيد خان آل مذكور، فقد وصلنا كتابك وعلمنا ما في خطابك، فجزاك اللّه عن الإسلام خير الجزاء، فاعلم إنا قد وجهنا اليكم جنوداً لو وجهتهم الي الجبال الشامخة لأزالوها، فبشر الذين إتبعك، وقل لهم إن فرج اللّه قريب، ثم انتقل من مكانك واستوطن الريظهر، حتي يجيء أمرنا اليك، فجد جهدك والسلام.
فجاء الشيخ عبيدخان المزبور إلي بوشهر، وعين السفن والمركب، وهيأ لهم المنازل والمراتب، فجاءت عساكره المنصورة، وهم عشرة آلاف من أهل الزنكنة والدشت والهولة، وكان الآمر لهم إمام قلي خان والي فارس، فركبوا السفن وحملوا أولاً علي الخارك فقتلوا من جماعة البرتغالية خلقاً كثيراً وتصرفوا بالجزيرة.
ثم أتوا علي البحرين فحاصروها وقتلوا نفوساً، فما بقي من مردة الشياطين إلاّ النساء والصبيان، ثم حملوا علي القطيف والإحساء وباقي الجزائر فأخذوها أخذ عزيزٍ مقتدر، فولّي إمام قلي خان الشيخ عبد خان علي القطيف والإحساء، فعظّمه وشرّفه غاية التشريف، فأخبر الشاه عباس بفتح البحرين والجزائر فأمرهم بمحاصرة مسقط، فما قدروا عليها لما فيه من الجبال الشامخة والقلاع المحكمة، ولما لمشايخ آل مذكور في تلك الجزائر من مقاتلين وتحكيمات.
إلي أن قام بالسلطنة نادر شاه في السنة الثانية والأربعين بعد المائة والألف، فارتحل جماعة من مشائخ آل مذكور من البحرين، منهم سيف العرب الشيخ غيث والشيخ نصر وكانا حاكمان علي البحرين والقطيف، وبسبب القتال الذي وقع بينهم وبين الأباضية والخوارج، كُسروا واستوطنوا بوشهر والجزيرة، حتي سمعوا بخبر نادرشاه وعزمه علي فارس، فكتبوا إليه وقائع ما صدر منهم مع إمام مسقط وجماعة البياضية، وغلبتهم علي الجزائر والبحرين وسائر الأمكنة المتعلقة ببحر فارس.
ومما كتبه نادرشاه إلي الشيخ غيث والشيخ نصر من آل مذكور و>اغوث الملّة وناصر الدولة، قد فهمنا ملحمتكم مع إمام مسقط وجماعة البياضية، وغلبتهم علي جزائر فارس، فسلطانكم ليس بغافل عمّا وقع عليكم، وفي عامنا هذا ننتقم منهم كانتقام ذو الأكتاف من الأعراب والأشراف، وإن لنا جيشاً قد نزلوا في السيراف وبندر الصبية، وإنهم جاركم فلا تعجلوا بالمسير حتي يأتيكم أمرنا والسلام.
ومما كتبه السلطان نادرشاه، وهو من انشاء ميرزا مهدي خان صاحب الدرة ـ رحمة اللّه عليه ـ:
السلام علي من نصرنا يداً ولساناً ورحمة اللّه وبركاته، وبعد فاعلم انه قد توجه اليكم لقتال عدوكم قوم معروفون بالنجدة والشدة، وأما ما ذكرتم من أمر سلطان مسقط وعدم تسليمه الجزائر، فليس بينه وبيننا إلاّ المحاكمة بالسيف، فإذا أتاكم كتابي فامر بالناس علي قتال عدوهم، <إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون> .
ومما كتبه الشيخ نصر خان الي مهدي خان صاحب الدرّة:
وأما ما كتبتم لعدوكم في أمر القتال وتعيين الرجال لإضمحلال مردة الشياطين فعلته وأطعته، فنحن بحمد اللّه غير مقصرين لأداء حقوق سلطاننا، وإن عساكر الدشت والهوله حاضرون منتظرون لأمركم، وإن عساكر الدشت والهوله علي ما بلغني مقيمون في السيراف والسلام.
عبدكم نصر
ثم استولت عساكر نادرشاه علي ساحل كرمان ـ يعني العباسي ـ وتصرفوا القلاع البرتغالية، فسار بعضهم الي بندر السند، وبعضهم حملوا علي البحرين وسائر الجزائر حتي قتلوا من البياضية خلقاً كثيراً وتصرفوا البحرين، وولّي نادرشاه عليها الشيخ نصر خان وأخذ الشيخ غيث وأنضم معه عساكر الدشت والزنكنه فأمرهم بمحاصرة مسقط، فحاصروها خمسة عشر يوماً حتي عجزوا، فلما عرف النادر عجزهم لما في مسقط من الجبال الشامخة والقلاع المحكمة التي بُنيت عليها، سار بنفسه مع أربعة آلاف فحاصروها حتي غلبوا عليها وفتحوها وقتلوا أخا السيف البياضي وبقية الخوارج، ثم ولّي الشيخ غيث خان.
هذا ما وجدت من فوائد بعض مشائخنا.

 

الباب السابع
في نبذة من مكاتبات السلاطين مع مشايخ آل مذكور
ومما كتبه ميرزا مهدي خان الوزير إلي الشيخ نصر خان رحمة اللّه عليه:
وقد بلغي إنك اجتمعت مع رجل مسيحي وكلمته في الجزائر والخليج، وتزعم إنه سياحاً، فغرك بمنقولات خطابه، ومقولات أيابه وذهابه، حتي مددت له بساطاً منيعاً، وشددت وسطك له سريعاً، أما قرأت قوله تعالي: <لن ترضي عنك اليهود ولا النصاري حتي تتبع ملتهم> ، فإن اتبعت أهوائه بعدما فهمت حكم اللّه فأنت إذاً من الهالكين، ولا تخفضن جناحك إلاّ للمؤمنين، والسلام علي علي من اتعظ بمواعظ اللّه ورحمة اللّه وبركاته.
مهدي
ومما كتبه الشيخ نصر خان إلي الوزير المهدي خان جواب كتابته:
وأمّا ما ذكرتم في مكالمتي مع المسيحي ومودّتي له، فما بلغكم فغير بالغ، وأنتم تعلمون إن مواظبتي في الثغور ودقتي في الأمور مشهور غير منكور، وأما بسط الفراش وإطعام الناس فمن شيم الأنبياء والسلاطين، فأميرنا لم يحسن تركها، والسلام.
عبدكم نصر
ومما كتبه الوزير المهدي خان ـ رحمة اللّه عليه ـ اليه أيضاً:
فقد وصل كتابك إلينا كالخطيب المصقع، له عبارات وإشارات وتصريحات وتلويحات، إلاّ إنه لاينفعنا ولاينفعك، إذ ليس لنا كلام في الإطعام من حيث الحلال والحرام فله موضع آخر في فقه الأحكام، وإنما كلامنا في علم السياسة وموضوعات الرئاسة، فما أشبه كلامنا وكلامك مع من قال: أريه السهي ويريني القمر، وقد حكي لي من أثق بحكايته إن الرجل المسيحي قد استجازك في إكتشاف جبيلات البحر، وحصر أراضيها وتلالها، وإنما أغضيت طرفي عن ذلك وحملتك علي أحسن المسالك، لعلمنا بحسن سيرتك وصفاء سريرتك، فأعملوا بما ترونه لكم من الصلاح، وتعتقدونه من جادّة الفلاح، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
مهدي
ومما كتبه الوزير المهدي خان إلي الشيخ غيث خان في مسقط ما مضمونها:
وأما ما كتبت في الخراج ونقصه عمّا كان لا يقبله السلطان، مع علمكم بكثرة الإحتياج إليه، وقد سمعت إنّ الدنانير المسكوكة عندكم ليس عليها أثر الإسلام، فإن كان كما سمعت فأمنع الناس عن بسطه وقبضه حتي تُرسل اليكم سكة سلطانكم، وورق خاقانكم، لإن للأشياء مناسبات، ولا ينسب للثغور غيرها والسلام.
مهدي
ومما كتبه الشيخ غيث خان إلي الوزير مهدي خان:
فكاتب الوقائع كتب إليّ وقائعاً عجيبة، منها إن بعض الخوارج قد عزموا الخروج علي عبدكم،ومنها إن شيخاً من شيوخ عمان قد أمر الناس علي المقابلة معي والمخالفة مع سلطان العجم، ومنها أن المراكب والسفن التي تركناها في بندر الصبّة والسيراف قد أحرقوها ولم يعرف فاعلها، ومنها أن جماعة البياضية قد اتصلوا بالزنجبار وشكوا عند سلطانه لأنه بياضي فأوعدهم في هذا العام التدارك والتلافي لما فاتهم، وعلي الجملة الناس في إضطراب وإلتباس ومالي إليكم إلاّ الإلتماس، والسلام.
عبدكم غيث العرب
فأجابه المهدي خان ـ رض ـ:
أما ما ذكرت من أمر الخوراج فما لهم من خروج، والشيخ العماني لا يقدر علي ذلك إذا كنت بصيراً في أمرك هنالك، فمحاصرة مسقط لأمثال هؤلاء ممتنعة الحصول، بالخصوص مع حصنك المنيع وبنيانك المرصوص، وإحراق الجواري علي ما بلغني منسوب إلي جارك، فلا تخبر الناس علي ما أتيت، ولتكن من المتجاهلين، واتصال جماعة البياضة بسلطان الزنجبار ضدان لا يجتمعان، فليس لهم علي ما فاتهم إلاّ الحزن واليأس، وقد أمرنا خوانين الدشت والهولة علي معاونتكم إن طرقكم طارق، فأمر الناس بالصبر وتوكل علي اللّه، وكن كالجبل لا تحركك العواصف، والسلام.
مهدي
ومما كتبه الوزير المهدي خان للشيخ غيث خان في البحرين:
غيث الجود، وغوث المنجود، قد وصل كتابكم المرقوم، ودرّ خطابكم المنظوم، يخبر عن صحة مزاجكم، وصفاء مائكم وزجاجكم، فحمدنا اللّه علي ذلك وشكرناه مما هنالك، وإن سألتم عنّا فنحن في إصلاح ما أفسدته، وإنجاح ما المته، وأعلم إن الناس قد أكثروا الشكاية عمّن أمّرتهم علي البلاد، وأعطيتهم زمام العباد، فأتاني جماعة من الحجاج يشكون من شيخ الإحساء وما صدر عليهم منه في الصبح والمساء، أقسم باللّه الذي علت كلمته لأن أمكني اللّه عليه لأقيمن عليه حداً يضرب به الأمثال ويحكي عنه الرجال،فإذا أتاك كتابي فأسقطه عن مسقط رأسه،وحاول بينه وبين أساسه، حتي يفيء إلي أمر اللّه ورسوله، ويرجع إلي مأمولنا ومؤموله والسلام.
مهدي
ومما كتبه السلطان شاه عباس الصفوي للشيخ عبد خان من آل مذكور سنة 1011:
وما كتبت إلينا من حفظك للثغور، فلا زلت في ذلك محموداً مشكوراً، إلاّ أن بعض رؤساء الدين قد أسند إليك فعلاً مجهولاً، وعملاً باطلاً، ولو حفظت لنا ألفاً من الأمصار، ويصدر منك حركة تضاهي حركة الأشرار، ما أنت عندنا بمكان ومقدار، ومن سعادة السلطان أن تكون ولاته متأدبين بآدابه، وجادين علي نهج صوابه، ولقد علمت أهمية الثغور لدينا، ومسؤليتها علينا، خصوصاًً البحرين؛ فإن عورتها مكشوفة وخطتها مخوفة ، والعدو قريب منها، وكثيراً ما يأتيها فجأة وأعلم أنه قد ألزمنا عليك أولاً أن تتخذ لحراستها من الأمناء الثقات، ومن انتخبتهم من الشجعان الكماة، وأن تؤكد عليهم في إستعمال أسباب الحفظ والإستظهار، إذ في ذلك حسم لمادّة طمع الكفار، وإنما أمّرتك علي جزائر العرب وأمصارهم، وفوضتك أمر جندها وزعمائها واسرارهم، لتكون ذلك رغبة لك في فتح سائر الديار، ومعونة علي إجتناء تلك الأثمار، والسلام علي المجاهدين في مرضات اللّه ورحمة اللّه وبركاته.
ومما كتبه ميرزا مهدي خان الوزير الي الشيخ غيث خان:
فقد بلغني إنك عجزت عن مقاتلة شيخ القطيف، ووليته إمارة الوضيع والشريف، حتي قَتَل رجلاً من أعمامك، وانهد ركناً من قوامك، ولقد كنت اظنك عند الهزاهز وقوراً، وفي المعارك صبوراً، فما ذكرته حق لكن لافي حقك، وصدق لكن لا من خلقك، فإذا وصل كتابي إليك فاحمل عليه حملة الأسد، ولا تنتظر المرافقة من أحد، فإن كففت عن الثغور ألسنة الطاغين، فنعم الوفاق وإلاّ لا ترجو منّا إلاّ الطلاق، وما كتبت إلينا من قلّة الخراج فلا تخش عن سلطانك، ولك الأمر فاقض ما أنت قاض، ولاتقف عن هذا الأمر، وأكتب لنا حالات زيد وعمرو، فما كنت إلاّ كالبدر التمام يزيد هزالاً حتي يعود هلالاً ، والنخل ذات الأكمام تصير حطباً بعدما تعطي رطباً، وجاهدوا في اللّه حق جهاده فإن في ذلك عزةً وتشريفاً وتكريماً ، ولاتقعد عن الجهاد فإنه إهانة وذلاً والسلام.
مهدي
ومما كتبه الشيخ غيث خان الي الوزير المهدي خان:
إن أهل البلدة المعروفة، وأرباب قريتنا الموصوفة، عاملونا بالغدر والإنكار، ومنعونا الراحة والقرار، ونهبوا أموالنا بالعتوّ والإستكبار، ومن المعلوم الواضح عند سلطاننا الأعظم وخاقاننا المكرم، إن إمام مسقط منع الناس الجمعة والجماعات، وأمرهم بإطاعة عبد من عبيده إذلالاً للشيعة، وإخماداً للشريعة، ومن المعلوم الواضح عند جنابكم الشريف أزادكم اللّه العزة والتشريف إني قليل البضاعة والنفقة ، ولاأقدر علي المقاتلة مع هؤلاء الفسقة، وشيخ القطيف قد خرج عن طاعتنا، ونقض عهود الخلافة ، فالأمر اليكم ولاحول ولاقوة إلاّ باللّه العليّ العظيم، وإن عبدكم لايقدر علي الحركة ولا السكون، فحير في أمره مع هذا الملعون والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
عبدكم غيث
ومما كتبه الوزير المهدي خان الي الشيخ غيث خان:
فاعلم أيها الشيخ إن النوم للراعي مستلزم لفقدان اغنامه، فتيقض عن رقدتك، وإغتنم في مدتك، لئلا يهلك الذئب أغنامك، ولعمري أغنامك أغني منك، فوالذي خلقك فسواك، لو كنت كما كان فاخترت سواك، وقد كثرت الشكاية عن فقرك، وأظهرت النكاية من دهرك، مع إن سفن التجارة قد تجري في بحرك، والمراكب السيارة قد تسري في برك، فأمرك غريب، وشأنك عجيب وما هذه البلية التي ابتليت بها إلاّ من نفسك، وكأني بك وقد هجموا علي أرضك، بل علي عرضك، وطمعوا في نقدك بل في فقدك، وقطّعوا إقطاعك بل أظلاعك، حتي ضاعت جلّ ضياعك، وهدموا حصونك وقلاعك، وعفت آثار دارك، وانمحت أطلال ديارك، فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتّالاً، فكسّر حلية السيف، وقم ضع لك خلخالاً والسلام.
مهدي
ومما كتبه الميرزا مهدي خان وزير نادر شاه الي الشيخ غيث آل مذكور:
نور حدقة الإمارة والرئاسة والإقبال، ونور حديقة البسالة والسياسة والإجلال، شيخنا الوقور الشيخ غيث خان آل مذكور، أما بعد فقد ساعدنا التوفيق بزيارة كتابكم، والإستماع لخطابكم، أما ما ذكرتم من أمر الرجل من أنه قد ضاقت به النصيحة، وطابت له الفضيحة، ورضي بالقصة الشنيعة دون المليحة، فدعه فإنه رأي التعب مريحة، فخخف ما عندك من الهمة العالية في نصيحة نفسه الفانية، ودعه وغرامه، وقللّ نصيحته وملامه، وإعزب من ذلك إنك لاتعلم من يهواه، وليس عندك خير من هواه، والحكم علي الغائب شاهد عليك بالمعائب، وقد بلغني أن من قلّت بضاعته، وغرته جماعته، فقد خالف الأمر، ونقض العهد، واستولي عليه الشيطان فخان السلطان.
وقد أمرناكم بإخراجه من الجزائر، أو إرساله الينا بالزواجر، فما أقعدك عن التابعة لأمر الوزير إلاّ الجبن والخيانة وسوء التدبير، فإن شئت تبعت طريق السلامة، وإن شئت سلكت سبيل الملامة ، فالذي يحلو لك من الطريقين فاتبعه بغير بين والسلام.
مهدي
ومما كتبه بعض مشائخنا إلي الشاه عباس الصفوي في سنة 1014 حين غلبت البرتغالية علي البحرين:
ومما قال فيه: كيف رضيت همته العلية، وشيمته القدسية بالجلوس في دار أصفهان، والإغضاء عن جمع ما تشتت من أهل إيران، أم كيف قعدت به حميته ورسبت به غيرته، عن إقامة أعمدة هذه الطريقة الحنيفة، وتشييد أعلامها الواضحة الجلية، التي هي عين منهاج العترة المحمدية، بعد أن صُرفت في إظهار نورها الاعمار، وارتكبت في تشييد دعائمها الأهاويل والأخطار، فحسبك من تشتت شملها، وتفرق كلمة أهلها، واضمحلال آثارها، واندراس أعلامها، ما لو تأمله الشاب لشاب، او حمل بعضهم هذا الأمر جبل رضوي لساخ وذاب، كيف لا وقد كانت الآفاق بسنا نوركم مشرقة، وافئدة المخالفين بثواقب شهب تحقيقات أهلها محترقة، علي الخصوص آبائك الكرام وأجدادك العظام، حتي صارت الطريقة لا تُنسب إلاّ اليهم، ولا تُعرف إلاّ بهم، حتي كأنها صارت مقرونة بهم، فبوجودهم ظهرت، وبموتهم فُقدت، ولم يبقَ من أطلالها إلاّ عروش خاوية، وآثار متداعية، ومع ذلك اكتفينا من عمارها بالخراب، ومن مائها بالسراب، فأبي الدهر الخوّان إلاّ قلع آثارها من أصولها، واضمحلال أسمها فرضاً عن رسمها، لأنه بعد أن هدأت في البحرين شقشقتها، واطفئ من سائر الآفاق نورها، لم يسمو لها ذكر ولم يظهر لها حيث إلاّ في هذين البلدين القطيف والبحرين، فأما البحرين فقد صاح فيها صائح القوم، ونعق ناعقهم، فاستجلبت عقول الهمج الرعاع، واستمالت قلوب المسلمين في الجملة، بعد أن أظهر الحاسد غيه، والمخادع بغيه، فتهافتت عليها الناس كتهافت الفراش علي النار، فدني وأحرق نفسه، ولو اهتدي رشداً لأبعد.
واما كاتب الوقائع فقد تذكر عهود أوطانه، ورجع الي مكانه، فليس منكم فيها مرشد ولا مساعد، وأما الخوّانين فخانوا العهد وخلّوا العقد، وجلسوا في زاوية الخمول، أما خوفاً من سلطان البرتغالية، أو طمعاً في دنياهم الدنية، ولعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.
وهذا كتاب كتبه الي علماء البحرين، وحرضهم علي حفظ الثغور والتدبر:
أما إني أخبرتكم بأنّ لكم خصم قوي، وعدو غوي يكمن لإبادتكم، ويحول بيننا وبين إرادتكم، ويريد أن يطلع من مكمنه، ويشدّ عليكم من مأمنه، فيدرككم ويهلككم جميعاً، ولا مناص من كيده، ولا خلاص من قيده، وينبغي لعلماء الإسلام وحماة الدين وحفظة ثغور المسلمين أن يقطعوا دابر الطغيان، ويستأصلوا شأفة البغي والعدوان، فأين أمر معروفكم، وما هذه المنكرات بأعينكم، ولعمري قد تضعضعت البلاد، وتزلزلت الأغوار والأنجاد، واختلّت مصالح العباد، وقامت قيامة الأمجاد
وما الدين إلاّ بالجهاد قوامه ولاقام إلاّ بعد سلّ القواضب
ولا المجد إلاّ بالشجاعة والندا وجري العوالي فوق مجري السلاهب
والسلام عليكم وعلي العاكفين ببابكم ورحمة اللّه وبركاته.
مهدي
الشيخ عبد الرسول خان من آل مذكور :
وهو إبن الشيخ نصر المتقدم ذكره، وهذا الشيخ بعد مجيء والده الي بوشهر استوطن بوشهر، فلما مات أبوه تصدي للحكومة في بوشهر وسائر الجزائر من بحر فارس، فدانت له المشائخ العرب، وحُملت اليه الهدايا والضرائب، وكان شاباً مدبراً، وله يد في السياسة وأمر الرعية، وله حروب في الدشت وبعض الجزائر، وهذا الشيخ أول من أخذ في تعمير بلدتنا بوشهر، وكان يأمر بأمر سلطان البرين وخاقان البحرين محمد شاه قاجار وفتح علي شاه قاجار، وللشيخ مع هذين السلطانين مكاتبات، وله عندهما منزلة رفيعة وجاه عظيم.
وفي سنة عشرين ومائتين بعد الألف كتب اليه بعض العلماء ما صار في البحرين علي الشيعة، وتبضع الشريعة، فكتب الوقائع حسب ما صار الي حاكم فارس، فلم يجبه أحد لإختلال الملك وفساد داخله، ثم استوطن في بوشهر في السنة المذكورة علاّمة الدهر الشيخ حسن آل عصفور قدس اللّه روحه، فأرسل الشيخ عبدالرسول خان كتاباً الي السلطان الأعظم فتح علي شاه وذكر فيه ان الشيخ حسن من آل عصفور وهو من عماد بلادنا البحرين ومن بني أعمامنا قطن بوشهر، وهجر من البحرين مع بني أعمامه لكثرة ما وقع عليهم من الشتم والسبي، فكتب اليه السلطان فتح علي شاه بالفارسية كتاباً، فأكسيته لباس العربية ليكون طرازاً واحداً.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
معتمد السلطان الشيخ عبد الرسول خان ماذكرت في مجيء شيخنا الوقور الشيخ حسن من آل عصفور الي بلدكم فمن حضكم وإقبالكم، إذ هو رئيس ملتنا وشريك دولتنا، فقررّت له في كّل سنة خمسمائة توماناً، وهذه وظيفتي الي جنابه، وأما وظيفتك فأكرمه وعظّم مكانه، فكما جعلتك حاكماً علي الناس فجعلته حاكماً عليكم لولم يكن بلدكم ثغوراً، لما رضيت توقفه هناك مع احتياج الناس اليه في دار الخلافة.
وأما أمر البحرين فأمرنا حاكم فارس بإنتزاعها من يد الخوارج والسلام.
وسيأتي حالات هذا الشيخ في حالات العلماء.
ولمشائخ آل مذكور خدمات عظيمة في عصر هذا السلطان، مثل مقاتلة الشيخ حسين خان مع الافرنج في جزيرة خارك وسائر الجزائر فشكر اللّه مساعيهم الجميلة.
ذا حدس صائب، له يد طولي في السياسة وأمور الملكية، واستوطن في الدير والكنگون وبندر الفاو من بنادر الدشت، وله مقاتلة عظيمة بعد وفاة نادرشاه في البنادر مع جماعة الإفرنج المشهورين بالفرنسيين، حتي صفّا عنهم الجزائروالخليج وقصته مشهورة.
فصل
في أسماك البحرين وحوتها
ولحومها الّذ من سائر لحوم الأسماك، بل لحوم الأسماك التي تكوّنت في هذا البحر ـ أعني البحر الفارسي ـ أطيب والذ من سائر حيتان البحار، وقد ذكر علماء الطبيعة بأن السمك يستنشق بأصداغه، فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه مقام الهواء، وإنما استغني عن الهواء في إقامة الحياة ولم نستغن نحن عنه.
قال الجاحظ: ونسيم الهواء الذي يعيش به الطير لو دام علي السمك ساعة قتله، وما ذكره الجاحظ من كون النسيم يضر بالسمك فليس علي إطلاقه، لإن من السمك نوع يطير علي وجه الماء مسافة طويلة ثم ينزل كما هو مشاهد في الخليج، وللسمك أنواع وأحسنها وأطيبها والذها: الحمام، ثم الراشكو، والبياح العربي، والسبيطي، والصافي، ومن أصنافه ما هو علي شكل الحيات فرب سمكة تأتي في بعض فصول السنة وتنقطع في بعضها، ومن جملة أنواعه: السقنقور، والدلفين، والتمساح، ونوع منه المسمي بربيان المعروف عند الأعاجم بميگو وله حلقة عجيبة ولحم حار بعكس لحوم غيره فإنه بارد رطب، وربيان البحرين أغلي من ربيان بحر عمان وسائر الجزائر وأفخر.
قال بعض الطبيعيين: ويكره من جملتها الأسود والأصفر والأجامي، وسمك الأنهار والعيون بل ترث الأمراض المزمنة، ومن أنواعها سمك يقال لها: الكواف ولصيده أمر غريب وشأن عجيب؛ لأن للصيادين طبيلات يطبلون بها، وهم يستعملونها في الليالي المقمرة فيجتمع هذا النوع من السمك حول السفينة التي فيها الصيادون فيسهل صيدها، وهو مخصوص ببعض فصول السنة، وهو بجملته كثير الأكل لبرد مزاج معدته وقربها من فمه، وإنه ليس له عنق ولا صوت.
وفي البحرين ما يوجد من أقسامه غير ما ذكرنا إلاّ بعض الأقسام الأخر الذي ضبطناه ورأيناه مثل: الميد العربي، وجمجام، وميد صفطي، واشكون، وچفدار، وچنعد، وحاكول، ووحار، وجنبس، ومچوه، وكرارج، وسلوس، وفي بحر عمان وسائر جزائر فارس يوجد غير هذه الأقسام، بل لا تُعدّ كما في بلدتنا بوشهر مثل: الحلوا وهو قسمين الأبيض والأسود، وخارو، ومشعوم، وشوريده، وكباب، وغبات، وثير وغير ذلك.
فصل
في ذكر تكون اللؤلؤة
قال المسعودي: وقد ذكرنا كيفية تكوّن اللؤلؤ وتنازع الناس في تكوّنه، ومن ذهب منهم الي أن ذلك من المطر، ومن ذهب منهم الي أن ذلك من غير المطر، وصفة صدف اللؤلؤ العتيق منه والحديث الذي يسمي بالمحار والمعروف بالبلبل، واللحم في الصدف والشحم وهو حيوان يفرّغ ما فيه من اللؤلؤ والدر خوفاً من الغاصة كخوف المرأة علي ولدها، وقد أتينا علي ذكر كيفية الغوص، وإن الغاصة لا يكادون يتناولون شيئاً إلاّ السمك من اللحمان والتمر لا غيرهما، من الاقوات وما يلحقهم وذكر شيء، إذ أنهم لخروج النفس من هناك بدلاً عن المنخرين يجعل عليهما من الدفل أو من القرن بقسمها كالمشقاص لا من الخشب، وما يجعل في آذانهم من القطن فيه شيء من الدهن فيعصر من ذلك الدهن اليسير في الماء في قعره فيضيء لهم بذلك في البحر ضياءً بيناً، ومايطلون به أقدامهم وشفاههم من السواد خوفاً من بلع دواب البحر إياهم ـ الي ان قال ـ وللغواص واللؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة.
وللعلماء في ذلك إختلاف عظيم، والذي استفدناه من تتبع مستخرجات أصناف الحيوانات البحرية من كلمات أرباب الهيئة الجديدة: أن اللؤلؤ رشحة من رشحات الدود المعروف بابيكول الذي هو نوع من المالوس الدود البحري الذي يعيش في طبقات الماء، وبيان ذلك: أن هذا النوع من الدود إذا أراد التغذي استجلب الحيوانات الذرّة الي جوف الصدف، فربما صادف معها حين دخولها شيء من الذرات السنخية فتتصدع الدودة بملاحقة هذا النوع من الذرات السنخية، فترشح عليها رشحة هي مادة اللؤلؤ، فتتكون حسب مشيئة الله تعالي لؤلؤة تامة، ثم يغطيها بغطاء يحجبها عنها، وكذلك الصدف رشحة من رشحات هذا الدود: وذلك أن هذا النوع يبيض كالسمك فإذا انفقست البيضة عن الدودة رشح جنباها وظهرها مادة النورة مايعة فبالتصاق ماء البحر يحصل فيها الإنجماد فيصير صدفاً، وهو بمنزلة الجلد الثاني للدودة، بحيث يكون إنطباقه وإنفتاحه بإختيارها وإرادتها، وهذا الصدف إنما هو نوره يستعمل في مضانّه.
والغوص مختص بجزيرة سيلون والبحرين وعمان وخارك والبحر الأحمر وخليج المكسيكا، وعمق ماء اللؤلؤ عشرة أذرع الي عشرين.
والقول بأن تكوّن اللؤلؤ من ماء المطر إن صدر عن أهل العصمة فمؤل، اللّهم إلاّ أن يقال إنها تكوّنت من مطر نيسان وهو من جزء مادة الدودة، ويقربه ما قالوا من إنها قلّت إن قل ماء مطر نيسان إذ له مدخلية تامة في تكون الدودة.

 

الباب الثامن
في ذكر مواضع البحرين
التي ضبطها صاحب القاموس
وإنما جمعها هنا لتكون علي بصيرة ومعونة علي إنكشاف حالة هذه الجزيرة.
قال في القاموس: وطياب كزُنّار: بلدة بالبحرين، وقصية كجهينة: موضع بالبحرين، واللعباء: سبخة معروفة بالبحرين منها الكلاب اللعبانية، وجواثي ككسالي:مدينة الخط أو حصن بالبحرين وما بين موضع بالبحرين والصهابي موضع بالبحرين، ومُريداء: بالبحرين أي قرية، وأسبد كأحمد: بلدة بهجر، وبحرة: موضع بالبحرين، وجور: قرية بالبحرين، ودُبير كزبير: قرية بالبحرين، ودارا: ناحية بالبحرين، وشقراء كذكري: تمرها جيد، وكغطم: حصن بالبحرين، وعقير كزبير: قرية بهجر علي البحر، وقرة: قرية بالبحرين، وبخران: موضع بالبحرين، ووجر: قرية بهجر، والمرز: قرية بالبحرين، والبيضاء: موضع بالبحرين، والبيضاء ايضاً: موقع بالقطيف، وخوض الثعلب: موضع وراء هجر، والقرضة: قرية بالبحرين، وقليعة كجهينة: بلدة بالبحرين، والشبعان: جبل بالبحرين، ونطاع ككتاب: بلدة بالبحرين لبني رزاح، وولنون: بلدة بالبحرين، وشوكان: موضع بالبحرين، وعُنك كزُمز: بلدة بالبحرين، وغلغل كهدهد: جبل بنواحي البحرين، وأدمر: ناحية قرب هجر، وبينونة: بلدة بالبحرين، والجونين: بلدة بالبحرين، والعيون: كورة بالبحرين، والنجوة: بلدة بالبحرين.
الباب التاسع
في ذكر وقعات البحرين وما صدر عليها
من كلام علي (عليه السلام) : ياويل جزيرة أوال من وقعات تترادف عليها من كلّ ناحية، فيؤخذ كبارها، وتهتك صغارها، وإني لأعرف بها تسع وقعات: فأول وقعة بها في جزيرة منفردة عنها من قرنها الشمالي الشرقي، يقال لها سماهيج، ووقعة في البحر من جانب الشمال قريب من القلعة، ووقعة تكون في الطريقين قريب من السطر المذكور بالماجي في آخر الزمان، ووقعة بين النهرين يمين بلدها في ميدانها، ووقعة تكون بين الأثلة والمسجد المنفرد، ووقعة تكون عند الجبل العالي بين التلين المعروفين، ووقعة تكون بين الكرخ والجادّة بين شجر النبق من ناحية المغرب عند الكرخ، ووقعة تكون بين الحورتين، وهي التاسعة الطامة فيقتل فيها ثمانية آلاف قتيل، فعندها يقتل الفارس المذكور فيأخذ الثأر ويكشف العار، قريب من ساحل البحر، ألا ياويل أهل الخط وما يحل بها من وقعات مختلفات يتبع بعضها بعضاً، وأني لأعرف بها ست وقعات:
فأول وقعة منها بالبطحاء، ووقعة بالجارودية، ووقعة بالصفاصف، ووقعة في سوق الخبازين، ووقعة بالساحل، ووقعة بالجزيرة المتنحية عن الخط من الجانب الشرقي تسمي بالأوال المجف، وهي بعد ضرب أسياف، وهي التي يهاب ذكرها، وهي الخايف ميتمة الأولاد، ومرملة النسوان، ومفرقة الجمع، فالويل لمن حضرها والويل لمن غاب عنها، وهي بعد إختلافٍ وضرب أسياف بين ثلاث فرق لا يفرق أي الباغي منهم، ألا وإن أهل الخط أعظم من قوم عاد في الفساد، الا وإن أهلها تنتقل منها، وتُخرب خراباً بئس الخراب، وتُعمر بئس العمار، وذلك بعد مضي السنة السادسة والعشرين ومائة وألف من الهجرة، هجرة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.
ألا ياويل لأهل هجر مما يحّل بها مما يلي سورها الي شرقي الكرخ، فوقعة عظيمة بالقنطرة تحت البيداء، ثم بالحسناء، ثم بالاراكة، ثم بالقرين، هذا آخر ما أخبر ـ عليه السلام ـ من الوقائع الصادرة علي البحرين، وقد أشرنا فيما مضي بمجمل الوقائع، فيجيء شروحها إن شاء اللّه في طيّ حالات العلماء.
الباب العاشر
في قصة الوزير مع أهل البحرين بالرمانة
قال المجلسي ـ نوّر اللّه مضجعه ـ في البحار، قال: أخبرني بعض الأفاضل الكرام والثقات الأعلام، قال: اخبرني بعض من أثق به، يرويه عمّن يوثق به، أنه قال: لما كانت بلدة البحرين تحت ولاية الإفرنج جعلوا واليها رجلاً من المسلمين ليكون أدعي إلي تعميرها وأصلح بحال أهلها، وكان هذا الوالي من النواصب، وله وزير أشدّ نصباً منه، يظهر العداوة لأهل البحرين لحبهم لأهل البيت عليهم السلام، ويحتال في هلاكهم وإضرارهم بكلّ حيلة، فلما كان في بعض الأيام دخل الوزير علي الوالي وبيده رمانة فأعطاها الوالي؛ فإذا مكتوب عليها لا اله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه، ابو بكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فتأمل الوالي فرأي الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون من صناعة بشر فتعجب من ذلك!؟ وقال للوزير: هذه آية بينة، وحجة قوية علي إبطال مذهب الرافضة، فما رأيك في أهل البحرين، فقال له: أحلمك اللّه إن هؤلاء جماعة متعصبون ينكبون عن البراهين، وينبغي لك أن تُحضرهم وتريهم هذه الرمانة، فإن قبلوا ورجعوا الي مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك، فإن أبوا فخيرهم بين ثلاث: أما أن يؤدوا الجزية وهم صاغرون، أو يأتوا بجواب عن هذه البينة التي لا محيص لهم عنها، أو تقتل رجالهم وتسبي نسائهم وأولادهم، وتأخذ الغنيمة من أموالهم، فاستحسن الوالي رأيه وأرسل الي العلماء والأفاضل الأخيار والنجباء والسادة الأبرار من أهل البحرين وأحضرهم وأراهم الرمانة وأخبرهم بما رأي فيهم إن لم يأتوا بجوابٍ شافٍ من القتل والأسر وأخذ الأموال، أو أخذ الجزية علي وجه الصغار كالكفار.
فتحيروا في أمرها ولم يقدروا علي الجواب، وتغيرت وجوههم وأرتعدت فرائصهم، فقال كبرائهم: أمهلنا أيها الأمير ثلاثة أيام لعلنا نأتيك بجواب ترتضيه، وإلاّ فاحكم فينا بما شئت، فأمهلهم فخرجوا من عندهم خائفين مرعوبين متحيرين، فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلك، فاتفق رأيهم علي أن يختاروا من صلحاء البحرين وزهادهم عشرة، ففعلوا ذلك ثم اختاروا من العشرة ثلاثة، فقالوا لأحدهم: اخرج الليلة الي الصحراء واعبد اللّه فيها واستغث بامام زماننا وحجة اللّه علينا لعلّه يبين لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء.
فخرج وبات طول ليلته متعبداً خاشعاً باكياً يدعو اللّه ويستغيث بالإمام، حتي أصبح ولم يرَ شيئاً، فأتاهم وأخبرهم.
فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم، فرجع كصاحبه ولم يأتهم بخبر، فازداد قلقهم وجزعهم، فاحضروا الثالث، وكان تقياً فاضلاً اسمه محمد بن عيسي، فخرج الليلة الثالثة حافياً حاسراً الي الصحراء، وكانت ليلة مظلمة فدعي وبكي وتوسل الي اللّه سبحانه وتعالي في خلاص هؤلاء المؤمنين وكشف هذه البلية عنهم، واستغاث بصاحب الزمان.
فلما كان في آخر الليل فإذا هو برجل يخاطبه ويقول: يا محمد بن عيسي مالي أراك علي هذه الحالة، ولماذا خرجت في هذه البرية، فقال: أيها الرجل دعني فإني خرجت لأمر عظيم وخطب جسيم، لا أذكره إلاّ الي إمامي ولا أشكوه إلاّ لمن يقدر علي كشفه عني، فقال: يا محمد بن عيسي أنا صاحب الأمر عليه السلام فاذكر لي حاجتك، فقال: إن كنت هو فأنت تعلم حاجتي وقصتي، ولا تحتاج الي أن أشرحها اليك، فقال له: نعم خرجت لما دهمكم من أمر الرمانة، وما كُتب عليها وما أوعدكم الأمير به.
قال فلما سمعت ذلك منه توجهت اليه، وقلت له: نعم يا مولاي قد تعلم ما أصابنا وأنت إمامنا وملاذنا والقادر علي كشفه عنّا، فقال (عليه السلام) : يا محمد بن عيسي إن الوزير في داره شجرة رمان، فلمّا حملت تلك الشجرة صنع شيئاً من الطين علي هيئة الرمانة، وجعلها نصفين وكتب في داخل كلّ نصف بعض تلك الكتابة، ثم وضعهاعلي الرمانة وشدهما عليها وهي صغيرة، فأثرفيها وصارت هكذا.
فإذا مضيتم غداً الي الوالي فقل له: جئتك بالجواب، ولكني لا أبديه إلاّ في دار الوزير، فإذا مضيتم الي داره فانظر عن يمينك تري فيها غرفة، فقل للوالي: لا أجيبك إلاّ في تلك الغرفة وسيأبي الوزير عن ذلك، وأنت بالغ في ذلك، ولا ترضَ إلاّ بصعودها، فإذا صعد فاصعد معه ولا تتركه وحده يتقدّم عليك، فإذا دخلت الغرفة رأيت كوّة فيها كيس أبيض، فانهض اليه وخذه فتري فيه تلك الطينة التي عملها لهذه الحيلة، ثم ضعها أمام الوالي وضع الرمانة فيها لينكشف له جلية الحال.
وايضاً يا محمد بن عيسي قل للوالي: إن لي معجزة اخري، وهي إن هذه الرمانة ليس فيها إلاّ الرماد والدخان، وإن أردت صحة ذلك فأمر الوزير بكسرها، فاذا كسرها طار الرماد والدخان علي وجهه ولحيته، فلما سمع محمد بن عيسي ذلك من الإمام فرح فرحاً شديداً، وقبّل ما بين يدي الإمام وانصرف الي أهله بالبشارة والسرور.
فلما أصبحوا مضوا الي الوالي، وفعل محمد بن عيسي كلّ ما أمره به الإمام، وظهر كلّ ما أخبره فالتفت الوالي الي محمد بن عيسي وقال له: من أخبرك بهذا، فقال: إمام زماننا (عليه السلام) وحجة اللّه علينا، فقال: ومن إمامكم فأخبره بالأئمة (عليه السلام) واحداً بعد واحد الي أن انتهي الي صاحب الزمان عليهم السلام، فقال الوالي: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمداً رسول اللّه وأن الخليفة من بعده أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ثم أقرّ بالائمة الي آخرهم، وحَسُن إيمانه وأمر بقتل الوزير واعتذر الي أهل البحرين وأحسن اليهم واكرمهم، قال: وهذه القصة مشهورة عند أهل البحرين وقبر محمد بن عيسي معروفاً تزوره الناس، انتهي ما أردنا نقله من بحار الأنوار.
حادثة غريبة:
وفي السنة الثانية بعد الألف انقض حجر سماوي، وسُمع لإنقضاضه صوت هائل، وأهتزت الدور والأماكن، فطار في الهواء حتي قرب من البحرين، فاستغاث الناس وظنوا ذلك من إمارات القيامة، وتوقف في الهواء مدة، فأحسوا حرارة النار من تلك الجمرة العظيمة، ثم طار واغرق نفسه في البحر، فظهر صوت في البحر كصوت الف مدفع، وبعد ذلك فشت بعض الأمراض في البحرين، فامرهم حكيم هناك بشرب التتن كالمتعارف بينهم، وهذه الحادثة مشهورة بين أهل تلك الجزيرة واللّه العالم.
بلية عظيمة وهي المعروفة بوقعة العبد:
وبها أشار علي (عليه السلام) في خطبته المتقدم ذكرها، نُقل أن سلطان مسقط أرسل عبداً من عبيده إلي البحرين لأمر القضاء، وأمر العلماء والأكابر بالإئتمام به والإنقياد له، فجاء العبد إلي البحرين وأفتي الناس بفتاوي لم يسمع مثلها في الأعصار، ولم تُذكر في الأمصار مثل حكمه بين المتخاصمين بأن المدّعي يحلف والمدّعي عليه يحلف والمال لي قوموا روحوا، وغير ذلك من المحاكمات الغريبة.
ومن جملة مواعظه اياكم والقبب يعني ضرائح الأئمة عليهم السلام، فبقي في البحرين مدة حتي ضاقت الأرض علي العلماء والأكابر، فشكوا إلي سلطان مسقط فلم يجبهم، ثم إن العبد الملعون أمر غلمانه بالتعدي علي الشيعة، فأخذوا أموال الناس بالباطل، وصدوا عن سبيل اللّه، وأخمدوا مصابيح السنة، واظهروا البدعة، فاشتدت التقية علي الشيعة، ففر بعضهم الي بلاد العجم، والبعض الآخر الي الهند، فبعض الأكابر والعلماء أجمعوا علي طرد ذلك الملعون، حتي دارت الحرب بين العبد وعساكر إبن سعود وأهل البحرين، فصارت بينهم ملحمة عظيمة، والي هذا أشار شيخنا الأمين الشيخ ياسين البحراني في ديباجة رسالته المسماة بالقول السديد في شرح كلمة التوحيد، قال بعد كلام طويل: حتي دهمتنا تلكم الداهية الهامة، وصدمتنا هاتيك المصيبة السامة اللاّمة، مصيبة ما وقع من قديم لها نظير، ولم يسمع بمثلها خبير بصير، ولم تخطر بخاطر ذي خطر، هي تلك الطامة العامة للزلزال، والمشتملة علي جميع البلايا وشدائد الأهوال، الواقعة بأوقع الوقائع في جزيرتنا أوال، فإنه قد جرد الزمان عليها صارم العدوان، وأفني من كان فيها من السكان، وأضرم نارغاراته عليها، حتي أباد كلّ من كان فيها، وهي الديار التي انيطت بها علي التمائم، وغنّت لدي فيها مطربات الحمائم، وأوال أرض مس جلدي ترابها، وأقدم ساحة عذب في مذاقي شرابها، وقد جمت عن الزمان عليها حروفه، وعمّت لديها خطوبه وحتوفه، وعاشت كتائب نوائبه، وجمت عجائب مصائبه، فاضرمت نيران الفتن، في مرابع أهل الايمان، وشُنّت الغارات والمحن في معالم ذوي العلم والإحسان، حتي لم يبقَ في ساحاتها إلاّقوم ببلدخ عجفي، ولا من عرصاتها إلاّ زمنة من أم أوفي، شعر:
خلت من أهاليها الكرام واقفرت
فساحاتها تبكي عليهم تلهفا
وأوحش ربع الإنس بالإنس بعدهم
كأن لم يكن بين الحجون الي الصفا
فإنه قد أصلت عليها صارما بالفناء لا ينبوا
واجري في عرصاتها جواد بالجور لا يكبوا
ومد اليها سحائب المصائب وعليها أجري
فها هي الآن من أهاليها خالية قفرا
ومرابعها الاربعة من ربيعها عديمة صفرا
شعر:
أضحت معالمها تبكي عوالمها قد بدلت بعد ذاك الداري بالداري
عرصاتها آيسةٌ من الأنيس ومدارسها دارسة من أهل التدريس
شعر:
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
فيا لها من مصائب ما أصيب أحد بها غيرنا وبلايا ما بلي بمثلها مخلوق في هذه الأزمنة دوننا ولقد كنّا أول في الأوال آمنين، وتحت ظلها الثخين، وفي كنفها المستقيم ساكنين، ومن طيب شرابها سكاري نائمين، ومن نغمات غوانيها حياري حائمين، أيامها ما كانت من أيام الدنيا، بطيب وانشراح وغنا، كلّ فن من فنونها قد فاق، فعالمها قد بلغت به الآفاق ومباحثها في بحثه لا يجاري ولا يطاق، قد حاز من دون الملأ قصب السباق، ومؤمنها الا كمؤمن الطاق، للّه ما كان أحلي ذلكم المذاق، واسهي ذلك الشوق والإشتياق، حتي لقد أصابتها سهام العين، ونعق في اكنافها غراب البين، فشتت ما بقي من أهلها في جميع البلدان، بل كمنتور الهبا، كأنه قد فشي بينهم الطربان، بعدما أن ملئت أزقتها من القتلي والجيف من اولئك الاعلام والسادات واولي الشرف، فقبورهم بطون الكلاب الضارية بعدما ان رووا من السيوف الماضية، فكانت الحياة بعد تلك الأوقات غير لذيذة ـ الي ان قال ـ: وكان ممن تغصص من ذلك العلقم، وتجرع من مرارة كوؤس ذلك السم الذي هو انفث سماً من الأرقم، وتشربه حتي امتلأ، وجري في جوفه حتي انتحل وابتلا، وترك من حساب الأحياء، وعُدّ من جملة اولئك القتلي، كاتب هذا التدوين، ومحرر هذا التبيين، فكم من سيف قد حطمه، وكم من رمح لطمه وهشمه، وإني قد كنت علي يقين أني من جملة اولئك الهالكين، وفي هاتيك المصر ممن قتل عياناً وجهراً، ولكن من فضل ربي ذي الجود والجلال أحياني.
جزيرة خارك:
أيضاً من جزائر فارس، فطولها من الشرق الي الغرب ستة اميال، ومنتهي عرضها ميلاً، وفيها النخيل والأعناب والتين وسائر الأشجار، وفيها جبل فيه الغزال، وعلي الجبل مشهد عظيم يرونه من مكان بعيد، ويزعمون أنه قبر محمد بن الحنفية ـ رضي اللّه عنه ـ، والحق أنه مشهد الشاه محمد خدا بنده ـ رضي اللّه عنه ـ وفيها مغاص اللؤلؤ، وما فيها من الآبار العذبة القريبة من البحر، وفي الحقيقة فإنها أعذب المياه سبحان القادر، وعدد سكانها ألف وخمسمائة، وفي الزمان السابق كان أهلها أكثر، وتدل عليه البيوتات الخالية والمساكن المنظمة.
قشم:
جزيرة كبيرة وفيها قري كثيرة، وكان سنة واحد بعد الالف والمائة علي ما صرح به صاحب السلافة عدد سكانها ثمانين ألف رجل والان ما بقي من بيوتها إلاّ قليلاً، والقري المعمورة الان أزيد من ثلثمائة وستين، فطولها عشرون فرسخاً.
خارك:
عرض 29 درجة جهة الشمال 30دقيقة، طول 50 درجة، 30 دقيقة جهة الشرق.
فيلس:
عرض 26 درجة 31 دقيقة جهة شمال، طول 54 درجة جهة شرق.
قشم:
عرض 26 درجة 50 دقيقة شمال، طول 56 درجة جهة شرق في عرض البحرين وطوله بالنسبة الي خط الاستواء.
قال ابو الريحان في ضبط الجزائر: بحرين جزيرة من بحر العجم عرضه 26 درجة جهة شمال، طوله 50 درجة 40 دقيقة جهة شرق
جزيرة بو شعيب:
من بحر فارس عرض26 دقيقة50 دقيقة جهة الشمال، طول 53 درجة 20 دقيقة من بحر فارس جهة شرق.
هرموز:
من بحر فارس عرض 47 درجة جهة الشمال، طول 56 درجة 40 جهة الجنوب عدد سكانها 5556.
جزيرة قيس:
جزيرة في فارس دورها اربع فراسخ، قال في المعجم: انها مدينة حسنة مليحة المنظر، ذات سور وأبواب وبساتين وعمارات، وهي مرفأ مراكب الهند والفرس، ومنقلب البحارة ومتجر العرب والعجم، شربها من الآبار، وحولها جزائر كلّها لصاحب قيس لكنها في الصيف أشبه شيءببيت الحمام حار شديد السخونة.
وأما الأحساء بالبادية كثيرة منها: إحساء بني سعد بحذاء هجر، وإحساء خرشاف بلدة بسِيف البحرين، وإحساءالقطيف، واما مدينة الإحساء التي عمرت واشتهرت في عصرنا فهي بالبحرين علي مرحلتين من القطيف الي الجنوب الغربي، وكان أول من عمّرها وحصّنها وجعلها قصبة بلاد هجر أبو طاهر القرمطي المار ذكره؛ لان تلك البلاد كانت بيده وهي الآن قصبة البلاد المذكورة، وربما اطلق عليها اسم الإحساء، وفي الإحساء مياه جارية وينابيع شديدة الحرارة، ونخيلها كثير يحمل منها التمر الي نواحي اليمامة فيستبدل بالحنطة، وعدد سكانها علي ما قيل عشرة آلاف.
دورقستان:
أيضاً جزيرة ببلاد فارس ترقي اليها مراكب البحر التي تقدم من ناحية الهند، لا طريق لها إلاّ إليها، وبها نخل كثير وفي وسطها قلعة كانت في أيام الخلفاء يجلس فيها من كانت جريمته عظيمة، يحمل منها التمر والحنطة والشعير الي سائر الجزائر والبنادر، وعدد نفوسها خمسة عشر ألفاً وقيل اكثر واللّه العالم.
قطيف:
بُليدة بناحية الإحساء وهي علي ساحل بحر فارس، وبها مغاص اللؤلؤ وهي ذات نخيل ولها سور وخندق، ولها أربعة أبواب والآن هي من ممتلكات العثمانية.
الباب الحادي عشر
في ذكر محاسن اهل البحرين وشعرائها وعلمائها
ـ رضوان اللّه عليهم ـ
1ـ الشيخ فرج الخطّي ـ رحمة اللّه عليه ـ:
شهاب الفضل الثاقب، الشهير المآثر والمناقب، سطع في سماء الأدب نوره، وتفتق في رياضه زهره ونوره، وامتد في البلاغة باعه، فشق علي من رام أن يشق غباره اتباعه، وله نظم بديع الأسلوب يملك برقته المسامع والقلوب، له ديوان كبير في مجلدات، ومن جملة قصائده البديعة مطلعها:
أسمعت سجع الورق ساعة غردوا فوق الغصون ودمع عيني شردوا
الي ان قال:
سجعوا فعيني لا تجف دموعها صباً ونار صبابتي لا تبرد
ايهٍ حمام الأيك ارجع واستمع مني لبين أحبتي ما انشدوا
من لي بمن وعدوا الوفاء وبعده سمعوا الوشاة وبالجفاء توعدوا
وتحملوا الأعباء من سفك الدماء فخذ ودّهم بنجيعة تتوردُ
جلسوا علي نجب الملاحة فاعتدوا بالجور في شرع الهوي وتمردوا
واستحسنوا في الدهر أن لم يحسنوا هذا وثروة حسنهم لا تنفدُ
ما الإنتفاع بثروة لا يرتجا معروفها وبخلة لا تنجدُ
فلذاك اطلقت الأعنة قاصداً لكريم أهل البيت نعم المقصدُ
أعني الأمام المحسن الحسن الذي بمحاسن الإحسان قد يتفردُ
برٌ كريمٌ قد نماه حيدر تاج الكرامة والنبي محمدُ
ـ الي ان قال ـ:
فالوالد الشمس المنيرة في العلي والأم بدر الأفق وهو الفرقدُ
قرط علي عرش الإله معلّق نورٌ علي السبع الشداد يوقدُ
ريحانة المختار وإرث علمه فالصيد في جوف الفراوالسؤددُ
حدّث عن البحر المحيط بعلمه وبجوده فلك المكارم شهدُ
خير الوري مجد الفرا ليث الشرا عالي الدُرا فيما تري والسيدُ
هو الصائم الصيف الهجر وقائم الليل البهيم العابد المتهجدُ
وهو الإمام الحق غير مدافع وله الإرادة أ يقوم ويقعدُ
لكنما الدنيا رأي تحريمها لطلاق والده لها يتأبدُ
والسائلون أباحهم أمواله نهباً فهل كرمُ كذلك يوجدُ
وله الكرامات التي عن عدّها عجزت رواة الصدق فيما أوردوا
منها علوم الغيب والإخبار عن أمر يكون وحادث يتجددُ
ومن الجذوع اليابسات قد اجتني رطباً جنياً والمعاند يجحدُ
ـ الي أن قال ـ:
وله الفضائل والمآثر والعُلي والفخر والمجد الأثيل الأمجدُ
مالي سواكم آل بيت محمدٍ من بعد ربي مقصد لي أقصدُ
جودوا عليَّ فرج بما جدتم علي من امّكم يبغي السعادة وأسعدوا
ثم الصلوة عليكم من ربكم فرض علي كلّ الوري يتأكدُ
2ـ السيد علوي بن سليمان البحراني:
إنه أفضل من تقدّم وتأخر، عمدة علماء الأدب، العارف بأنساب العرب، ولم أجد من تأليفه شيئاً إلاّ كتاباً في نسبه ونسب أجداده، قال: الحمد للّه الذي رفع أوليائه بأعلي رُتب، وخص نبيه محمداً بأشرف نسب، والصلوة والسلام علي من افتخر به الأقربون علي من سواهم، وأستضاء بمصباحه الأبعدون دنياهم وآخرهم، وعلي آله وخلفائه مهجة قلبه وخراج مائه.
أما بعد: فأقول وأنا المحتاج إلي رحمة ربه الجواد، علوي بن سليمان الملتمس من اللّه السداد في كلّ آن: إن كل فخر لا تعلم علته فهو هباء، وكلّ شرف لا يلوح برهانه فباطل الدعوي، فخر لا يخفي علي من نظر إلي هذه الأسطار،ما أولانيه مولاي من الشرف والفخار، أقول وأنا علوي بن سليمان بن محمد بن عبد الجبار بن حسن بن عبد الجبار بن حسين بن محمد بن علي بن سليمان بن علي الملقب بقارون الزاهد بن ناصر بن سليمان بن محمد بن الحسن الملقب بالمرتضي بن أحمد بن يوسف بن حمزة بن محمد بن الحسين بن موسي بن علي بن جعفر بن الحسين بن أحمد الملقب بسيد السادات بن العبد الصالح إبراهيم الملقب بالمرتضي بن الإمام موسي الكاظم (عليه السلام) بن جعفر الصادق (عليه السلام) بن محمد الباقر (عليه السلام) بن علي بن الحسين ^ أخي الحسن (عليه السلام) ، بني الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أبني فاطمة الزهراء (عليه السلام) إبنة محمد المصطفيصلى الله عليه وآله وسلم.
ثم أخذ في حالاتهم ـ صلوات اللّه عليهم ـ وهو كتاب جيد، ثم قال: كتبه علوي بن سليمان سنة 1214.
3ـ الشيخ محمد بن خليفة البلادي البحراني:
هو من أولي المفاخر، ومن علماء الأكابر، غوّاص بحري البديع والعروض، وكشّاف مشكلات المسنون والمفروض، له رسالة في المناسك، وكتاب في الغزليات والقصائد، ومنها:
هي المنازل عنها قوض النزل قفارها النفس إن جفت لك المقل
وقف بمربعها العافي وسَله وهل يستخبر الحي أو يستنشد الطلل
أمست خلاء فلا أهل ولا كلل ولا تغازل غزلان ولا غزل
هي الديار تغشاها البلا زمناً وأصبحت وعليها يحجل الحجل
وقفتُ والصُحب من حولي تطارحني شكوي الفراق وفي أحشائنا شعل
ـ إلي أن قال ـ:
فواصلوها وسن الموت كاشرة وفارقوها وسن الحرب مكتهل
إن كبّر القوم يوم الحرب كان بهم هو المصلي وتهوي قبله القلل
يحمي الديار ويجلي العار محتفظاً حق القرابة لا ذنب ولا زلل
هم الأماجد أرباب الحفاظ وكَم قوم أضاعوا له حقاً وماجهلوا
في نصره يوم قلّ النصر قد بذلوا أسني النفائس لا يرجي لها بدل
مات ـ قدس سره ـ سنة 1010، العاشر بعد الألف ـ رحمة اللّه عليه ـ.
4ـ السيد المرتضي العلوي البحراني:
كان شاعراً بليغاً فصيحاً، وكان أورع فضلاء زمانه، وله كتاب القصائد والمراثي، ومات ـ قدّس سرّه ـ سنة 1111، ومن جملة قصائده الفاخرة في رثاء أهل بيت العترة الطاهرة:
ناءت جيرة عن ذات عرق فتهمد وشط التداني فاجزعي او تجلّدي
ـ الي أن قال ـ:
إذا لم يكن بدٌ من الحزن والبكاء فلا تجزعي إلاّ لآل محمدِ
أصابتهم أيدي المصائب فاغتدوا بأسوء حالٍ في الزمان وأنكد
رمتهم بنبل الحقد آل أمية فمن بين مسموم وبين مشرّدِ
ـ الي أن قال ـ:
بكم آل طه همتي ومدائحي وحزني وتذكاري وحسن توددي
أنا العلوي المرتضي عبد عبدكم وأنتم حماتي في حياتي وفي غدي
عليكم سلام اللّه ما اشتاق مغرم واطربه صوت الحمام المغرّدِ
5ـ الشيخ محمد بن الحاج يوسف الأمير زيدي البحراني:
وكان من اُدباء البحرين وشعرائها، له رسالة في البديع ورسالة في العروض، وله كتاب القصائد والمراثي، ومن قصيدته الفاخرة في وفاة عليّ (عليه السلام) :
مدامع عيني سكبها لا يفتر وأحزان قلبي نارها تتسعّر
وحزني طويل دائم ومؤبدٌ ودمعي مدي الأيام يهمي ويقطر
فلا مدمعي يطفي نيران لوعتي ولا حزني يفني ولا الوجد يفتر
بكيت وأحييت البكاء لا لمعشر أصابهم للبين سهم يدمّر
ولكن بكت عيني لمولاي حيدر ومصرعه منه الجبال تفطّرٌ
ـ الي أن قال ـ:
فها أنا أرثيه وأبكي لشجوه وقلبي حليف الحزن والعين تسهرُ
وإني بتوفيق الإله منظمّ لمقتله وهو الحليم المدبرُ
وبالجملة فمدائحه كثيرة، وأشعاره بين أرباب المراثي شهيرة، ولا يحضرني الآن تاريخ وفاته ـ رحمة اللّه عليه ـ.
6ـ السيد عبد الرؤوف الجد حفصي:
وكان عالماً شاعراً نحوياً عروضياً أديباً خطيباً، له كتاب نفيس في خطب الجمعة، وكتاب في تاريخ الشعراء، وكتاب في القصائد والمراثي، ومن قصائده الفاخرة:
إلي كم تطيل النوح حول المرابع وتدرّي علي الدارات درّ المدامع
وتندب رسماً قد محته يد البلا وتشجيك آثار الطلول البلاقع
وتقضي غراماً عند تذكار دمنة لا رام أنس في القلوب رواتع
ـ الي أن قال ـ:
فهم أمناء اللّه في هل أتي أتي مديحهم بالنص غير مدافع
براهين فضل قد جلّت عن معارض وآيات فصل قد علت عن مضارع
بهم أشرق الدين الحنيف غبّ ما دجي وتجلّت مبهمات الشرائع
ـ الي أن قال ـ:
فحبكم في الحشر أقوي وسيلة وعقد ولاكم ثم أوجه شافع
برئت من الأديان والملل التي تخالفكم من مالكي وشافعي
وهذهِ القصيدة قريب من مائتي بيت، ولم يحضرني تاريخ وفاته، فأمّا قبره الشريف في الجد حفص فمشهور ـ رحمة اللّه عليه ـ وله من الأولاد السيد أحمد كما ستعلم إن شاء اللّه.
7ـ السيد أحمد بن السيد عبد الرؤوف البحراني:
وكان من بلغاء عصره، وفصحاء مصره، أديباً شاعراً، له حاشية علي ألفية إبن مالك، وشرح علي ديوان المتنبي، وله قصائد بديعة، ومن قصائده:
عيون المنايا للأماني حواجب ودون المني سهم المنية صائب
وكلّ إمرء يبكي وسيبكي هكذا صبابة ماء نحن والدهر شارب
فكم من لبيب غرّ منه بموعدٍ فصدّقه في قوله وهو كاذب
هو الدهر طوراً للنفائس واهب اليك وطوراً للنفيسة ناهب
ـ الي ان قال ـ:
اليكم ولاة الأمر خير قصيدةٍ يهذّبها رأي من الفكر صائب
عروس ولكن ليس تجلّي لغيركم عليها من الدر البديع عصائب
ـ الي ان قال ـ:
فأنتم عصي موسي لأحمد فيكم سليل الفتي عبد الرؤوف مآرب
8ـ السيد أحمد الزنجي البحراني:
وهو من قرية الزنج أحد قري البحرين، كان أديباً شاعراً عارفاً بالطب، وله كتاب في الأنساب، وكتاب في الأذكار، وكتاب القصائد، ومن قصائده:
منازلهم بالخيف من بعدهم قفر نأي ساكنوها ثم غيرها الدهر
وقفت علي أرجائها فوجدتها بسكب الحيا خضراً ولكنها صفر
معاهدها سود خلاف معاشر قلوبهم بيض وأسيافهم حمر
مات ـ قدّس سره ـ سنة 1182.
9ـ الشيخ عبد الباقي بن الشيخ أحمد العكبري:
أي العقيري قرية من قري البحرين ـ كما علمت آنفاً ـ عالماً بانساب العرب، مشهوراً بين فضلاء الأدب، له كتاب في تاريخ المولدين من الشعراء لم يسبق مثله سابق، ومن قصائده البديعة:
هذا اللوي فاحبس مطيك فاعقل واسأله عن قلبي وإن لم يعقل
ولم يحضرني ألآن تاريخ وفاته، وله من الأولاد الشيخ أحمد وكان من العلماء كما سيأتي تفصيله في حالات العلماء.
10ـ الشيخ محمد بن حسين السبعي البحراني:
وهو أفضل شعراء المولدين، جمع مع الشعر بعض علومه الأدبية، له رسالة في غرائب اللّغات، ورسالة في العروض، وله كتاب في المسائل المتفرقة، وهذه الرسالة تدل علي طول باعه وكثرة اطلاعه، وكتاب في القصائد، ومن قصيدته البديعة:
اهاجك في جنح من الليل فاحم حمام بكي فوق الغصون النواعم
تذكر الفا نازحاً فبكي له وأسهر جفني وهو ليس بنائم
بكي شجوه فوق الغصون وانما بكيت لشجوي لا تشجوه الحمائم
الي أن قال:
وسمعاً بني طه نظام فريده يدين لها في سكبها كلّ ناظم
ولا عيب فيها غير أني لم أجد لها من ذوي الأفهام إصغاء فاهم
ولو شاهد الفحل الفرد درّ نظمها لعاف الذي قد قال في مدح دارم
الي أن قال:
يحاكي بها السبعي ما قال جده سليم الحشا من لدغة غير سالم
وصلّي إله العرش ما لاح بارق عليكم وما سحت عيون الغمائم
ومن قصائده الفاخرة:
تقضي غرامي بالخليط المزايل وأقصرت عن شأوي فأقصر عاذلي
الي أن قال:
وقد آن ترحالي وطيّ مراحل وما هذه الأيام غير مراحل
وما الناس إلاّ راحل وابن راحل وباك يسح الدمع في إثر راحل
أجيراننا أعني الذين تحملوا الي منزل بين الثري والجنادل
ترحّلتم عنّا الي كلّ منزل بعيد وقيد الرمح من متناول
نسائلكم فيه وقد حكم البلا عليكم فما تبدون رجعاً لسائل
ومعشوقة يصبوا الي وصلها الفتي وكم حرمت حبلاً لخل مواصل
الي أن قال:
ودرة فكر البيت في جميلكم جمالاً فقس عندها مثل باقل
وله رسالة في قبلة البلاد، قال في آخرها: إنه بعد مراعاة قواعد علم الهيئة في بلادنا وغيرها، وإن كانت موافقة لمحاريبنا أومنحرفة يسيراً، فالإعتماد علي المحاريب وإن كانت مائلة ميلاً لا يجامع السمت، فينبغي أن تكون علي النحو الذي يطابق تلك القواعد، فبلادنا البحرين لمّا كانت منحرفة عن نقطة الجنوب الي الغرب تسع وخمسين درجة وثلاث وعشرين دقيقة، وأكثر محاريبها لا تنطبق علي ذلك، بل إنحرافها بأكثر من ذلك، فينبغي التياسر فيها علي وجه يقرب من ذلك المقدار، إلاّ أن محاريبها كلّها ليست محتاجة الي هذا التياسر الكبير كما هو مشاهد فيها واللّه العالم، مات ـ قدّس سره ـ سنة1011.
الشيخ علي بن حماد البحريني رضي ا\ عنه:
كان أديباً شاعراً زاهداً تقياً، فاشعاره مطلوبة عند العلماء، وله ديوان كبير في مديح الائمة عليهم السلام، وذكره جدي في كشكوله فعظّمه، وكذا الشيخ محمد تقي المجلسي فأكرمه،ومن ابياته:
للّه قوم إذا ما الليل جنّهم قاموا من الفرش للرحمن عبّادا
ويركبون مطايا لا تملهم إذا هم بمنادي الصبح قد نادي
الأرض تبكي عليهم حين تفقدهم لأنهم جُعلوا للأرض أوتادا
هم المطيعون في الدنيا لخالقهم وفي القيامة سادوا كلّ من سادا
محمد وعلي خير من خُلقوا وخير من مَسكت كفّاه أعوادا
وتوفي ـ قدس سره الشريف ـ سنة 999.
12ـ السيد محمد الملقب بالفليفل البحراني:
أشرقت في سماء الفضائل ذكاء ذكائه، وحرس به ناطق الجهل بعد تصديته ومكائه، فأصبح وهو للعلم والجهل مثبّت وماحق، وسبق الي غايات الفضل وما للوجيه لاحق، حتي طار صيته في الآفاق، وله مع الكاظم الآزري إتحاد ووفاق، وله ديوان في القصائد والغزليات، ومن قصائده في الرثاء:
يا نفس من هذا الرقاد تنبهي إن الحسين سليل فاطمة نُعي
وتوسلي عند الإله بأحمد وبآله فهم الرجاء في المفزعِ
آه لها من وقعة قد أوقعت في الدين أكبر فتنةٍ لم توقعِ
قتل الحسين فيا سماء ابكي دماً حزناً عليه ويا جبال تصدعي
ولم يحضرني تاريخ وفاته ـ قدس اللّه روحه ـ.
13ـ الشيخ عليّ بن حبيب الخطّي ـ رحمة اللّه عليه ـ:
من شعراء البحرين وادبائها، ومن بيوت العلم وأربابها، جمع مع الشعر بعض العلوم الأدبية، لغوياً عروضياً، وله كتاب في القصائد والغزليات، فمن قصيدته في مدح الإمام عليّ (عليه السلام) :
سمعاً مهفهفة الهفوف من هجر انغمة الصوت أم رنة الوتر
وذا الذي عطّر الآفاق فائحه ترديد أنفاسك أم نفحة العطر
وصفحة الوجه تبدو منك مسفرة أم قرص شمس الضحي أم غرة القمر
الي أن قال:
وذا هو الخال فوق الخد كون أم قيراط مسك مليح الكون والقدر
الي أن قال:
وذاك نهداك في بلور صدرك أم رمانتان هما من أحسن الثمر
وذا الحرير أم البطن الخميص علي الخصر النحيل كخصر النحل مختصر
الي أن قال:
وإن بخلت عليَّ من حلِّ ساحتك برشف خمر التداني يرض بالنظر
كم ذا اُخاطبك جهراً فلم تجبني وأنت سكرانة أم ذا من البطر
فمن أحل لكِ قتل الأسير ومن أفتاكِ في قتل من يهواك لا تجري
فنادمي ودري كأس المدام معي فتعس طرفك الجاني الي السهر
لا أحتسي الكأس واسقيني بقيته اللّه اللّه في نفسي وفي عمري
قلبي عليك يضاهي الماء رقته وقلبكِ خلتهُ أقسي من الحجرِ
الي أن قال:
لا غرولو سحرت عيناك مفتتناً فقوس حاجبكِ يرمي بلا وتر
وذا الصقيل دقيق الحدّ أنفك أم سيف كسيف عليّ سيد البشر
الي أن قال:
بحر الفواضل ينبوع الفضائل حلاّل المشاكل أوج المجد في مضر
وهو العطوف علي الملهوف والملك المعروف بالفضل والمعروف بالغير
مبدي السرائر في رؤوس المنابر مصباح المشاعر فخر الحِجر والحَجر
الي أن قال:
سل المحاريب عنه والحروب هو الضحاك في الحرب والبكاءِ في السحّر
معطي الأسير وصوّام الهجير علي قرص الشعير وأبُ السادة الغرر
الي أن قال ونعم ما قال:
فتلك بدرٌ فسلها عن شجاعته واستخبرن خيبراً تخبرك بالخبر
يا رافعاً راية الإسلام ناصبها وجازماً حركات الكفر بالبشري
لولاك لم تُخلق الأفلاك ولا الأملاك مع سائر الأرواح والصور
وعلي الجملة فهذه القصيدة البديعة ثلاثمائة بيت مشحونة بالنكات البديعة، ومشتملةً علي الأسرار الغريبة، وذكره الشيخ سليمان الماحوزي فأثني عليه، وأيضاً ذكره جدي العّلامة الشيخ يوسف فعظّمه وذكر بعض قصائده في كشكوله.
14ـ الشيخ عبداللّه بن ذهبه:
وهو أحد الأعلام، وركن الإسلام، فخر المشائخ، والطودالشامخ، له ديوان شعر مات ـ قدس سره الشريف ـ سنة 1128هـ .
15ـ الشيخ عيسي بن صالح بن عصفور الدرازي البحراني:
كان فاضلاً صالحاً عارفاً بالتواريخ والسير، له كتاب ضخم في أحوال الشعراء من المتقدمين والمتأخرين، وله كتاب القصائد منها قصيدة بديعة يمدح بها الشيخ العلاّمة الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني يوم كان في الهند، وقد وفد عليه فأجازه جائزة سنية.
قال العلاّمة جدي ـ قدس سره الشريف ـ في كشكوله والشيخ عيسي عم جدي الشيخ إبراهيم بن الحاج أحمد بن صالح بن عصفور، وذكره السيد صدر الدين في حاشية السلافة فأثني عليه.
قال السيد حسين الهندي صاحب الفوائد الهندية عند ذكر هذا الشيخ: هو من بيوت الشرف والتعظيم، والمنتهي اليه الأدب، وله شأن عظيم، مات سنة 1188هـ.
الهند بعد صلوة الليل في القدم يا ضيعة العمر بل يا زلّة القدم
وبعد تعفير خدٍّ وابتهال يدٍ بين الحطيم وبين الحجر والحرم
وبعد ما عرفت واستشعرت ورمت وآثرت في مني من أعظم النعم
وبعد ما وقفت واستأذنت ودنت من حجرة حلّ فيها أفضل الأمم
وبعد ما عطرت بالعفو تربتها في داره بين طواف ومستلم
الي أن قال:-
قالت لديّ حديث إن صَغوتَ له كفيت من خطرات الهمّ والأَلم
فكن لما أنت لا ترجو علي ثقةٍ وما رجوت له فاغرب ولا تقم ِ
الي أن قال:-
رأيت شخصاً كأن اللّه قلّده أعباء وحي تلاها الروح بالحكم
فتي إذا المرء عاداه الزمان دعي بجاهه جاءه في جملة الخرم ِ
أين الأكابر والسادات من هجر شم الأنوف سقاة الحلّ بالديم
أعطي الإله يميناً في خلائقه أن لايقل ولايلوي لها بفم
أمسي يمير عشار المزن وإبله ليضحك البحر والأشجار في الأجم
فكنت لأفواهها الأصداف من علمت بوبله فغدت باللؤلؤ الرخم
مسّت يدي خاتم يمناه فافتخرت في صلب آدم بين الماء والأدم
لا غرو إن أخجل الأنوار نائله فالأرض لولا نكاجدواه لم يقم ِ
شمس بلا كسف بدر بلا كلف بحر بلا تلف قد فاض بالنعم ِ
الي أن قال ـ قدّس سرّه ـ:-
أبواب غيرك ما فيها لنا إرب ٌ ولا لغيرك تثني العيس بالرقم
خذ يا أخا الدهر فيما سدت محمدةً فابعد اللّه من لم يخر بالنعم
صلي الإله علي المبعوث من مضرٍ وآله ما حدي الحادين بذي سَلَم
والشيخ الممدوح كان عالماً فقيهاً محدثاً نحوياً عروضّياً قارئاً، وكان في البحرين فضاقت به المعيشة هو والشيخ العالم الشيخ صالح بن عبدالكريم الكرزكاني البحراني، فخرجا من البحرين معاً وأستوطنا دار العلم شيراز مدةً، ثم اتفق رأيهما علي أن يمضي أحدهما الي ديار الهند والأخر يقيم بولاية إيران، وأيهما أثري أوّلاً يمد الآخر بالمال منه، فسافر الشيخ جعفر بن كمال الدين ـ قدّس سرّه ـ الي ديار الهند واستوطن حيدر آباد، وبقي الشيخ صالح في شيراز فبعد وقت يسير ارتفع شأن كلّ منهما في محله، وصار هو المشار إليه بالبنان من بين من فيها من الأجلاء والأعيان ـ قدس اللّه أرواحهم ـ.
16ـ الشيخ أحمد الزاهد البحراني :
إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكورة، ولد في رمضان سنة خمس وأربعين بعد الألف، اشتغل أولاً علي عمّه العلاّمة الشيخ كمال الدين البحراني ثم علي بعض علماء الحلّة، وأتقن علوماً كثيرة وبرز فيها وتقدم وساد، وقصده الطلبة من سائر البلاد، وإنما ذكرته في حالات الشعراء لأنه ما صّنف في العلوم شيئاً إلاّ كتاب في المدائح والقصائد والمراثي ، مات ـ قدّس سرّه ـ سنة 1112 وقبره في بهبهان مشهور ـ رحمة اللّه وبركاته عليه ـ.
17ـ الشيخ علي الإحسائي :
وهو من تلامذة الشيخ أحمد الإحسائي ومجاز عنه، وله كتاب في الخطب والأشعار، مات ـ قدّس سرّه ـ سنة 1211هـ الحادي والعشرين بعد المائتين والألف.
18ـ السيد أبو عليّ ماجد بن هاشم بن عليّ بن المرتضي بن عليّ بن ماجد الحسيني البحراني :
قال السيد العلاّمة في السلافة في الفصل الثاني في محاسن أهل العراق والبحرين ما لفظه: أنا أبتدئ هذا الفصل بمن انتهي اليه الفرع والأصل، واقدمه لنسبه الذي به تقدّم، وإذا كان مدح فالنسب المقدم هو أكبر من أن يفي بوصفه قول، وأعظم من أن يقاس بفضله طول، نسب يؤول الي النبي، وحسبٌ يذل له الأبي، وشرف ينطح النجوم، وكرم يفضح الغيث السجوم، وعز يقلقل الاجبال، وعزم يردع الأشبال، وعلم يخجل البحار، وخُلق يفوق نسائم الأشجار، الي ذات مقدسة ونفس علي التقوي مؤسسة.
ـ الي أن قال قدس سره ـ: ومما يسطر من مناقبه الفاخرة الشاهدة بفضله في الدنيا والأخرة، أنه ـ رحمه اللّه ـ كان قد أصابته في صغره عين ذهبت من حواسه الشريفة بعينيه، فرأي والده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه، فقال له: إن أخذ بصره فقد اُعطي بصيرته، ولقد صدق وبر صلى الله عليه وآله وسلم فإنه نشأ في البحرين، فكان لهما ثالثاً، وأصبح للفضل والعلم حارثاً وارثاً، وولي القضاء فشّرف الحكم والإمضاء، ثم انتقل منها الي شيراز، فطالت به الي العراق والحجاز، وتقلّد بها الإمامة والخطابة، ونشر خبر فضائله المستطابة، فتاهت به المنابر، وباهت به الأكابر، وفاهت بفضله الألسن والاقلام وافواه المحابر، ولم يزل بها حتي أتاه اليقين، وانتقل الي جنة عرضها السموات والارض اُعدت للمتقين، فتوفي سنة ثمان وعشرين وألف، وهذا محل نبذة من شعره، ونفثة من بيان سحره، ولا أراني اُثبت منه غير اللؤلؤ البحراني:
اخبرني بعض الأصحاب أنه كان أنشأ في الجمعة خطبة أبدعها وأودعها من نفائس البراعة ما أودعها، فلما ارتقي ذروة المنابر انشأ ما كان انشأ وحبّر، فاستأنف لوقته خطبة اخري، وضمنها بهذه الأبيات التي كست فنون القريض فخراً وهي هذه:
فانشدتك اللّه الا ما نظرت الي صنيع ما ابتدئ الباري وما ابتدعا
تجد صفيح سماء من زمردة خضراء فيها مزيد الدرّ قد رضعا
الي أن قال ـ قدس سره الشريف ـ:
وليس في العالم العلوي من أثر يحير اللّب إلاّ فيك قد جمعا
ثم ذكر صاحب سلافة العصر قصائداً وابياتاً من جنابه، وإنما أعرضنا عنها روماً للإختصار، وسيجيء نبذ من حالاته ومؤلفاته فيما بعد ان شاء اللّه، إذ هو من عمدة مشائخ الإجازات.
19ـ السيد أبو محمد حسين بن حسن بن أحمد بن سليمان الحسيني الغريفي البحراني:
قال السيد العلاّمة في سلافة العصر عند ذكره ما لفظه: ذو نسب يضاهي الصبح عموده، وحسب أورق بالمكرمات عوده، وناهيك بمن ينتهي الي النبي في الإنتماء، وغصن شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهو بحر علم تدفقت منه العلوم أنهاراً ، وبدر فضل عاد به ليل الفضائل نهاراً، الي ان قال ـ قدس سره ـ إلاّ أن الفقه كان اشهر علومه واكثر مفهومه، ومعلومه عنه تقتبس انواره، ومنه يقتطف ثمره ونواره، وكان بالبحرين امامها الذي لا يباريه مبارٍ وهمامها الذي يصدق خبره الأخبَار.
ثم ذكر بعض أشعاره كما هو دأبه وشعاره ـ الي أن قال ـ: وكانت وفاته سنة إحدي وألف، ولما بلغ نعيه شيخه الشيخ داود بن أبي مشافير البحراني استرجع وأنشد بديهة:
هلك الصقر يا حمام فغني طرباً منك في أعالي الغصون
وقال الشيخ جعفر بن محمد الخطّي البحراني يرثيه:
جدّ الردي سبب الإسلام فانجذما وهد شامخ طود الدين فانهدما
ثم ساق الكلام في رثاء ذلك الإمام ـ الي أن قال ـ:
لو أسمع الأسد شيئاً من مواعظه لضلك الأسد خوفاً تكرم الغنما
ـ الي أن قال ـ:
كأنه وضريح ضمّ جثته ذو النون يونس لما ان له التقما
يا قبّرة لا عداك الدهر منسجم من المدامع هام يخجل الديما
20ـ السيد أبو عبد اللّه محمد بن عبد الحسين بن إبراهيم بن أبي شبانة الحسيني البحراني :
قال سيد المشائخ في سلافة عصره في ترجمته لهذا الإمام الهمام ما لفظه:
علم العلم ومناره، ومقتبس الفضل ومستناره، فرع دوحة الشرف الناضر، المقر بسمّو قدره كلّ مناضل ومناظر، أضاءت أنوار مجده ماثراًً ومناقباً ـ الي أن قال ـ: وكان قد دخل الديار الهندية فاجتمع بالوالد ومدحه بمدائح نقضت عزل الحارث بن خالد، فعرف له حقه وقابله من الإكرام بما استوجبه واستحقه، وذكره عند مولانا السلطان بما قدمه لديه، وملأ من المواهب الجليلة يديه، ولمّا قضي آماله من مطالبها، ارتحل الي الديار العجمية وقطن بها، فلقي بها تحية وسلام، وتنقل في المراتب حتي وليَّ مشيخة الاسلام، وهو اليوم نازل باصبهان، ورافع من قدر الأدب ومن نثره ما كتبه اليّ من ديار العجم سنة سبعين والف:
انهي بهي سلام شدت بنعمات السرور أطياره، وبدت علي صفحات الزهور انواره، وأصلح دعاء تعاضدت شرائط إجابته، وترافدت وسائط إصابته، وسمت مصاعد قبوله، ونمت فوائد فروعه واصوله، وأنفس ثناء ثنيت بالوفاءمسانده ووسائده، وبنيت علي الولاء قواعده ومقاعده، وخالص اخلاص حديث خلوصه قديم وخط خصوصه مستقيم، يخدم به المجلس العالي ببدر المعالي، والمحفل السامي بالفرح النامي، سيدنا الأمجد ومخدومنا الأنجد، شمس سماء المحامد والفضائل، وغرّة سيماء الأماجد والأفاضل، ديباجة صفحتي الشرف والفتوّة، ونتيجة مقدمتي الولاية والنبوّة، ساحب أذيال العز الشامخ، صاحب أصول المحتد الباذخ، مربع الكرم والجود، مرتع الآمال والقصود، الذي نيطت أعمدة فضائل أحسابه الفائقة بسلاسل أنسابه السامقة، وأصبحت كعوب أعراقه في الكرم متناسقة، وشعوب أخلاقه في الهمم متوافقة، لازالت زوايا أشكاله عن أشكال الحصر والحد خارجة، وقضايا أحواله نتائج السعد والجد نايحة، برح تهذيب اخلاقه كافياً في استبصاركّل فقيه، ودلائل اعجاز سلسلة أعرافه الذهبية شافية في ايضاح مطول نعته النيه.
وبعد فإن المخلص المشتاق وإن حجبته ضروب الخطوب المتكانفة، وصنوف الصروف المتكاثفة، عن الإستنارة بتلك الغرّة البهية، والطلعة السنية، لكن مناطق النطق بالثناء علي اللّسان مشدودة، وعقائد الولاء في الجنان معقودة، وأيدي الدعاء في المظان ممدودة بدوام توفيقكم، لإستجلاء عرائس العلوم الفائقة، واستقصاء الفنون الّلائقة، سائلاً منه سبحانه أن يرفع لكم المراتب الفاخرة، ويجمع المطالب في الدنيا والأخرة، ويجري بأيدي عنايته أقلام أقضيته وأقداره فنظمها في سلك جلاس ذلكم المجلس الأنيس، وحضارة هذا وإن عطفت عواطف اشفاقكم علي مخلصكم ومشتاقكم برشحة من رشحات اقلامكم في صفحة من صفحات ارقامكم، فذلك من كرم أخلاقكم لازلتم في دائرة الإرتفاع دائرة، ونعمه في آفاق الإتساع سائرة، ما خطبت علي منابر السطور خطباء الأقلام بالحمد والثناء والدعاء والسلام.
ومن شعره قوله مادحاً الوالد وهي من القصائد الفاخرة:
أري علماً مازال يخفق بالنصر به فرق أوج المجد تعلو يد الفخر
مضي العمر لا دنيا بلغت بها المني ولا عمل أرجو به الفوز في الحشر
ولا كسب علم في القيامة نافعٌ ولا ظفرت كفي بمغن من الوقر
فاصبحتُ بعد الدرس في الهند تاجراً وإن لم أفز منها بفائدة البحر
طويتُ دواوين الفضائل والتقي وصرت الي طيّ الأماني والنثر
وسودت بالأوزار بيض صحائفي وبيضت سواد الشعر في طلب الصفر
وبعت نفيس العمر والدين صفقةِ فياليت شعري بالذي بهما أثري
إذا جنني الليل البهيم تفجرت عليّ عيون الهم فيها الي الفجر
تفرقت الأهواء مني فبعضها القوي ببيت اللّه والركن والحجر
ـ الي أن قال ـ:
مضت في حروب الدهر غاية قوتي فاصبحت ذا ضعف عن الكر والفر
الي أن قال ونعم ما قال:
إذا لم تكن في الهند أصناف نعمة ففي هجر أحضي بنصف من التمر
علي أن لي فيها حماة عهدتهم بناة المعالي بالمثقفة السمّر
إذا ما أصاب الدهر أكناف عزهم رأيت لهم غارات تغلب في بكر
ولي والد فيها إذا ما رأيته رأيت بها الخنساء تبكي علي صخر
ولكنني اُنسيت في الهند ذكرهم بإحسان من يسلي عن الوالد البر
إذا ذعرتني في الزمان صروفه وجدت لديه الأمن من ذلك الذعر
وفي بيته في كلّ يوم وليلة أري العبد مقروناً الي ليلة القدر
ولا يدرك المطري نهاية مدحه ولو أنه قد مدّ من عمر النسر
وفي كلّ مضمار لدي كلّ غاية من الشر الأوفي له سابق يجري
إذا ما بدت في أول الصبح نعمة تري فرجاً قد جاء في آخر العصر
تقل لي أبيت اللّعن أذعن مفضع أأصبر أم أحتاج للأوجه الغبر
الي أن قال:
وإني لأرجو من جميلك عزمة تبلغني الأوطان في آخر العمر
الي أن قال:
وما زلت مشتاقاً اليهم وعاجزاً
كما اشتاق مقصوص الجناح الي الوكر
ولكنما حسبي وجودك سالماً
ولو أنني أصبحت في بلد قفر
فمن كان موصلاً بحبل ولائكم
فليس بمحتاج الي صلة البّر
21ـ إبنه العلاّمة السيد عبد اللّه بن السيد محمد البحراني:
قال في سلافة العصر في ترجمة هذا الإمام ما لفظة: أديب قام مقام والده وسدّ، ولا عجب للشبل أن يخلف الأسد، فهو نفحة ذلك الطيب وأريجه، ونهر ذلك البحر وخليجه، المنشد لسان محتدّه، وهل ينبت الخطي إلاّ وشيجة، أثمرت أغصان أقلامه النابعة بثمرات البيان، وضم هوامل الكلام لقمة النهج، وغنّي ورائها الحاديان، ثم أخذ في مدحه وذكر بعض غرر قصائده، منها قصيدة يمدح بها الميرزا محمد طاهر كاتب القائع لسلطان العجم:
أوجهك أم برق تألق أم بدر ولفظك أم در تناثر أم سحر
وقدّك أم غصن غص يرتجه الصبا وردفك أم موج به قذف البحر
وفتّانة العينين عذرّية الهوي فما لمعنّي لا يهيم بها عذر
الي أن قال:
بنفسي من زارت ولليل بهيمة بسائرها من صبح طلعتها فجر
فقالت سلام قلت أهلاً ومرحباً بمن زار غباً بعد ما فقد الصبر
الي أن قال:
فتي ساد كلّ الخلق رأياً وحكمة وأعزب حتي قيل فيه هو الدهر
فشا أمره بالفضل والبذل والندي فسار له في كلّ قافلة ذكر
ثم ذكر طاب ثراه قصائده البليغة، ولم يتعرض لوقت وفاته فتوفي ـ قدّس سرّه ـ سنة 1118هـ.
22ـ السيد ناصر بن سليمان القاروني البحراني (رض):
قال صاحب سلافة العصر في ذلك الإمام الرباني ما لفظه: هو من قوم لم يجنح المجد عن خطهم إلي التخطي، وفيهم يقول شاعر البحرين جعفر بن محمد الخطي ـ قدّس سرّه ـ:
آل قارون لاكبا بكم الدهر ولازلتم رؤوس الرؤوس
وهذا السيد ناصر عزّهم، وناشر برّهم، وصفوة مجدهم، وربوة نجدهم، وفرقد سمائهم، وأوحد عظمائهم، ورأس رؤسهم، وباسق غروسهم، الخطيب الشاعر الرحيب المشاعر، نثر فأكثر، ونظم فأعظم، وصاب فأصاب، وجاد فأجاد، وقضي وشرع، ونضا وأشرع، وفرّع وفتّن، وبرع وتفنن، فنظمه وشح الزمان، ونثره نجح الأمان، يفضل زهر المروج بل يفضح زهو البروج، ويفوق سجع الحمام، بل يخجل سفح الغمام، وقد أثبت من كلامه وزهرات أقلامه ما تنافح به العماري ، وتصادح به القماري.
اخبرني شيخنا العلاّمة جعفر بن كمال البحراني، قال: كنت ذات يوم جالساً في مسجد السدرة أحد مساجد القرية المعمورة بجد حفص، إحدي قري البحرين وهو مدرسة العلم ومجمع أولي الفضل والعلم، وكان عميد البلاد وكبيرها وقاضيها، القائم به تدبيرها السيد حسين بن عبد الرؤوف جالساً في ذلك المجلس والي جنبه السيد ناصر المذكور، وأحد المدرسين يقرأ كتاب القواعد المشهور فجاء إبن أخ للسيد حسين المشار اليه نافحاً بكمه وزحرح السيد ناصر عن مكانه وجلس بجنب عمه، فغضب السيد ناصر وعتب، وتناول القلم مسرعاً وكتب: ألا تعجبين من تقدم ذي البنان الخاضب علي ذي البيان الخاطب، وذي الطرف الفتون علي ذي الظرف والفنون، وذي الجسم الفاصل علي ذي الجسم الفاضل، وذي الطول علي ذي الطول، فإن الزمان طبع علي هذه الشيمة منذ كان في المشيمة، ثم ذكر صاحب السلافة من قصائده وفوائده، وإنما لم أذكرها لضيق المجال، فتوفي ـ قدس سره الشريف ـ سنة 1111هـ.
23ـ السيد عبد الرضا بن عبد الصمد الولي البحراني :
قال صدر الملّة والدين في سلافته في ترجمته: الرضي المرتضي، والحسام المنتضي، الصحيح النسب، الصريح الحسب، مجمع البحرين، بحر العلم، وبحر العمل، ومقلد البحرين، بحر الأدب وبحر الأمل، ثني إلي الفضل أزّمة رحاله، فأصبح في الأفاضل علماً فرداً، فأنشد لسان حاله: ليس الجمال بمئزرٍ فأعلم، وإن رديت فرداً إلي أدب مستفاض وبيان واسع فضفاض، ومع ذلك فطبقة شعره وسطي، وإن مد لهِ من مد يد القول بسطاً، وقد وقفت منه علي مالم يهز الإستحسان، لا كثرة عطفه ولا كساه الإحسان رقته لطفه، فمنها اخترت له قوله من مطلع قصيدة:
بات يسقيني من الثغر مداماً ذو بهاء يخجل البدر التماما
حلل الوصل وقد كان يري وصل من يشتاقه شيئاً حراماً
ويري سفك دم العشاق فرضاً في هواه أو يموتون غراما
زارني وهناً ولمّا يوفِ لي منه ميعاداً فأدركت المراما
جاءني في حُلّة من سندس ثمل الأعطاف سكراً تترامي
فاعترتني دهشةٌ من حُسنه حين ارخي لي عن الوجه اللثاما
ثم ذكر صاحب السلافة قصائداً بليغة فيها فليراجع، مات ـ قدّس سرّه ـ سنة 1115هـ.
24ـ أخوه السيد أحمد بن عبد الصمد البحراني:
هو للعلم علم، وللفضل ركن وسُلّم، مديد في الأدب باعه، جليد كريمة طباعه، خلّد في صفحات الدهر محاسن آثاره، وقلّد جيد الزمان قلائد نظامه ونثاره، ثم أخذ في مدحه إلي أن قال: ولا يحضرني من شعره غير ما أنشدنيه له شيخنا العلاّمة جعفر بن كمال الدين البحراني (رض):
لا بلّغتني إلي العلياء معرفتي ولا أدعتني العلي يوماً لها ولدا
إن لم أمرُ علي الأعداء مشربهم مرارة ليس يحلو بعدها ابدا
ولا يحضرني تاريخ وفاته ـ نوّر اللّه ضرايحهم جميعاً ـ.
25ـ السيد علوي بن إسماعيل البحراني:
قال سيد الصدر في سلافة العصر ما لفظه: فاضل في النسب والأدب معرق وكامل، تهدل فرع مجده وأعرق، وهو اليوم شاعر هجر ومنطيقها الذي واصله المنطق الفضل وما هجر، يفسح للبيان مجالاً ويوضح منه غرراً وأحجالاً، ويطلع في آفاقه بدوراً وشموساً، ويروض من صعابه جموحاً وشموساً، ويشتار من جناه عسلاً، ويهز من قناه أسلاً، ثم ذكر ما سنح له من القصائد وما خرج عنه من الفوائد.
26ـ السيد عبد اللّه بن السيد حسين البحراني:
قال في السلافة: أديب من أفراد الأعيان، الممثلين فوائد البيان للعيان، ينظم شعراً جزلاً فيجيد جداً وهزلاً، ويزيل به عن المسامع أزلاً، ونثره أحسن مغني وأتقن لفظاً ومعني، وقد كان صحبني سنيناً ومازلت بفراقه ضنيناً، حتي فرق الدهر بيننا وقدّر القضاء بيننا، ومن نظمه ونثره ما كتبه اليّ:
فخر العلي بحر المكارم لم تزل بكم المعالي تستطيل علاء
طوقتني طوق السرور فهال من جيد تطوّق بالسرور ثناء
فمتي أقوم بشكر برّك سيدي والبر لا أستطيعه إحصاء
ويؤدِ مني كلّ عضو أنّه يمسي ويصبح ناطقاً ثناء
عبداً ملكتم سامحوه تفضلاً إذ كنتم السمحاء والفضلاء
نجل ساحة رافع قواعدها، ساطع آيات الكمال، ونقيل راحة جامع فرائدها، بالغ غايات الفضيلة والإفضال، من نيط بهمته الرفيعة نياط النجوم، فمتي يشكال أو يماثل وميط بعزمته المنيعة بسام الهموم، فمتي يساحل أو يساجل، الحائز قصبات السبق فلا يدرك شأوه، وإن أرخي العنان، الفائز بوصلات الحق فأستنارت آراؤه بشموس التبيان، المحدد بجهات مكارم الأخلاق، المجدد لسمات المفاخر علي الإطلاق، الحاوي لعلوم آبائه الأكابر وراثة كابر عن كابر، برح سعادة الإقبال أوج سيادة الإقبال، مطلع شمس العلوم والمعارف، مجمع مجري العلوم والعوارف، من أوقفت نفسي بأعتابه موقف الأرقاء، فأرتقيت عن حضيض الإمتهان غاية الإرتقاء، كيف لا وهي كهف اللاّئذ ورقيم العائذ، وصفاء الصفاء، ومرو المروة والوفاء، وعرفات العرفان، ومني المني، ومظنّة الإحسان، لازلت منهلاً للواردين، ولابرحت موئلاً للقاصدين، حمية الذمار أبية عن الوصم والعار ـ إلي أن قال ـ صاحب السلافة: ومن شعره قوله متغزلاً:
أتت تحمل أريق شمس الضحي وهناً ولو سمحت بالريق كان لنا الهني
حكاها قضيت الخيزران لإنه يشاركها في الإسم والوصف والمعني
ترينا الضحي والليل ساج وما أضحي وطلعتها من نور طلعته أسني
مهفهفة الأعطاف حوراء خلتها من الحور إلاّ أن مقلتها وسني
لها كفل كالدعص ملاء إزارها وقدٌّ إذ ماست به يخجل الغصنا
عليها برود الإرجوان كأنها شقائق أو من وجنتيها غدت تجني
ولا عيب فيها غير أن مليكها يراها بخلق يعقب الحُسن بالحسني
إلي أن قال:
هي الروح والريحان والراح والمني علينا بها معطي المواهب قد منّا
قصرت عليها محض ودّي فلم يكن سواها له في القلب ريع ولا معني
27ـ الشيخ داود بن أبي شافير البحراني:
قال في السلافة: البحر العجاج إلاّ أنه العذب لا الاجاج، والبدر الوهاج، إلا أنه الأسد المهاج، رتبته في الآفاق شهيرة، ورفعته اسمي من شمس الظهيرة، ولم يكن في عصره ومصره من يدانيه في مده وقصره، وهو في العلم فاضل لايسامي، وفي الأدب فاضل لم يكلّ الدهر له حساماً، إن شهر طبق، وإن نشر عبق، وشعره أبهي من شف البرود، وأشهي من رشف الثغر والبرود.
إلي أن قال ـ قدّس سرّه ـ ومن شعره قوله:
قل لأهل العدل لو وجدوا من رسيس الحبِّ ما نجد
أوقدوا في كلّ جارحة زفرة في القلب تتقد
فأسعد الهائم أيها اللائم فالهوي حاكم إن عصي أحد
أو أراد القلب أن يردّد سنّة العشاق أو يبعد
قال سلطان الغرام أعبد خاضعاً وأسجد كما سجدوا
ثم ذكر تمام القصيدة وبعض قصائده الفائقة، فتوفي ـ قدّس سرّه ـ سنة 1017.
28ـ أبو البحر الشيخ جعفر الخُطّي ـ رحمة اللّه عليه ـ:
وهو جعفر بن محمد بن عليّ بن ناصر بن عبد الإمام الشهير بالخُطّي البحراني العبدي، أحد بني عبد القيس بن شن بن قصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن سعد بن عدنان ـ رحمه اللّه تعالي ـ.
هكذا ضبطه البهائي ـ قدّس سرّه ـ قال صدر الأئمة في سلافة العصر في ترجمة أبو البحر ما لفظه:
ناهج طرق البلاغة والفصاحة، الزاخر الباحة، الرحيب المساحة، البديع الأثر والعيان، الحكيم الشعر، الساحر البيان، ثقف بالبراعة قداحه، وأدار علي السامع كؤوسه وأقداحه، فأتي بكلّ مبتدع مطرب ومخترع في حسنه مغرب، ومع قرب عهده فقد بلغ ديوان شعره من الشهرة المدي، وسار به من لا يسير مسمرا، وغني به من لايغني مقررا، وقد وقفت علي فرائده التي لمعت، فرأيت ما لاعين رأت ولا أذن سمعت، وكان قد دخل الديار العجمية فقطن فيها بفارس، ولم يزل بها وهو لرياض الآداب جان وغارس، حتي اختطفته أيدي المنون، فعّرس بفناء الفناء، وخلّد عرائس الفنون، وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وألف.
ولما دخل إصفهان اجتمع بالشيخ بهاء الدين محمد العاملي (رض) وعرض عليه أدبه، فاقترح عليه الشيخ معارضة قصيدته الرائية التي عنوانها سري البرق من نجد فهيج تذكار، فقال الشيخ له: قد أمهلتك شهراً، فقال الشيخ جعفر: بل يوماً، بل في مجلسي هذا، فاعتزل ناحية وأنشأ هذه القصيدة البديعة في غاية الجودة، وهي هذه:
هي الدار تستسقيك مدمعك الجار ي فسقياً فخير الدمع ما كان للدار
الي أن قال:
فأنت أمرء بالأمس قد كنت جارها وللجار حتي علمت علي الجار
عثرت الي اللّذات فيها علي سني سنار شموس ما يغبن وأقمار
فاصبحت قد أنفقت أطيب ما مضي من العمر فيها بين عون وإبكار
نواصع بيض لو أفضن علي الدجي سناهن لا استغني عن الأنجم السار
الي أن قال:
الي ماجد يعزي إذا أنتسب الوري الي معشر بيض أماجد أخيار
ومضطلع بالفضل زر قميصه علي كنز آثار وعيه أسرار
سمي النبي المصطفي وأمينه علي الدين في إيراد حكم وإصدار
به قام بعد الميل وانتصبت به دعائم قد كانت علي جرف هار
فلما أناخت بي علي باب داره مثابة طواف وكعبة زوّار
فكان نزولي إذ نزلت بمغدق ٍ علي المجد فضل البرد عار من العار
أساغ عليَّ رغم الحوادث مشزي وأعذب ورد العيش لي بعد إصرار
وأنفذني من قبضة الدهر بعدما الّح بأنياب عليَّ وأظفار
جهلت علي معروف فضلي فلم يكن سواه من الأقوام يعرف مقدار ي
ولما إنتهي الي هذا البيت في الإنشاد، قال له ـ وأشار الي جماعة من سادات البحرين وأعيانهم كانوا عنده ـ: وهؤلاء لا يعرفون مقدارك، فقال:
علي أنه لم يبق فيما أظنه من الأرض شبر لم تطبقه أخباري
الي أن قال:
والزمتني جرياً وراءك بعدما وقفت مقاماً دونه يقف الجاري
وكلّفتني مداح امرء لو مدحته بشعر بني الحّوا فدع عنك أشعار
ولما أتم إنشادها كتب اليه الشيخ بهاء الدين مقرّظاً: أيها الأخ الأعز، الفاضل الألمعي، بدر سماء أدباء الأعصار، وغرة شيماء بلغاء الأمصار، أيم اللّه إني كلّما سرّحت بريد نظري في رياض قصيدتك الغراء، ورويت رائد فكري من حياض مزيدتك العذراء، زاد بها ولوعي وهيامي، وأشتداليها ولهي وأوامي، فكأنما أعناها من قال قصيدتك الغراء، يا فرد دهره، تنوب عن الماء الزلال لمن يظمأ
فتروي متي تروي بدايع لفظها ونظماً إذا لم نرو يوماً لها نظما
ولعمري لا أراك إلاّ آخذاً فيها بأزمّة أوابد اللّسن نفوذها حيث أوردت، وتوردها أني شئت واردت، حتي كأن الألفاظ تتحاسد علي التسابق إلي لسانك، والمعاني تتغاير في الانثيال علي جنانك والسلام. كتبه بهاء الدين العاملي.
ومن بدائع غرر قصائده هي القصيدة التي يصف فيها حاله، وكان آتيا من قرية توبلي ـ وتعرف قديما بمرّيّ بكسر الميم وتشديد الراء ثم الياء المثناة ـ متوجهاً لقرية البلاد ومعه إبنه حسان وبينهما خليج من البحر، فلما توسطه ضربته في وجهه سمكة تعرف بالسبيطية فشجت وجهه، فانشأ هذه القصيدة، وينقل أنه لم يوجد بعد ذلك شيء من السبيطية في هذا البحر وهي هذه:
برغم العوالي والمهندة البتر دماء ألاقتها سبيطية البحر
الا قد جنا بحر البلاد وتوبلي عليَّ بما ضاقت به ساحة البر
فويل بني شن بن قصي وما الذي رمتهم به أيدي الحوادث من وتر
دم لم يرق من عهد نوح ولا جري علي حدّ ناب للعدو ولا ظفر
تمامته أطراف القنا وتعرضت له الحوت يا بؤس الحوادث والدهر
لعمري أبي الأيام إن باء صرفها بثار امرء من كلّ صالحة
بكائي طويل والدموع غزيرة وقد أتاني الشر
فلا غرو فالإمام بين صروفها وبين ذوي الأخطارجرت الي الحشر
ألا فأبلغ الحيين بكراً وتغلبا فما الغوث إلاّ عند تغلب أو بكر
أير فيكما أن امرء من بينكما وأي امرء يدعي الي الخير والشر
يراق علي غير الصبا دم وجهه ويجري علي غيرالمثقفة السمر
وتنبوا بنوب اللّيث منه وينثني أخو الحوت عنه دامي الفم والثغر
ليقض امرء من قصتي عجباً ومن يرد شرح هذا الحال ينظر الي شعر
الي أن قال:
توجهت من مرّي ضحي فكأنما توجهت من مرّي الي العلقم المرّ
تلجلجت خور القريتين مشمراً وشبلي معي والماء في أول الجزر
فما هو إلاّ أن فجئت بظافر من الحوت في وجهي ولاضربة العهري
لقد شق يمني وجنتي بنطحة وقعت بها دامي المحيا علي قطر
فخيل لي أن السموات أطبقت عليَّ وأبصرت الكواكب في الظهر
الي أن قال:
فها هو قد أبقي بوجهي علامة كما اعترضت في الظرس اعرامة الكسر
فإن يمح شيئاً من محياي اثرها بمقدار أخذ المحو من صفحة البدر
الي أن قال:
وقل بعد هذا للسبيطية افخري علي سائر الشجعان بالفتكة البكر
فلو همّ غير الحوت بي لتواثبت رجال يخوضون الحمام الي نصر
الي أن قال:
يخاف علي من يركب البحر شرها وليس بمأمون علي سالك البر
لعمر ابي الخُطّي إن بات ثأره لذي غير كفوء وهو نادرة العصر
فثأر عليّ بات عند ابن ملجم وأعقبه ثأر الحسين لدي شمر
ولما عرضت هذه القصيدة علي الشريف العلاّمة ماجد بن هاشم البحراني كتب عليها مقرظاً: أجلت رائد النظر في الفاظها ومعانيها، وأحللت صاعد الفكر في أركانها ومبانيها، فوجدتها قرة عين الإبداع، ومسرة في قلة الإختراع، والحق أحق بالإتباع، فالحمد للّه علي تحديد معالم الأدب بعد اندراسها، وتقويم راية البلاغة بعد انتكاسها، ودرّ غرائب الفصاحة الي مسقط رأسها، وازالة وحشتها وايناسها، وكتب ماجد بن هاشم البحراني.
ومن محاسن مراثيه قوله يرثي الشيخ ابا عبد اللّه بن ناصر بن حسين بن المقلد من بني وايل للسنة الحادية بعد الألف:
أكف البرايا من تراثهم صفر وبيض المنايا من دمائهم حمر
وخيل الرزايا ما تزال معدة تقابلنا فرسانها ولها النصر
تكر علينا البيض والسمر بالردي فتبلغ ما لا يبلغ البيض والسمر
ومورد هذا الدهر مرّ وانّه لأعذب شيء عندنا ذلك المرُّ
خليلي من أبناء بكر بن وائل قفا واندبا شيخاً به فُجعت بكر
وبدر ترائي للنواظر فاهتدت به برهة ثم اختفي ذلك البدر
الي أن قال:
فيا أيها الشاري الذي اتخذ الثري مقاماً فهلاّ كان في صدري القبر
وهلاّ استخار الغاسلون مدامعي لجسمك غسلاً ثم شيب به السدر
فإن جُعل الماء القراح برغم من رآه لكم طهراً فأنتم له طهر
وإن بليت أكفانك البيض في الثري فما بلي المعروف منك ولا الذكر
أوال سقيني صوت كلّ مجلجل من المزن همام لا يجف له قطر
كأنك مغناطيس كلّ مهذب فما كامل إلاّ وفيك له قبرُ
ليهنك فخراً ان ظفرت بتربة يعفر خدّاً دون إدراكها العفر
ثوي بك من آل المقلد سيد هو الذهب إلإبريز والعالم الصفر
فتي كرمت آباؤه وجدوده وطابت مساعيه فتم له الفخر
الي أن قال:
جوادٌ له في كلّ انملة بحر بصير له في كلّ جارحة فكر
ويا بلد الخطّ اعتراك لفقده صدي الدهر كسر لا يرام له جبر
من الآن بدؤ الشر فيك وانه لمتصل باق وآخره الحشر
فأي فتي لا يرهب الضيم جاره فقدت ويسر لا يمازحه عسر
وليث وغي لو قابل اللّيث أعزلاً وحاوية لم يغنه الناب والظفر
فأقسم لولا موته في فراشه لجردت البيض المهندة البتر
وأرعشت الملّة المثقفة السمر وأقبلت الخيل المسومة الشفر
الي أن قال ولنعم ما قال:
فلولا انقضاء الأعوام ما فني الدهر ولولا فني الأيام ما نفد الشهر
ودونكم من لجّة الفكر درّة منظمة يعنو لها النظم والنثر
وعذراء من حرّ الكلام خريدة بأمثالها في الشعر يفتخر الشعر
وما مهرها إلاّ قبولكم لها لقد كرمت ممهورة وغلا المهر
29ـ الشيخ محمد بن حسين السبيعي البحراني:
ذكره العلاّمة الشيخ ياسين البحراني في كشكوله فعظّمه وأثني عليه ونظّمه في سلك العلماء، وأما الشيخ سليمان الماحوزي فذكره في رسالته المعمولة في وجوب الجمعة ونظمه في سلك الشعراء.
وبالجملة انه ـ قدّس سرّه ـ فاضلاً مدققاً، له كتاب في وجوب الجمعة تخييراً بل استحباباً، ورسالة في شرح أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وله ديوان كبير مشتمل علي خطب وأشعار منه ـ قدّس سرّه ـ فتوفي سنة1111هـ.
30ـ أبو بكر بن الإحسائي:
هو ابن عليّ الإحسائي ثم المدني الأمير الكبير الجليل القدر، أحد أسخياء العالم، ولد في الإحساء في حدود الألف، ونشأ علي الإشتغال بالعلم، ثم رحل مع والده الي المدينة وتوطّنها، وكان بها ملازماً للعبادة مواظباً علي قيام الليل حتي انه كان يجيء الي المسجد النبوي فيقف ببابه نحو ساعة حتي يفتحه الخدّام الي أن أدركه أجله يوم عرفة بالمدينة، وذلك سنة 1179 هـ، ودفن بالمعلاّة، ولأبي بكر ديوان شعر في مجلدين، وشعره مع كثرته متوسط.
31ـ الشيخ أحمد بن حاجي:
وهو من أدباء البحرين وخطيبها، ومن أولي المفاخر ونقيبها، جمع مع الشعر بعض العلوم الأدبية، وله ديوان كبير مشتمل علي مجلدين، مجلّد في حكايات ظريفة وأشعار منيفة، ومجلّد في القصائد والمراثي، ومن قصائده:
أطل الوقوف علي الديار ونادِ يا دار أحمد النبي الهادي
يا دار فاطمة البتول وحيدر وبنيهما والتسعة الأمجاد
يا مهبط الوحي الشريف ومنزل التنزيل والآيات والإرشاد
يا منبع العلم الغزير ومعدن الصلوات والأذكار والأوراد
وهذه القصيدة مشتملة علي سبعين بيتاً، وله ايضاً :
أتصبو لذكري عافيات المنازل وتسلو عفير الخد فوق الجنادل
وتشرب ماء سائفاً غير آسن ومولاك ممنوع ورود المناهل
وتزعم أيمانا فلست بمؤمن إذا لم تنح نوح الحمام الثواكل
الي أن قال:
اليك عروساً زفها أحمد الذي يجرريك يوم الحشر أول داخل
مات ـ قدّس سرّه ـ سنة 1010 هـ العاشر بعد الألف من الهجرة.
32ـ الشيخ عبد الحسين بن رقية:
وهو من بقية أهل الكمال، جمع مع الشعر علم الرجال، له كتاب في علم الدراية، وكتاب في علم الرجال مبسوط، وله ديوان معروف، ومن قصائده البديعة:
نعم هذه أطلال سعدي فقف معي أروّي ثراها من سواكب أدمعي
عسي بالبكاء يشفي فؤادي من الجوي ذكت بالأسي نيرانه بين أضلعي
فساقت لعيني من مراسيل عبرة وهاجت بقلبي لوعة المتوجع
وقفت ولي فيها تردّد زفرة أسائلها عن أهلها وهي لا تعي
فللّه من يوم به البين واشك وقوع التنائي من خليط مودع
فيا صاحبي بالجزع حان رحيلهم فإن كنت لم تجزع وحقك فاجزع
كأن فؤادي يوم بانوا وشيعة محتها يد الأيام بعد توشع
فيا نظرة للعين نحو ضعونهم لقد أبت منها بالحنين المرجّع
ولي كبد بالأبلق الفرد وزعت لموقف يوم السفح أيّ توزع
ألا هل لليلات مضين علي الحما أنست بها بين الحجون ولعلع
تعود لمشتاق تزايد وجده وما قد مضي في الدهر ليس بمرجع
الي أن قا ل:
وخطب بكت منه السماء وصدعت له الأرض والأطواد أي تصدع
فديت حسيناً حين ودّع راحلاً لأكرم جدِّ وهو خير مودع
فأمسي يجدّ السير لم يكن وانيا غداة دعوة طالباً ماله دعي
علي إنه ذاك الإمام ولم يكن بما رامه في ذلك الأمر مدع ِ
فغروّه أهل الغدر بالكتب منهم لما صنع فيها من كلام مصنّع
الي أن قال:
ألا فامنحوا عبدالحسين شفاعة غداة أجيء للحشر إذ سائقي معي
عليكم من الرحمن أزكي تحية تضوع كعرف المسكة المتضوعّ
33ـ الشيخ محمد بن العّلامة الشيخ أحمد بن الشيخ سليمان الشاخوري:
ذكره الشيخ ياسين في كشكوله فأثني عليه، ومن جملة ما قال فيه: إنه من أكابرالعلماء، وله تصانيف بديعة، وله ديوان كبير، ومن أشعاره ما ذكره جدي العّلامة في كشكوله:
لما تكأدني ذنبي وأوزاري وجّهت وجهي لربٍ خيرّ غفّار
قريح جفن أناجيه بأسحاري يا قاهراً بالمنايا كلّ جبار
بنور وجهك أعتقني من النار
ذنبي عظيم وجرمي قد تكأدني وفادح الإثم والأوزار ضهداني
وقابض الروح لمّا أم يقصدني اليك أسلمني من كان يعضدني
من أهل ودّي وإخواني وأنصار ي
الي أن قا ل:
فارفق الهي بعبدٍ فارق الوطنا وخلّف الولد والإخوان والخدنا
أمسيت خيفك يا ذا الجود مرتهنا وأنت أكرم منزول به قاري
مولاي قد شابت الهامات واللمم مني وزاد الخطا والإثم والجرم
فوفقنّي لاهبا في الحشر يضطرم ان الملوك اذا شابت عبيدهم
في رقّهم اعتقوهم عتق أحرار
الي أن قال:
يا خالق النار إن النار تؤلمني ولفحة من لظاها لم يطق بدني
فجد عليَّ وفرّج سيدي محني إن لم تكن يا الهي أنت ترحمني
سُحبت حقاً علي وجهي إلي النار
24ـ الشيخ علي الشفهيني البحراني ـ قدّس سرّه ـ:
كان من الشعراء، ذكره الشيخ ياسين في كشكوله فعظّمه، قال ـ قدّس سرّه ـ: فهو أفضل شعراء المولدين، له نثر ونظم لا يحوم مقامه حول البلغاء والأدباء، له كتاب في الفقه، وأغلب قصائده مشهورة بين أرباب الأدب، وذكر أكثر قصائده جدي العلاّمة في كشكوله، ومن قصائده البديعة هذه القصيدة:
يا عين ما سفحت غروب دماك إلاّ بما الهمت حب دماك
ولطول ألفك بالطول أراك أقمار أسفرت علي غصون أراكِ
يا ريق دمعك حين راق لك الهوي إلاّ لإمر في عناك عناكِ
لك ناضر في كلّ غص ناضر مناك تسويفاً بلوغ مُناكِ
كم نظرة أسلفت نحو سوالف سئمت وأساك بها علاج أساكِ
فجنيت دون الورد ورداً متلفاً وأنهار دون شفاك فيه شفاك
يا بانة السعدي ما سلّت عليَّ ظباك إلاّ من جفون ظباك
شعبت فؤادي في شعابك ظبية تضمي القلوب بناظرٍ فتاك
شمس تبوءت القلوب منازلاً مأنوسة عوضاً عن الأفلاك
سكنت بها فسكونها متحرك وجسومها ضعفت بغير حراك
أسدّية الآباء إلاّ أن منتسب الخولة من بني الأتراك
تبدو هلال دجيٍ وتلحظ جوزراً وتميس غصناً في ربيع حباك
الي أن قال:
ليت الخيال يجود منك بنظر إن كان عزّ عليَّ المحب لقاك
الي أن قال:
كلا ولا برد الكلا بيد الحيا فيها يحاكي ولا الحمام يحاكِ
كنا وكنت عن الفراق بمعزل حتي رمانا عامداً ورماك
وكذا الأولي من قبلنا بزمانهم وثقوا فصيرهم حكاية حاكي
يا نفس لو أدركت حظاً وافراً لنهاك عن فعل القبيح نهاك
وعرفت من أنشأك من عدم الي هذا الوجود وصائغ سوّاك
وشكرت منتّه عليك وحسن ما أولاك من نعمائه موّلاك
أوك حب محمد ووصيه خير الأنام نعم ما أولاك
فهما لعمرك علماك الدين في الدنيا وفي الأخري هما عَلَماكِ
وهما أمانك يوم بعثك في غدٍ وهما إذا انقطع الرجاء رجاك
وإذا الصحائف في القمة نشرت ستراً عيوبك عند كشف غِطاكِ
واذا وقفت علي الصراط تبادرا وتقدماك فلم تزلّ قدماك
الي أن قال:
يا أمّةً نقضت عهود نبيها أفمن الي نقض العهود دعاك
وصّاكِ خيراً في الوصيّ كأنما متعمداً في بغضه وصّاك
أولم يقل فيه النبي مبلّغاً هذا عليك في العلا أعلاك
الي أن قال:
إياك أن تتقدميه فإنه في حكم كلّ قضية أقضاك
الي أن قال:
يا بضعة الهادي النبي وحقّ من أسماك حين تقدست أسماك
وتمام القصيدة ذكرها جدي في كشكوله، ولم يحضرني تاريخ وفاته ـ قدّس سرّه ـ.
35ـ الشيخ سليمان بن المقدس الشيخ أحمد آل عبد الجبار:
وهو من فضلاء البحرين والقطيف، ومحلّ حاجات الدّني والشريف، قال الشيخ حسين العلاّمة في إجازته له: وقد أستجازني من له الملكة القدسية، أعجوبة الزمان، الشيخ سليمان بن المقدس الشيخ أحمد بن العلاّمة الشيخ حسين بن عبد الجبار، فتوفي ـ قدّس سرّه ـ سنة 1239هـ.
وله من المصنفات كتاب في الفقه وشرح الكبير في؟؟، ورسالة في الحج ورسالة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم >لا ضرر ولاضرار<، وكتاب في الخطب والشعر، ورسالة في معني الإنشاء، وكتاب في الكلام، وشرح علي دعاء كميل، وهو من أفخر رسائله، وكتاب في العقود والإيقاعات، ورسالة في الإستصحاب، وكتاب في الحج، وكتاب في البرزخ، ورسالة في حالات الأرواح، وكتاب في المنطق، ورسالة في الهيئة، وكتاب في النحو لم يتم، وكتاب في المراثي، وكتاب في آداب المفتي وغير ذلك من الرسائل.
36ـ الشيخ محمد بن العلاّمة الشيخ عبد علي بن المقدس عبد الجبار:
وهو عالم فاضل حكيم أصولي، وهو مجاز عن ابن عمه الشيخ سليمان المتقدم ذكره، وكان معاصراً للفاضل الإحسائي كما يعلم من إجازته، وله من المصنفات رسالة كبيرة في الصلاة، ورسالة في إثبات حجية الإجماع، وكتاب في الأصول، ورسالة في شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم: >العبودية جوهرة كنهها الربوبية<، ورسالة في شرح حديث الحقيقة، ورسالة في دليل الإستقراء، ورسالة في حجية القياس المنطقي، ورسالة في النية، وغير ذلك من الرسائل.
37ـ الشيخ عليّ بن المرحوم الشيخ حسن بن شيخنا العلاّمة الأواه الشيخ عبداللّه بن عليّ البلادي:
وهو شيخ الطائفة، وكان عالماً فاضلاً جمع بين العلم والعمل والتقوي، وتصدي للحكم والفتوي، وكان معاصراً لمولانا الشيخ حسن العلاّمة، واستفاد من جدّنا العلاّمة الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق، وكتب له عقود الجواهر النورانية في أجوبة المسائل البحرانية.
قال العلاّمة الشيخ حسين المتقدم ذكره في إجازته له: وأستجازني من له الأهلية العظمي ـ الي أن قال ـ: الأجل الأكمل البهيّ الشيخ عليّ بن المبرور الشيخ حسن البلادي البحراني، وله ـ قدّس سرّه ـ من التآليف كتاب في تحليل التتن، وكتاب في وجوب صلاة الجمعة عيناً، ورسالة في الخمس، ورسالة في قوله (عليه السلام) : >الناس في سعة ما لم يعلم<، وكتاب في قوله (عليه السلام) : >من لاتقية له لا دين له<، وغير ذلك من الرسائل، ووفاته ـ قدّس سرّه ـ سنه 1203الثلاثة والمائتين من بعد الألف.
38ـ الشيخ عبد اللّه الزاهد من آل عصفور:
وهو من الزهاد والعبّاد، وكان معاصراً لعمه الشيخ حسين العلاّمة، وله من الأولاد الشيخ أحمد، وكان فاضلاً نحوياً عروضيا، وله من الأولاد الشيخ محمد النحوي والشيخ مبارك.
39ـ الشيخ أحمد بن المقدس المبرور الشيخ سلمان آل عصفور:
وكان من أعيان هذه الطائفة، وهو مجاز من إبن عمه الشيخ عبد علي بن العلاّمة الشيخ خلف العصفوري، تصدي للإفتاء بأمر الشيخ في البحرين، ولم أجد من تآليفه شيئاً إلاّ رسالة في أدوات العموم، وحاشية مليحة علي المطوّل، مات ـ قدّس سرّه ـ سنة 1306هـ.
40ـ الشيخ عبداللّه بن المقدس الشيخ يحيي الجدّ حفصي:
كان عالماً فاضلاً فقيهاً، تصدي للجمعة والجماعة بأمر الشيخ حسين العلاّمة في قرية جدّ حفص، قال جدّي الشيخ حسين المتقدم ذكره في إجازته له:
وقد استجازني تحفة العلماء الأمجاد، الجامع بين طريقي السداد والرشاد، أخي الأنبل الأوّاه الشيخ عبداللّه بن العّلامة الشيخ يحيي الجد حفصي ـ الي أن قال ـ اطال اللّه بقاه، وزاد في مدارج العليا ارتقاه، ممن عض علي العلوم بضرس قاطع، وفاز من الفطنة بنوي لامع، وقرن بين رتبتي المعقول والمنقول، وأخذ بعضاً في الفروع والأصول.
وله رسائل منها رسالة في أخبار التثليث، ورسالة في عدم حجية الإجماع، ورسالة في حكم الميت، ورسالة في شرح >المؤمنون عند شروطهم<، وغير ذلك، مات ـ طاب ثراه ـ 1225هـ.
41ـ الشيخ أحمد بن صالح البحراني:
فقيه عصره، وفريد دهره، كان من المتورعين، ولم يتصدي للقضاء لزهده وورعه، وهو يروي عن جماعة من المجتهدين، وله تصانيف رائقة منها الصحيفة الرضوية، ومنها كتاب الحج، وغير ذلك مات ـ قدّس سرّه ـ في السنة الخامسة بعد الثلاثمائة والألف ـ رحمة اللّه عليه ـ.
42ـ الشيخ عليّ بن الشيخ عبد اللّه بن عليّ البحراني:
وهو من فضلاء المعاصرين، ومجاز عن علماء عصره، قال الميرزا حبيب اللّه الرشتي في إجازته له: وقد استجازني العالم الجليل، والفاضل النبيل، محقق الحقائق، ومستخرج الدقائق، مهذب القواعد المحكمة، والاشارات المهمة، الشيخ عليّ البحراني ـ مد اللّه تعالي أطناب ظلاله علي مفارق الأنام ـ وقد تصدي للقضاء في اللنجة ، أحد بنادر فارس، ومن تصانيفه كتاب لسان الصدق في الرد علي النصاري جواباً لكتابه الذي سماه جامعة ميزان الحق، وكتاب في إعجاز القرآن، وغير ذلك من الرسائل، مات سنة 1319هـ .
43ـ الشيخ علي بن إبراهيم الشاخوري البحراني :
من علماء الأعلام، وله كتاب في الأعراض في حدوث الأمراض، وكتاب منار الهدي في الإمامة لم يصنف مثله، وكتاب قامعة أهل الباطل في الرد علي من حرّم تعزية ابي عبداللّه الحسين (عليه السلام) ، وكتاب الأجوبة العليّة للمسائل المسقطية جمعها الفاضل الأوحد الشيخ أحمد.
44ـ الشيخ عبدعليّ التوبلي البحراني :
كان من فضلاء البحرين وأربابها، المطّلع علي حقائق العلوم، فسوا لديه قشرها ولبابها، الذي جمع بين المعقول والمنقول، وله آثار في الفروع والأصول، مات ـ طاب ثراه ـ سنة 1232هـ.
45ـ الشيخ محمد بن شهاب الدين بن صلاح الكرزكاني:
وهو من علماء الأكابر، وبقية أهل المفاخر، وكان من مشائخ الاجازات، مات ـ قدّس سرّه ـ سنة 1181 هـ.
46ـ الشيخ فلاح الدين الخُطّي البحراني:
عالماً فاضلاً، وحبراً كاملاً، له من المصنفات رسالة في حالات الأئمة عليهم السلام توفي سنة 1183 هـ.
47ـ الشيخ علي بن أحمد بن الشيخ إبراهيم بن عبدالسلام البحراني:
قال شيخنا الشيخ ياسين في رجاله: وأنا لحقت زمانه، ووقت تدريسه، وكان من فضلاء المعاصرين، غلب عليه الحكمة والعرفان، وفي السنة التاسعة بعد المائة والألف رحل الي أصفهان فصار له مكاناً علياً بين العلماء الأعيان، له كتاب في الحكمة، مات سنة 1120 هـ.
48ـ الشيخ راشد بن عبد القادر المنعمي البحراني:
إمام الشافعية، رحل الي الشام فقرأ علي الفقيه الشامي، ثم تصدي للإفتاء في المدينة الطيبة، فجذب قلوب عصره الي مصره، وأخجل الشعراء في شعره، والنثرة في نثره، وأحد الدهر وفريده، واغلوطة الكون وعضيده، محقق الحقائق بفهمه الواقب، ومدقق الدقائق بذهنه الثاقب، وله جملة من المؤلفات، مات سنة 1004 هـ الرابعة بعد الألف، فدفن في البقيع، وله رسالة تدل علي تشيعه واللّه العالم.
49ـ الشيخ محمد بن الشيخ عبد الجابر المنعمي البحراني:
الشافعي أولاً، ثم دخل في التشيع، فصار في زمانه عَلماً للشيعة وحافظاً للشريعة، والنافي بلوائه مع سيوف حجته كلّ بدعة شنيعة، والجاعل لمخترعات المخترعين فيها كسراب بقيعة، ولم يوجد من مصنفاته إلاّ كتاب الجامع في الفقه، مات سنة 1011 هـ الحادي عشر بعد الألف، فدفن في المسقط.
50ـ الشيخ أحمد بن عبد السلام البحراني:
كان عالماً محققاً مدققاً زاهداً، وذكره جدي في الدرر النجفية فأثني عليه، قال: وهذا الشيخ كان من أجلاّء فضلاء البحرين، وكان هو الخطيب لشيخنا عّلامة الزمان الشيخ عليّ بن سليمان القدمي البحراني يوم الجمعة؛ لأنه كان خطيباً مصقعاً، ولم أجد من مؤلفاته إلاّ كراساً من كتابه المسمي باللئالي، قال: مما روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بإسنادٍ صحيح: أن في السنة إثني عشر يوماً نحسات فاجتنبوها، فإنها تهتك الستر وتجلب الفقر وتُذهب المال هي: (12) من محرم، و(14) من صفر، و(14) من ربيع الاول، و(28) من ربيع الثاني، و(12) من جمادي الاولي، و(28) من جمادي الآخرة، و(23) من رجب، و(27) من شعبان، و(24) من رمضان، و(28)من شوال، و(28) من ذي القعدة، و(27) من ذي الحجة.
ثم قال: لو أردت معرفة أحوال الظل، تحسب الأوقات في البحرين، فاعلم أن الباقي من ظلّ الشاخص في وقت بلوغ الشمس النقطة التي هي النهاية في الشمال ربع سبع الشاخص من الانسان المعتدل، وذلك ثلاث أصابع من إثني عشر إصبعاً من القدم، ويكون الظلّ عند النهاية من الجهة الجنوبية سبعة أقدام وثلاث أصابع، فاذا قسمنا السبعة الأقدام علي ستة أشهر في جانب النقصان عند تجاوز النهاية من الجنوب وجانب الزيادة عند تجاوز النقطة التي هي النهاية من الشمال ينوب الشهر تخميناً قدم وسدس وسدس قدم، وذلك أربع عشر أصبعاً تخميناً ينوب نصف الشهر وذلك خمسة عشر يوماً بحسب التقريب سبع أصابع، فعلي هذا التقدير يكون قسط كلّ يوم بحسب التخمين سبعة أسهم من خمسة عشر سهماً من إصبع وثلث خمس إصبع، واللّه العالم.
ثم قال: فائدة، أن طلوع سهيل في السماء هو سادس السنبلة، كذا قال أهل الفن.
52ـ الشيخ عبد النبي بن مانع التوبلي البحراني:
هو أول من نشر الطب في البحرين، وله يد في علوم النواميس، ومن مصنفاته كتاب في تحليل التتن وشرب القهوة ومنافعهما للإنسان، وله ديوان في المراثي متداول بين القرّاء وأرباب المراثي، ومن قصيدته الفاخرة:
صبري علي حكم الهوي وتحملي وتحملي منه الأسي لم يجمل
ما للهوي ولمغرم ذي مهجة صيبت لعظم مصابه تجلل
وحشاشة مسجورة وجوانح منها وفيها كلّ وجد تصطلي
ومدامع تجري علي وجناته كالبحر أو كالغيث أو كالجدول
إلي أن قال:
يرعي النجوم كأنما أحداقه خمنت برصد الجدي أو بالأعزل
ريان من كأس المصاب وباله أودته أوصاف الغنا يتبلل
لا يستفيق إذا تعاور قلبه ذكر الشهيد من الغرام المحوّل
اللّه أكبر يالها من نكبة تنسي الأواخر عظم جور الأول
إلي أن قال:
يا عصبة جهلت مسالك رشدها من غيها سفهاً ولمّا تعقل
واللّه لا أنس الحسين ورهطه أهل القري والسيف والشرف العلي
قوم إذا ما استنجدوا لكريهة وثبوا بكلّ مهنّد ومحجّل
يتسارعون إلي الجلاد تسارع الهيم الهجان إلي حياض المنهل
بذلوا نفوسهم أمام إمامهم حتي قضوا بين الغبا والذبّل
إلي أن قال:
وقل الصلاة مع السلام عليك يا هادي الخلائق للصراط الأعدل
ياهازم الأحزاب يا من كان في أمّ الكتاب هو العليّ لدي العليّ
إني أتيتك في الحسين معزياً فيما اُصيب من المصاب وما ابتلي
إلي أن قال:
يا علة الأشياء وسر وجودها ومفاتح السر الخفي المقفّل
أنتم معادي يوم ميعاد ومن كنتم معاد معاده لم يخذل
واليكم أشكو ذنوباً أثقلت ظهري ومعتقدي بكم أن تُمح لي
وعليكم صلواتنا وسلامنا ما أطرب الورقاء سجع البلبل
52ـ الشيخ يوسف بن عبد اللّه البحراني:
وهو من شعراء البحرين، وله ديوان كبير، ومن قصائده في المراثي
ياحامل الرأس رُدّ الرأس للجسد وأرحم صراخ امه الزهراء الولدي
قف بالطفوف معي وأسمع اخا الكمد ضجات فاطمةٍ محروقة الكبد
تقول ياليتني …