00000088منطقة بربورة هي احدى القرى البحرانية المندثرة، اثيرت حولها ضجة كبيرة في الفترة العام الماضي حيث حاول جمع من نواب المراكز العامة تغيير هوية هذه المنطقة لطمس معالمها التراثية والتاريخية ولكنهم فشلوا في تغيير مسمىها الحقيقي من قرية بربورة الى هورة سند.
هذا الكتاب القيم يتحدث فيه الكاتب عن هذه المنطقة ويستعرض ابرز الجوانب التراثية والتاريخية لمنطقة بربورة بشواهد وادلة علمية ويستعرض تاريخ علمائها الاعلام وعدة جوانب ترتبط بهذه القرية المندثرة فشكرا

لك ايها الباحث –الاستاذ يوسف مدن النويدري- فجهدك محسوب عند الله ولن ننساه كذلك لن تنساه اجيالنا القادمة لانه يساهم في تثبيت هوية هذا البلد المهدد بتاريخه وتراثه في كل يوم. هذا الكتاب نشر في ملف خاص بصحيفة الوسط البحرينية.

 

بداية كلمة للدكتور منصور الجمري
«بربورة»… وإسكان القرى الأربع
قبل أكثر من 16 شهراً اكتملت 230 وحدة سكنية بمحاذاة النويدرات (وهناك عمارات سكنية في طور الاكتمال أيضاً)، وأهالي القرى الأربع المحيطة (النويدرات، العكر، المعامير، سند)، كانوا يتوسمون خيراً في وعود الحكومة، ولكنهم فوجئوا بعد أن اكتمل كل شيء بمن ينادي بالمحاصصة «الطائفية»، ويطالب بنصف الوحدات السكنية… والادعاء ذهب إلى أكثر من ذلك، إذ تم اختراع اسم «هورة سند» وقيل إن المحاصصة يجب أن تقسم على «هورة سند» وعلى القرى الأربع.
مسمى «هورة سند» ليس موجوداً من الأساس، وهذه المنطقة كانت تسمى فيما مضى «بربورة»، وقد اندمجت في العقود الماضية في نويدرات… ولكن هناك عوائل من «بربورة»، وهناك لقب البربوري، وهناك «مأتم بربورة» وكتب التاريخ المتوافرة لدى الأهالي وفي المكتبات تذكر هذا الاسم… وكانت توصف هذه القرية بأنها أرض خضراء وعيون وبساتين كثيرة.
اندثرت قرية بربورة في النصف الأول من القرن العشرين، واندمج أهلها في قرية النويدرات، ولعل الاندثار سببه أن العيون التي كانت تروي أراضي بربورة لم تعد متوافرة كما كانت في السابق، هذا في الوقت الذي بدأت نويدرات تنتعش بعد اكتشاف النفط في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، إذ التحق الكثير من سكانها بشركة نفط البحرين (بابكو)، وبدأ وضعها المادي يتحسن، ولذا بدأ انحسار «بربورة» الزراعية لصالح «نويدرات» الصناعية.
دارت الأيام ووصلنا الى مابعد الاصلاحات السياسية العام 2001، ووعدت الحكومة بحل جانب من أزمة السكن، وهكذا استخدمت هذه المنطقة (بربورة) لتوفير احتياجات السكن للأهالي الذين ينتظرون منذ سنين طويلة. لكن، وبعد أن اكتملت المساكن وإذا بالبعض يطالب بمحاصصة، ويخترع اسماً لم يكن موجوداً من الأساس ولا يرتبط بهذه المنطقة، ويطالب بنصف الوحدات السكنية.
أهالي القرى الأربع بدأوا اعتصاماً مفتوحاً منذ21 فبراير/شباط 2008 (وهو أطول اعتصام مستمر مازالت تشهده البحرين) بالقرب من الوحدات السكنية الجديدة، وهم يطالبون بحقهم بأسلوب حكيم، والأمل معقود في أن يتصرف الجميع على أساس وطني.
إن جميع أهل البحرين يستحقون الحصول على حقهم في السكن من دون محاصصة ومن دون غبن ومن دون تفضيل لفئة على أخرى، والحكومة تستطيع معالجة الأمور عبر الأساليب الرشيدة التي لا تترك مجالاً للأهواء والأحقاد بأن تبث بين الناس لتعطل إصلاح الأمور على أرض الواقع.
و «الوسط» تنشر هذه الوثيقة من تأليف أحد مواطني تلك المنطقة، لتوضيح تاريخ «بربورة» عسى ولعل يساهم هذا في إزالة العقبات التي منعت توزيع الوحدات السكنية لحد الآن.
منصور الجمري
يوليو 2009
مقدمة الكتاب
اتجه باحثون بحرينيون وغير بحرينيين إلى مصادر التراث الثقافي لعلماء البحرين وخاصة في عصور النهضة العلمية الدينية التي تألقت في القرون الهجرية الأربعة (من القرن العاشر إلى الثالث عشر) وذلك لدراسة موضوعات حيوية متصلة بهذا التراث لمعرفة خصائصه وعوامل نموه وتطوره، وأسباب تدهوره، والظروف التي أثرت سلباً على حركته، وكذلك لدراسة السيرة الذاتية لعلمائه وأعلامه وأدوارهم في التنمية الثقافية لمجتمع البحرين، وما قاموا به كذلك من أدوار حضارية في المجتمعات التي هاجروا إليها واستقروا في ربوعها، وقد تزايد الاهتمام بهذا التراث في السنوات الأخيرة، وأصبحت هذه المصادر ملجأ علمياً لباحثين وكفهم في دراسة موضوعات متصلة بتراث علمائنا الأبرار. ومنها على سبيل المثال:
– دور علماء الدين في مقاومة قوى الاحتلال البرتغالي للبحرين في القرن نهاية القرن السادس عشرالميلادي.
– الاحتلال العماني وآثاره التدميرية على الحركة العلمية في البحرين ف القرن الثامن عشر الميلادي.
– اتجاهات الفكر الأخلاقي لعلماء البحرين.
– دراسات عن السيرة الذاتية لشخصية علمائية.
– حركة التأليف في البحرين وأثرها على نضج الفكر الإسلامي.
– تصنيفات إنجازات علماء البحرين في العلوم الشرعية والعقلية.
– القرى البحرينية… المندثرة والعامرة وإسهامات علمائها في النهضة الثقافية.
– الأدوار الحضارية لعلماء البحرين في مجتمعات الهجـرة.
– الألقاب العلمية في الحوزات الدينية.
– طرائق التقويم العلمي في الحوزات العلمية والفقهية.
– السبق الإيماني لأهالي البحرين وفضلهم الروحي.
– الدراسات المنوعة عن شعراء البحرين وأدبائها.
وقد ارتكزت دراسات هؤلاء الباحثين وأبحاثهم على توافر وخصوبة مصادر التراث الثقافي لعلمائنا في فترات من تاريخ بلادنا، ولولا هذه المصادر لنجح البعض في تغييب ملامحه، وإعاقة قدرته على الاتصال الفعال بحاضرنا والدفاع عن قضايا وحقائق يراد لها أن تقبر للأبد، فالباحثون يجدون ملاذهم العلمي الآمن عن التاريخ الثقافي لأعلام الثقافة الإسلامية في البحرين وقضاياه العقلية والأدبية والسياسية والرثائية المتصلة بها في كتب ذات أهمية كـ«علماء البحرين» للمحقق العلامة الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني، وكتاب «اللؤلؤة» للشيخ يوسف آل عصفور، و«تتمة الآمل» للسيد محمد آل شبانة البحراني، و«الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر» للشيخ محمد علي بن الشيخ محمد تقي العصفور، و«أنوار البدرين» للشيخ علي بن حسن البلادي البحراني، و«منتظم الدرين في أعيان القطيف والإحساء والبحرين» للشيخ محمد علي التاجر.
كما اكتسب هذا التراث ثقته العلمية بمزيد من الدراسات عن جوانبه وقضاياه، وعن أعلامه الكبار الأبرار فوجدنا كتاب «حاضر البحرين وماضيها» للشيخ إبراهيم بن ناصر آل مبارك الهجيري التوبلاني البحراني، وكذلك سفر الأستاذ سالم النويدري بمجلداته الثلاثة الذي كان مثالاً للاهتمام بهذا التراث من خلال ما دونه من معلومات قيِّمة دوَّنها في كتابه « أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرناً » الذي صدر سنة 1992م، وبعض جهود المحققين البحرينيين كالذي فعله الشيخ عبدالجليل الزاكي بتحقيق كتاب «فهرست علماء البحرين» للشيخ سليمان الماحوزي، وغير ذلك من الدراسات التي يقوم بها باحثون للكشف عن إنجازات علمائنا وما تركوه من تراث ثقافي لايزال صداه مستمراً بتألق لقب «البحراني» حتى اللحظة الراهنة في كتب التراجم وفي الدراسات الفكرية والأدبية عن أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين.
إنَّ الباحث البحريني يملك بفخر مصادر نفيسة تتيح له ولمجموعات الباحثين المتأخرين دراسة التراث الثقافي لعلماء البحرين في القرون الهجرية الأربعة وما قبلها أو بعدها التي بلغت فيها البحرين أوج تقدمها الثقافي، وعرضت على العالم الإسلامي بخاصة في دول الجوار أسمى اجتهادات العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء وغيرهم، وأن يوظف مخزون هذه الثروة الفكرية التي لم يخلُ منها عصر من عصور التراكم التاريخي للثقافة الأدبية والإسلامية التي صنعها العلماء، حيث أخصب العقل البحريني ثقافتنا وأثراها بإنجازاتها، لهذا كانت هذه المصادر دائماً حركة فكر متجدد يساعد مختلف الباحثين على إعداد دراساتهم عن الجوانب المختلفة من تراثنا الثقافي وتعزيز ثقة الناس بمنجزاته.
ومما لا شك فيه أن هذه المصادر طالما أمكنت الباحثين على دراسة موضوعاتهم المختلفة المعبرة عن حيوية تراث علمائنا الثقافي، فإنها قد كانت أحد مصادرنا في التعرف على تاريخ مجتمعاتنا القروية المندثرة والعامرة، فالإشارات التي وردت في هذه المصادر عن قرية معينة حتى لو كانت غير قائمة فعلياً الآن فهي تعني حقيقة من الحقائق التاريخية التي شهد بها علماء بحرينيون كبار سابقون لأنهم عاشوها في الواقع التاريخي وسجلوها عن قرب، ونقلوها كإشارات من خلال ألقاب شائعة في مصادرهم، ومن الصعب على باحث مضلل التنكر للحقائق الدامغة طالما أن لها رصيداً كبيراً في هذه المصادر.
وأبرز الإشارات التي عرفنا فيها عدداً من القرى البائدة والمندثرة ما كان يستخدمه كتاب التراجم لعلماء بحرينيين من ألفاظ كالألقاب الدالة على انتماءات العلماء ونسبهم الوطني والعلمي، فاللقب «البحراني» شائع في هذه المصادر بلا استثناء، ولتحديد أكثر دقة يلحق به لقب واضح دال على القرية مثل « البربوري، الغريفي، الفاراني، الدونجي، الهلتي، الرويسي» وغيرها من أسماء قرى بحرينية اندثرت، فتساعد هذه الألقاب الجامعة بين مقر «السكن في قرية محددة» وبين اللقب على تحديد هوية العالم من جهة وعلى معرفة قرى مندثرة لم تعد الآن قائمة وغير موجودة إلاَّ من إشاعة ألقاب العلماء التي تنسبهم إلى قراهم الأصيلة، فيقال الشيخ محمد الفاراني، والشيخ ناصر البربوري، والشيخ محمد بن الحسن بن رجب الرويسي، والشيخ عبد الله الغريفي، والشيخ محمود المعني، فهذه ألقاب مأخوذة من أسماء قرى مندثرة، وألحقت بلقب « البحراني » لتحديد هوية العالم بدقة واضحة.
وهكذا تمدنا مصادر دراسة التراث الثقافي لعلماء البحرين ببعض المعلومات اللازمة سواء ما يتعلق بوجود بعض القرى أو معرفة الظروف التي أدت إلى اندثارها سواء منذ زمن بعيد أو خرابها حديث عهد، أو من خلال ما قدمته هذه القرية من انجازات ثقافية، وما أنجبته من علماء وأساطين الحكمة والفقه والأدب والعلم، بل إن هذه المصادر تبين للقارئ الكريم الزمن أو المرحلة التاريخية التي زالت فيه قرية محددة وعوامل ذلك بإشارات مقتضبة غالباً، وبالتالي فإن هذه المصادر هي حاضنة التاريخ الثقافي لعلماء البحرين في عصور سابقة.
وما ذكرناه عن دور مصادر التراث الثقافي في معرفتنا بقرانا العامرة والمندثرة يمكن أن ينسحب على قرية «بربورة» التي كانت قائمة قبل أقل من قرن فخربت مع نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، وكان خرابها حديث عهد، لكنها تركت وراءها تراثاً ثقافياً وتاريخاً ومنجزات مطوية في بطون الكتب والمصادر الثقافية أو تعبر عن نفسها في ألسن الناس وما تبقى من آثار، ويشهد هذا التراث في النهاية على وجودها، ويتجذر مع الزمان لمقاومة المشككين حتى بالغ المتطاولون عليها في الإنكار والإلغاء وتغيير الهوية بطمس الحقائق واختراع أسماء ومحاولة تأسيس تاريخ جديد على أنقاض التاريخ العريق للقرية الذي يرغب الناس في التكيف معه لأنه ذاتهم التاريخية، وتعبير عن انتمائهم الحضاري للبحرين.
إننا نود أن يتم التعامل مع عناصر هذا التراث كظواهر إيجابية ذات تأثير في العقل والتفكير، فتراث علماء بربورة يستبطن الإيجابية في خصائصه المتعددة، فهو عنصر قوة على وجود القرية والعلماء الذين أنجبتهم، فكل ما شهدت به مصادر التراث الثقافي لعلمائها هو وثيقة تاريخية على وجود كيانها كمجتمع منتج للثقافة الاجتماعية، كما استبطانها لعمليات ثقافية رسا عليها النشاط الثقافي هو الآخر ظاهرة إيجابية في هذا التراث، وتولد عن ذلك إيجابية ثالثة بانطواء هذا النشاط على استخدام أساليب تربوية وتعليمية حتى لو كانت مماثلة للأساليب السائدة في البيئات التعليمية البحرينية، وهكذا فإن جوانب مضيئة بعثت بإشعاعاتها إلينا وأطلت بظلالها الوارفة علينا.
وأخيراً فإنَّ الغاية الأساسية لمجموعة الأبحاث الواردة في هذا الكتاب هي التأكيد على الوجود التاريخي للقرية التي لا يود البعض أن يستمر ذكرها على ألسن الناس، وكذلك ربط الذات البحرينية الحاضرة بتاريخها الثقافي المجيد، ثم فتح عيني القارئ الكريم على حقائق يراد لها أن تغيب أبداً، وكشف ما تمكنّا من التعرف عليه من انجازات علماء قرية «بربورة» التي تلتصق بالنويدرات في خاصرتها اليمنى، والتأكيد على الجوانب المضيئة في تراثهم الثقافي عسى أن يستلهم الهمم ويجد العزائم، فيتابع المتأخرون أمجاد الماضين… فرسان المعرفة.
ويتطرق هذا الكتاب الى محاور الهدف منها التعريف بقرية «بربورة» المندثرة، والقرية البحرينية وأدوارها في التنمية الثقافية، وبربورة في مصادر المؤرخين والنساخين، وعلماء بربورة في كتب التراجم.، بالاضافة الىالجوانب المضيئة من التراث الثقافي لعلماء «بربورة».
والله وراء القصد ،،،،
يوليو 2009م
يوسف مدن
قرية بربورة ومحاولة تغيير هويتها التاريخية
التسمية:

clip_image001لا أحد منَّا يجزم بأصل التسمية لهذه القرية البائدة أو البلدة التي «خربت» منذ عهد قريب على حد تعبير المرحوم الشيخ إبراهيم بن ناصر المبارك الهجيري التوبلاني البحراني، فـ «بربورة» كمنطقة عمرانية قديمة اسم تاريخي جذوره ممتدة في الوجدان الشعبي لإنسان هذا البلد وخاصة أبناء المنطقة الممتدة على الساحل الشرقي من خليج توبلي حتى قرية عسكر الشهداء، وخاصة أبناء النويدرات وسند والمعامير وتوبلي وجرداب وجدعلي، وهي اسم ذائع الصيت في تاريخ بلادنا، وخاصة بالنسبة لأجيال سابقة في منطقتنا، ولا تزال تردداته اللفظية ترن في أسماعنا منذ نعومة أظفارنا كما كان مسموعاً يطرق آذان من كان قبلنا، ولا يزال اسمها يتطاول في عمود الزمان، ويسمو على المشككين الساعين إلى طمس هويتها التاريخية.
إنَّ تسمية «بربورة» بالنسبة إلينا مبهمة وغامضة، وكل ما يقال بشأنها مجرد اجتهادات لا تحسم الأمر، وثمة تساؤلات افتراضية قد تكون ذات صلة بالجذور التاريخية للتسمية، ولكنَّها قد تفتح الباب بأي قدر، وتسمح لنا بالمرور والدخول إلى عالمها، ونتساءل:
– هل اسم بربورة بلفظها التاريخي هو لقب لشخص معيَّن كان أول من بدأ العيش على ترابها منذ قرون، فنسبت تسميتها إليه؟.
– هل أنَّ التسمية معبرة عن منطقة واسعة وممتدة جغرافياً، فكان الاسم للدلالة على امتدادها في البر من الشرق تجاه الغرب؟.
– وهل «بربورة» تعني في اللغة العربية «الأرض البائرة» كما ذهب الأستاذ سالم النويدري، وهو من الباحثين الذي أصبحت بحوثه ومؤلفاته من المصادر التاريخية المهمة التي نرجع إليها كباحثين عن تاريخ بلادنا الثقافي؟.
لقد أشار الأستاذ سالم النويدري إلى معنى «بربورة» اللغوي بأنها «الأرض البائرة» في إحدى محاضراته بمجلس فضيلة الشيخ محمد جعفر الجفيري الكائن بقرية الجفير في مساء يوم الأربعاء الموافق 23 أبريل/ نيسان 2008م، وقد سبق للأستاذ سالم أن كرر هذا المعنى عندما عرض مادته التاريخية عن بربورة من خلال شريط إلكتروني مصور في تجمع ثقافي عقد بمسجد الشيخ مؤمن رحمه الله بمنطقة بربورة نفسها بدعوة من شباب النويدرات وذلك في 1428هجرية، وأعاد تحديد اسمها في محاضرته بعنوان «قرى البحرين المندثرة» بمجلس الشيخ محمد جعفر الجفيري في التاريخ المذكور.
ولكن يلحظ أن ناقل المحاضرة الملخصة لم يحدد المصدر اللغوي الذي استند إليه الأستاذ سالم في التحديد اللغوي لمعنى بربورة ومدلولها، ولعل المحاضر أوضح ذلك في محاضرته، ولم ينقله الناقل أو تجاوزه الأستاذ سالم للتركيز على محاور من البحث ذات أهمية أكبر، ولنا أن نتساءل… هل يتسق المعنى اللغوي مع واقع الحال في قرية «بربورة» من ناحية اقتصادية ومن حيث جمالها الطبيعي وخصوبة تربتها الزراعية؟.
فمفهوم «الأرض البائرة» لا يتفق مع أرضها الخصبة، ولا مع شهادة المؤرخين والمعمرين وشاهدي العيان عن جمال قرية بربورة وخضرتها، وتدفق مياهها آنذاك ووفرة إنتاجها خلال فترة ازدهارها من الرطب والتمور ومحاصيلها الزراعية الأخرى كما شهدنا ذلك بأنفسنا، فالأرض البور في معناها اللغوي (أرض غير مزروعة) بخلاف الواقع الطبيعي والاقتصادي لـ «بربورة»، ومن هنا فإنه من الخطأ الاستناد دائماً لمعنى لغوي في فهم أسماء بعض القرى، ونحن ندرك الوعي الكبير للأستاذ سالم لهذه المسألة كباحث في التاريخ الثقافي لعلماء البحرين ومتخصص في الدراسات اللغوية أيضاً، فأحياناً تطلق أسماء قرى تأثراً بأسماء أشخاص أو مواقع أو أماكن، فتحتاج منا هذه الأسماء للإشارة إليها، ولنكن منصفين فإن باحثاً كالأستاذ سالم لا يوثق رأياً كالمعنى اللغوي لاسم قرية ما إلاَّ إذا وجد دليلاَ ينهض بتفسيره واجتهاده، ولكن القصور من طبائع الناس.
وقد عبَّر بعض الباحثين عن هذا الغموض وكأنه إشكالية فعلية، ونحن لا ننفيها، يقول أحد المهتمين بالتراث الثقافي الشعبي: «الاسم بربورة قديم جداً، لا نعرف له تاريخاً، وكل ما نعلمه ذكر في القرن السابع عشر الميلادي، ويبدو أن هذه التسمية أقدم من حاضرتها وهي النويدرات إلاَّ أن بربورة اعتبرت كجزء من قرية النويدرات» بعد زوالها وبقائها مجرد مزارع وبساتين خضراء وآثار مدمرة من الحصى المتهالك شاهدة على وجودها حتى سنين طفولتنا، بل وسنوات شبابنا الباكر، وكنَّا نأمل أن نعثر على خيوط أولية لأصل التسمية دونما حاجة لإثارة أسئلة أقرب إلى الخبط منها للتسمية الصحيحة، بيد أن الغموض قد يستثير الأذهان نحو البحث والتقصي حتى تتبين خيوط ضائعة ومبعثرة للحقيقة، وقد يكون في الزمن متسع لنا لمزيد من البحث لاحقاً لحسم الأمر.
ويلحظ أنَّ البعض من المؤرخين يكتب مرة «بربورة» في مصادرهم الثقافية بتاء مربوطة كما جاء في كتاب «حاضر البحرين» للشيخ إبراهيم المبارك الهجيري التوبلاني وفي كتاب الذخائر للشيخ محمد علي بن الشيخ محمد تقي آل عصفور، وحيناً يكتب الاسم من دون تاء مربوطة ويستعاض عنه بألف قد يكون نقلاً خاطئاً أو تصحيفاً أو خطأ مطبعياً، فيكتب لفظها هكذا «بربورا» كما في كتاب «الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر» للشيخ محمد علي بن الشيخ محمد تقي آل عصفور، وكذلك ما ذكره التاجر في كتابه «عقد اللآل في تاريخ أوال»، وقد تكررت كتابة اللفظين في بعض المخطوطات وكتب النسخ وبعض الوثائق الرسمية الحكومية بنفس الكتابات، وباختصار ساءلت نفسي…
– هل تعني بربورة (الأرض الممتدة) أو الشريط الأخضر الطويل كما يقال على لسان البعض أو هي الأرض البائرة كما نقل عن الأستاذ سالم النويدري في إحدى محاضراته أو هي قالب لفظي جميل نجهله؟.
ويفسر مفهوم «بربورة» بالأرض الممتدة كلمات وردت في ألفاظ اثنين من المؤرخين البحارنة ينتميان لأسرتين عريقتين، فالشيخ محمد علي آل عصفور رحمه الله يقول في ذخائره «إن بيوت أهل البحرين من قطع الجنوب كانت يومئذ متصلة من خلف قطع الجنوب إلى بربورة وإلى كرزكان» على حد تعبيره، وقد استقى هذه المعلومة من جده الشيخ يوسف آل عصفور صاحب الحدائق «قدس سره» في كشكوله.
ويفيد هذا الكلام بامتداد حدود «القرى المسكونة» جنوباً بين القريتين من بربورة شرقاً إلى كرزكان غرباَ، فإذا وقف الإنسان في بربورة ومدَّ بصره فسوف يجدها أرضاً ممتدة من جهات مختلفة، ولعل ما نفهمه من كلام الشيخ إبراهيم بن الشيخ ناصر آل المبارك بأن بربورة في الزمان القديم «بلاد كبيرة» تأكيده على هذا الامتداد الجغرافي ربما في شريط أخضر طويل، ولكنها نقطة البداية من خلف القطع الجنوبي على حد تعبير الشيخ يوسف العصفور، ومن هنا يحتمل امتدادها من الشرق تجاه الغرب أو جهات أخرى جنوباً وشمالاً بتداخل مجموعة قرى وتشابكها في حدود متصلة أو متقاربة، وبالتعبيرين يرسم المؤرخان خريطة للمناطق الآهلة بالسكان في جنوب ووسط البحرين آنذاك تمتد بين بربورة وكرزكان.
وقد يعني ذلك (وهو أيضاً مجرد افتراض) أن أرض الرفاع بموقعها وحدودها اليوم (قبل تأسيسها) كانت مسكونة في تلك الفترة ثم خربت، وبقيت أرضاً خربة فيما بعد حتى سكنها قبل قرنين من الزمان مجموعات من أبناء القبائل وتحديداً بعد وقوع معركة «أخكيكرة »، حيث «أسس الشيخ سلمان بن أحمد آل خليفة مدينة الرفاع وبنى قلعته فيها، وأصبحت مقراً لسكناه» من بعد انتقاله من سكناه بقرية جو الواقعة على الساحل الشرقي من جنوب البلاد.
ذلك أيضاً مجرد افتراض يتداوله البعض، وبعضهم علماء دين وآخرون من المعمرين المخضرمين الذين أدركوا العيش في سنوات بين قرنين، وهذا يؤكد العمق التاريخي لوجود منطقة بربورة وامتدادها الترابي، فالأرض الممتدة من بربورة حتى كرزكان قد تكون منطقة سكنية تربط بربورة (في فترة ازدهارها) بمنطقة كرزكان في جهة غرب البحرين وخاصة إذا قبلنا بامتداد ما عرف بـ «عالي ثمود» إلى منطقة الرفاع، وهذا بخلاف اليوم حيث امتدت حدود الرفاع إلى عالي واقتربت من حدود القرى التي تجاورها من الجهة الشرقية، أمَّا سكان هذه القرى من مجموعات القرويين، وهم سكانها الأصليون.
وخلاصة القول إن مفهوم «بربورة» قد تعني أرضاً ممتدة أو شريطاً أخضراً طويلاً، وهو مجرد نظرة افتراضية لا نجزم بدقة معناها حتى يتوافر لنا الدليل القاطع، ولكنها على كل حال فرضية منطقية تقبل الجدل والأخذ والعطاء وتبادل الرأي، وتتناسب مع الشريط الأخضر لامتداد بربورة، أو كما ذهب الأستاذ سالم النويدري بأنها الأرض البائرة، والله في كل هذه الاجتهادات أعلم بالحقيقة.
موقع بربورة :
يعيننا على تحديد موقعها الجغرافي خريطة لمملكة البحرين وأقوال المؤرخين من بحرينيين وأجانب وخبرتنا الشخصية في معرفة القرية بعد أن خربت وبادت، وبقيت ذكرياتها عالقة في الأذهان والوجدان الشعبي.
يقول الشيخ إبراهيم آل مبارك وهو يحدد بطريق غير مباشر موقع بربورة ويقر بوجودها التاريخي والجغرافي «إنَّ موقع النويدرات بين العكر وبربورة»، وإذا كانت النويدرات تقع غرب العكر فإنها (أي النويدرات) تحد بربورة من جهة الشمال والشمال الغربي حتى آخر أطرافها الجنوبية الممتدة من جنوب سند إلى جنوب النويدرات ذاتها، وإذا أجلنا النظر في الشريط البري المحاذي للساحل الشرقي من البحرين بالقرب من غرب جزيرة سترة سنجد «بربورة» مرسومة الموقع بوضوح في الخريطة، فهي تحد النويدرات شمالاً وفي جهتها الغربية الشمالية، وتقع حدودها أيضاً جنوب سند بمنطقة بدائع الشيخ حسن، أما جنوب بربورة كما يقال فيمتد لمنطقة شباثة، وقد فصلها الآن عنها شارع رئيسي عام سمي في فترة قصيرة بشارع مجلس التعاون، ثم أعيدت تسميته بشارع الشيخ جابر الصباح.
ومما يلحظ أن الحدود بين قريتي (بربورة والنويدرات) متداخلة دون انقطاع، حيث تتشابك فيها النخيل على نحو يوحد أراضي النويدرات وبربورة، ويوحد كذلك العلاقة بين أهالي القريتين ويوثقها كما يتبين من الخريطة ومن واقع العلاقات التاريخية المستديمة.
وبالتالي فإن «بربورة» تقع جنوب سند لتصل النويدرات الآن بقرية سند، كما يحدها من جهة الغرب منطقة الرفاع الشرقي بعد تأسيسها على يد الشيخ سلمان بن أحمد آل خليفة في مطلع القرن التاسع عشر مع شارع يفصل الرفاع عن بربورة، وهي على بعد (ميلين) كما جاء في دليل الخليج للمؤرخ البريطاني لوريمر، وبالتالي تقع بلدة بربورة في شمال وغرب قرية النويدرات ممتدة حتى أطراف حدودها الجنوبية المتجهة نحو الشارع العام المتجه من دوار ألبا نحو سترة، ومحاذية في شمالها لجنوب قرية سند.
ولتحديد موقعها الجغرافي بدقة سنعرض خريطتين للبحرين منقولتين عن موقع الأستاذ حسين محمد حسين الجمري، حيث توضح الخريطة الأولى موقع قرية بربورة على البر الشرقي من المملكة بالقرب من النويدرات، وهي بعيدة عن الرفاع الشرقي في حدود ميلين كما قال المؤرخ البريطاني لوريمر، ولصيقة بالنويدرات في جهتيها الشمالية والشرقية، أما الخريطة الثانية فيحدد فيها مواقع القرى في البحرين قديماً قبل ثلاثة وأربعة قرون، وتوضح الخريطة وجود بربورة مع قرية العكر بالقرب من الساحل الشرقي المواجه لجزيرة سترة، وتبين إحدى الخريطتين (الخريطة القديمة المرسومة قبل أربعة قرون تقريباً) عدم وجود قرى ومدن أخرى قائمة الآن أو أية قرى بين العكر وبربورة بالجهة الشرقية من البحرين وبين قرية كرزكان غرباً.
جغرافية بربورة:
نظراً لأهمية الطبيعة الجغرافية لقرية بربورة، وحاجتنا لدراسة تخصصية يقوم بها من له دراسة بعلم الجغرافيا فقد اتفقنا مع الأستاذ محمد أحمد سرحان على انجاز هذه المهمة وتزويد دراستنا بأهم خصائص الطبيعة الجغرافية لبربورة،، وقد كتب لنا هذا الجزء من الدراسة مشكوراً.
هوية بربورة:
إنَّ (بربورة) إحدى المدن الحبلى في ماضي جزائر البحرين لها تاريخها وجغرافيتها وعمقها الطبيعي والب، بمعنى أنَّ لها هوية واضحة تعبر عن وجودها المكاني وهو مدار طرحنا، كما لها إضافة لذلك عمقها التاريخي الذي أثر في ثقافة أبنائها، فالذاكرة الجماعية لديهم تحكي ما عايشوه في جغرافية المكان إن كان على مستوى السرد الوصفي لها أو ما اختزنه واقع البيئة من زراعة وعيون عذبة وتجمع حضري من مفردات وأحاسيس أثر في أدبيات وثقافة المجتمع، وباعتبار بربورة جزء من الجزيرة الرئيسية من جزر البحرين فإن تاريخها مرتبط عضوياً بالتاريخ الطبيعي والعمراني في هذه الجزر وخاصة أن بها المقومات الطبيعية كمثيلاتها من واحات وسهول ساحلية للعيش وقيام الأنشطة الاقتصادية القديمة، كما أن وجود الماء على هيئة العيون والينابيع شكل عنصراً مهماً في تعزيز الثقة بالعمق التاريخي لهذه المنطقة.
الحدود المكانية :
بربورة تقع في وسط الطرف الشرقي من الجزء المأهول من الجزيرة الأم على شكل شريط طولي يبلغ امتداده ثلاثة كيلومترات، وحدودها المكانية قد أشار إليها إجمالاً المؤرخ الشيخ محمد علي التاجر في عقد اللآل لبلدة بربورة، وحدّها بقوله (وغربيها «يقصد قرية العكر» قرية بربورة وهي ذات بساتين من النخيل الباسقة وعيون الماء الدافقة، وشرقيها آثار قديمة، وأهلها فلاحون، وشرقيها جنوبا قرية النويدرات)، كذلك ما قاله لوريمر في دليل الخليج إن بربورة على بعد ميلين إلى الشمال الشرقي من الرفاع الشرقي، وفي إشارة أخرى للشيخ إبراهيم المبارك عند حديثه عن موقع النويدرات قال: (ونويدرات مخففاً مصغراً وموقعها بين العكر وبربورة).
ولو رجعنا واقعا لتحديد بربورة بدقة جغرافيا سنجد أن الحدود العرفية لما تواضعت عليه الأهالي القاطنين منذ القدم في المنطقة سنجدها متطابقة مع الحدود المبنية على الظواهر الطبيعية والتي تميز بربورة بشكل واضح ككيان جغرافي مميز على الرغم من بساطة سطح البحرين ومحدودية الظواهر، ففي الجهة الغربية لبربورة حيث الجدار الصخري لهضبة البحرين، أما من جهة الجنوب الشرقي والشرق فتحدها قرية النويدرات الحالية التي جزء كبير منها هو عبارة عن منخفض أقل من مستوى سطح البحر تغمره المياه في فترات موسمية سابقاً، كما تحد بربورة من جهة الشمال قرية سند عند الحد الفاصل العرفي في منطقة البدايع حيث ترى نتوءاً صخرياً وعين ماء بالقرب من المسجد هناك، وصولاً للساحل حيث نهاية الطرف الجنوبي لأشجار القرم.
أما من الجهة الجنوبية فيصل الشريط الطولي لحافة المرتفعات الصخرية عند مصنع التكرير حالياً، مما يمكننا أن نضم منطقة شباثة الواقعة داخل حدود مصنع التكرير حالياً هي الحد الجنوبي لبربورة وماعدا الجدار الصخري الفاصل بين شباثة وقرية الفارسية فلا يوجد حدود طبيعية واضحة فيمكن أن تتصل بسيحة الفارسية المقابلة لمصنع الألمنيوم حالياً، وتصل إلى قرية عسكر جنوباً. واستناداً لذلك فيمكن اتصال بربورة بعسكر وارد تبعا للإشارة التي ذكرها الشيخ يوسف البحراني في الجزء الأول من كشكوله حين قال عليه الرحمة: «وكانت بيوت أهل البحرين يومئذ من خلف قطع الجنوبي متصلة إلى بربورا وإلى كرزكان».
تضاريس السطح :
بربورة باعتبارها منطقة قريبة من الساحل الشرقي فخصائصها تتشابه وبقية المناطق الساحلية في الجزء الشمالي من جزيرة البحرين الأم، إلا أن هناك نوعاً من التميز للساحل الشرقي عن بقية السواحل الأخرى، حيث يمكن أن تلاحظ أن السهل الساحلي ضيق جداً فيكاد يلاصق هضبة البحرين كلما اتجهنا جنوب الساحل الشرقي ويبدأ بالانفراج شمالاً عند بداية ساحل الفارسية، ويتميّز جزء من الساحل الشرقي إلى جانب ضيقه بانخفاض سطحه إلى ما دون سطح البحر في بعض الأماكن، فيظهر جلياً في حالة المد التقارب الشديد بين مياه الساحل والمساحات الزراعية حيث لا يفصل البحر عن أشجار النخيل أكثر من مترين، الذي يلحظ بوضوح عند منطقة الفارسية وبربورة وسند، فهناك ترى آثار جذوع النخل القديمة قريبة جداً من الساحل مباشرة، كما يبرز هذا الانخفاض الشديد في السطح عند المنطقة الواقعة بين قريتي النويدرات والعكر حالياً حيث تغمر مياه البحر هذه المساحات التي تشكل أراضٍ سبخية، وتربة جيرية مشبعة بالمياه المالحة، ويبدأ السطح بالارتفاع كلما اتجهنا غرباً نحو هضبة البحرين كما أسلفنا، كذلك هذا التماس بين الأراضي الزراعية والأراضي السبخية من جهة والتصاقها بالمرتفعات الغربية من جهة أخرى، حصر النشاط الاقتصادي والحضري في بربورة ضمن الشريط الطولي الذي ذكرناه آنفا.
خصائص التربة:
بشكل عام التربة في معظم جزر البحرين تفتقر إلى المواد العضوية وفي أغلبها تشكل طبقة صخرية عليها طبقة بسيطة من الرمال الجافة والمالحة، وهذا الأمر ينسحب على التربة الموجودة في منطقة بربورة، إلا أن الحد الشرقي لها تشكلت أراض سبخية، تربتها شديدة الملوحة ومشبعة بمياه البحر، ومن جهة الغرب فتسيطر الكتل الصخرية الجيرية عند جرف هضبة البحرين على طول امتداد بربورة، وبين المنخفض السبخي والمرتفعات الصخرية يبقى الشريط الطولي لبربورة سهلا ساحليا ذا تربة خصبة نسبيا، مغطى بالرمال القابلة للاستصلاح وخصوصاً مع توافر المياه العذبة.
مصادر المياه العذبة:
توافرت المياه العذبة التي انتشرت على طول هذا الشريط الطولي لبربورة على هيئة عيون طبيعية عذبة، تفجرت من الطبقات السطحية، بمعنى أن المياه مختزنة في طبقات صخرية قريبة من السطح الأرض، لذا اعتمدت بربورة على المصدر المائي الرئيسي الذي يغذي سهلها من مياه الينابيع الطبيعية القادمة من شمال القرية والتي تتصل بينابيع أخرى قادمة من سند وفاران شمالاً عن طريق شبكات قنوات الري.
وباعتبار بربورة هي امتداد للسهل الساحلي الشمالي الشرقي، فعيونها تكتسب نفس الصفات التي أخذتها مثيلاتها ونرجع لموضع آخر يخصص فيه لوريمر بربورة بقوله (يوجد بها ينبوع شمال القرية تروى منه المزروعات)، كما ذكر المؤرخ محمد علي التاجر أن بربورة (ذات بساتين من النخيل الباسقة وعيون الماء الدافقة)، هذه الإشارات من المؤرخين تعطي صورة واضحة عن واقع بربورة المائي في الفترات الماضية، نضيف لها مشاهدات السكان المحليين الذين عايشوا اللحظات الأخيرة لازدهار تلك الينابيع، حيث اعتمدت بربورة بالأساس على ينبوعين رئيسين موجودين في أطرافها الشمالية وهما (عين دباسة) وهي الأكبر والأهم وتسمى محلياً عين عودة، وربما هي من قصدها لوريمر بأنها تروي المزروعات على طول امتداد بربورة، والعين الأخرى هي (أم الشويلي) وهي تقع في الطرف الشمالي الشرقي من بربورة، وبحكم اتصال قنوات الري المحفورة بدقة متناهية فهناك بعض القنوات الكبيرة التي تسمى (الساب) متصلة بالعيون الكبيرة وتستخدم من السكان البعيدين للري والغسيل والاستحمام أيضاً، أما مياه الشرب فتأخذ مباشرة من العيون، كما يوجد اتصال مباشر بواسطة هذه القنوات بالعيون البعيدة نسبياً في منطقة سند.
وقد أحصى مؤرخون وجغرافيون بحرينيون وعرب وأجانب عيون البحرين الطبيعية، وقدَّر لوريمر عدد العيون والآبار الطبيعية بحوالي (40) عيناً وبئراً وينبوعاً طبيعياً للماء، فذكرها بالتحديد كأهم مصادر المياه في عصر زيارته للبلاد مع مطلع القرن العشرين، ولكنه أهمل ذكر بعض العيون لعدم معرفته بأسمائها كإغفاله ذكر عين دباسة في النويدرات وبربورة، واكتفى بذكرها أنها «عين تروي المزروعات»، كما أنه اكتفى بذكر بعض ما اشتهر في البحرين من عيون طبيعية، أما الشيخ محمد علي التاجر فقد ذكر أسماء بعض العيون الطبيعية أثناء زياراته لقرى البحرين ودونها في كتابه «عقد اللآل في تاريخ أوال»، ونقل الباحث المصري د. عثمان غنيم رسماً لخريطة توزيع بعض العيون الطبيعية الهامة عن مصدر رسمي سنعرضه بعد في خريطة للعيون في البحرين مع مجموعة صور لعيني (دباسة وأم الشويلي).
ولا يختلف اثنان من الناس أن سر الحياة في قرية «بربورة» كغيرها من قرى البحرين آنذاك واليوم وغداً مصدره بكل تأكيد تدفق مياهها العذبة من آبارها وعيونها الطبيعية، التي تمد الأراضي الزراعية عبر جداول وقناطر وأنهر صغيرة موزعة ومنتشرة في بساتينها، كانت آنذاك تأخذ حظها الوافر من عناية المزارعين واهتمامهم اليومي، فقد صنع الإنسان في «بربورة» بواسطة تعامله اللائق مع مخلوقات الله مجده الاجتماعي ونشاطه الاقتصادي وتاريخه الثقافي والروحي.
وظلَّ نبض الحياة فيها متدفقاً بدفق المياه من ينابيعها وعيونها الطبيعية كما رأيناها بأعيننا، وكما أشار إليها باحثون سابقون ذكرناهم كالمؤرخ البريطاني ج، ج، لوريمر، والباحثة البحرينية الأستاذة هند عبدالعزيز القصيبي في رسالتها العلمية لنيل درجة الماجستير، وآخرون كعثمان غنيم ومصادر رسمية وهواة تصوير لبعض المشاهد الطبيعية الخلابة في قرية بربورة وفي غيرها.
وهذا ما شهد به د. منصور سرحان وهو أحد أبناء النويدرات بعد تجارب شخصية مع هذه العيون، فقد «كانت ينابيع المياه ببربورة ترفد الأنهار الصغيرة والكبيرة، وتندفع المياه عبر تلك الأنهار إلى جميع أنحاء قرية النويدرات التي كانت محاطة هي الأخرى بالأنهار من جميع الجهات، حيث تسقي جميع بساتين النخيل على شكل غابات كثيفة، ويتذكر كبار السن امتداد الأنهر إلى مناطق أخرى تتعدى النويدرات لتصل إلى منطقتي «شباثة» و«الفارسية» وهما من القرى التي اندثرت وحل محلهما معمل التكرير الحالي.
وكانت قرية بربورة حتى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين جنة غنَّاء تكثر فيها الينابيع الطبيعية المختلفة، وعيون الماء الكبيرة والصغيرة، وقد اشتهرت بكوكبها (الكوكب نبع ماء على شكل عين صغيرة) الذي يقع على الجهة الشرقية من بربورة، حيث تتكاثر في هذه المنطقة بالذات الينابيع والأنهار والجداول فتسر الناظرين، وعندما تراجعت قوة هذا العنصر في بربورة بدأت تترك أثرها على سير الحياة فيها، ومهدت لاندثارها وبعد هجرة أهلها منها كأحد الأسباب البارزة لاندثار القرى وتجمعاتها البشرية، فتراجع مستوى تدفق الماء سبب طبيعي لخراب القرية وتدهور حالها الاقتصادي والاجتماعي.
إنَّ حركة الحياة في بربورة ارتبطت منذ ولادتها التاريخية الأولى – كسائر التجمعات الإنسانية – بالينابيع المائية الطبيعية، وظلت حتى نهاية الستينيات كذلك مرتبطة بعيونها الطبيعية وينابيع الماء فيها التي تتدفق من ثلاث عيون أساسية وهي:
-1 عين «دبَّاسة» وهي ما تعرف لدى الأهالي بـ «العين العودة» التي كانت أكبر وأوسع عين في مساحتها وأنقى بئر طبيعي بمنطقة النويدرات وبربورة، وتتمتع هذه العين بتدفق قوي لمياهها من خلال مخرج نهري رئيسي في أطراف جهتها الشرقية باتجاه شبكة من الجداول الموزعة على أراضٍ واسعة، وكلما تباعدت الأراضي التي تستفيد من مياه عين دباسة (العين العودة) تزايدت شبكة الجداول والأنهر الصغيرة التي تسمح بوصول الماء إلى مزيد من الأراضي المفتوحة على بعضها حتى وإنْ كانت محددة بسياجات أحياناً حتى من سعف النخيل.
وعين دباسة الموجودة بين حدود قريتي النويدرات وبربورة من العيون التي ذكرها الباحثون كالباحثة البحرينية الأستاذة هند القصيبي والجغرافي الأستاذ د. عثمان غنيم في خريطة مصدرها وزارة التجارة والزراعة كما هو مذيل في أسفلها في الجانب الأيسر، كما ذكرها لوريمر ولم يحدد اسمها، لكنه أخطأ في تحديد موقعها فهي في جنوب بربورة وشمال النويدرات، وليست كما ذكر لوريمر أنها تقع شمال قرية بربورة.
تقول الباحثة هند القصيبي:
تقع عين دبَّاسة في أقصى الشمال الغربي من قرية نويدرات، وكان طولها يصل إلى حوالي 57 متراً وعرضها إلى حوالي 12 متراً، ويقع المجرى الرئيسي عند نهاية جزئها الشرقي باتجاه قرية نويدرات، يصل عمق العين حوالي 1.8 متر في الجهة الغربية، ويقل العمق تدريجياً عند الأجزاء الشرقية، ولقد كانت هذه العين من العيون الشهيرة في منطقة نويدرات، وتستغل بشكل كبير في ري المزروعات القريبة منها، وتذكر الباحثة البحرينية هند عبدالعزيز القصيبي جفاف هذه العين فتقول: «توقفت عين دبَّاسة تماماً عن التدفق في العام 1971 مع زيادة قليلة نسبياً في نسبة الملوحة، مما أدى إلى جفاف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المحيطة بها31» وتحولت المنطقة إلى صحراء قاحلة بعد أن كانت جنَّـة غنَّاء.
وكانت مياه هذه العين قبل جفافها وتدهورها على درجة عالية من العذوبة والصفاء لدرجة فيما كنا نتذكره في طفولتنا أننَّا نشاهد بأعيننا قطع النقود المعدنية التي تسقط من أيدينا في اتجاه الأسفل من أرض العين فنعثر عليها بسهولة لأنَّ صفاء مياهها وعمقها المعتدل يساعدنا في رؤية أرضيتها وتشعرنا بالأمان أثناء السباحة فيها، فتبدو لنا نقودنا المعدنية على درجة من الوضوح إذا كنَّا مركزين النظر، كما لو أننا على اليابسة، ثم نغوص فوراً لانتشالها من قاع العين، ونحاول اقتناءها وحفظها من جديد، وقد آل أمر هذه العين الدافقة إلى مصير عيون البحرين الطبيعية الأخرى بنفس الدراما الحزينة، تتجمع الأوساخ ويتراكم الطمي مع تواصل إهمال الناس لها فتسد منابع البئر، ويبدأ جفاف العين، ويقل دفقها مع الأيام حتى تصل إلى الجفاف التام ثم الردم وتسويتها بأية أرض يابسة.
2 – عين صغيرة في شكل دائري، ويقال إنه كوكب (أبو سعود) وتقع بالقرب من عين العين العودة (دباسة) في الجهة الغربية منها، وعلى مسافة لا تزيد على مائة متر تقريباً فيما أتذكره، ونقدر مساحتها في حدود تتراوح بين (6 أمتار في جهتيها الشمالية والجنوبية و7 أمتار من جهتيها الشرقية والغربية)، وبالتالي تبلغ مساحتها التقريبية حوالي (42) متراً مربعاً، وظل ماؤها يتدفق منها حتى أحس الأهالي بتراجع مستوى دفقها منتصف عقد الستينيات، فتدخلوا بجهد جماعي تطوعي – كعادتهم – لتنظيفها وإزالة الطمي وآثاره عن ينبوعها الأساس، لكنهم لم يستطيعوا – لأسباب لا نعلمها – من إبقائها ينبوعاً قادراً على التدفق، فبدأت تتدهور شيئاً فشيئاً حتى خربت مع سائر الأيام، ثم غار ماؤها نهائياً.
3 – عين أم الشويلي: تقع هذه العين في الأطراف الفاصلة بين شمال نويدرات وجنوب – شرق بربورة، ويحيط بها الماء المالح أثناء حركة المد، كما كانت بعض الأعشاب البحرية والبرية محيطة بها من أكثر من طرف، ويبلغ طولهـــا تقــديراً (22) متراً، وعرضها يتراوح ما بين عشرة أو أحد عشر متراً، وكان ماؤها عذباً على الرغم من أن ماء البحر يحيط بها وقت المد كما ذكرنا، ولهذا فإنها تستغل في سقي أشجار النخيل القريبة منها، ويستخدمها الأهالي في الاستحمام وتنظيف وغسل الأواني.
وقد التقطت عدسة كاميرا أحد الباحثين منظرين لعين العودة قبل جفافها والأخرى بعد الجفاف، وفيما يلي عرض خريطة توضح موقع عين دباسة (العين العودة) في بربورة والنويدرات مع مجموعة صور لعين دبَّاسة أو عين العودة، وقد تمت الاستعانة في هذا الصدد بالموقع الإلكتروني للأستاذ حسين محمد حسين الجمري الإلكتروني، بالإضافة لكتاب (جغرافية البحرين) لمؤلفه الجغرافي د. عثمان غنيم في اعتماد الخريطة التالية المأخوذة أصلاً من مصدر رسمي.
مساجد بربورة:
من الصعب حصر مساجد القرية لأننا من جيل لاحق لم ندرك كل هذه المساجد التي تحولت إلى أثر بعد عين، ولم يستطع كبار السن تذكر سوى بعضها، فالمساجد الباقية البالغة تسعة ظل بعضها حتى الآن بأسمائها القديمة، وهي حوالي خمسة مساجد موزعة في مناطق متباعدة نسبياً عن بعضها، وأشهر هذه المساجد مسجد الشيخ مؤمن الذي كان يعد مدرسة دينية أو حوزة علمية للتدريس الشرعي وتدريس الحكمة وبعض العلوم العقلية المرتبطة بالعلوم الشرعية.
والمساجد القديمة الأخرى المعروفة بأسمائها القديمة بالإضافة لمسجد الشيخ مؤمن، مسجد المشرف، والدويرة أو الدوير، ومسجد الدرب الضيقة، وكذلك مسجد البداري، ومسجد الشيخ يوسف كما يقال، وأطلق على بعضها الآخر أسماء جديدة، واعتبرت مواقعها في الوثائق الرسمية ضمن النويدرات كمساجد الإمام الباقر، والإمام الجواد، وسلمان الفارسي، وأبو ذر.
ومما يلفت النظر أن الأهالي من أبناء النويدرات (وهم أكثر الناس ارتباطاً ببربورة وأهاليها) بدأوا في العمل على استعادة هذه المساجد لأدوارها العبادية والاجتماعية والثقافية كإقامة الاحتفالات الدينية والمناسبات الاجتماعية كالزواج واللقاءات الحوارية.
بربورة وإسكان القرى الأربع (النويدرات والعكر والمعامير وسند):
في العام 2008 أكتمل مشروع بناء وحدات سكنية في المنطقة التي كانت تسمى «بربورة»، والوحدات السكنية تمتد في منطقة «سيحة بربورة» و«سيحة النويدرات». وعندما أكتمل مشروع الإسكان تدخل البعض وأطلق تسمية غير موجودة في التاريخ، وهي «هورة سند»،وعليه بدأ الأهالي اعتصاماً مفتوحاً ومستمراً منذ 21 فبراير/ شباط 2008. أهالي المنطقة في القرى الأربع (النويدرات والعكر والمعامير وسند) يرون المنطقة التي أقيم عليها المشروع هي «سيحة بربورة» و«سيحة النويدرات» وفقاً لتاريخهم الطويل مع الأرض والوثائق الرسمية والمراسلات الحكومية التي يحتفظون ببعضها، والمسجل بعضها في أدبيات المجلس البلدي للمنطقة الوسطى.
وبموجب هذه الوثائق تمت تسمية المشروع لهم بوضوح تام، وأنها بالتالي تمثل امتداداً طبيعياً لدائرتهم الخامسة التي تربط بين النويدرات وسند منذ تاريخ بعيد يتخطى أربعة قرون على الأقل، إن لم يكن أكثر عمقاً من الناحية التاريخية، ويصر أبناء المنطقة على أن اسمها القديم «بربورة» وفقاً للمصادر والمخطوطات التاريخية، ولا ينبغي لأحد من الناس التنكر لهذا الاسم التاريخي المتجذر، وإلغاء تسميتها التاريخية منذ قرون متعاقبة، فهي (أي بربورة) على حد تعبير الشيخ إبراهيم المبارك، وهو أحد أبرز مؤرخي الحركة الثقافية من علماء البحرين كانت (بلاداً كبيرة ومنطقة قديمة).
وبيوت أهل البحرين على حد تعبير عملاق البحرين الكبير الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم العصفور البحراني رحمه الله تعالى «متصلة يومئذ من خلف القطع الجنوبي إلى بربورا وإلى كرزكان»، وقد ذكر هذه البيانات التاريخية بعد حديثه مباشرة عن الغزو الأموي للبحرين في عصر عبدالملك بن مروان.
ويفيد النص التاريخي المتقدم والصادر من فقيه عرف بعدالته وتقواه ونبوغه العلمي المتألق، ومؤرخ له يد بيضاء وناصعة على تاريخنا الثقافي، وموسوعي طال بعلمه مختلف علوم عصره الشرعية والعقلية بأن قرى البحرين يومذاك منتشرة منذ قرون في الجزء الشمالي من البلاد، وهي ممتدة نحو الوسط والجنوب من «بربورة» شرقاً إلى «كرزكان» غرباً، ولم يذكر أحد من المؤرخين أو الباحثين العرب أو الأجانب التسمية المختلقة «هورة سند» ضمن زياراتهم الميدانية للمنطقة أو في دراساتهم، بل إنها لم ترد أيضاً على لسان المرحوم الأستاذ ناصر بن جوهر بن مبارك في مؤلفه التاريخي عند ذكر البحرين ومناطقها، وهو مؤرخ متأخر في زمانه عاش في القرن الرابع عشر الهجري.
ومن الصعوبة بمكان قبول شيوع التسمية الجديدة «هورة سند» قبل هذا التاريخ، ولم تثبت حتى اللحظة الراهنة في سجلات المؤرخين ولا في مصادرهم أية إشارات لها حتى يقال إنه تم تزوير الوثائق بشأنها كما يزعم دعاة الهورة، وهذا بخلاف شيوع التسمية التاريخية «بربورة» وانتشارها في مصادر تاريخية عديدة وفي الخطاب الشعبي المتداول، بالإضافة إلى تسجيلها وتثبيتها في السجلات والوثائق الرسمية وخرائط البلاد على نحو قاطع لا غموض فيه ولا التباس، فلا توجد في خريطة البحرين منذ قرون خلت على الساحل الشرقي المواجه لغرب سترة سوى قريتي العكر وبربورة التي يصفها بعض المؤرخين بأنها بلاد كبيرة تبلغ حجم مدينة كما يتردد على ألسن الناس.
ولذا لم يجد أهالي القرى الأربع راحة من هذا الالتفاف على حقوقهم التاريخية، وبدأوا رعتصاما سلمياً منذ 21 فبراير/ شباط 2008 ولازال مستمراً حتى كتابة هذه السطور، تأكيداً بأن بربورة ستبقى حية في الشعور الجمعي لأبناء النويدرات والقرى المجاورة، التي توزعت في شريط أخضر طويل ممتد من جرداب حتى جنوب النويدرات أسماه الأستاذ ناصر خيري بـ «رياض ناضرة واسعة الأطراف»، ويسميه آخرون بحزام أخضر، وقد أحاط بالرفاع الشرقي من الجهة الشرقية، وقد عرف إنسان بربورة وإنسان النويدرات وكل إنسان في الشريط الأخضر معاناة تاريخية سواء في ظروف السلم أو في ظروف المحن والتدهور والتأزم الأمني فاكتوى بأوارها.
القرية البحرينية… تاريخ وأصالة وأدوار حضارية
يحاول هذا البحث التاريخي – كما أوضحنا – أن يستعيد صورة ضائعة عن بربورة وتاريخها الزاهي، وهي منطقة من مناطق البحرين الفاعلة التي احتضنت العلم والرجولة والعزة والكرامة والاستقامة الإيمانية، وتركت تراثاً ثقافياً مخزوناً يحتاج إلى متابعته لإبرازه، وقد تعرضت بلدة بربورة تدريجياً للخراب كسائر القرى المندثرة، وآل أمرها إلى الانهيار في جوانب كثيرة من معالمها حتى غاب عن الوجود تجمعها البشري ثم تدريجياً أصاب بيئتها الطبيعية الخراب باستثناء القليل القيل، ولكن – مع ذلك – يشهد كل شيء لها بالبقاء شامخة حتى الآن في قلوبنا ومضيئة بعطائها وذكرياتها وآثارها في تاريخنا.
وتمثل القرى في بلادنا العزيزة (البحرين) العمود الفقري في التكون البشري للمجتمع، فهي تجمعات سكانية ذات أصالة تاريخية وبُعْد اجتماعي ممتد في تعاقب أجيال من المواطنين، فقد استقر أهل البحرين في تجمعات قروية مشهورة بأسمائها وعلمائها وإنجازاتها المادية ومآثرها الروحية والثقافية، وظل طابعهم الريفي يصبغ نمطهم الاجتماعي والثقافي لقرون متتالية حتى برزت في مطلع القرن التاسع بوادر بروز ونمو تجمعات سكانية جديدة بدوافع عمرانية حيناً وسياسية حيناً آخر، فظهرت مدن جديدة لاحقاٍ.
وتؤكد بعض الكتابات التاريخية أنه بعد معركة «أخكيكرة» أسس الشيخ سلمان بن أحمد آل خليفة مدينة الرفاع وبنى قلعته فيها، وأصبحت مقراً لسكناه، كما بنى الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة قلعته في حالة أبي ماهر وأسس مدينة المحرق، وكرَّر تثبيت هذه الحقيقة مؤرخون كمحمد خليفة النبهاني بطريق غير مباشر أو باحثين آخرين في تاريخ البحرين بطريق مباشر.
فـ «بعد انتهاء هذه الواقعة اختار الشيخ سلمان بن أحمد سكنى (الرفاع) فنزله ثم بنى به قلعة عظيمة على أساس قلعة فرير بن رحَّال وزير الشيخ الجبري بعد أن كان نازلاً بقرية «جو» على الساحل الشرقي جنوب البحرين.
ثم يقول النبهاني: «واختار الشيخ عبدالله بن أحمد سكنى المحرق ونزلها وبنى بها أيضاً قلعة في حالة أبي ماهر تسمى اليوم قلعة أبي ماهر، وهي خربة مهجورة منذ وقعة الضلع».
وهكذا بعد انتهاء «معركة إخكيكيرة» التي وقعت في نهاية العام 1225هجرية (1811 م) استعاد الشيخ سلمان بن أحمد ال خليفة حكمه على البحرين، وتمتعت البلاد بفترة من الهدوء والحذر استمرت أربع سنوات (1811 – 1815م)، حيث كانت علاقة البحرين قوية بمسقط، وكانت حكومة الإمام سعود مشغولة بحربها مع قوات محمد علي بقيادة ابنه طوسون باشا، وخلال هذه الفترة الشيخ سلمان قلعته واتخذها مقراً لحكمه وسكنه.
الكاتبة «منى برهان غزال» وهي باحثة في تاريخ البحرين الحديث ولها دراسة معروفة قالت أن جزيرة المحرق كانت قبل دخول آل خليفة البحرين كانت خالية من السكان أو هي في أحسن التقديرات مأهولة بعدد قليل من السكان، وأشارت إلى أنها كانت مسكونة بسكانها الأصليين الذين تجمعوا منذ قرون بعيدة في شمال الجزيرة وجنوبها على شكل تجمعات قروية قديمة في وجودها مثل قرى الدير وسماهيج في قرنها الشمالي الغربي، وقرية «عراد» في جنوبها.
الباحثة منى غزال ترى في إشارتها لإحدى حملات «الغزو العماني» الذي وقع في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وبداية القرن التاسع عشر بالتعسف والقوة أن مدينة المحرق جديدة في وجودها، وكانت فيما مضى خالية من السكان إلاَّ فيما ندر، وهي التي أسست سنة 1225 هجرية (1810 م) بعد المعركة المذكورة… معركة (أخكيكرة) التي تعتبر اسماً لموضع في البحر بين الزبارة وفريحة».
تقول غزال في مقطع من بحثها إنَّ:
«مدينة المحرق في ذلك الوقت لم تكن مسكونة، وكل ما في جزيرة المحرق من القرى… الدير وسماهيج، وعراد» وكانت هذه الجزيرة كما يقال تعرف بجزيرة «عراد أو آراد.
ومن المؤكد أنَّ عدداً كبيراً من قرى بلادنا البحرين لا تزال قائمة حتى اللحظة الراهنة، ولا تزال أسماء علماء مشهورين بالعلم والتقوى والتميُّز الروحي والإنتاج الثقافي ينتسبون إليها كما تؤكد مصادر دراسة التراث الثقافي والتربوي لعلماء البحرين.
أمَّا بعض القرى الأخرى فقد بادت واندثرت معالمها، وأصبحت من ماضي البحرين الذي يطبع بصماته في حياتنا المعاصرة، لكن آثارها – وهي مادية – تطاول الزمان ويتألق بعضها في سماء التاريخ، وتفيض كتب التراجم والمصنفات الثقافية لعلماء البحرين بإشارات عنها.
بيد أن آثاراً ثقافية ومادية واجتماعية وروحية تدل على زوال مظاهر الوجود العمراني التاريخي لعدد من القرى ذات شأن في فترة زمنية ماضية ومنها على سبيل المثال قرى أبو رويس وفاران وهلتا والدونج والغريفة بالقرب من الشاخورة وبربورة وعالي معن، وعالي ثمود، وعالي حويص، وفارسية، وعسكر الشهداء وكَتَكان وسنابس ودي، وجزيرة الحسان، وشريبة، وضلع، وأوال، وجبيلات، ومشهد، وبستان، وظهران، وناصرية، والعقير، وحلة علي، وجمالة، وجبور، وحمرية، وخصيفة، وخرباباد، وروزكان، وسبسب، وشبافة، وشراكي ومري وغيرها».
ومن القرى البائدة التي ذكرها مؤرخون قريبو عهد بالفترة الأخيرة من اندثارها العمراني وتناقص سكانها كما في حالة اندثار قرية بربورة منذ عهد قريب لا تتجاوز في انهيارها أكثر من قرن، ففي هذا الصدد يذكر بربورة المرحوم الشيخ إبراهيم بن الشيخ ناصر بن الحاج عبد النبي بن يوسف آل المبارك الهجيري التوبلاني رحمهم الله، إذ يقول في دراسته التاريخية عن البحرين، «إن قرية (بربورة) المندثرة عمرانياً: «كانت في الزمان القديم بلاداً كبيرة جداً، وأمَّا الآن فسكانها قليلون، حديثو عهد بها، وخرابها قريب العهد لأنَّ أم جدي الحاج عبدالنبي كانت منها».
أي أن جدته رضوان الله عليها وأم جده الحاج عبدالنبي المبارك من أهالي منطقة بربورة التي كانت موجودة حتى بدايات العقد الثاني من القرن العشرين، وقد صدح رضوان الله عليه بهذه المقولة التاريخية التي نحتاجها في مواجهة المتطاولين على تاريخ قرانا قبل أن يثير هؤلاء إشكاليتهم الظالمة بأكثر من ثلاثين عاماً هجرياً، ولم يكن الشيخ إبراهيم المبارك بحاجة إلى التعبير عن هذه الحاجة في ظروف موقف سياسي يثيره الإقصائيون لأنه لا أحد آنذاك ينكر وجود بلدة بربورة موطن جدته قضية، وإنما كان يسجل حقيقة وجود قرية جدته «كحدث تاريخي» في محيط زمانه، ويسجل بعض التحولات فيها.
ومما نعرفه أنَّ الأستاذ سالم النويدري كان يشغل نفسه بالدراسات والبحث عن تاريخ بعض قرى البحرين المندثرة من خلال عدد من الفعاليات الثقافية عن هذه القرى الأصيلة في مجتمعنا، حيث ذكر بعض القرى المندثرة لأسباب طبيعية أو اجتماعية أو سياسية أو داخلية، ومنها على سبيل ما ذكره في بحثه قرية الجارم أو فشت الجارم التي طمسها البحر وطغيانه، وكذلك قرية المزروعية التي كانت قرية بجزيرة مأهولة بسكانها، وأضاف أن قرى أخرى مندثرة لأسباب متعددة مثل قرية خصيفة في الدير، وأبو خفير في البلاد القديم، والبجوية الواقعة جنوبي قرية منى، والبدعة الواقعة بين قريتي السنابس والديه على الساحل الشمالي للبحرين، وقرية بربري التي تقع بين سار وعالي، وقرية بربورة الواقعة غرب النويدرات وجنوب سند، وقرية بندر الدار شرق سترة، وقرية بُنَّي وقرية البينة، وقرية جبل حيان جنوبي شرق عسكر، وقرية الحلة بالقرب من سماهيج، وكذلك قرية الجنمة إحدى قرى سماهيج.
على الرغم من الإشارات البيِّنَات والواضحات في بعض مصادر دراسة التراث التربوي والثقافي لعلماء البحرين وغيرهم من مؤرخي هذا التراث لأسماء هذه القرى البائدة ومنجزاتها الثقافية كحواضن للعلماء، فإن هناك من يحاول طمس معالم هذه القرى.
وتعتبر منطقة (بربورة) الواقعة في شمال وغرب قرية النويدرات من أهم المناطق السكنية ذات الامتداد السكاني – التاريخي في البحرين، فالمنطقة – وإن اندثرت اليوم – كانت إلى عهد قريب قائمة كوجود سكاني وعمراني واقتصادي، ودوائر الدولة ومؤسساتها تشهد على أصالتها التاريخية، وبقيت تسميتها متداولة إلى الآن رغم ما خرب منها حتى في أهم ما كانت تتمتع به وهو بيئتها الزراعية الخضراء التي رأيناها بأم أعيننا، فلا تزال ذاكرتنا في طفولتنا تعود بنا إلى بربورة… الجنة الغنَّاء الوارفة الظلال، وإلى نضارة أشجارها وجمالها الطبيعي التي وصفت بكلمات بعض المؤرخين من أبناء وطننا، ولم يعترض على وصفها مواطنون.
يقول المؤرخ البحريني الشيخ محمد علي التاجر في وصف بربورة… القرية الخضراء:
«وهي ذات بساتين من النخيل الباسقة وعيون الماء الدافقة وشرقيها آثار قديمة، وأهلها فلاحون وشرقها جنوباً قرية النويدرات».
ولا تزال بقايا حية من هذا الإرث الطبيعي الجميل موجودة حتى اللحظة الراهنة ضمن مساحة جداً قليلة في منطقة بربورة بعد أن غار ماؤها ونضبت العيون والآبار ومنابع الماء وهجرها أهلها حتى في فترة الظعن والرحل الصيفي المؤقت الذي عرفته لسنوات متعاقبة أدركنا بعضها حتى السبعينيات، وقد عايشنا ذلك في حياتنا، وفي فترة باكرة من طفولتنا هذه الطبيعة الحيوية والخلابة للمنطقة وفي نشاط أهلها من قرية النويدرات الواقعة في شرق بربورة، فالقرية البائدة لم تندثر تماماً، ولم يمض على اندثارها سوى سنين قد لا تزيد على قرن من الزمان فأقل قبل قرن وعشر سنوات ذكر «بربورة » عامرة الشيخ محمد علي بن الشيخ محمد تقي آل عصفور في كتابه «الذخائر »، وهو ما يعادل في الحساب والتقدير عمر إنسان… رجل أو امرأة على حد سواء.
أمَّا الآن فقد تعرضت «منطقة بربورة» للمحو شبه التام بتصحر غالية أراضيها المزروعة وخراب مبانيها، وزحف العمران عليها من جديد، وبدأت عناصر من العمالة الوافدة الأسيوية بالدخول فيها والسكن في أراضيها، وإقامة وحدات سكنية لهم على ترابها، بل استيلائهم على بعض معابدها الدينية، وتدمير بعض المساجد فيها والقبور المتناثرة هنا وهناك بالمنطقة.
قرى بائدة في مصادر دراسة التراث الثقافي لعلماء البحرين:
التاريخ الإنسـاني- كما نعلمه – ساحة عملية لتسجيل الوقائع وتراكم أحداث في الحياة الإنسانية، وبروز نهضات ثقافية واجتماعية ودينية وسياسية، وميدان لتطبيقات فعلية للسنن والقوانين، فالتاريخ الأحداث المتعاقبة في حركة المجتمعات، ومنها وقائع نمو وقيام دول وسقوط حضارات تسود في فترات من الزمن ثم تنتهي، وهذه الوقائع محكومة بقانون اجتماعي.
وقد انسحب أثر هذا القانون الاجتماعي على كل التجمعات البشرية بمختلف أشكالها المادية والعمرانية على حد سواء ودونما استثناء، ولم تفلت القرى وتجمعاتها البشرية العامرة في بلادنا البحرين على امتداد تاريخ طويل من قبضة قانون النمو والسقوط الاجتماعي، فتلك سنة الله في خلقه.
والمتيقن من النظر في تاريخ البحرين منذ العصر الحديث حتى زماننا المعاصر قيام بعض القرى البحرينية ونموها التدريجي حتى ازدهارها في مرحلة معينة ثم سقوطها بفعل وتأثير عوامل نعلم ببعضها ونجهل بعضها الآخر.
وكما أن بعض هذه القرى والتجمعات البشرية متفاوتة في نموها الاجتماعي فإنها كذلك مختلفة في ظروف سقوطها وتدهورها الاجتماعي، ولا غرو فالتاريخ يحتضن الراغبين فيه والنافرين منه على حد سواء، وهو في كلا الحالين يعطي للراشدين شهادات معتبرة حتى وإنْ قل اعتبارهم في غالب الأحيان، ويمد الناس على اختلاف مشاربهم بخبرات مربية تختزن في داخلها العِبَر وطرق الاعتبار التي يحتاجها الإنسان في توجيه وضبط مسارات المجتمع الإنساني وحركته في النمو والسقوط معاً.
وقد سجل مؤرخو التراث الفكري والتاريخ الثقافي والاجتماعي لعلماء البحرين وخاصة في عصر نهضتهم إبان القرون الأربعة الهجرية (من العاشر حتى الثالث عشر) إشارات متفرقة لظاهرة نمو تجمعات بأصلها البشري القروي وسقوطها الاجتماعي بعد فترة زمنية تهيأت فيها هذه القرية أو تلك للخراب وتوافرت لها أسباب التدهور والتراجع العمراني، وفرار أهاليها منها إلى تجمعات لا تزال في طور التكوين أو بلغ بعضها حالة من النضج أو مرحلة الاستقرار ليستأنفوا حياتهم في ظروف تجمع بشري جديد.
ويستفاد من مصادر دراسة التراث الثقافي والتربوي للعلماء في بلدنا ولحركة النهضة العلمية خلال القرون الهجرية الأربعة من (10 – 13) أن ثمة إشارات لعلماء نسبهم المؤرخ البحرايني لقرى لا تزال قائمة في وجودها آنذاك كالشيخ سليمان الماحوزي والشيخ يوسف الدرازي البحراني، والسيد هاشم التوبلاني، والسيد عبدالرؤوف الجدحفصي، والشيخ عبدالله الستري، والشيخ محمد بن علي المقابي والشيخ علي بن حسن البلادي والشيخ حسن الدمستاني شاعر البحرين الكبير أو إلى قرى كانت قائمة ثم خربت وبادت واندثرت واندرست كثير من معالم الحياة فيها.
ولكن إشارات المؤرخ التربوي إلى شيوع ألقاب لعلماء منسوبين إلى قراهم البائدة كالشيخ محمد الفاراني، والشيخ الجليل محمد بن الحسن بن رجب الرويسي، والشيخ محمود المَعَنِي والشيخ يوسف العسكري وابنه الشيخ محمد العسكري، والشيخ عبدالله بن الحسين البربوري، والسيد هاشم بن إسماعيل الكَتَكَاني (إحدى قرى توبلي) إنما تدل على وجود تاريخي لقرى كانت سائدة ولم تعد موجودة الآن، أم في كتب التراجم عند الشيعة الإمامية فتستخدم الألقاب نفسها.
وقد ولد هؤلاء الأعلام في أحضانها وترعرعوا على ترابها ونشأوا في أجوائها وتعلموا فيها ثم حدثت أسباب أدت إلى تناقص ظروف الحياة فيها تدريجياً واندراس كثير من معالمها، ثمَّ تدهورها وسقوطها في نهاية المطاف، ومن ثم بقيت أثراً بعد عين يتجلى في شواهد دالة على وجودها في فترة تاريخية ما كذكر أسماء علماء من قرى بائدة أو ذكر مصنفات ثقافية أو كتبهم أو آثار مادية لبلادهم القروية لا تزال محفوظة في الذاكرة أو بطون مصادر دراسة التراث الثقافي والتربوي لعلماء البحرين.
نماذج لقرى مهجورة خربت وبادت في كتاب حاضر البحرين:
ذكر الشيخ إبراهيم آل المبارك مجموعة من القرى التي آل مصيرها إلى الخراب والزوال ومنها على سبيل المثال (أبو غزال، أبو زيدان، أبو محارة، بربورة، بريغي، برْدَج، بويرد، جُبُور، خرباباد، خُصيفة، دونج، دار، رُويس، روزكان، سبْسبْ، سلباء، سويفية، شباثى، شريبة، شراكي، صمَّان، صرفاء، ظهران، عالي مَعْن، عالي حُصْ، عالي حُوَيص، عالي ثمود، غُريفة القريبة من الشاخورة لا القريبة من ميناء سلمان، فاران، كَتَكَان، محاري، محَّاري، مَرِيْ، ناصفة، ناصرية، نور جرفت، هداروه).
وهناك قرى أخريات قد خربت وذكرت في مصادر أخرى كالتي ذكرها الشيخ محمد علي بن الشيخ محمد تقي آل عصفور في كتابه الذخائر أو ما يعرف أحياناً بكتاب (تاريخ البحرين أو عيون المحاسن)، حيث ذكر بعض القرى التي لا تزال في زمنه معمورة في الربع الأول من القرن الثالث عشر الهجري مثل «كتكان، ورويس، وبربورة، ومشهد، وهلتا، والدونج، وعالي حويص، ولقبيط، والعقير، وصدَّاغة وغيرها» ثم خربت واندثرت.
وإذا تأملنا تاريخ تأليف الشيخ محمد علي آل عصفور لكتابه «الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر» نجد أن هذه القرى لا تزال في نظر الشيخ محمد علي آل عصفور معمورة آنذاك بسكانها حتى سنة 1319 هـ / 1901 م، وهو تاريخ الانتهاء من كتابه الآنف الذكر، حيث انتهى من تدوين كتابه هذا في يوم الجمعة الثاني عشر شهر شعبان المعظم أحد شهور سنة 1319هـ التاسع عشر وثلاثمئة بعد الألف أي أنَّ تاريخ الانتهاء من كتاب الذخائر هو 12 شعبان سنة 1319 هجرية (1901 م).
ويدل – إنْ صح توقعنا – على اندثار القرية بعد هذا التاريخ بزمن يتراوح بين تسعين عاماً أو يزيد بقليل، ويؤيد هذا التوقع سند آخر هو أن أم الحاج عبدالنبي المبارك جد الشيخ إبراهيم المبارك الهجيري التوبلاني كانت من بربورة قبل مدة زمنية قد تتراوح بين المئة والعشرين عاماً أو قرن ونصف من السنين على الأكثر.
وإذا أخذنا بهذه الشهادة من مؤرخ وعالم دين وابن بار بالبحرين نستطيع القول إن أقوال بعض أهالي بربورة والنويدرات صادقة تماماً فيما رأوه بأن بربورة كانت إلى مطلع القرن العشرين عامرة بعدد قليل من أهلها رغم ما طرأ عليها من خراب في معالمها وبيوتاتها وبعض دور العبادة فأصبحت أطلالاً.
وأيد ذلك ما شهد به المؤرخ البريطاني «ج، ج، لوريمر» في الجزء الأول من كتابه دليل الخليج الذي صدر في 24 ديسمبر سنة 1908م بوجود (20) بيت مبنية بالطين والحجارة في مطلع القرن العشرين الميلادي، وهي ذات دلالة في نظره على وجود مساكن دائمة. مشيدة من الحجر والطين، وبمقابلة كلام لوريمر بكلام الشيخ إبراهيم يتضح لنا أن لوريمر يتكلم عن فترة متأخرة من حياة بربورة، بينما الشيخ إبراهيم يمتد بكلامه عن تاريخ متقدم للقرية وخاصة تاريخ جدته البربورية، ويبدو أن مصدر معلوماته طرفان هما معايشته الشخصية للفترة الأخيرة من تاريخ بربورة وتوافر عدد من العارفين بالقرية من كبار السن الذين عايشوا القرية عن قرب قبل أن تنهار تماماً في العقد الثاني من القرن العشرين.
وكذلك ما كتبه المؤرخ الشيح محمد علي بن أحمد بن سلمان التاجر المتوفي سنة 1967م في كتابه المعروف «عقد اللآل في تاريخ أوال» عندما قال رحمه الله عن بلدة «بربورة» أثناء زيارته الميدانية لها في الأربعينيات إنها: «ذات بسـاتين من النخيل الباسقة وعيون الماء الدافقة، وشرقيها آثار قديمة، وأهلها فلاحون».
تلك هي شهادة التاريخ والأرض وشهادة الإنسان بآلامه وآهاته التي تعبر عن نفسها بمرارة مختزنة في قلوب عوائل هذه القرية المشردين هنا وهناك، وتنتظر اللحظة التي تجد فرصة التعبير عن وجودها التاريخي.
وتوحي جملته الأخيرة من النص المتقدم «وأهلها فلاحون» بثلاث حقائق تاريخية مهمة ومباشرة يصعب ردها، وتتجلى في الاجتماع البشري بالمظاهر التالية:
1 – أنَّ « بربورة ما تزال آنذاك عامرة وآهلة بعدد قليل من السكان »عندما زارها الشيخ التاجر في الأربعينيات، وهي زيارة متأخرة عن الزيارة الميدانية للمؤرخ والجغرافي لوريمر في بداية القرن العشرين قبل صدور كتابه سنة 1908م، واتفق كلاهما على وجود سكان للبلدة… أي بربورة.
2 – والحقيقة الأخرى هي أنَّ الفلاحة هي المهنة الأساسية البارزة التي ذكرها لأهالي بربورة، فمكونات حياتهم زراعية، فالماء والنخيل الباسقات تفرض عليهم أن تكون الزراعة أبرز مناشط الحياة الاقتصادية في الفترة الأخيرة الحرجة من تاريخها، وقد أكدتها شهادة لوريمر والتاجر معاً، إذ يقول أحدهما عن سكانها أنهم بحارنة يعملون في الزراعة، ويقول عنهم التاجر: إنهم فلاحون.
3 – وثالث الحقائق هي وجود آثار قديمة في القرية وخاصة في قسمها الشرقي منها، وببالغ أسفنا لم يتم تفصيل هذه الآثار وإعطاء بيانات واضحة عنها من قبل الشيخ التاجر، فبقيت عبارته محلاً للغموض فالاجتهاد.
عوامل نمو القرى وسقوطها:
تعتبر القرى أول التجمعات السكانية البشرية الكبيرة إلى حد ما في تشكيل المجتمع الإنساني ونموه، وكما أنها تبدأ في التشكل والتكوِّن حتى تصل إلى أعلى مستويات تطورها فإنها تختزن بمرور الزمان عوامل نهاياتها وتدهورها التاريخي.
وسنحاول الإجمال في تحديد عوامل مؤثرة في نمو بعض القرى والتجمعات البشرية وبعض أسباب سقوطها الاجتماعي فيما يأتي :
تتكون بعض القرى في البحرين كسائر بلاد الله إذا توافرت بعض العوامل التي تساعد على التجمع البشري وتكوينه، ثم نضجه وازدهاره وحركته وفق قوانين الله وسننه في الاجتماع البشري، ومن ذلك العوامل باختصار:
1 – توافر ظروف حياة اقتصادية وطبيعية واجتماعية متعددة، كتوافر ظروف الكسب المادي مثل وجود بيئة زراعية وزراعة النخيل وغرس الأشجار والنبت بمختلف أشكاله، أو قرب القرية من الساحل البحري لصيد الأسماك، وهذا يساعد السكان على كسب أرزاقهم وابتداع مهن يدوية مرتبطة بأعمالهم أو بظروف بيئتهم مثل صناعة المديد أو السلال التي انتشرت في قرى بربورة والنويدرات وسترة وغيرها من المهن اليدوية.
2 – إقبال عدد كبير من الناس بما فيهم طلبة العلم على البقاء والعيش في قرى آمنة ينتشر فيها العلماء المشهورون وتكثر فيها فرص الكسب المادي والاعتماد على البيئة الاقتصادية كما كان في بربورة وغيرها.
3 – لجوء بعض الناس ومنهم طلبة العلم أيضاً إلى البحث عن التجاور القروي (تجاور مجموعة قرى مع بعضها) وتجنب العيش في قرى معزولة إلى حد ما، وبعيدة عن قرى بحرانية أخرى، وذلك لتحقيق حالة من الأمن الاجتماعي والنفسي، وتعاونهم وحماية بعضهم من عوارض الغزو القبلي والاعتداءات البدوية عليهم التي شهدتها البحرين من داخلها ومن خارجها، وخاصة في أوقات النكبات وظروف المحن الصعبة.
عوامل الضعف والتدهور والسقوط :
وفي مقابل ذلك هناك عوامل واضحة تسبب للمجتمعات الاجتماعية التدهور الاجتماعي لهذه القرى وفرار سكانها، ومنها :
1 – تعرض أهالي القرى وخاصة المعزولة عن بعضها إلى عمليات اعتداءات داخلية وربما غزو خارجي، كما حدث لعديد من قرانا خلال القرون الثلاثة الأخيرة، فأدى ذلك إلى تآكل وجودها الاجتماعي البشري بالتدريج أو بصورة مفاجئة، ومنها على سبيل المثال الاعتداء على قرية الشاخورة على يد العمانيين.
2 – تراجع صعب في مكونات العيش والحياة الاقتصادية الجيدة لسكان القرى، وبحثهم عن ظروف حياة أفضل لهم، مما يضطر بعض الأهالي إلى الهجرة أو الرحيل والانتقال لمنطقة سكن أخرى أوفر في ظروفها المادية ونعمها الاقتصادية.
3 – تناقص عدد سكان بعض القرى وهجرة بعض القاطنين من قراهم المعزولة إلى مناطق في طور التكون أو في مرحلة ازدهار وتناقص عدهم تدريجياً.
آثار بربورة:
«بربورة» كان وجودها قائماً حتى عهد قريب منَّا، ولا تزال أصداء تاريخها – بالنسبة لجيلنا المخضرم – ترن في الأسماع حتى اللحظة الراهنة، وحاجتنا لاستحضار تاريخها والفعاليات الإنسانية التي حدثت فيه هو ضرورة تربوية واجتماعية ذات شأن إنساني، فهو ينطوي على خصائص إيجابية تمكننا من إعادة ضخ بعض الدماء في عروق الأجيال من أهالي قريتي «النويدرات وبربورة» بأفعال في الزمان كي يتوالد منها آمال وتطلعات وأنشطة جديدة.
وحاجتنا إلى التاريخ ضرورة حيوية للدفاع عن هوية الإنسان الذي ولد في «بربورة» أو عاش في كنفها، وهي ضرورة لمقاومة الحملة على كيانها التاريخي المفترى عليه، فاستعادة بعض أحداث هذا التاريخ إنَّما هو عملياً حركة هادفة تبتغي تحقيق غرض هو استكناه حقائقه الناصعة والتعرف عليها ثم البناء على مرساها الاجتماعي الأصيل.
فآثار بربورة من النواحي الاجتماعية والثقافية العمرانية والمادية تربطنا في كل لحظة بالآثار التاريخية للقرية والكشف عنها من خلال مبانيها الحجرية الدالة على الإقامة والسكن الإنساني، ومخطوطات علمائها تشهد على وجودهم، وتراجم حياتهم في بعض كتب التراجم سد منيع على التهميش والتنكر وإقصاء الأصالة بالاغتراب أو الانتماء المفتعل، كما تدل التراجم والمخطوطات على وجود حركة ثقافية صنعها إنسان بربورة، وخاصة في القرون الثلاثة (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) الهجرية وهي من الفترة الذهبية للنهضة العلمية لدى علماء البحرين.
فالمباني والمساجد والعيون الطبيعية والمزارع وبساتين النخيل والحركة الدائبة والمخطوطات وتراجم العلماء ونتاجاتهم الثقافية وعمليات النسخ الثقافية وغيرها هي آثار حسية لا تزال ماثلة لوجود حضاري، وهي ملامح استقرار رسمت بنسيجها خيوط تاريخ حي، وأنَّ هذه الآثار هي التي تستثير القلوب وتدفع بأجيال جديدة من أبناء قريتي بربورة والنويدرات بالبحث عن معالم الذات بإحياء الأدوار الروحية والثقافية والاجتماعية للمساجد والتفتيش عن أسماء العلماء ومناشطهم الثقافية واستعادة أو تذكر أسماء مناطق ذات حساسية تاريخية بالغة الأثر بالمنطقة والعمل بما أمكنهم لإقامة فعاليات روحية وثقافية تعيد حيوية الحركة فيها.
وبالتالي فإن التاريخ… تاريخ هؤلاء مع بربورة… يحرك حاضر هؤلاء الأفراد من الجيل المخضرم والجديد في إبراز تدريجي لمعالم حية من تاريخ بربورة المفترى عليه ويجعل من وقائعه قوة دفع ذاتية لتوجيه الحركة الجديدة بنحو تؤدي إلى مزيد من التحام الأجيال بالأرض والآثار والمعالم والذكريات لتحقيق غرض هادف هو تعميق الهوية الوطنية لإنسان هذه المنطقة وحمايتها من عبث العابثين.
لقد أدى في اعتقادي كبار السن والعارفون منهم بعفويتهم وأحاسيس الاضطهاد والظلم والمعاناة التاريخية التي سردوا بعض أدوارهم، وربما غالبها في الدفاع عن تاريخهم المجيد ونظام وجودهم الاجتماعي بالتناقل الشفهي والمحاكاة الاجتماعية اللفظية في سرد وقائع وأحداث عاشوها بقسوة وألم لمن عاش معهم ونقلوها لمن أتى بعدهم من أجيال حاضرة وسلموا بالقدر المتاح لهم بعض الأمانة لنا كمثقفين، فالمعمرون وكبار السن، كما نعرفهم، لا يملكون سوى طريقة السرد التاريخي بأقوالهم ومعتمدين على ذاكرتهم تعبيراً منهم عن معاناتهم المأساوية، فهذه الطريقة هي فقط أداتهم فقط في نقل بعض ما يستطيعون تذكره من حوادث الزمان التي مروا بهم لأنهم لا يملكون الكتابة التاريخية لتوثيق الوقائع وحفظ ما جرى، فلجأ جمعهم إلى طريقة النقل الشفهي والمحاكاة الاجتماعية.
ونحن المثقفون من أبناء النويدرات وبربورة – وإنْ نسينا في غفلة قسماً مهماً من تاريخنا في منطقة «بربورة» الغالية أو غيرها من تراب الوطن، فالباب لا يزال مفتوحاً يسمح لنا بالمرور مع تاريخ كل حي من بلادنا.
إنَّ تاريخنا – بحلوه ومره – مزيج بالتراب والثقافة، ومعانقة النخلة والصخر يشهد على عروبتنا وإسلامنا وكفاءتنا في إدارة دولاب الحياة بوطننا.
القرية البحرينية وأدوارها التقدمية الحضارية:
استطاعت القرية الأصيلة في عصور مختلفة من تاريخها العريق أن تصنع مجدها الحضاري ومجد البحرين التقدمي في المجال الثقافي، فقد تبوأت بلادنا مكانتها وخاصة في عصور نهضتها المتألقة خلال القرون الهجرية الأربعة المتأخرة من تاريخ البحرين بإنجازات القرية وأدوارها الحضارية – التقدمية، فقد أسهمت بهمة أبنائها وخاصة علمائها وفئات أخرى من مواطنيها في تحقيق تنمية ثقافية واقتصادية وروحية بقدر ما هو ممكن آنذاك، فقد بسطت القرية البحرينية وجودها بما اضطلعت به من مسئوليات وأدوار أدّت إلى تحقيق مستويات من النمو الثقافي والتطور الاجتماعي، وذلك قبل أن يتاح لعدد من المدن المتأخرة في وجودها أن تسهم في هذه الحركة الحضارية للبلد.
فالقرية – كما هو مؤكد تاريخياً وبحسب نظام الاجتماع البشري – تعتبر مرحلة سابقة على وجود المدن ومتقدمة على ظهورها الزمني، وخاصة في القرنين المتأخرين، وفي هذه الفترة قامت قرانا بأدوارها ومسئولياتها فنتج عن ذلك واقع ثقافي واقتصادي واجتماعي، وقد تجلى هذا الواقع في مظاهر رصدها المؤرخ الثقافي للحركة العلمية البحرينية.
ظهر في القرية البحرينية عدد كبير من المدارس الفقهية كمدرسة الشيخ داوود بن حسن بجزيرة أًكل أو النبيه صالح بمسماها الشائع اليوم، ومدارس أخرى في بوري والقدم ومدرسة الشيخ عبدالله الستري في الخارجية بسترة، ومدرسة الشيخ حسين بن محمد آل عصفور في الشاخورة بالقرب من مسجده، ومدارس تعليمية في الماحوز بقراها الصغيرة (هلتا، والدونج)، وظهور مدارس علم ببلاد القديم كمدرسة الشيخ محمد بن ماجد بن مسعود الماحوزي بعد انتقاله لبلاد القديم عندما انتقلت إليه رئاسة البلد، ومدرسة السيد هاشم التوبلاني البحراني في «كَتَكَان» من قرى توبلي، ومدرسة الشيخ داوود بن ذي شافيز في جدحفص والمصلى ومدرسة الشيخ محمد بن علي بن عبدالنبي المقابي في قريته مقابة، ومدارس أخرى في أرجاء البلاد وقراها.
وارتبطت نشأة المدارس الفقهية والعلمية في قرى البحرين بأدوارها المناطة بها كعمليات التدريس، والتأليف وتصنيف الكتب وتحقيقها وشرحها ونسخها بخط اليد كما فعل الشيخ داوود بن حسن الجزيري الذي اهتم بنسخ المخطوطات من الكتب وتجميعها وتوظيفها في عمليات التعليم والتعلم بمدرسته في جزيرة النبيه صالح، وكذلك شارك علماء الإمامية في البحرين من رفد مدارس الحركة العلمية القائمة في قراهم في القيام بعمليات التدريس وتأليف الكتب وتصنيفها، واشتهرت بعض مؤلفاتهم داخل وخارج البلاد كما حدث للسيد هاشم التوبلاني والشيخ يوسف العصفور والشيخ حسين بن محمد آل عصفور، وصاحب العوالم الشيخ نور الدين البحراني الذي ألف كتابه «العوالم» فيما يزيد على مئة مجلد، وأيضاً ما كتبه الشيخ علي بن حسن البلادي البحراني من مصنفات أصبحت مصادر لتاريخنا الثقافي في البحرين، وقد شارك في تدشين هذه العمليات من تدريس وتعلم وتأليف ونسخ للكتب وخطها باليد علماء كذلك من قرية (بربورة) موضوع دراستنا ومن قرى مختلفة، فإذا تأملنا هذه الأسماء اللامعة والبارزة عرفنا أنها من القرى الأصيلة التي هي أصل المجتمع البحريني قبل نشأة المدن.
لقد أنجبت القرية البحرينية عدداً كبيراً من العلماء والفقهاء والفلاسفة والشعراء والأدباء الكبار حتى اشتهر لقب «الـبحراني» بين علماء الدين، وأصبحت ظاهرة في التاريخ الثقافي للبحرين على امتداد التاريخ الإسلامي، وأصبحوا موضوعاً للدراسة من قبل علماء التراجم والباحثين في فترات مختلفة من العصور، فقام عدد من العلماء والباحثين المتأخرين بكتابة جانب من تراجم علماء البحرين، ومن كتب التراجم التي تناولت ظاهرة العلماء في البحرين وغالبيتهم، بل جلهم من أبناء القرى، ومنهم على سبيل المثال الشيخ ميثم بن علي البحراني، والشيخ يوسف آل عصفور الدرازي البحراني، والسيد هاشم التوبلاني البحراني، والشيخ أحمد بن عبد الله بن حسن بن جمال البلادي، والشيخ حسين العصفور صاحب السداد وعلماء كثيرون تقدوا عليهم وتأخروا عنهم في الزمان.
بربورة في مصادر المؤرخين والنساخين
تعتبر شهادة المؤرخ وخاصة إذا كان من أهل البلد أحد أقوى أدلة الإثبات في قضية ما عاشها هذا المؤرخ بنفسه أو تلقى عنها بياناً مباشراَ من أفراد سبقوه بالوجود أو تلقاها من مصدر تاريخي موثق على وجود عوائل نويدرية ذات أصل بربوري نزحت من منطقتها الأصلية لتسكن في النويدرات المجاورة أو في مناطق بعيدة عنها لأسباب يقدرها النازحون آنذاك.
وتمثل هذه الشهادات وثائق إثبات تاريخي على وجود قرية بربورة في موقعها الجغرافي وفي فترة وجودها الزمني، وتنسحب هذه الشهادات بالأولى على المؤرخين البحرينيين وغير البحرينيين في تأييد الوجود التاريخي لبلدة بربورة بسكانها وعمرانها ومزارعها وعاداتها ومساجدها ودور العبادة فيها خلال زمان محدد يعود إلى القرن السابع عشر كما قيل أو ما تبينه المخطوطات الثقافية لعلماء ونساخي قرية بربورة، والله أعلم.
شهادة للشيخ يوسف آل عصفور البحراني:
أخذت «بربورة» موقعها في بعض المصادر التاريخية المحلية بإشارات قصيرة في أغلب الأحيان، حيث اصطبغت معظم إشاراتهم بذكر للقرية دون تفاصيل من حياتها إلاَّ فيما ندر، فالاتجاه السائد لدى علماء الإمامية عدم الكتابة التفصيلية عن قراهم، وإنما يتداولونها بإشارات بمقتضى حاجتهم لا تتخطى إيضاحات محدودة، والتركيز على سيرة وتراجم الرجال من علمائهم، تم تجميعها في دراسات ومصنفات كاللؤلؤة وأنوار البدرين وما كتبه الشيخ سليمان الماحوزي في ترجمته لحياة من علماء الإمامية في البحرين، أما دراساتهم التفصيلية فتدور حول أبحاثهم العقلية والإسلامية.
ومع ذلكَّ فإن هذه الإشارات عن بربورة وتاريخها تعتبر بالنسبة لنا كباحثين مستندات وثائقية ذات قيمة علمية. وتعددت هذه المصادر من مؤرخ إلى آخر بحسب تنوع اتجاهاتهم، لكنها في نهاية المطاف تمثل سلسلة من الشهادات والتأكيدات الثابتة من قبل هؤلاء المؤرخين في قرون متعاقبة، ومن هؤلاء ما ذكره العلامة الكبير فقيه أهل البيت المرجع الشيخ يوسف آل عصفور في كلمات قليلة لا تزيد على سطر واحد، وقد أعطت هذه الكلمات بعداً تاريخياً للقرية التي تنكر البعض لوجودها لأغراض انتخابية.
فلقد ذكر العلامة فقيه البحرين الكبير الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم آل عصفور قرية «بربورة» باسمها التاريخي العريق بكلمات قليلة لا تتجاوز أربعة عشر لفظاً في الجزء الأول من كتابه (الكشكول) الذي ألفه في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وهو من أبرز مصنفاته، وذلك في سياق حادثة تاريخية ذات دلالات بالغة الأهمية في تاريخ البحرين وأهلها الأنجاب وهي حادثة الاعتداء الأموي على شعب البحرين إثر فرار جماعة مؤمنة من خواص شيعة الإمام علي (ع) إليها، فقد جاء في كتابه الآنف الذكر عبارته التالية:
«وكانت بيوت أهل البحرين يومئذ متصلة من خلف القطع الجنوبي إلى بربورة وإلى كرزكان»، ثم أضاف «وكان الرجل من أهل البحرين في ذلك الزمان يعد بألف فارس».
ويختزن النص بعض الحقائق:
-1 أن النص وُضعَ في سياق تاريخي أو خلفية تاريخية عبرت عن أبعاد إيمانية ونفسية وديمغرافية لشعب البحرين، إذ يشير هذا النص المهم في هذا الصدد إلى حقيقتين مهمتين هما:
أ – أن أهل البحرين تمتعوا منذ بدايات الدعوة الإسلامية بالسبق الإيماني وسموه الروحي وقوته التعبيرية في ولائهم لأهل البيت ومحبتهم لأتباعهم، وتجسد هذا في مواقف عديدة منها على سبيل المثال إخلاصهم في إيواء جماعة إيمانية جهادية من أصحاب الإمام علي لجأوا إليها فراراً من السلطة الأموية الغاشمة التي تتعقبهم بسبب حبهم لأهل البيت عليهم السلام.
ب – أن محبي أهل البحرين يتمتعون بمخزون روحي وإيماني ونفسي كبير يمدهم بالطاقة على أداء متألق في مقاومة الظالمين وسلطتهم الغاشمة والتصدي لمآربهم الطاغوتية، وتجسد هذا في التصدي لمآرب عبدالملك بن مروان ورغبته في إخضاعهم لسلطته الظالمة فبعث بجيش يتتبع من لجأ من أصحاب الإمام علي وخواص شيعته إلى البحرين أمثال (إبراهيم بن مالك الأشتر النخغي، وعامر بن عمرو الهمذاني، وصعصعة بن صوحان العبدي وغيرهم من محبي أهل البيت وأتباعهم).
-2 يشير النص التاريخي الوارد في كلمات الشيخ يوسف العصفور إلى واقع ديمغرافي لا نزال نشهده في توزع السكان وتمركزهم المكثف في الجزء الشمالي من جزيرة البحرين الأم حتى وسطها الممتد في شريط يبدأ من «بربورة» شرقاً إلى «كرزكان» غرباً، ويؤكد النص في هذا الجانب الكثافة السكانية في شمال الجزيرة ووسطها الممتد من بربورة إلى كرزكان، وأن هذا المنطقة كانت آهلة بالسكان حتى وإنْ كانت تتسمى عبر القرون بأسماء مختلفة، ويعني ذلك أن انتشار القرى في البحرين هو في شمالها ووسطها الجنوبي من قرية «بربورة حتى كرزكان»، ولعل هذا ما قصده العلامة العصفور بـ «خلف القطع الجنوبي » أي الانتشار السكاني الطبيعي لأهل البحرين في جنوب الوسط من بربورة حتى كرزكان.
-3 أن لفظ «بربورة» الذي ذكره الشيخ يوسف العصفور في هذا النص من كتابه الكشكول كان شائعاً في أيامه وعصره، وهو بالتأكيد دليل على وجود القرية كحاضرة بشرية حضارية آنذاك في زمانه في بداية القرن السابع عشر الميلادي، وخاصة أنها منطقة تعج بالعلم والعلماء كما يقال، بل يعتقد البعض بأنها أبعد زمناً في وجودها التاريخي، وظلت معروفة باسمها التاريخي حتى زماننا الحالي، ومن المعيب أن يحاول البعض ممن ابتعدت أنفسهم عن جادة الحق، والانصياع لهوى النفس بشطب اسمها من قاموس تاريخنا السياسي والثقافي والاجتماعي، وإحلال تسمية غير مألوفة لتحقيق أغراضهم السياسية والانتخابية، بغرص تأسيس تاريخ جديد بطعم البداوة على أنقاض تاريخ عريق متأصل ومتجذر في ذاكرتنا الوطنية منذ قرون.
شهادة «صاحب الذخائر»:
ولنأخذ أيضاً شهادة أحد هؤلاء المؤرخين وهو الشيخ محمد علي بن الشيخ محمد تقي آل عصفور في كتابه «الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر» الذي يتناول تاريخ البحرين، إذ أشار صاحب الذخائر أكثر من مرة لوجود بربورة دون ذكر تفاصيل نحن بحاجة إليها لمواجهة حركة التدليس والطمس للهوية التاريخية للقرى البحرينية الأصيلة، ففي الفصل الأول من كتابه السابق الذكر (الذخائر) السابق الذكر، يذكر الشيخ محمد علي بن الشيخ محمد تقي آل عصفور أنَّ بعض مشايخه قالوا:
«كان عدد قرى البحرين في الزمان السابق بعدد أيَّام السنة، فبظلمهم ما بقي الآن سقوفها وفروشها، فتلك بيوتهم خاوية على عروشها، والقرى المعمورة الآن أزيد من مائتين فمنها: منامة، ومنها محرك، والسماهيح، وجفير، وحوره، ورأس رمان، ونعيم، ومني، وكّتَكَان، وكرزكان، وسنابس ودي، وكرباباد، وقلعة، وكرانة، وجد الحاج، وجنوسان، وباربار، وجبل الدخان، وجزيرة الحسان، وشريبه، وبديع، ودراز، وبني جمرة، وسار، وضلع، وعالي، وبوري، وجزيره، وحجر، وشاخورة، وأُكُل، وهجر، وقدم، وابكوة، وسهلة، وجدحفص، وهملة، ورويس، وبربورة، أوال، وسترة وهي خمسة، قرية، ورفاع، وبلاد القديم، وكورة، وتوبلي، وغريفى، ودار كليب، وزنج، وسقيه، وجبيلات، وحلة الصغيرة، وجو وهي واقعة منتهى البحرين، ومشهد، وأبو صيبع، ومصلى، وجبلة الحبش، وماحوز، وقرية، ومرخ، ودمستان، ومقابا، وبستان، وقرية الخارجية والدونج، وعراد والعقير، وجور، وصداد، وسند، ولقبيط، وجنبية، وجدعلي، وهلتا، وعالي حويص، وحلة الكبيرة، وحلة علي، وشويكة، وصداغة، وبنِّى، وفريق المزارعة، وشهركان، وعين الدار، وسلم آباد، ومروزان، وحرنان، قريتان بالبحرين كبرى وصغرى ذكرها في القاموس، وغير ذلك مما يأتي في حالات العلماء والشعراء من هذه الجزيرة».
فيما تقدم من نص ذكر الشيخ الحقائق التاريخية التالية:
– أن عدد القرى في البحرين بعدد أيَّام السنة الهجرية (355) قرية.
– القرى المعمورة إلى سنين حياته وإلى لحظة إعداد كتابه هذا أكثر من مائتي قرية.
– أن عدد القرى العامرة التي ذكرها في الكتاب حوالي (91) قرية من بين القرى العامرة في زمانه التي تزيد على المائتين.
– جاء ذكر (بربورة) كقرية قائمة آنذاك في زمن المؤرخ تحت رقم (39) من بين القرى المذكورة في النص والعامرة آنذاك، حيث كتب الشيح كتابه سنة 1901 م، ولا تزال بربورة عامرة بعدد من سكانها وقائمة لم تندثر.
وفي موضع آخر من كتابه المشار إليه (الذخائر) عاد الشيخ محمد علي آل عصفور صاحب الذخائر رحمه الله سبحانه وتعالى فقال في إشارة ثانية إلى منطقة بربورة: «وكانت بيرت أهل البحرين يومئذ متصلة من خلف قطع الجنوب إلى بربورة وإلى كرزكان».
ويلاحظ في النص المتقدم وقوع خطأ مطبعي أو تصحيف لم يعلِّق عليه المحقق بشيء من القول، فالشيخ محمد علي آل عصفور يقول:
«وكانت بيرت أهل البحرين» وهو بالتأكيد يقصد هنا «بيوت أهل البحرين» لا بيرت لأنها كلمة غير ذات معنى مفيد.
ونفهم من هذه العبارة أن بيوت أهل البحرين في الجزء الجنوبي من البلاد ممتدة من بربورة شرقاً إلى كرزكان غرباً، ويعني ذلك أن هذه البيوت قد تكون متواصلة ديموجرافياً بين القريتين دون انقطاع أو من خلال قرى متفرقات كما يتردد على ألسن كبار السن الذين أكدوا وجود قرى عديدة موجودة في الوسط الجنوبي من بلادنا البحرين، ويظل التواجد السكاني يتناقص كلما اتجهنا جنوباً، ويتزايد كلما ذهبنا صوب الشمال من الجزيرة الأم.
وتفسر هذه العبارة قول الشيخ إبراهيم بن ناصر بن الحاج عبدالنبي آل مبارك التوبلاني الهجيري بأن بربورة قديمة وبلاد كبيرة جداً امتداداً من حدودها الشرقية المجاورة للنويدرات حتى كرزكان في الجهة الغربية من البلاد مروراً بمجموعة قرى قد تكون متصلة بمنطقة «عالي ثمود» التي يقال إنها وصلت إلى حدود الرفاع حالياً، وتقدر أقوال بعض الطاعنين عدد القرى بين بربورة وكرزكان بنحو ثلاثين قرية مسكونة، والله أعلم لأنه لا دليل قطعي مؤكد في هذا الشأن سوى التفسير الظني المأخوذ من عبارات مبهمة أحياناً، أما الخريطة التي عرضناها فتبين أن الانتشار السكاني في قرى البحرين هو في شمالها حتى منطقتها الوسطى من جهة الجنوب امتداداً من بربورة شرقاَ حتى كرزكان غرباً، ويقل الانتشار السكاني في هذه المنطقة عن كثافته شمالاً.
شهادة الشيخ محمد علي التاجر:
أشار هذا المؤرخ الجليل إلى وجود بلدة «بربورة» أيضاً كوجود عمراني قائم مؤرخ كبير هو الشيخ محمد علي التاجر رحمه الله تعالى، وهو قريب عهد بالقرية، فقد زارها قبل وفاته سنة (1387هـ – 1967م)، إذ وصف رحمه الله قرية «بربورة» بجنة غنَّاء تتمتع بجمال رقعتها الزراعية الخضراء ونخيلها الباسقات، وتدفق ماء عيونها الجميلة في قناطر وجداول تمثل شبكة مياه للري الزراعي تغطي مساحة كبيرة من الأراضي، إذ يقول رحمه الله وهو قريب عهد بنا:
«بربورة ذات بساتين من النخيل الباسقة وعيون الماء الدافقة، وشرقيها آثار قديمة، وأهلها فلاحون، وشرقيها جنوباً قرية (النويدرات) بصيغة التصغير وهي ذات نخيل كثيرة ومياه جارية غزيرة وأهلها فلاحون وبعضهم غواصون وبها مصانع المديد، وهي نوع من الحصر المنسوج من الأسل المتين الجميل» أي أنَّ بربورة تقع بالنسبة للنويدرات من جهتين (الشمالية والشمالية الغربية) مع تداخل كثيف في أشجار نخيل القريتين فيما بينهما على امتداد مساحة طويلة نسبياً من جهتي الغرب والشمال، فإذا قطعها إنسان ما لا يشعر بالملل أو الخوف، إذ يواجه مئات الناس في حركة دؤوب.
ويعد ما كتبه الشيخ محمد علي التاجر عن بربورة أصدق تعبير على حد تعبير الدكتور منصور سرحان لأنه في نظره «عمل موثق نتيجة زيارته لجميع مناطق البحرين في بداية العقد الأول من القرن العشرين وتدوين ملاحظاته عن كل قرية ومنطقة زارها».
وذكر الشيخ محمد علي التاجر كذلك في كتابه «عقد اللآل في تاريخ أول» رواية غزو عبدالملك بن مروان للبحرين، ثم نقل عن الشيخ يوسف آل عصفور في كتابه الكشكول أو أنيس الجليس رواية الغزو المشار إليها، وانتهي التاجر إلى عبارة العلامة العصفور القائلة: «وكانت بيوت أهل البحرين يومئذ متصلة من خلف القطع الجنوبي إلى بربورة وإلى كرزكان» فأدرجها في كتابه عقد اللآل.
شهادة الشيخ إبراهيم آل المبارك:
وهذه شهادة مؤرخ وعالم دين فاضل وأحد قضاة المحكمة الشرعية عاش في القرن الرابع عشر الهجري، هو الشيخ إبراهيم بن الشيخ ناصر بن الحاج عبدالنبي بن يوسف آل المبارك الهجيري التوبلاني، وأهمية شهادته أنه شهد بربورة حية، قائمة في أواخر مراحل وجودها، وأن له من جهة أخرى صلة نسب مع بربورة عن طريق جدته «أم جده» الحاج عبدالنبي عليهم جميعاً شآبيب الرحمة والرضوان، فبلدة بربورة كما يقول المرحوم الشيخ إبراهيم في كتابه حاضر البحرين:
«كانت في الزمان القديم بلاداً كبيرة جداً، وأمَّا الآن فسكانها قليلون، حديثو عهد بها، وخرابها قريب العهد لأنَّ أم جدي الحاج عبدالنبي كانت منها»… أي من بربورة.
ويستفاد من مقدمة كتابه (حاضر البحرين) أنّ الشيخ إبراهيم المبارك رحمه الله ذكر بعض الحقائق التالية التي تعتبر برهاناً على وجودها في زمانه على الرغم من أنه لم يفصل في ذلك، وهذه الحقائق هي كما يأتي:
1 – كانت بربورة في الزمان القديم بلاداً كبيرة جداً، ويوحي تعبيره بـ «الزمان القديم» بامتدادها التاريخي – الجغرافي لقرون متعاقبة تصل لأربعة قرون على أقل تقدير.
2 – أن سكانها في زمانه كانوا قليلين، وهذا ما يتوافق مع ذهب إليه لوريمر من أن مساكنها قليلة تبلغ العشرين، ولكن توحي عبارة الشيخ كذلك أنها كانت عامرة ببعض من سكانها حتى فترة من حياته ثم هجروها تماماً في القرن العشرين، وهذه أيضاً نقطة التقاء مع رأي لوريمر، فسكانها في مراحل وجودها الأخيرة قليلون وعدد منازلها لا تتجاوز العشرين، وخرابها ليس ببعيد، فالشيخ ولوريمر شهدا بربورة في مطلع القرن العشرين مباشرة بزيارات ميدانية.
3 – أن أم جده لأبيه الحاج عبدالنبي بن يوسف المبارك رحمه الله كانت من منطقة بربورة، وهي عليها الرحمة والرضوان زوجة يوسف بن إبراهيم بن الشيخ مبارك الهجيري التوبلاني، وجدة لخمسة أولاد من بينهم والد الشيخ إبراهيم وهو الشيخ ناصر بن الحاج عبدالنبي».
4 – وأن الشيخ إبراهيم استدل بخراب قريب لهذه القرية بأن جدته لأبيه الحاج عبدالنبي بن يوسف المبارك كانت من بربورة ولم تعد الآن قائمة في زمنه بالربع الأخير من القرن الرابع عشر الهجري، لكنه أدرك وجودها قبل خرابها نهائياً أو أدرك آثارها من المباني والحجر بمعاينته الشخصية.
فإذا افترضنا بحسبة رقمية مقدرة أنَّ جده المرحوم الحاج عبدالنبي بن يوسف المبارك قد تقدم عليه بجيلين نقدر أن (الجدة البربورية) المذكورة رحمها الله قد وجدت قبل ميلاد حفيدها الشيخ إبراهيم بن الشيخ ناصر آل مبارك الهجيري التوبلاني على أقل تقدير بقرن ونصف أو أقل من السنين، وعاشت – على افتراض أنها مخضرمة العمر – لفترة لا تقل عن جيلين من أعمار الناس الطبيعية بما يعادل (150) عاماً فأقل، وهي في الوقت نفسه منتسبة لعائلة معروفة تتوارث الأبناء جيلاً بعد جيل.
وهذا يعني أن منطقة بربورة كانت عامرة بأهلها إلى وقت قريب لا تتجاوز قرناً من الزمان، فكلمات الشيخ وهو عالم ومؤرخ تعتبر دليلاً وشاهداً حيَّاً على وجود القرية ووجود عمراني لـ «بربورة» التي اندثرت فيما لا تزال بعض آثارها قائمة حتى اللحظة الراهنة، ووجود مواطنين يسكنون في بيوت دائمة، ومكونة من الحجر والطين بحسب شهادة المؤرخ والجغرافي البريطاني لوريمر.
ويؤكد النص التاريخي المتقدم كذلك حقيقة وجود مبان من الآثار والحصى والحجارة للبلدة لا مجرد أكواخ مبنية من الأخشاب والبوص والأشجار وألياف النخيل وسعفها، وهذا يدل على الوجود الاجتماعي للقرية وما تركته هذه المظاهر من حقائق تاريخية لا يمكن إطلاقاً لشخص ينثر رذاذ تزويره ليطمس تاريخ ناصع مجيد بعلمائه.
ولا يستبعد وفق واقع التفاوت الاجتماعي بين الناس في مستوى المعيشة تقبل حقيقة اجتماعية مرتبطة بها، وهي تتفاوت بيوتهم من حيث نوعية الأدوات التي تم بها تشييدها، فقد تكون بيوت مشيدة من الحجر والطين، وبيوت أخرى أكواخ مبنية من البوص وسعف النخيل والأخشاب.
وعاد الشيخ إبراهيم آل مبارك الهجيري التوبلاني رحمه الله إلى ذكر قرية «بربورة» مرة أخرى في موقع آخر من كتابه عندما كتب عن الموقع الجغرافي لقرية النويدرات الملتصقة ببربورة والمتصلة معها فقال رضي الله عنه:
«نُوَيْدِرَات… مخففاً مصغراً وموقعها بين العكر وبربورة».
وأردف قائلاً: «وريفها للشمال… أي ريف النويدرات… يتصل بريف سند من الجنوب، وتتصل هي بالشارع المار إلى سترة».
ونستفيد من النص ما يأتي:
1 – يقرر الشيخ إبراهيم بن ناصر آل المبارك الهجيري التوبلاني البحراني وجود قرية بربورة بموقعها الجغرافي الكائن بين سند جنوباًً، والنويدرات شمالاً وغرباً، خلافاً لنفي السفيه الذي بالغ في العدوان على تاريخ المنطقة بإنكارها التام وابتلاع وجودها بلا رأفة أو رحمة من أجل أحقاد مذهبية وأطماع في دنياه، وليحيط نفسه بهالة «انتماء» مفرطة وكأنه خُصَّ وحده دون سائر الناس بمشاعر مختلفة عنهم في حب الوطن والولاء له.
2 – يربط الشيخ إبراهيم المبارك رحمه الله وأرضاه بين ريف «بربورة» المتصل بريف سند من جهة الجنوب وبين ربف بربورة الموصول بريف النويدرات من جهتين شمالاً وغرباً، وهذا ما جعل ريف القرى الثلاث متصلاً، ولم يذكر في كتابه هورة سند مطلقاً، وأمَّا بربورة فهي قرية حيَّة قائمة قبل المدن الجديدة التي تم تأسيسها كالرفاع والمحرق، وبتأمل في تراجم بعض علمائها نجدها أبعد في وجودها من القرن السابع عشر الميلادي.
3 – أن الريف الأخضر الذي يصل النويدرات وسند ريف طويل، وهو نفسه ما نعرفه اليوم بأكبر دوائر «بربورة» الكبرى، حيث يتداخل ريف القرى الثلاث، ومع بعضها ليرسم جمالاً بين القرى الثلاث يقال إنه سبب تسمية القرية بـ «بربورة» بالشريط الأخضر الطويل أو ما يسميه ناصر بن جوهر خيري بـ «الرياض الناضرة واسعة الأطراف» عندما كان يصف الرفاع الشرقي في كتابه «قلائد النحرين في تاريخ البحرين».
4 – أن في ذكر «العكر وبربورة» دلالة تاريخية مهمة هي أن القريتين السابقين أسبق في وجودهما من النويدرات، وأن بربورة التي تقع شمال النويدرات أصبحت ريفاً لها يمتد من شمالها حتى جنوب سند، ويفيد ذلك أن ريف النويدرات في زمن الشيخ هو الجزء الشمالي من بربورة القديمة التي تمتد للأطراف الغريبة والجنوبية من النويدرات.
شهادة لوريمر:
أشار إلى الوجود التاريخي لمنطقة بربورة واعتبارها قرية أصيلة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مؤلف أجنبي هو المؤرخ الانجليزي الأستاذ جون جوردن (لوريمر)، وقد ُنشِرَت ترجمة لموسوعته دولة قطر المكونة من أربعة عشر جزءاً باسم (دليل الخليج) بقسميه الجغرافي والتاريخي الذي صدر في 24 ديسمبر العام 1908م، وقام بإعداد وترجمة هذه الموسوعة باللغة العربية قسم الترجمة بمكتب أمير قطر، وتم توزيعه، وتوجد نسخ منه في المكتبة الحكومية بدولة قطر، كما تحتفظ مكتبات خليجية وبحرينية بعدد من نسخ هذا المصدر التاريخي، وهناك ترجمة أخرى عمانية لم تأخذ حظها من الانتشار والشهرة.
يقول المؤرخ جون جوردان لوريمر نفسه في سفره دليل الخليج وعمان وشرق الجزيرة العربية، القسم الجغرافي، الجزء الأول:
«بربورة على بعد ميلين إلى الشمال الشرقي من الرفاع الشرقي». ثم قال «إنَّ بها 20 مسكناً صغيراً من الحجر للبحارنة الذين يعملون بالزراعة»، وأردف قائلاً: «يوجد ينبوع في شمال القرية تروى منه المزروعات، وعدد الحمير 15، والماشية 2، والنخيل 1760 نخلة تقريباً».
وكانت هذه البيانات مكتوبة في كتابه «دليل الخليج» بجدول موزع على خانات أربع ضمن ما ذكره من قائمة المدن والقرى في البحرين، وقد وضعنا البيانات التي أوردها لوريمر عن قرية باربار بغرض التمييز وعدم الوقوع في الخلط بين القريتين المتشابهتين في الاسم والمتباعدتين في الموقع الجغرافي، وهذه الخانات على النحو التالي كما في الجدول أدناه:
اضطررنا لعرض ما كتبه لوريمر عن باربار لوجود اشتباه لدى بعض الباحثين بين هذه القرية وقرية بربورة، ولوجود خلط في بعض الدراسات التي لم تميِّز بين باربار وبربورة، وقد أدرك لوريمر هذا الفارق وكأنه انتبه لاشكالية الخلط بين اسم القريتين فكتب معلوماته الفاصلة عنهما على تتابع اسميهما في جدوله هذا، ولولا توقع الخلط من جديد لدى بعض الباحثين والقراء لما احتجنا للإشارة إلى قرية باربار؛ لأنه لا مسوغ لنا في المقارنة، كما أن هناك قرية بربرى مندثرة كما ذهب الأستاذ سالم النويدري.
وجاء في الموقع الإلكتروني للأستاذ حسين محمد حسين الجمري المعنون بـ (http://www.banijamrah.info) : «إن المؤرخ الغربي الأستاذ (لوريمر) نقلاً عن كتابه المعروف بـ (دليل الخليج) وصف بربورة بالقرية. وقال: إن بها 20 منزلاً مبنية بالحجارة، وأهلها يعملون في الزراعة، وبها عين عذبة تسقى بها المزارع، وبها من النخيل قرابة (1760) نخلة، وهذه البيانات المعلوماتية مأخوذة من نص للمؤرخ جون، جوردن لوريمر من كتابه (دليل الخليج) القسم الجغرافي، وهي بيانات أولية هامة مدونة في جدول عن مدن وقرى البحرين، ولا تتجاوز هذه البيانات ألفاظها اللغوية (36) كلمة مدونة في الجدول المتقدم».
وما يهمنا هنا أن هذا المؤرخ لاحظ في بربورة أن هناك بيوتاً دائمة وليست عرشاناً مبنية بالسعف، فهي ليست مظعن (مصيف) وإنما مسكن دائم، ولكنها في السنوات اللاحقة تحولت لمظاعن يسكنها أهالي النُّويدرات وبعض العائلات المتبقية من سكان بربورة.
يقول الدكتور منصور سرحان:
«تعد بربورة مصيفاً لأهالي النويدرات، حيث تقام فيها المساكن المبنية من سعف النخيل أو ما يعرف بالعريش، وذلك أثناء فصل الصيف، حيث يتمتع الأهالي بالاستحمام في عيونها الطبيعية للتخفيف من درجة حرارة الجو، كما أن أشهر الصيف هي أشهر جني ثمار رطب النخيل الذي يستمر قرابة ثلاثة أشهر، ما يعني بقاء من يظعن هناك تلك المدة» وربما يستمر الظعن إلى نهاية الشهر الرابع لمتابعة محاصيلهم وخاصة من تمور النخيل.
كما أنه أوضح للقارئ الكريم قضية مهمة وهي أنَّ سكانها من البحارنة، وهم من سكان البحرين الأصليين الذين تشيعوا لأهل البيت عليهم السلام منذ عصر النبوة حتى عصرنا، وكانت هناك معالم دالة على تحضرهم وبعدهم عن القبلية والبداوة التي نقلها للبحرين غيرهم بعد عمليات غزو متكررة، يقول لوريمر نفسه في هذه المسألة:
«جميع البحارنة شيعيون، وهم بطبيعتهم لا يحبون الحرب ويميلون إلى السَّلام، ويعيش الأغنياء منهم على التجارة، أما الفقراء فعلى الفلاحة والغوص من أجل اللؤلؤ وحرف متنوعة أخرى».
ويضيف المؤرخ البريطاني ج، ج، لوريمر في موضع آخر أنه «لا يوجد بين البحارنة تماسك قبلي أو تنظيم». مما يدل على ذلك حياتهم الاجتماعية الهادئة وعملهم المستقر بالعمل الزراعي الذي يتنافى وحياة البداوة والقبلية، وكذلك بروز حركة تعليمية وثقافية طابعها روحي وعقلي في حياتهم وخاصة بالقرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين المتوازيين زمنياً مع (القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين)، وهذا أيضاً يتنافى مع حياة البدو والقبليين.
وقد أشرنا في هذه الدراسة إلى بعض علماء بربورة الأبرار كشهود إثبات على وجودهم ووجود بربورة نفسها، ومنهم الشيخ عبدالله بن الشيخ حسين بن أحمد البربوري البحراني، وابنه الشيخ علي صاحب مخطوطة وفاة النبي يحي، والشيخ ناصر بن عبدالله بن ناصر البربوري البحراني ومجموعة علماء من أسرة واحدة هي أسرة «الربعي البربوري» المكون عددها من (7 علماء) سنذكرهم في حلقة قادمة من البحث، وسنذكر حياة العلماء الثلاثة المتقدمين في هذه حلقة قادمة.
ملاحظات إضافية لرأي لوريمر:
على الرغم من موقف (لوريمر) كمؤرخ محايد في الإقرار المباشر بوجود قرية بربورة في كتابه «دليل الخليج» والاعتراف بكيانها الاجتماعي كما فعل مع مدن وقرى البحرين الأخرى إلاَّ أننا نسجل بعض الملاحظات قد تكون نتيجة قصور غير مقصود في عملية الترجمة أو ناشئة من أخطاء المترجمين أو قصور المعلومات التي وصلته، وإننا نسجل هذه الملاحظات بإضافة بيانات على معلوماته لا بغرض تخطئتها.
إنَّ ما سجله لوريمر في كتابه من معلومات مهمة كانت معبرة عن بعض حقائق الواقع التاريخي للقرية لا كله، فمن الصعوبة تقديم بيانات إيضاحية ومكتملة وموضوع دراسته في سفره الكبير أوسع بكثير من الكتابة عن قرية ضعف حالها وأصبحت أثناء زيارته الميدانية لها قاب قوسين أو أدنى من الاندثار، ومن هنا فإن ملاحظاتنا هي للاستزادة والتعديل.
1 – ذكر لوريمر أن القرية تقع على بعد ميلين في الشمال الشرقي من الرفاع الشرقي، وربما اعتقد أن هذا التحديد الجغرافي يستهدف إبراز جغرافي أوضح لموقع القرية وتعريف القارئ بها لأن الرفاع الشرقي في النهاية ذات موقع بارز وهي امتداد للرفاع الكبرى التي يقع فيها مقر الحكم السياسي للبلاد، ويمكن لقارئ غير بحريني التعرف عليها من خلال هذا الوصف لموقعها الجغرافي والسياسي.
لإيضاح موقع القرية وتعريف القارئ بها نشير الى ماذكره لوريمر من أنَّها لصيقة بالنويدرات دون فواصل جغرافية وتشابك نخيل القريتين بربورة والنويدرات في شريط أخضر يمتد إلى أشجار النخيل بقرى سند وجرداب وجد علي في شريط أخضر ممتد، وأن يحدد موقعها بين النويدرات وسند كما فعل عدد من المؤرخين البحرينيين، فالمقومات الاجتماعية والثقافية لا تقل أهمية عن البعد السياسي في تحديد موقعها الجغرافي.
2 – سجل المؤرخ الانجليزي (لوريمر) في إقراره بوجود القرية نقطة حيوية هي وجود مباني ومنازل مشيدة بالطوب والحجارة قدَّرَها بعشرين منزلاً في أثناء زيارته مطلع القرن العشرين، وفي ذلك كما نرى شاهد مادي مباشر على الطبيعة الحضرية لسكان القرية واستقرارهم في الأرض وإنتاج أهلها لمقومات الحياة الحضرية كالعلم والثقافة، فالاستقرار ميزة حضارية طبعت بصمتها على سكان القرى البحرينية القديم.
3 – وصف ج، ج، لوريمر في مطلع القرن العشرين الميلادي، أهالي بربورة بأنهم «فلاحون يعملون في الزراعة»، لكنه لم يذكر عددهم حتى تقديراً، ويبدو أنه كان يصف واقعاً لمجموعات السكان القلائل آنذاك، ولكنه لم يستطع كما يبدو من التعرف على مناشط اقتصادية أخرى يعمل فيها سكان القرية وأهاليها منذ سنوات قيامها الحضري في قرون سابقة، فركز للأسف على النشاط الاقتصادي الغالب وهو العمل في الفلاحة وحرث الأرض وزراعة أشجار النخيل، بينما هناك في واقع الحال مناشط عمل بجانب الفلاحة كصيد الأسماك، وصناعة الحصر والمديد والسلال، وبيع ثمار النخيل والمحاصيل الزراعية والغوص، وتربية الدواجن المنزلية، والتعليم القرآني في البيوت، عوضاً عن مساجدها التي تعتبر مراكز علم.
4 – ذكر لوريمر في سفره التاريخي والجغرافي أو كتابه الكبير (دليل الخليج) بعض البيانات العامة عن المياه في بربورة ومصادرها، ونخيلها وطبيعة العمل فيها، فذكر عيناً طبيعياً رئيسية واحدة لم يحدد اسمها، وأكد دورها الكبير في تزويد المناطق الزراعية والمشاركة في أعمال الغوص واللؤلؤ بمائها في مناطق بعيدة، وأحصى بدقة عدد نخيلها (1760) نخلة، لكنه توقف عند هذا الحد، ولم يذكر عيونها الطبيعية الأخرى وكواكبها، وينابيع ماء صغيرة يسمى الواحد منها في ثقافة أهالي المنطقة وسكانها بـ «الساب، الكوكب» وهذا ما لفت النظر إليه أستاذنا د. منصور محمد سرحان في مقالته «بربورة كما عرفتها» على نحو أكثر تفصيلاً.
شهادة الأستاذ ناصر خيري:
والجدير بالذكر أنَّ المؤرخ البحريني المرحوم الأستاذ ناصر بن جوهر بن مبارك الخيري عند حديثه عن الرَّفاع الشرقي قال إنها: «تبعد عن المنامة قدر ثمانية أميال لجهة الجنوب، أسست على مرتفع من الأرض، فتكاد أن تكون مشرفة على كل البحرين، وتحيط بها رياض ناضرة واسعة الأطراف، لذلك أطيب هواء وأحسن مناخ من كل بلاد البحرين».
ونلاحظ أن الأستاذ ناصر بن جوهر الخيري لم يحدد الجهة التي تقع فيها الرياض المحيطة بالرفاع الشرقي في النص المتقدم، ولكن بالتركيز في موقعها لا يحيط بها سوى شريط أخضر طويل يمتد من قرى (جرداب فسند ثم بربورة فالنويدرات حتى شباثة وسلبا وفارسية في اتجاه الجنوب بالقرب من عسكر أو عسكر الشهداء كما تسمى أحياناً).
ويقع هذا الشريط أو ما أسماه الخيري برياض ناضرة محاذاة الجهة الشرقية للرفاع الشرقي، أما سائر الجهات الأخرى المحيطة بالرفاع الشرقي فلا توجد فيها مناطق خضراء، وبالتالي فإن ناصر الخيري كمؤرخ لم يذكر أسماء قرى الشريط باستثناء سند والنويدرات وفارسية لكنه أقر بوجودها من خلال تأكيده على وجود رياض ناضرة واسعة الأطراف تحيط بالرفاع من جهتها الشرقية، وتدخل القرى الأربع في نطاقه، وذكر الخيري السبب في عدم ذكره بعض القرى -بعد أن ذكر (62) قرية – أنه اعتبر بعض القرى لا تستحق الذكر لقلة سكانها، حيث قال في كتابه المذكور: «وهناك عدة قرى لا تستحق الذكر، وسكان هذه القرى تتراوح بين المايتين نسمة إلى الخمسماية إلى الألف والألفين وأقل من ذلك».
شهادة الشيخ محمد علي الناصري:
قام هذا المؤرخ المهتم بتراث شعب البحرين وتاريخه بتسجيل شهادته بوجود بربورة في أكثر من كتاب، ومنها قوله وهو يتحدث في أحد كتبه عن أسماء بعض القرى البحرينية التي سادت ثم بادت ولم يبق منها غير أسمائها وبعض آثارها.
وفي ذلك يقول الشيخ محمد علي الناصري عن القرى المندثرة هناك: «بعض أسماء من القرى والمدن التي بادت ولم يبق منها إلاَّ الأسماء أو بعض الآثار البالية في البحرين وتوابعها:
-1إسماعيلية.
-2 أم الطلى.
-3 بربورة.
وأخذ الشيخ محمد علي الناصري يعدد أسماء هذه القرى فبلغ ما حصره منها (32) قرية ومدينة»، ثم وعدنا – كقراء وباحثين – بموافاتنا بالتفصيل الكامل عن هذه الأسماء في كتاب خاص نأمل أن يتاح لنا فرصة الإفادة منه.
ويبدو أنه الكتاب الذي أشار إليه الدكتور منصور سرحان كمخطوطة محفوظة بيد أحد أبناء الشيخ محمد علي الناصري.
شهادة النساخين من أهالي بربورة والنويدرات:
عرف المجتمع البربوري كمجتمعات القرى الأخرى القائمة آنذاك حركة ثقافية شهدت بعض مظاهرها المتوافرة لدينا على امتداد وجوده التاريخي في العقد الخامس من القرن الرابع عشر الهجري، وهذا يوافق العقد الثاني من القرن العشرين، ولكنَّ شهادة النساخين في كثير من القرى، وللأسف لم تأخذ حظها من التوثيق والحفظ، ومن الإشارة إليها في مصادر دراسة التراث الثقافي لدى علماء الإمامية في البحرين لأنها لا تنشر في أدبيات معتمدة كالكتب.
ومن أهم مظاهر هذه الحركة الثقافية ما قام به بعض النساخين من نشاط ثقافي تمت بواسطته عملية إعادة «نسخ الكتب وكتابة المخطوطات» بخط اليد في المجتمع البربوري وفي مؤسساته التقليدية التي تولد تلقائياً مع أي تجمع للشيعة كالمآتم، وما تتطلبه نسخ الكتب كعملية ثقافية كانت آنذاك ضرورة لنمو المجتمع البربوري، وهي في الوقت نفسه استجابة طبيعية لإشباع حاجاته الروحية والثقافية.
وبالرغم من مشقة هذه العملية وبخاصة في عصر ما قبل الطباعة في بلادنا فإن عدداً قليلاً من النساخين حرصوا بشدة على إنجازها بواجب ديني محض، إذ تطوع عدد منهم للقيام بمهمة إعادة كتابة المخطوطات ونسخ الكتب وتجديدها وتوزيعها على المآتم للاستفادة منها في المناسبات والمواسم الدينية، وقد يكون مردودها المادي قليل جداً قياساً للجهد المبذول.
ومع أن مخطوطاتهم وما نسخوه من كتب مكنت المجتمع البربوري من تحقيق بعض احتياجاته وإشباعها إلاَّ أنها قد أضافت قيمة علمية من خلال عمرها التاريخي، فقد أمدت الباحثين -ومنها دراستنا- بتواريخ في غاية الأهمية، حيث استخدمنا تواريخ المخطوطات التي نسخها أبناء بربورة كأحد أدلتنا على إثبات وجود بربورة نفسها على نحو يصعب التنكر لها إنْ كانت هناك لدى الباحث رغبة صادقة في طلب الحقيقة وبلوغها والإيمان الصادق بها.
إنَّ تواريخ المخطوطات لا تثبت عمرها فحسب، ولا تقدم بيانات محضة عن نساخها كذلك، بل تؤكد قيمتها العلمية في التدليل على قضايا تاريخية إنسانية وإثباتها في فترة النسخ، واستثمارها في ضبط أحداث يراد لها أن تحفظ أو يستفاد منها كتاريخ في مواجهة حركة توجيه منحرفة تعتمد التزوير كما هو الحال لدى المتمترسين وراء التزوير لوأد الوجود التاريخي لآخرين يختلفون عنهم عرقياً أو مذهبياً.
ومن هنا تكمن قيمة ما نسخه النساخون من أهالي بربورة وغيرهم في الاستدلال بها كوثيقة تاريخية على تقدير العمر التاريخي لقريتهم أو الاستدلال على وجودها في فترة استنساخ الكتب على أقل تقدير وإبطال مزاعم المتعجرفين وصلف تنكرهم ظلماً وبهتاناً وزوراً.
وتضمنت هذه العملية كما سيرى القارئ الكريم في الصفحة الأخيرة من مخطوطاتهم عبارات واضحة وموثقة في تأكيدها على وجود بربورة نفسها من خلال الإشارة إلى مآتمها، وما تزال بعض هذه المخطوطات موجودة لدى المهتمين بتراث بربورة الثقافي، وبالتالي اعتبرناها شاهد إثبات على مشهد من جوانب الحياة الثقافية في بربورة، وصفعة للراغبين في محو اسمها التاريخي.
إن الناسخ ليس مؤرخاً بالتأكيد، فهو لا يهتم بدراسة منهجية ومنظمة لحوادث تقع في التاريخ، لكنه بعد أن ينتهي من نسخ «كتاب معين» بخط يده يكون هذا المخطوط وثيقة تاريخية أو مستنداً يستفاد منه كأحد الشواهد الثبوتية على حادثة بحجم قرية قديمة، بل هي منطقة عمرانية أشبه كما يقال بمدينة متجذرة تاريخياً ومترامية الأطراف كـ«بربورة»، وبالتالي فإن ما يخطه الناسخ هو بالنسبة للباحث خاصة المهتم بالتاريخ هو مستند تاريخي أو وثيقة ثقافية ذات قيمة علمية مؤكدة تعزز منطق المؤرخ وتفسيره لهذا الوجود بأدلة ثبوتية دامغة وقاطعة.
إن عملية النسخ ذاتها تسجل كحادثة تاريخية وقعت في زمان معين وتمت في مكان ما، ثم بالتقادم الزمني وتراكم السنين تسجل نفسها كدليل ثبوتي يفسر حدوث قضية وقعت في التاريخ الإنساني، وهذا ما يتجلى في المخطوطات التي كتبها بعض النساخين في المجتمع البربوري لتلبية احتياجاته من المعرفة الدينية والمادة الثقافية التاريخية، فجهد الناسخ ونشاطه في خط الكتب ونسخها هو في النهاية تاريخ يعزز مهمة المؤرخ في دراسة الوقائع التي حدثت في حياة المجتمع البربوري وتاريخه، ويسهل على الباحثين مهمتهم العلمية في التعرف على الحقائق لأن هذه الوقائع تتحول بالتتابع الزمني إلى سجل تاريخي يحفظ ما جرى منها، ونلمسه فيما بعد من خلال أدوات وعمليات ثقافية كنسخ المخطوطات أو تأليف الكتب، أو التراجم أو الخرائط أو أقوال مؤكدة ومثبتة في مصادر تاريخية.
وعلى ضوء ذلك استفدنا من مخطوطات ما تزال محفوظة تركها لنا بعض النساخ في المجتمع البربوري كشواهد على تاريخه، ووجوده، وكرد علمي على متنطعين يسعون بصلف إلى محو تام لذكر كل أثر لمجتمع لا يشعرون بالانسجام النفسي والثقافي معه حتى لو امتد لعدة قرون بالرغم من توافر الأدلة الدامغة على وجوده في حركة الزمان.
فالإشارات المكرورة إلى ما يعرف بوقف المخطوطات والكتب المنسوخة وقفاً شرعياً دائماً لمأتم بربورة الذي يديره الحاج علي بن عيسى بن محمد البربوري وإخوانه في منطقة سكنهم الأصلية (بربورة) تستبطن في حد ذاتها شهادة تاريخية واضحة من هؤلاء النساخين على استمرار وجود هذه القرية حتى تاريخ نسخ بعض هذه المخطوطات في نهاية العقد الثاني من القرن الهجري الرابع عشر… أي قبل وقتنا بمائة واثني عشر عاماً هجرياً.
فالناسخ المعروف علي بن عيسى بن عبد الله بن آل سليم (ويقال في بعض الأقوال أنه من أهالي بربورة) قدم أكثر من إشارة نسجلها نحن الباحثين كشهادة ذات قيمة علمية بوجود قرية بربورة في زمن قريب لم تنته بعد آلامه وذكرياته، ولم تختف متاعبه من وجودها الاجتماعي- التاريخي، وذلك حينما أكد هذا الناسخ في أكثر من مخطوط أن المرحوم علي بن عيسى بن محمد البربوري أوقف وقفاً شرعياً دائماً ما كان يستنسخه هذا الناسخ من كتب ومخطـــوطات لمأتــم بربورة سنة 1318 1319-هـ.
وقد أرَّخ علي بن عيسى بن عبد الله آل سليم لهذه الشهادة في أكثر من مخطوط بالتاريخين المتقدمين كما سترى في اثنين من الوثائق والمستندات التاريخية اللتين سنعرضهما في الحلقة النهائية من دراستنا بعنوان (وثائق ومستندات تاريخية)، فتاريخ 1318هـ هو تاريخ الانتهاء من أحد مخطوطاته، وهو تاريخ يوافق العام (1900م)، أي بداية مطلع القرن العشرين، وهذا يشهد بأنَّ هذه القرية عامرة حتى ذلك التاريخ بعدد من عوائلها التي أحصاها لوريمر بـ«20» مسكناً صغيراً من الحجر على حد قوله، وأنَّ مآتمها ما تزال تؤدي واجباتها الروحية والثقافية أثناء زيارته، وأنّ بربورة تشهد آنذاك نشاطاً في مآتمها.
وهذا زمن يسبق زيارة المؤرخ الانجليزي (ج، ج، لوريمر) لبربورة بسنوات ثلاث أو بسنتين على أقل تقدير، كما أنه يسبق صدور كتابه «دليل الخليج وعمان وشرق الجزيرة العربية» بثمان سنوات، حيث ظهر هذا السفر التاريخي للوجود في نسخته الأجنبية في 24 من ديسمبر/ كانون الأول سنة 1908م، وظلت مخطوطات بن آل سليم رحمه الله تستخدم في مآتم بربورة وحسينياتها وفي النويدرات لسنوات عديدة لا تقل عن نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين، وبعبارة واضحة حرصت بعض مآتم بربورة وفي مقدمتها مأتم «البربوري» على استخدام مخطوطات بن سليم رحمه الله في القراءة المعروفة بالحديث حتى العام 1960على أقل تقدير كما يقول بعض المعمرين، ثم هجرها الناس وبقيت المخطوطات محفوظة بيد أصحاب المآتم بالرغم من عدم استخدامها لمستجدات الحياة وإقبال الناس على الكتب المطبوعة بحلل جديدة ومشوقة وأكثر وضوحاً.
علماء بربورة في كتب التراجم
مدخل عن أهمية التراث الثقافي:
من الحقائق الاجتماعية الكبرى الممتدة في العمق التاريخي للشعوب أنها تترك في حياتها تاريخاً يمتد إلى حاضرها نتيجة تأثير مجموعة من التراكمات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والتفاعلات المباشرة وغير المباشرة بين الناس في هذا المجتمع وفي غيره من المجتمعات الإنسانية، ويطوي كلاهما، التاريخ والحاضر، في داخلهما مكونات تراث إنساني لكل مجتمع على حدة، ولهذا فإن التراث الثقافي لشعب معين يمتد من عصر لعصر لاحق ويكون حاضراً في التأثير في الناس لمجرد أن تراث هذا المجتمع لا يزال له بصماته، ولا يزال يحفر في أفكار الناس وتصرفاتهم ومشاعرهم خطوطاً مؤثرة في حياتهم الحاضرة، وربما في مستقبلهم.
ولولا هذا الامتداد لنسي الناس كل تاريخ طوى نفسه ولم يعد أحد منهم يرتبط بماضيه، ولما حدثت علائق تفاعل اجتماعي بين شعوب في عصر ما وآخرين من البشر في عصر سابق أو لاحق، ولما عُرِفَ شيء في مجال المعرفة بـ «علم التاريخ » وفلسفته التي تتضمن قوانين لضبط حركة المجتمعات ومسيرتها التاريخية.
فالتراث الثقافي الإنساني هو الأفكار والآداب واللغات والممارسات السلوكية المادية والمعنوية الذي خلفه شعب في فترة معينة وامتد في حياة شعب آخر أتى بعده في حركة الزمان، وهو بلغة بسيطة عنصر ضروري لصقل الشخصية الإنسانية إذا ما استثمر الإنسان العناصر الإيجابية في التراث الذي تعرف عليه وعاش في سياقاته التاريخية والنفسية والثقافية والروحية وغيرها.
وهذا التراث الثقافي – كما يعلم الجميع – تم نقله بأساليب متنوعة عبر زمان طويل عاشه الإنسـان كالتناقل الشفهي، والكتابة التاريخية المدونة، وكتب التراجم وغيرها من الآثار المادية، وكذلك بالصور والآثار المادية مثل الكتابات على القبور، بالتالي فإن مصادر نقل التراث الثقافي والاجتماعي لهذا المجتمع أو ذاك هو ما يحفظه وتراثه في حركة الزمان، وهنا تكمن أهمية مصادر الإمامية في الحفاظ على جزء من التراث الثقافي لعلماء بربورة وغيرها من الأماكن التي شهدت حركات ثقافية لا بغرض تدوينه فحسب، وإنَّما استحضاره وانتقاء المناسب منه لتوجيه الإنسان في حياته الجديدة والمعاصرة، فلا يوجد – بالأمس واليوم وغداً – تراث ثقافي لجماعة بشرية بلا مصادر احتضنته وحفظته، ولا يوجد إنسان بلا تاريخ، وبالتالي من الصعوبة بمكان التعرف على التراث الثقافي لمجتمع (بربورة) بدون وجود هذه المصادر، وأننا قد واجهنا صعوبات في التعرف على هذا التراث بسبب نقص وقلة المصادر، بل وعدمها أحياناً، ولكن الإنسان قادر على أن يقطع مسافة الألف ميل بالإرادة والتحدي، وبإصراره على البدء بتجاوز الخطوة الأولى من هذه المسافة.
مكونات التراث الثقافي عند علماء بربورة:
تجسد التراث الثقافي لعلماء بربورة – كما جاء في مصادر التراجم – في مجموعة من المكونات المتداخلة يمكن حصرها بما يأتي :
– الإنسان.
– الدين.
– التفاعل بين الإنسان والدين.
– المكون الزمني والمكاني.
– المكونات المادية.
– الناتج المعرفي للتفاعل الثقافي.
-1 الإنسان:
بالرغم من محدودية مصادر دراسة التراث الثقافي لعلماء بربورة في كتب التراجم وفي غيرها أيضاً فإنها قد حرصت – بالقدر المتاح – على تأكيد دور الإنسان واهتمامه في طلب العلم والمشاركة في عملياته كالتدريس والمهام والعمليات الثقافية الأخرى، وتوظيف القدرات العقلية للناس على إشباع حاجاتهم المعرفية والروحية عن طريق تعلم الأحكام الشرعية ودراسة علوم الشريعة وما يعززها من العلوم العقلية السائدة في عصرهم، وكانت أدوار الإنسان البربوري أبرز مكونات التراث الثقافي الذي لايزال بعضه بأيدينا، فما نجده من رسائل ومخطوطات ومراكز علم ومعرفة هي من إنجازاته.
-2 الدين :
الدين في نظر علماء بربورة، وعند كل علماء الأمة هو ضرورة روحية – عقلية للإنسان يجب دراسته كمعرفة موجهة للفكر والمشاعر والسلوك للناس، وهو جهة تنظيمية ضابطة لحياتهم، وبدون الإيمان بالدين كمصدر للمعرفة يصعب الإفادة من محتواه الفكري والروحي في تكوين وعي بقيمته في حركة الحياة، ويصعب فهم أثره في تكوين التراث الثقافي والروحي للمجتمع البربوري.
لهذا اجتهد علماء بربورة – كعلماء روحانيين – تحت ضغط ظروفهم الصعبة وتوجيهات المشرع الإسلامي في توليد تراث ثقافي خاص بهم وموصول بالدين وقيمه وعلومه وأحكامه لضبط حياة الإنسان، فهو دعامة دينية وبُنْيَة تحتية لهذا التراث، وقد رأينا في مصادر التراجم الإشارات الواضحة في خدمة الدين وتوظيفه في خدمة الإنسان المسلم.
-3 التفاعل بين الإنسان والدين:
يمثل عقل الإنسان – كما يقرر الإمام علي – شرعاً من داخله، ويمثل الدين في الوقت نفسه عقلاً من خارجه، ولا يمكن أن يتصل العقل الداخلي بالعقل الخارجي ما لم يباشر الأول مهمته في استثمار الأفكار التي يختزنها الدين كمصدر للمعرفة وتعلم الأحكام الشرعية ذات البعد الثقافي، وبالتالي يجسد الدين عملا ثقافياً خلاقاً وإبداعياً وتفاعلياً للإنسان، وبذلك يكون الدين حركة تفجيرية للقدرات العقلية الذاتية لدى الإنسان، قد ترك علماء بربورة آثارهم في الثقافة كدليل على تفاعلهم النشط مع الدين، فما تركوه من علم وتراث فكري في كتب منسوخة ومخطوطات هو تعبير حي عن هذا التفاعل بين العقل البربوري واهتماماته الدينية في توليد المعرفة التي كان يحتاجها في حياته ولتوجيه مجتمع قريته.
-4 المكون الزمني والبعد المكاني:
للزمان والمكان – كعنصرين متجاورين – تأثيرهما في صنع نسيج التراث الثقافي وخيوطه الإنسانية، وينسحب هذا التأثير على النسيج الثقافي للقرية التي نشير إلى نسيجها الاجتماعي وتراثها الثقافي، فالتراث الثقافي لعلماء بربورة من مخطوطات ورسائل وعمليات وأدوار للتفاعل الثقافي قد ولدت كآثار معرفية ومادية في فترة قيام القرية منذ القرن الحادي الهجري، وربما لفترة أبعد واستمر حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، فالزمن مكون حيوي في حركة الحياة بالقرية وبانجازات أهلها على امتداد وجودها التاريخي.
أما العنصر المكاني فتم إنتاج تراثها في القرية نفسها وفي قرى أخرى تعلم فيها علماؤها كقرية «مقابة » التي تعلم فيها على يد شيخه المقابي، وكذلك تلقي علماء بربورة العلم والمعرفة في خارج البحرين كما في مدينة « شاهجهان » الهندية.
-5 المكونات المادية :
ونعني بها كل الأدوات المادية التي استخدمت في إنتاج تراث بربورة الثقافي وساهمت في تقدمه ونشره، أو كل أثر مادي دلَّ عليه كالرسائل والمخطوطات، ويمكن أن نلحظ هذه المكونات في منجزات مادية أخرى كالمساجد والحوزات ومراكز التعلم التي لايزال الناس يتناقلون أقوالهم بشأنها حتى الآن، وقد أعيد بناء بعض هذه المساجد في موضعها التاريخي السابق لتظل شاهدة على وجودها التاريخي.
-6 الناتج المعرفي للتفاعل بين الإنسان والدين والعلوم السائدة:
وتجلى ذلك في توجه علماء بربورة نحو المعرفة وقيام حوزات تدريس علمية وفقهية لتعلم وتدريس علوم الشريعة والحكمة العقلية، وممارسة أنشطة وعمليات ثقافية كالتدريس وتصنيف الكتب وتأليفها، وكتابة مخطوطات ونسخ رسائل عبر تاريخ ثقافي معين، فما نتج عن التفاعل هو عنصر تطبيقي وثمرة للتفاعل الحي بين الإنسان البربوري ودينه الذي آمن به واعتقد بتأثيراته على حياته الشخصية والعامة والاجتماعية.
المصادر كمفهوم معرفي:
أصل كلمة «مصدر» المفردة مشتقة من كلمة أو فعل » صَدَر ».. أي موضع الصدور، ويراد بالمصدر هنا كمصطلح معرفي، وكما جاء في أحد معاجم اللغة هو (ما يصدر عنه الشيء) ‘ فالعلم على سبيل المثال «مصدر الرقي والتطور »… أي أن الرقي كشيء مادي صدر عن العلم، فالمصدر أساس وجود الشيء وقوته الفاعلة، وإذا قلنا إن التاريخ مصدر للمعرفة فقصدنا أن حقائقه المتجسدة في أحداث ووقائع هو مصدر بوجود شيء ما في فترة سابقة كالعلم بحقائق أحداث معينة، إذن فالتاريخ المسجل والموثق هو مصدر العلم بما جرى من أحداث وما تولد عنها من حقائق تاريخية في الزمان والمكان، وينسحب هذا المعنى على كتب تراجم العلماء وسيرتهم الذاتية كأحد مصادر هذا التاريخ، فالكتب هي مصدر العلم بالحقائق المتصلة بأفعال الناس وبتاريخ حياتهم وتعاقب الأحداث التي عاشوها، ولا يشذ علماء بربورة عن هذه القاعدة، وبالرغم من محدوديتها بالنسبة للتوفير مادة معرفية عن علماء بربورة – إلاَّ أنها كتب التراجم تمثل مصدراً لما اتصل بحياتهم من أحداث وحقائق ومعلومات في فترة وجودهم بالبحرين وفي خارجها.
كتب التراجم :
تحفظ الأمة جهودها العلمية وإنجازاتها الثقافية من خلال مجموعة الكتابات المتعددة التي خطها «العلماء » في علوم عصرهم، ومن فنون هذه الكتابات ما سمي بـ «علم التراجم » كحقل معرفي من حقول التاريخ الثقافي للمسلمين، إذ اتجه عدد كبير من علماء المسلمين على مختلف مذاهبهم إلى تدوين السيرة الذاتية لآلاف العلماء الذين سبقوهم في أزمنة متعاقبة أو عاصروهم، فهذا الحقل من المعرفة يهتم بترجمة حياة كل عالم على حدة، وتعريف الناس بسيرته الذاتية بقليل من القول أو كثير، وذلك بحسب شهرة هذا العالم عن ذلك.
وفي هذه الكتب جمع علماء التراجم سجلاً ضخماً من علماء الأمة، فسهل علينا معرفتهم والاتصال بهم والتعلم عنهم بالرغم من حركة الزمان التراكمية الصاعدة دائماً، وقد يترك علماء التراجم لسبب ما الإشارة دون قصد منهم أو الحديث عن سيرة بعض العلماء غير المعروفين لهم لأسباب مختلفة، فمن المنطقي أن لا يحيط علماء التراجم بسيرة كل عالم، وأن لا تكون لديهم فرصة كتابة ترجمة الحياة العلمية الذاتية لبعض العلماء، لذلك برزت في كتب التراجم الكتابة عن علماء مشهورين أو مميزين في إنجازاتهم، فأخذوا حظوظهم من التدوين وتوثيق أسمائهم في سجل العلماء البارزين بمختلف مستوياتهم الثقافية وتفاوت إنجازاتهم وتنوع شهرتهم وذيوع صيتهم، أما العلماء الأقل شهرة أو من لا دراية لعالم الترجمة بحياته فحظه أقل.. إما بالإشارة الموجزة غير الوافية أو السكوت الكامل وعدم الذكر، ولكن ذلك لا يعني أنهم غير بذي بال عند علماء تراجم آخرين، فقد شاء الله أن يأخذوا حظهم من العلم والتدوين والتوثيق عند أحد علماء التراجم كالطهراني أو الشيخ جعفر السبحاني، وهكذا لم نجد على سبيل المثال إشارات لعلماء بربورة في بعض كتب التراجم ومصادرها البحرينية كاللؤلؤة والأنوار، بينما وجد هؤلاء إشارات محدودة عن بعضهم في كتب تراجم إمامية مهمة كطبقات أعلام الشيعة والذريعة وموسوعة طبقات الفقهاء.
وقد غطت بعض كتب التراجم ترجمة السيرة الذاتية (بقليل أو كثير من الكلام) لعدد من الأسماء العلمائية البارزة في مراكز العلم السائدة في العالم الإسلامي، ومنهم علماء «البحرين» الذين عرفوا في كتب التراجم ومصادرها بلقب «بحراني» مرفقاً به أسماء قراهم واسم بلادهم البحرين، فكثيراً ما نقرأ اسم عالم فلاني بـ «الماحوزي البحراني، البلادي البحراني، التوبلاني البحراني، الدرازي البحراني، الساري البحراني، البربوري البحراني، الجدحفصي البحراني، الكرزكاني البحراني»، وهكذا يذكر اسم القرية التي انتسب لها العالم.
ومن الصعوبة حصر كتب التراجم لكثرتها في مجال التاريخ الثقافي لعلماء البحرين، فذلك خارج موضوعنا، ويمكننا الآن الإشارة إلى بعض كتب التراجم عند علماء الدين التي اهتمت بتدوين كتابات عن السيرة الذاتية لبعض علمائنا، وإلى كتب علماء التراجم الذين كتبوا جانباً من تاريخ بلادنا الثقافي وحفظوه على مدار التاريخ الإسلامي الثقافي، وساندهم في ذلك كما تقدم ذكره علماء أجلاء في العراق وإيران والهند ولبنان وشرق الجزيرة العربية كبلاد القطيف والإحساء، فنسجوا من ذلك العمل الثقافي موسوعات «التراجم » ومصادرها المعروفة.
ومن كتب «التراجم » :
أولاً : نماذج من كتب التراجم:
-1 أعيان الشيعة، محسن الأمين.
-2 أمل الآمل، الحر العاملي.
-3 الذريعة إلى تصانيف الشيعة، آغا بزرك الطهراني.
-4 طبقات أعلام الشيعة، آغا بزرك الطهراني.
-5 تراجم الرجال، أحمد الحسيني.
-6 تكملة الأمل، حسن الصدر.
-7 أعلام العوامية، سعيد آل أبي المكارم.
-8 روضات الجنات، محمد باقر الخوانساري.
-9 رياض العلماء وحياض الفضلاء، الميرزا عبد الله أفندي.
ثانياً : نماذج من كتب التراجم عند علماء البحرين:
1 – فهرست آل بابوية وعلماء البحرين، سليمان الماحوزي، تحقيق أحمد الحسيني.
2 – فهرست علماء البحرين، تأليف سليمان الماحوزي، إعداد وتحقيق فاضل الزاكي البحراني.
3 – لؤلؤة البحرين، الشيخ يوسف آل عصفور.
4 – الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر (تاريخ البحرين)، الشيخ محمد علي آل عصفور.
5 – أنوار البدرين في تراجم علماء الإحساء والقطيف والبحرين.
6 – منتظم الدرين في تراجم أعيان الإحساء والقطيف والبحرين، محمد علي التاجر..
7 – تتمة أمل الآمل / محمد آل شبانة.
8 – أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرناً، سالم النويدري.
9 – بعض فقهاء البحرين، علي محمد العصفور.
أهمية كتب «التراجم» كمصدر معرفي للحقائق التاريخية:
1 – تمكن كتب التراجم الباحثين من الحصول على معرفة مكتوبة، وربَّما موثقة وصحيحة بقدر ما عن السيرة الذاتية لكل عالم على حدة، والعلم بحقائق تاريخية قد يعتمدها الدارسون كمعرفة أسماء قادة، علماء، وكذلك التعرف على حيثيات وتفاصيل حوادث، وتواريخ، ومواقع أو أماكن، وعمليات ثقافية وأدوار اجتماعية ذات صلة بها صاحبت هذا الفعل التاريخي أو ذاك.
2 – تعتبر كتب التراجم بالنسبة الدراسات كبحوث يقوم بها الباحثون لـ «دراسة السيرة الذاتية للعلماء » خطوة تأسيسية للتاريخ الثقافي لمنطقة معينة وبخاصة إذا كانت مجهولة مثل منطقة «بربورة» لمعرفة علمائها والاطلاع على تراثهم الثقافي.
3 – تعتبر كتب التراجم كأحد أبرز مصادر دراسة التراث الثقافي للعلماء التي تمنح الباحثين القدرة على مواجهة التاريخ بحقائق التاريخ نفسه، وتمدهم بأدلة إثبات تدحض أقوال المزورين لحقائق التاريخ الإنساني في منطقة معينة وفي فترة محددة.
4 – تسمح كتب التراجم بدراسات تراكمية تعطي الباحثين فرصاً أفضل للحصول على بيانات مطلوبة بالنسبة لهذا العالم أو ذاك، وإثراء تجربتهم في أية دراسة تاريخية كما نحاول أن نفعل في دراستنا عن بربورة.
5 – يمكن عن طريق كتب التراجم ومطالعتها الاتصال بجوانب خفية من التاريخ الإنساني لفهمه ومعرفة أحداثه لاتخاذ مواعظ وعبر مربية، وينطبق ذلك على المجتمع البربوري وتراثه الثقافي وأدوار علمائه ومسئولياته تجاه الناس.
اللقب البربوري للعلماء في المصادر:
ما يهمنا كثيراً في هذا الموقع من البحث التأكيد على تداول «اللقب البربوري» والانتساب به إلى قرية «بربورة» بشكل واضح في المصادر البحرينية أو لباحثين ورجال علم غير بحرينيين، لأن في اللقب دلالة تاريخية، وكل إشارة له في هذه المصادر أشبه بوثيقة وثيقة معتبرة يُؤسس عليها إثبات تاريخي للقرية التي وجدت لعدة قرون ثم لظروف تاريخية مليئة بالصعاب والاضطهاد قد أصبحت غير قائمة منذ العقد الثاني من القرن العشرين ما عدا خضرتها وبيئتها الزراعية الحية، لكنها ظلت هذه القرية في ذاكرتنا الوطنية، ولاتزال بصماتها موجودة في تراثنا الثقافي، ومن الصعب التنكر لذلك، وكل شيء يوحي بوجودها مزهوة بانجازاتها بالرغم من ظروفها الصعبة.
لقد ورد «اللقب البربوري» في مصادر التراث الثقافي لعلماء بربورة سواء كانت داخلية كما في مخطوطاتهم الموجودة في البحرين، ومنسوخة بأيدي نساخين من أبناء المجتمع النويدري، أو مصادر خارجية كما في كتب التراجم أو في بعض المواقع الإلكترونية المشار إليها في هذا الكتاب، وفي هذا الموقع من بحثنا سنمر باللقب في هذه المصادر معززاً بلقب و «بحراني» أو «الأوالي»، وبألفاظ مصاحبة للقب هي موضع اشتباه أو تحتاج إلى بيان توضيحي للقارئ الكريم.
لقد اعتاد الطهراني في كتابيه الذريعة والطبقات ذكر لقب «البربوري البحراني» متلازمين مع بعضهما أسوة بألقاب البلادي، الجدحفصي البحراني، الكرزكاني البحراني، الماحوزي البحراني، الدونجي البحراني، السماهيجي البحراني، المقابي البحراني، الدرازي البحراني، الكَتَكَاني البحراني» وغيرها من الألقاب التي ينسب إليها علماء البحرين لقراهم وموطنهم، وجميع الألقاب السابقة دالة على أسماء قرى أصلية كانت متداولة في لغة علماء التراجم والسير، فهذه الألقاب جزء من المناخ الثقافي لعلماء التراجم في إشاراتهم لسيرة علماء البحرين وترجمة حياتهم الذاتية، وبخاصة في فترة نهضتهم إبان القرون الهجرية الأربعة الهجرية من (10 – 13)، فيذكر علماء التراجم اسم العالم وينسبونه لقريته أو موضع سكنه ثم يضاف إليه لقب «البحراني» لتأكيد هويته الوطنية.
والملفت للنظر أن الطهراني عليه الرحمة كان يذكر ألقاب علماء بربورة وغيرهم بتلازم اللقبين فيقول »البربوري البحراني» أو «الماحوزي البحراني»، وعندما استخدم هذه الطريقة يكون قد قطع الطريق على من يثير الإشكاليات أو الشبهات، فتلازم لقب «بربوري » مع لقب «بحراني» يعني أنه قد حدد بوضوح لا لبس فيه ولا غموض الهوية الواضحة لأي عالم بربوري يترجم لحياته، فتكرار الطهراني أو غيره من علماء التراجم بلازم لقب «بربوري» مع لقب «بحراني » يحمل الدلالة الواضحة على الهوية الوطنية لعلماء بربورة وتحديد نسبهم أسوة بغيرهم من علماء البحرين في فترة نهضتهم أو ما قبلها.
في إحدى المخططات التي بأيدينا عنوانها (وفاة النبي يحي بن زكريا) ينسب أحد علماء بربورة نفسه بأنه هو الشيخ علي بن عبد الله بن حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي، ويقرن نسبه لقب «البربوري» بلقب آخر شائع في كتب التراجم هو «الأوالي»، ولم يذكر الشيخ علي البربوري في تحديد هويته لقب «بحراني» وهما لقبان متداولان، وفي كلا اللقبين (بربوري وأوالي) عبَّر تماماً عن هويته التاريخية والوطنية، فالبربوري لقب دال على النسب للقرية التي ولد فيها، ولقب « الأوالي » إشارة إلى الوطن الكبير كله الذي عاش في كنفه، فأوال هي جزيرة البحرين، وإليها ينسب المواطن فيقال أوالي، أو يقال «بحراني» نسبة للبحرين، وبهذه الألقاب عرَّف علماء البحرين أنفسهم للآخرين، وبتسمية «بربوري » في أي مصدر تاريخي نميز أبناء (بربورة) وغيرهم داخل الوطن وفي خارجه، وهذا ما وفقنا الله إليه في دراستنا التي بين يديك بالرغم من بعض الزيادات اللفظية مثل زيادة كلمتي أو لقبي (الزيوري والبارباري).
ومما ينبغي التنويه إليه أن لقب «أوالي » مع تداوله لم نعثر عليه حتى الآن في غير مخطوطة واحدة هي ما كتبه الشيخ علي البربوري عن نفسه في مخطوطته أو كتابه (وفاة النبي يحي بن زكريا) عليهما السلام، وقد يتكرر في مخطوطات أخرى، أما في مصادر أخرى ككتب «التراجم » فقد تعرفنا على ألقاب عديدة متداولة أمثال (بربوري، أوالي، بحراني) كما في عدد من أمهات المصادر الشيعية الإمامية المعتبرة في علم التراجم، وبعض مخطوطات علماء بربورة أنفسهم، وفي ذلك تحديد واضح ودقيق لهوية علماء بربورة من خلال الانتساب لألقابهم الشائعة في بيئتهم الثقافية والاجتماعية والوطنية.
لقد تكرر استخدام لقب «بربوري» في تراجم علماء بربورة بلا استثناء، فعند الإشارة لذكر الشيخ جعفر البربوري تم تعيين نسبه للقرية التي ولد فيها، وعاد آغا بزرك الطهراني في ترجمة الشيخ سليمان الربعي عند الإشارة إلى ابن أخيه ناصر البربوري بن أحمد بن علي بن جعفر إلى استخدام لقب البربوري مع لقب بحراني أيضاً، فاللقب الأخير «بحراني» استخدمه الطهراني أكثر من مرة على علماء البحرين سواء من بربورة أو غيرها، فكثيراً ما كان يقول: « سليمان البحراني، وسليمان الأوالي البحراني، وسليمان الدونجي وغيرها، وإنْ كان في مواقع أخرى يشير مراراً إلى كل عالم من علماء بربورة بلقب «بحراني » كقوله : الساري البحراني ، الجدحفصي البحراني، المقابي البحراني، وهكذا.
وذكر الطهراني في (الطبقات) لقب البربوري حين بدأ بترجمة سيرة الشيخ عبد الله بن ناصر بن أحمد بن علي بن جعفر الربعي البربوري، وأضاف عليها اشتباهاً أو تصحيفاً لقب (البارباري)، فالمصطلح الأخير لا يسمى به إلاً مواطن بحريني ينتسب لقرية باربار، وهي قرية قائمة حتى الآن، وبعيدة جغرافياً عن قرية «بربورة »، ولكنه اختلط عليه الأمر (أي الطهراني) أو بسلل تصحيف فاستخدم لقبي بربوري وبارباري للدلالة على أنهما لفظ بمعنى واحد مع اختلافهما الواقعي في التعبير عن قريتين منفصلتين.
وعند حديث الطهراني في كتابه (الذريعة) عن الشيخ عبد الله البحراني قال الطهراني عنه كذلك في الطبقات : « أنه ابن الحسين بن أحمد بن جعفر بن أحمد بن حعفر البربوري، وأضاف على اللقب الأخير لقبين هما (الزيوري والبحراني)، فالزيوري لفظ غير شائع في البحرين، فلا قرية تعرف باسم » زيورة »، وقد يكون لقب زيوري اسماً لعائلة، وقد يكون هذا اللقب تصحيفاً للقب «بربوري » الذي أكده الطهراني في كل موضع ذكر فيه علماء بربورة، فحدد هويتهم بوضوح، ومن المفيد الإشارة إلى أن الشيخ آغا بزرك الطهراني اكتفى بوصف الشيخ عبد الله بـ » البربوري » كما ذكر ابيه الشيخ حسين البربوري دون أية إشارة للزيوري عندما تكلم عن إجازة الشيخ المقابي لتلميذ الشيخ عبد الله البربوري، فلقب الزيوري لم يتكرر، مما يدل على وضعها غير الطبيعي، وعدم شيوعها وأنها قد تكون تصحيفاً للقب الحقيقي (البربوري).
وفي إشارة عابرة للسيرة الذاتية للمقدس الشيخ علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني «عميد العائلة» قال عنه الطهراني في طبقات أعلام الشيعة :
« ابن جعفر البحراني البربوري»، ثم ذكر أولاده الثلاثة أحمد ويوسف وسليمان، وفي هذه الإشارة ربط الطهراني بين كلمتي «بحراني وبربوري» معاً لتحديد هوية نسب عميد أسرة الربعي البربورية، وقبل أن يختم الترجمة القصيرة استخدم لقب البربوري مرة أخرى في تحديد نسب الشيخ ناصر بن أحمد بن علي بن جعفر الربعي البربوري.
ولم يختف لقب « البربوري» أيضاً عند ترجمة السيرة الذاتية للشيخ يوسف بن علي بن جعفر الربعي، إذ كرر الطهراني لقب «البربوري » عند إشارته لابن أخيه ناصر البربوري بن أحمد بن علي بن جعفر البحراني، فوصف ابن الأخ بأنه بربوري، وهذا يعني أن عمه بربوري أيضاً.
وقد كتب الأخير لقب «البربوري » وأطلقه على عمه الشيخ يوسف بن المقدس الشيخ علي بن جعفر البحراني البربوري عندما كتب في آخر ما كتبه بأمره من نسخة (شرح فروع الكافي) لآغا هادي الموجود اليوم كما يقول الطهراني في مكتبة محمد علي الخوانساري بقوله : «أستاذي وشيخي وعمي العلامة الفاضل الفهامة العالم العامل وحيد عصره وفريد دهره الشيخ يوسف بن المقدس الشيخ علي بن جعفر البحراني البربوري، وفرغ منه ضحى الجمعة 13، جمادى الثانية، (سنة 1134 هـ – 1721م) في دار السلطنة والخلافة شاهجهان آباد، فيظهر أنه كان في التاريخ نزيل الهند.
وخلاصة ما تقدم من الاستخدامات السابقة للقب :
-1 تأكيد الطهراني وهو مؤرخ كبير على لقب عائلة الربعي البربورية التي نزلت مدينة شاهجهان الهندية بعد هجرتها من بلادها البحرين، وهو لقب «البربوري »، ويضيف عليه أحياناً لقب بحراني لتأكيد الهوية وحسم أي جدل حوله.
2 – وأنه رضوان الله استخدم لمرة واحدة، وفي مورد واحد لقبي (البارباري، والزيوري)، ولم يلتفت إلى أن لقب » بربوري » يعني انتساب مواطن بحريني إلى قرية بربورة، ولقب «بارباري» انتساب آخر يطلق على مواطن بحريني أصله من قرية باربار، وهما نسبان يختلفان تماماً عن بعضهما لأنهما قريتان متقاربتان لفظياً متغايرتان في الاسم، ومتباعدتان في موقعهما الجغرافي، ومتشابهتان في ظروفهما الثقافية، أمَّا لقب «الزيوري » فإنْ كان صحيحاً فقد يكون اسماً لعائلة لا اسم قرية بحرينية، فلا توجد منطقة في البحرين تعرف بهذا الاسم وإلاّ ذكرت في مصادر دراسة التراث الثقافي لعلماء البحرين كسائر القرى التي يعرف بها علماء مشهورين من البحرين، كما أنَّ الطهراني لم يذكر لقب » الزيوري » إلاَّ في موضع يتيم ذكرناه.
-4 إن المتداول إجمالاً بالنسبة لمؤرخ كبير له دراية بعلم الرجال هو لقب «بربوري » فقط، وهو ما أكدته مصادر التراجم الأخرى قديماً وحديثاً، فاللجنة العلمية لمؤسسة الإمام الصادق بمدينة (قم المقدسة) التي يشرف عليها العلامة الشيخ جعفر السبحاني استخدمت لقب (البربوري البحراني) عند الإشارة لعالم من علماء بربورة هو الشيخ عبد الله بن الحسين بن أحمد البربوري البحراني، فلم يرد في كتاب موسوعة الفقهاء وهي تشير إلى عالم من بربورة سوى لقب «البربوري البحراني»، حيث لم يذكر (بارباري ولا زيوري) وإنما اللقب الصحيح «بربوري».
-5 يدل إطلاق لقب «بربوري» على عدد من الشخصيات العلمائية في كتب التراجم على وجود القرية نفسها، وعلى انتسابهم إليها بأكثر من ثلاثة قرون على أقل تقدير بحسب التواريخ المحددة في كتب التراجم، فالنظر إلى بعض التواريخ يستفاد منه أنَّ تاريخ اللقب بعيد، وكذلك مؤشر على العمق التاريخي للقرية، فالسنة التي توفي فيها عبد الرؤوف بن الحسين بن أحمد بن عبد الرؤوف الجدحفصي كانت (سنة 1113هـ – 1701م)، ولكن كان بينه وبين الشيخ جعفر البربوري مكاتبات قبل أن يتوفى الأول، وقد ذكرت في ديوان الجدحفصي كما يقول آغا بزرك طهراني في طبقاته، وهذا يفيد بأن المكالمات التي تمت قبل وفاة عبد الرؤوف الجدحفصي (أي قبل سنة 1113 هـ 1701 م) تحدد بشكل واضح تقدير افتراضي للوجود التاريخي لبربورة التي ينتسب إليهما أحدهما وهو الشيخ جعفر البربوري الذي وصفه الجدحفصي بـ (الشيخ الأكمل الشيخ جعفر البربوري)، وأنَّ هذا الوجود أبعد من فترة المكاتبات، ومن حياة الشيخ جعفر البربوري نفسه وزميله السيد عبد الرؤوف الجدحفصي بمدة تتجاوز الثلاثمائة وسبعة عشرة عاماً هجرياً بسنوات لا نعلم عددها فعلياً، فالمستفاد من الإشارة للمكاتبات بين الشيخ جعفر والجدحفصي أنَّ «بربورة» كانت موجودة في الخريطة الجغرافية للبحرين من تاريخ بعيد لم نستطع تحديده إلى ما بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري بسنوات، فقد صعب علينا تعيين النشأة التاريخية لقرية «بربورة» على هذه الخريطة، وإذا دخلنا في الموضوع بالفرضية القائمة على تاريخ وفاة أبي المكارم وما حدث قبلها من مكاتبات فإن عمر «بربورة» يتجاوز القرن السابع عشر الميلادي أو الحادي عشر الهجري بكل تأكيد، ويحتمل أن يكون عمرها عدة قرون قبل وفاة السيد عبد الرؤوف الجدحــــــفصــي (سنة 1113 هـ – 1701 م).
صعوبات البحث عن علماء بربورة وتراثهم الثقافي:
عندما كنَّا نبحث في التراث الثقافي لعلماء قرية بربورة وأعلامها واجهتنا فعلياً مجموعة من الصعوبات التي شكلت بالنسبة إلينا تحديات ثقافية ليست هينة، إذ لم نستطع تخطيها بسهولة، ولكن البحوث الجادة عادة ما تتمخض عن ظروف صعبة، حيث تولد من أرحام المعاناة، لهذا أضفت هذه الصعاب حيوية على دراستنا للسيرة الذاتية لبعض أعلام هذه القرية البائدة، الحية في التاريخ والحاضر هذه العقبات، فمعاناتنا – مع صعوبات بحثنا – وليدة أرحام خصبة.
ومن هنا صنعت المعاناة من جهدنا عملاً ثقافياً يستحق أن يقرأ ويفحص بالعلم والمعرفة، فالصعاب التي واجهتنا – ونحن ندرس السيرة الذاتية لأعلام الثقافة من بربورة – منحتنا القدرة على مواجهة التحدي بمثله ومقابلته بإرادة الوقوع فيما نتهيبه، ولذلك صممت قدرتنا على مواجهة التحدي هدفاً لها تبتغي الوصول إليه بقدر ما هو متاح، فقد أوصانا سيد الموحدين ابن أبي طالب أن » نَصْعَب إذا واجهنا الصَّعْبُ » وأن «نقع فيما نتهيبه لأن شدة توقيه أعظم من الوقوع فيه » ولأن « الخيبة قرنت بالهيبة »، ولأننا ركبنا الصعاب طوعاً وقاومناها بجهد ذاتي فقد تمخض عنها عمل ثقافي برز في بعض دراساتنا وأبحاثنا عن بربورة وتراثها الثقافي والاجتماعي.
و كنَّا ندرك منذ البداية أن الصعوبات أمر لا فكاك منه وبخاصة في بحث تاريخي كنَّا للأسف مقطوعي الصلة به بالرغم من قربنا الجغرافي والتاريخي والنفسي بقرية « بربورة » وما عرفناه عن أهلها، ولكنَّ بالنسبة للباحث تعتبر هذه الصعاب ضرورة عقلية ليتبين لنا أنها كانت تحديات مثيرة، صنعت لنا فهماً إيجابياً كان سبباً فاعلاً في صقل الشخصية وتنمية قدراتها الوجدانية والعقلية، ومغالبة الاحباطات وتفعيل إمكاناتنا لتحويلها من معوق سيكولوجي وعقلي إلى عمل ثقافي مبدع أو عنصر مجدد لنشاط العقل الإنساني.
ومما نلفت نظر النظر إليه أنه قد واجهتنا في إعداد مادة بحثنا عن مصادر معلوماتنا الأولية عن علماء «بربورة » بعض الصعوبات التي تفاوتت في شدة إيقاعها على حركة بحثنا لهذا الموضوع، فالانطلاقة كانت صعبة، وعشوائية، ولكننا – بحمده تعالى – أدركنا أنها خطوة أولى لتكوين مادة تعلم جديد، وأخذنا نجمع في وسط الضغوط التي صاحبت هذه الصعوبات اللبنات التأسيسية لهذا العمل الثقافي ومادته المعرفية، ولكتابنا المستقل عن الوجود التاريخي لقرية بربورة الذي أسميناه «بربورة وشهادة التاريخ » ولأبحاث أخرى ذات صلة بموضوعنا الذي ندرسه عن جوانب التراث الثقافي لعلماء بربورة وأعلامها في فترة وجودها التاريخي قبل أن يهجرها آخر عوائلها في ظروف قد تكون مماثلة إلى حد ما لظروف هجرة أهالي » الفارسية » في العشرينات من القرن العشرين.
وكانت البداية – في دراسة التراث الثقافي لعلماء بربورة – بطيئة، ومحيرة كما أشرنا، بل وغامضة في بعض الأحيان، وتبين من إصرارنا على متابعة نشاطنا أنه كلَّما استغرقنا مزيداً من الوقت والجهد اقتربنا أكثر مع قليل من التكيف مع هذه الصعاب وتهيئة أنفسنا للحصول على معرفة أفضل بشأن هذا التراث، واكتسبنا قدرة أقوى وأنضج على الحفر وإضافة مادة معرفية جديدة لاحقة على مادة سابقة مستمدة عن المصادر التي ساعدتنا في تكوين معرفة أولية عن أعلام « بربورة » وتراثهم الثقافي، ومع ذلك كان يصاحبنا دائماً إحساس بالقصور، وأن الإضافة لم ترفع هذا الإحساس بعد، فما نزال نشعر بتحدي آخر يحفزنا لمزيد من النشاط حتى تجاوزت محاولتنا البدايات الصعبة، ووضعنا أيدينا على بدايات الطريق، وشعرنا أننا نتجاوز العشوائية بنظرات أنضج وأدق.
ومع أن الصعاب متنوعة ومتفاوتة في قوتها، بيد أن العمود الفقري لها هو المصادر العلمية التي تجعل عملنا الثقافي معتبراً وذا قيمة علمية بقدر ما، فالطاعنون في السن (وإنْ كان الاعتماد على آرائهم يحتاج إلى شيء من الحذر والتدقيق في القضايا الثقافية) إلاَّ أنهم عارفون بكثير من الأمور عن تاريخ القرية باستثناء جانبها الثقافي قد مضوا إلى ربهم، وتوسدوا التراب وأصبحوا في ذمة التاريخ ورحمته سبحانه، والباقون منهم قد فقدوا الكثير من ذاكرتهم بسبب تقدمهم في السن أو تغير الأحوال والاهتمامات أو انقطاع صلتهم مع ماضيهم، بل وبروز شعورهم بالضيق أحياناً مما يجري الآن في حاضرهم من تحولات وتغيرات اجتماعية لا تعجبهم وتصادم مرجعيتهم القيمية والثقافية والروحية التي عاشوا في كنفها.
كما أنَّ المهتمين بالشأن الثقافي المحدود – كالنساخين ومعلمي الكتاتيب – لم يتناولوا لا من قريب ولا من بعيد جوانب النشاط الثقافي القائم في بربورة ،ولم يكتبوا لنا شيئاً عما خلفه علماؤها في الداخل وفي خارج البحرين، واكتفوا بعمليات ثقافية مرهقة ولكنها محدودة كعمليتي النسخ وتعليم الصبيان القرآن الكريم وقراءة بعض الكتب التاريخية التي تستخدم في إحياء مواسم التحاريم بالمأتم والتي تسمى حينذاك بـ « قراءة الحديث »، وحتى الكتب التي نسخوها لعلماء من بربورة وهي قليلة لم يذكروا فيها شيئاً مفيداً عن أحوال هؤلاء العلماء الأبرار، بحيث يفيدنا نحن اليوم في كتابة السيرة الذاتية لهم وتدوين بعض المعلومات الأولية التي تتيح لآخرين فيما بعد زماننا أن يتقدموا بها ويتوسعوا فيها.
بل وزادت الصعاب علينا عندما توجهنا لمصادر دراسة التراث الثقافي لعلماء البحرين التي كتبها علماء كاللؤلؤة للشيخ يوسف آل عصفور، وأنوار البدرين للمؤرخ والعالم الجليل الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي البحراني، فلم نجد فيها أية إشارات واضحة عن علماء بربورة، وبقيت أمامنا فرصة تاريخية متاحة لنا أن نستفيد منها بقدر ما هو مستطاع، وهي أن نبحث عن مصادر إمامية كتبها علماء غير بحرينيين، فوجدنا بتوفيقه تعالى بصيصاً من الأمل لا نعتقد أنه يلبي الحاجة كاملة، ولكنه – كما يقال – هو أول الغيث قطرة، وهو أول جهد ثقافي معتبر يمكن توظيفه للتغلب على بعض الصعاب التي واجهتنا في هذا العمل الثقافي، فالحفر قد تعمق، ولم نر في السطح شيئاً، وبعد تقدم في عمق ما نحفره ظفرنا بقليل من مادة البحث، فسمحت لنا في القراءة والتحليل والكتابة والنشر، وتعلم الجديد عن أعلام الثقافة الإسلامية في قرية «بربورة ».
وباختصار فإن صعوبات هذا البحث تتركز فيما يأتي :
– قلة مصادر البحث.
– نقص في المعلومات وتداخلها.
– وجود حالات تصحيف في أسماء بعض علماء بربورة وأعلامها حتى بنسبه لمؤلف واحد في مصدرين كتبهما آغا بزرك الطهراني.
تطور البحث عن مصادر دراسة موضوع التراث الثقافي لعلماء بربورة :
ساعدنا أحد أصدقائنا حينما سمع برغبتنا في إعداد دراسة عن الوجود التاريخي لقرية بربورة، فقدم لنا معلومات بسيطة في هذا الشأن، ولكننا اعتبرناها معرفة أولية شكلت لنا مدخلاً للدخول في التاريخ الثقافي لعلماء هذه القرية، وكانت البيانات الواردة في هذه الإشارة الواردة في أحد مصادر الإمامية التي جمعها علماء التراجم من غير البحرينيين فرصة للبناء المعرفي، وهو عبارة عن مقال مكون من أربع صفحات سرد ترجمة لسيرة عالمين من علماء البحرين هما الشيخ محمد بن علي بن عبد النبي المقابي البحراني، والشيخ أحمد بن عبد الله بن حسن بن جمال البلادي البحراني.
وتم بواسطة هذا الصديق العثور على المقال في موقع إلكتروني لمؤسسة من مؤسسات «الإحياء للتراث الإسلامي » هي مؤسسة الشيخ كاشف الغطاء بمدينة النجف الأشرف بالعراق، واضطررنا للتأكد من صحة المعلومات بالرجوع إلى المصدر الأساسي الذي استقى منه الموقع الإلكتروني أفكاره عن الشيخين المقابي والبلادي وتلاميذهما ومنهم الشيخ عبد الله بن الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر البربوري البحراني، وبعد معاينة ما نشره الموقع الإلكتروني وما جاء في الصفحات الأربع المدونة في المصدر الأصل وهو كتاب «موسوعة طبقات الفقهاء » ج 12 تبين لنا كامل المطابقة بين المصدرين.
وتضمن المقال إشارة لمعلومات محدودة جداً عن الشيخ عبد الله بن الحسين بن أحمد بن جعفر البربوري البحراني من قبيل أن الشيخ الأخير قد تتلمذ على يد هذين العالمين الجليلين، وأنه حصل على إجازة متوسطة في 17 من ذي القعدة (سنة 1147هـ – 1734م)من شيخه المقابي رضوان الله، كما أنه انتقل لقرية «مقابة » ليتلقى المعرفة وتحصيله ثقافته الإسلامية على يد أستاذه الشيخ المقابي، كما تضمن هذا المقال تلقيه العلم على يد شيخه أحمد بن عبد الله بن حسن بن جمال البلادي البحراني.
وقد استخدمت هذه المعلومات على قلتها ونقصها، ومحدوديتها كبداية في التعرف على جوانب خفية من التاريخ الثقافي لعلماء بربورة، ولم نتوقف عند هذا الحد لأن جوانب كثيرة من هذا التاريخ المطوي لا تزال مجهولة حتى اللحظة الراهنة، فلجأنا إلى بعض مصادر التراجم عند الإمامية في البحرين ككتابي «اللؤلؤة» و«أنوار البدرين » فتعثرت المحاولة بشكل ذريع، إذ لم نعثر مطلقاً على شيء نستطيع أنْ نبني عليه في التوسعة والإضافة أو تجربة معرفية مفيدة تثري جهدنا في هذا الصدد.
وتبع هذا الجهد البسيط بوقت غير طويل إطلاعنا في الموقع الإلكتروني «لمؤسسة كاشف الغطاء » على إشارة لوجود نسخة من مخطوطة أصلية عن فقه الحج لأحد علماء بربورة المتأخرين الذين عاشوا بين قرنين هما القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، فالرسالة كانت واضحة في تحديد مؤلفها ومصنفها، ونسبها للعالم البربوري عندما ختم مقدمة رسالته المطولة بكلماته بقوله تم وكمل بعون الله وحسن توفيقه بقلم الأقل الجاني ناصر بن عبد الله بن ناصر البربوري البحراني ».
ونحن لم نتمكن من اكتشاف الرسالة بجهدنا الذاتي، فقد أعاننا صديقنا المشار إليه في العلم بنسخة« أصلية » لفقه الحج للعالم البربوري الشيخ ناصر بن عبد الله بن ناصر البحراني، وهي كما عرفنا من الموقع الإلكتروني لمؤسسة كاشف الغطاء رسالة مكونة من (254) صفحة مكتوبة بخط المؤلف.
وبمرور بعض الوقت اطلعنا على موقع إلكتروني آخر «منتدى النويدرات» فوجدنا فيه مقالاً عنوانه « علماء بربورة الحبيبة » بقلم مستعار يحمل اسم خادم تراب المؤمنين فنقلناه من الموقع على صفحات مستقلة بغرض دراسته والإفادة من معلوماته في وضع معلومات جديدة عن التراث الثقافي في حياة علماء بربورة ممثلين في أسرة علمية بربورية وعلماء آخرين.
ووجدنا هذا المقال يضيف جديداً، وقد اعتمد على مصادر السير وتراجم الرجال عند أحد علماء الإمامية الكبار المعروف باهتماماته بدراسة « التراجم » ومصادر التراث الثقافي لعلماء الإمامية، وكالعادة رجعنا إلى المصدرين الذين اعتمدهما الكاتب في إعداد مادته المعرفية وهما كتابي :
-1 « طبقات أعلام الشيعة / ج 6 المسمى بالكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة.
-2 وكذلك كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
وقد صنفهما العالم الكبير والبحاثة الجليل آغا بزرك الطهراني، وتمت مطابقة مادة المقال ومحتواه المعرفي بما جاء في صفحات الكتابين المرقمة في جدول أسماء علماء بربورة في مصادر الإمامية، فوجدنا سلامة النقل وصحة البيانات أو المعلومات باستثناء ما ذكره عن ابن للشيخ عبد الله بن الحسين البربوري اسمه أحمد، حيث لم نجد له ترجمة في المصدرين السابقين.
لقد تمكن صاحب هذا المقال من الإشارة لعدد من علماء بربورة بلغ عددهم (10) شكلوا سبعة منهم أسرة علمية كما ذكرنا، ونتصور أن أحد الثلاثة من هذه المجموعة قد أشرنا إليه وهو الشيخ عبد الله بن الشيخ حسين بن أحمد البربوري البحراني الذي درس في البحرين على يد شيخيه المقابي والبلادي، أما العالم الآخر وهو الشيخ جعفر البربوري فاسم جديد كأسماء أفراد الأسرة العلمية السبعة يضيف جوانب مضيئة على التراث الثقافي لعلماء بربورة.
ومع أن المعلومات كانت قليلة كعادة علماء التراجم في عرض مادتهم عن هذا العالم أو ذاك فإن بيانات الطهراني في كتابيه (الذريعة وطبقات أعلام الشيعة) لا تتجاوز سطرين أحياناً في ترجمة سيرة علماء بربورة، وقد تصل أحياناً لبضعة أسطر، وهذا كما قلنا ديدن رجال التراجم لا يكتبون في الترجمة بإسهاب إلاً نادراً لا يتعدى صفحتين، فالعلماء الذين يكتبون عن حياتهم وسيرتهم كُثْرٌ، وتقتضي الإحاطة بهم الإيجاز وبخاصة إذا كانوا غير مشهورين كبعض علماء بربورة الذين ورد ذكرهم.
أما مخطوطة الشيخ علي بن عبد الله البربوري الأوالي عن وفاة «النبي يحي » عليه السلام فلها قصة مثيرة، ونحكي الآن باختصار قصة العثور على مخطوطة وفاة النبي يحي للشيخ علي بن الشيخ عبد الله البربوري الأوالي البحراني:
إنَّ لمخطوطة الشيخ علي بن الشيخ عبد الله بن الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي المتوالي في كتابه (وفاة النبي يحي بن زكريا) عليه السلام قصة مثيرة، وهي ثمرة معاناة التقصي والبحث عن المعرفة، فقد كنت ممن يبحث عن وجود شخصيات علمائية من بلدة «بربورة».
ومن مقدرات الموقف الإلهي عليَّ أن وقعت عيني فجأة وبدون مقدمات منتظرة على ترجمة قصيرة وعابرة لسيرة عالم من بربورة هو الشيخ عبد الله بن الشيخ حسين بن أحمد البربوري البحراني والد الشيخ علي صاحب المخطوطة التي نحن بصدد الإشارة إليها، وكانت الترجمة مكونة من صفحة واحدة مكتوبة ومرفوعة على جدار بالمدخل الداخلي لمبنى مسجد الشيخ مؤمن بمنطقة بربورة، ومذيَّلة بقلم صديقنا الأستاذ عبد العزيز سلمان بن محمد راشد العرادي المهتم بتراجم علماء البحرين.
وأسرعت – بالتأكيد – إلى قراءتها بسرعة وتمعن واستيقاف بين لحظة وأخرى بالرغم من أنها مرفوعة على جدار المبنى داخل المسجد، وبعد الفراغ من قراءتها داخلتني رغبة قوية باقتنائها شخصياً، فتحدثت على وجه السرعة مع القائم على إدارة المسجد (قيومه) الأخ سعيد ماجد بن حبيب بن يوسف بن أحمد بن الشيخ يوسف النويدري البحراني، وهو أحد أحفاد الخطيب الحسيني المعروف المرحوم الحاج حبيب يوسف ناسخ المخطوطة المذكورة للشيخ علي بن عبد الله البربوري الأوالي البحراني، ووعدني الأخ سعيد بتسهيل الأمر عليَّ مع كاتب الترجمة، ثم استخرج تلفونه النقال الخاص وفتش عن بعض الأرقام داخله وسلمني بعد برهة قصيرة رقم تلفون كاتب الترجمة.
وبعد مضي قليل من الزمن بادرت شخصياً في الاتصال بالأخ عبد العزيز العرادي على فترتين، وفي المكالمة الثانية تم تحديد موعد للزيارة والمقابلة الثنائية والاتفاق على الاستفادة من مضمون الترجمة ومحتواها الثقافي – التاريخي، وأتذكر أنه تم ترتيب المقابلة المطلوبة بيننا في صباح يوم السبت الموافق 16 أغسطس/آب 2008م ببيته في قرية «عراد».
وطلبت في هذه المقابلة من الأستاذ عبد العزيز العرادي أمرين هما:
-1 معلومات أوسع عن صاحب الترجمة.
-2 لحصول على النسخة الكاملة المصورة من المخطوطة التي لاتزال حتى الآن بحوزته عن وفاة النبي يحي عليه السلام تأليف للشيخ علي بن عبد الله البربوري فاعتذر لي لاتفاقه المسبق مع الشخص الذي أعطاه المخطوطة فاشترط عليه عدم تسليمها أحداً غيره، فاحترمت وعده واتفاقه وقبلت بالأمر الواقع وتفهمته عن طيب خاطر.
والحق يقال إن الأخ عبد العزيز لم يبخل علينا بشيء مما كان يستطيع، ولم يحرمني رغم قبوله للشرط بينه وبين صديقه من المساعدة في أقل حدودها، حيث أعطاني صفحة مصورة من المخطوط تحمل اسم المؤلف الشيخ علي بن عبد الله بن حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي، وتحمل في مدخلها عنوان «موضوعها الأساسي » وهو قصة وفاة النبي يحي عليه السلام، ولكن لا تتضمن الصفحة اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ لأن ذلك يكون عادة في آخر صفحات المخطوط، وإنما أبلغني بأن الناسخ شخص بحريني قد نسخها من أربعين عاماً لم أتمكن من معرفة اسمه، وهي كما علمت منه مكونة من سبعين صفحة تقريباً، ووجدت في هذا القدر من العطاء المبذول قدراً مقبولاً من العطاء والتعاون بيننا الذي يعيننا على معرفة شخصية جديدة لأحد علماء بربورة.
نعم قبلت الأمر… ورتبت نفسي على توافر صفحة مصورة من المخطوطة شيئاً ثميناً، فأدرجت الصفحة المصورة على نواقصها ضمن ملاحق الدراسة التي كنت أكتبها عن تاريخ بربورة، كما مكنتني هذه الخطوة الأولية من الكتابة وتقديم معرفة مبسطة وأولية عن مصِّنف الكتاب (المخطوط) وهو الشيخ علي بن عبد الله البربوري الأوالي البحراني، فما تحقق كان مفيداً إلى حد كبير.
غير أني لم أقتنع بما تحقق من خطوة سابقة، فالمعرفة تراكمية ولا بد من إضافة اللاحق على السابق للوصول إلى الأفضل، كما أنَّ في الزمان متسع للحصول على تقدم في هذا المجال، وآثرت البحث عن المخطوطة بأكملها من مصدر آخر طالما تأكدت من وجودها فعلياً بالعين المشاهدة مع أن الأستاذ العرادي لم يطلعني على المخطوطة، ولكن رؤية الصفحة المهمة في المخطوط أقنعتني بذلك، إضافة إلى صدق رغبة الأستاذ العرادي في تقديم خدمة علمية في هذا الشأن.
ومن جهة أخرى خشيت – في الوقت نفسه – أن يذهلني ذلك الانشغال بالمخطوطة والتمركز حولها عن أمور تفصيلية أو مجملة أخرى يمكن بواسطتها إثراء دراستنا عن جانب من تاريخ بربورة وبخاصة بعض مظاهر الحركة الثقافية فيها التي صنعها أجدادنا وعلماؤنا الأبرار، فصرفت النظر عنها مؤقتا وفي النفس شوق وتوق عسى أن أوهب فرصة أفضل في قابل الأيام.
ولكني – بعد انتهاء المقابلة – أخذت فوراً بالنصيحة التي أسداها إليَّ صديقنا الأستاذ عبد العزيز العرادي بضرورة الاطلاع على المخطوطات والكتب المكتوبة بخط اليد التي يحتفظ بها عدد من أحفاد بعض النساخين أو القائمين على إدارة المآتم الحسينية كالفخري والوفيات والمواليد التي نسخها أبناء بربورة والنويدرات في فترة سابقة وبخاصة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين الماضيين، فما كتبه هؤلاء النساخون ذات أثر علمي يمثل بالنسبة للواحد منا وثيقة تاريخية.
وبحثت بجدية عما يمكن جمعه من المخطوطات حتى أصبحت الكتب المنسوخة باليد من أهم المصادر التاريخية الأساسية لدراستي عن بربورة وعن حركة النساخين في النويدرات خاصة وأن اللجنة التي أخذت على نفسها كتابة تاريخ قرية النويدرات قد كلفتني بدراسة وتدوين بعض مظاهر الحياة الثقافية فيها كحركة النساخين وعمليات نسخ الكتب والمخطوطات التي تقرأ عادة في المآتم قبل بدء الخطابة الحسينية المعتمدة في النشاط الثقافي والروحي للحسينيات بالقريتين وبقرى البحرين بوجه عام، فوجدت ضالتي في بعض هذه المخطوطات التي كانت تعكس حالة من تاريخنا الثقافي – الروحي للقريتين اللصيقتين بلا فواصل.
ومما أود التأكيد عليه أني بقيت فيما بعد هذه النصيحة أتعقب بعض القائمين على إدارة المآتم في النويدرات واحداً بعد آخر للحصول على كتب ومخطوطات كانت تستخدم منذ سنين تمتد لقرن وأبعد، وكانت النية منعقدة على متابعة هذه المهمة الثقافية حتى لو اضطررت لمتابعة هذا النشاط مع قائمين على إدارة المآتم بقرى مجاورة كالعكر والمعامير وسند، فتحققت – بعد هذه المتابعة – ثلاثة أمور كنت أحتاجها كباحث في إنضاج دراستي وجني ثمارها العلمية، وهذه الأمور الثلاثة هي كما يأتي:
– العثور على مزيد من النساخين من النويدرات وبربورة وقرى بحرينية محيطة بهما أو بعيدة، وقد توفقت في العثور على أكثر من (11) ناسخا تحملوا مشاق الكتابة بخط اليد ونسخ الكتب للمآتم أكثر من ثلثيهم من أهالي قريتي النويدرات وبربورة، وأتينا على ذكر بعضهم في تضاعيف البحث.
– العثور في مخطوط كبير ضم أكثر من خمسة كتب مخطوطة باليد على نسخة كاملة لمخطوطة الشيخ علي بن الشيخ عبد الله بن الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي في وفاة النبي يحي عليه السلام التي كنت أبحث عنها فترة من الزمن، ومما زاد من شعوري بالارتياح والثقة بالذات أنها كانت بخط ناسخ من النويدرات هو الخطيب المعروف المرحوم الحاج حبيب بن يوسف بن أحمد بن الشيخ يوسف النويدري البحراني، وهي نسخة فرعية وليست أصلية، وتعود إلى (سنة 1338 هـ – 1920 م)، أي أن عمرها الآن يقارب (92) عاماً هجرياً، فحمدت الله سبحانه كثيراً أن سهَّل عليَّ اقتناء المخطوطة كاملة والعثور عليها بخط واضح يمكن قراءته بيسر، وقد خَُِتمَت المخطوطة في ظهر آخر صفحاتها بصيغة مألوفة، وهي صيغة «وقف شرعي » للمخطوط مذيلة بتاريخ الثامن من شهر رجب الأصب (سنة 1338 هـ – 1920 م)، وقد أملى صيغة العقد وكتبها المرحوم محمد بن سلمان بن عبد الله البحراني، وذيَّله بختمه ومهره.
– والمخطوط الكبير الذي عثرنا في صفحاته علي مخطوطة الشيخ علي بن الشيخ عبد الله البربوري ضم بالإضافة عدداً من كتب الوفيات التي نسخت مع بعضها وجمعت في مخطوط واحد بخط ناسخ واحد هو الحاج حبيب بن يوسف بن الحاج أحمد بن الشيخ يوسف النويدري البحراني، وكان هذا المجلد المخطوط محفوظاً في مأتم المرحوم علي بن أحمد بن إسماعيل لدى حفيده عبد النبي جاسم الذي لم يتردد في مساعدتنا بمطالعة مخطوطات المأتم والإفادة منها في تتبع نشاط النساخين بالقرية، وبعد الاطلاع والتدقيق في المخطوط المشار عثرنا فجأة دون قصد موجه على مخطوطة الشيخ علي بن عبد الله البربوري الأوالي في وفاة النبي يحي بن زكريا وعدداً من الكتب التي ضمها «المخطوط الكبير» في مجلد واحد قد نسخها بخط يده المرحوم الحاج حبيب بن يوسف النويدري، وهي على التوالي :
أ – مخطوط وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام مرفقاً بصيغة عقد وقف شرعي للمخطوط مؤرخة سنة 1338هـ، وهي وثيقة مستقلة تحدد تاريخ النسخ وتاريخ وقف الكتاب على مأتم علي بن أحمد آل إسماعيل.
ب – مخطوط وفاة أولاد مسلم مرفقاً بصيغة الوقف الشرعي للمخطوط مؤرخة سنة 1338هـ.
ج – مخطوطة وفاة السيدة مريم العذراء مرفقاً بعقد الوقف الشرعي للمخطوط مؤرخة (سنة 1338 هـ – 1920 م).
د – مخطوط «وفاة الإمام السجاد أو زين العابدين » عليه السلام للشيخ حسين آل عصفور مرفقاً بصيغة عقد الوقف الشرعي مؤرخة (سنة 1338 هـ – 1920 م).
هـ- مخطوط وفاة النبي «يحي بن زكريا » للشيخ علي بن عبد الله بن حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي.
مصادر معرفة علماء بربورة وتراثهم الثقافي:
مما ذكرنا في سياق بحثنا عن التاريخ الثقافي لعلماء بربورة وتطور خطوات الكشف عن بعض جوانبه تمكننا أن نكون قد حددنا عدداً من المصادر الأساسية من كتب التراجم عند الإمامية، وتم بواسطتها التعرف على عدد من علماء «بربورة » وجوانب من تراثهم الثقافي والديني الذين بلغوا عشرة عاش بعضهم في الخارج لأسباب ليست واضحة إلينا، ويمكننا الآن حصر هذه المصادر كما يأتي :
-1 المواقع الإلكترونية كموقع مؤسسة كاشف الغطاء لإحياء التراث الإسلامي في النجف الأشرف.
-2 كتب مصادر الإمامية في تراجم الرجال وسيرتهم الذاتية مثل كتاب (موسوعة طبقات الفقهاء، ج 12، وكتابي الذريعة إلى تصانيف الشيعة، وطبقات أعلام الشيعة، ج 6 المسمى الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة، وأعيان الشيعة، الجزء العاشر).
-3 مخطوطات علماء بربورة كرسالة الشيخ ناصر بن عبد الله بن ناصر البربوري في فقه الحج، ومخطوطة الشيخ علي بن عبد الله بن الشيخ حسين البربوري الأوالي البحراني في وفاة النبي يحي بن زكريا.
-4 النساخون للكتب المخطوطة باليد كالحاج حبيب بن يوسف بن الحاج أحمد بن الشيخ يوسف بن الشيخ أحمد النويدري البحراني الذي حفظ لنا بعمله هذا أحد الأنشطة الثقافية لعالم من علماء بربورة هي مخطوطة وفاة النبي يحي بن زكريا.
-5 مقابلات بعض الباحثين من الشخصيات التي تهتم بالتراث الثقافي لعلماء البحرين.
المصادر نوعان… أولية وثانوية :
تحسب الآثار الثقافية لعلماء بربورة كإنجازات واقعية من خلال ما تركوه من المخطوطات التي وقع بعضها في أيدينا، ولانزال نبحث عن غيرها، والزمن كفيل بتحقيق هذه الأمنية، وقد شكلت بعض جوانب تراثهم الثقافي، واعتبرت كأحد المصادر التي تم بواسطتها العلم مباشرة أو بطريقة غير مباشرة بهذا التراث حتى لو كانت المعرفة في بعض جوانبه جزئية وضئيلة.
وبالاجمال يمكن الاستفادة – مما تقدم – في تأكيد أن مصادر تعرفنا على علماء بربورة وتراثهم الثقافي تنقسم إلى نوعين أساسيين:
-1 مصادر أولية :
وهي ما تسمى بالمصادر الأصيلة كالكتب والمخطوطات التي صنفها علماء بربورة أنفسهم، ومن أمثلة ذلك مخطوطة الشيخ ناصر بن عبد الله بن ناصر البربوري البحراني في «فقه الحج » وأحكامه، وهي كما عرفنا مخطوطة أصلية بخط المؤلف نفسه التي كانت محفوظة في مؤسسة كاشف الغطاء لإحياء التراث الإسلامي بالنجف الأشرف، وكذلك مخطوطة الشيخ علي بن عبد الله بن حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي البحراني في «وفاة النبي يحي بن زكريا »، وقد نسخها (سنة 1338هـ1920 م) المرحوم الحاج حبيب بن يوسف بن الحاج أحمد بن الشيخ يوسف النويدري البحراني، وكذلك مخطوطات أخرى نحن على علم بوجودها، لكننا لم نطلع عليها بأعيننا، فاضطررنا إلى الإشارة لها فحسب.
-2 مصادر ثانوية :
وهي أقل اعتباراً من سابقتها، لكنها ذات قيمة في إحياء التراث الثقافي لعلماء بربورة وتحديد هويتهم، ومن قبيل ذلك ما كتبه علماء التراجم الإمامية عن علماء بربورة في مصادرهم حتى بمادة معرفية محدودة وغير مستفيضة مثل كتابي الطهراني» الذريعة إلى تصانيف الشيعة، وطبقات أعلام الشيعة، ج6 المسمى بـ « الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة »، وأيضاً كتاب «موسوعة طبقات الفقهاء / ج 12 »، وكذلك البحوث والمقالات التي كتبها المتأخرون من الباحثين عن بربورة وتراثها الثقافي، ويعتبر الجدول التالي خير مثال على هذا النوع من مصادر البحث عن التراث الثقافي لعلماء بربورة، ولولا هذه المصادر لكان بعض هذا التراث في ظرف صعب أشد مما هو عليه الآن.
المصادر والأسر العلمية البربورية :
تعتبر كتب «التراجم » إحدى آليات التعرف على التاريخ الثقافي لعلماء الإسلام وأعلام الثقافة الإسلامية في بلدان العالم الإسلامي، ومع أن هذه المصادر قد تمكننا في بعض الأحيان من تحقيق أهدافنا في معرفة جوانب هذا التاريخ إلاَّ أن الباحثين قد يخفقون في الاستفادة منها في الحصول على معرفة جزئية حتى لو كانت حيوية لأن الذين يكتبون هذه التراجم هم في النهاية بشر يعتريهم النقص ويلازمهم القصور، ويفوتهم العلم ببعض الأمور، فلا يجدون ضالتهم في هذه المصادر مع دورها الكبير كآلية تكوين معرفي وثقافي في رصد جوانب من الحركة الثقافية لهؤلاء العلماء، ولهذا يتجه الباحثون إلى استخدام هذه المصادر عسى أن تفيدهم في تحقيق أهدافهم العلمية.
ومن خلال التأمل في المعلومات التي قدمتها كتب التراجم وما وجدناه من المخطوطات والمقالات عن علماء بربورة تبين لنا انتساب غالبية علماء بربورة في مصادر التراجم إلى أسرتين علميتين إحداهما سكنت البحرين ولم تغادر ديار وطنها، وظلت تمارس وظائفها الثقافية والروحية بين أبناء الوطن، بينما اضطرت العائلة أو الأسرة العلمية الأخرى الهجرة إلى خارج البلاد لظروف نجهلها، حيث نزلت بمدينة شاهجهان بالهند كما أشارت كتب التراجم المشار إليها في هذا البحث.
والأسرتان بحسب ما تعرفنا عليه في مصادر الإمامية التي أشارت إليهما هما:
1 – الأسرة العلمية التي عاشت داخل البلد مكونة من الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الذي وصفه صاحب » الذريعة» بأنه »شيخ»، ولا تطلق هذه التسمية إلاَّ على عالم دين، وللشيخ حسين ابن هو الشيخ عبدالله صاحب الإجازة من شيخه المقابي، وللأخير كما يرجح البعض ابنان هما الشيخ أحمد بن عبدالله بن الشيخ حسين البربوري البحراني كما ذهب إلى ذلك صاحب مقال »علماء بربورة الحبيبة» المسمى خادم تراب المؤمنين (انظر الملحق الخامس من الحلقة الثامنة)، وللشيخ أحمد شقيقه الأصغر، والله أعلم، هو الشيخ علي بن عبدالله بن حسين بن أحمد بن جعفر الأوالي البربوري البحراني كما وصف نفسه في مخطوطته عن مصرع النبي يحي بن زكريا عليهما السلام.
2 – والأسرة العلمية نزيل شاهجهان بالهند مكونة من سبعة علماء، يأتي المقدس الشيخ علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني عميداً للعائلة التي هاجرت إلى الهند، وللشيخ علي ثلاثة أبناء علماء دين هم الشيخ يوسف الربعي وأخواه أحمد وسليمان، وقد وصف بعض المشتغلين بالتراجم علماء من هذه الأسرة كالشيخ يوسف بن علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني بأنه «فقيه ومحدث وفاضل»، والأسماء الأخرى لأفرادها وعلمائها هم (الشيخ ناصر بن أحمد بن علي بن جعفر الربعي البربوري، والشيخ عبدالله بن ناصر بن أحمد بن علي بن جعفر الربعي البربوري، والشيخ ناصر بن عبد الله بن ناصر البربوري البحراني) وهم جميعاً من أسرة الربعي.
ما قيل عن علماء بربورة في بعض كتب التراجم:
كان من الأفضل وضع نصوص التراجم القصيرة التي كتبها بعض علماء التراجم
علماء آخرون لم يفرد لهم ترجمة خاصة:
بالرغم من اتجاه علماء التراجم إلى إفراد ترجمة لكل عالم يطلع على سيرته فإن بعض العلماء لا يفرد لهم ترجمة مستقلة مع الإشارة إليهم في تراجم علماء آخرين، وهذا ما انطبق على تراجم حياة بعض علماء بربورة، فقد ذكر بعضهم في سياق ترجمة هذا العالم أو ذاك، ولم يحظون بترجمة سيرتهم على انفراد، وقد التقطنا بعض الإشارات عن علماء من بربورة تمت ترجمة حياتهم بقليل من الكلام، ولكن علماء آخرين وردت كلمات عنهم أو إشارات ولم يفرد لهم ترجمة خاصة بسيرتهم، ولهذا سنحاول إعطاء فكرة مأخوذة من بعض التراجم لسيرة علماء آخرين وردت أسماؤهم في تراجم علماء آخرين لهم بهم علاقة قرابية أو علمية أو علاقات شخصية.
ومن هؤلاء العلماء الذين لم يفرد لهم تراجم:
الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر البربوري البحراني:
يذكر أصحاب التراجم أن الشيخ عبدالله بن الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر البربوري البحراني صاحب الإجازة من شيخه (المقابي) في 17 من ذي القعدة 1147 هجرية (1734م) هو ابن لعالم جليل اسمه الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر بن أحمد البربوري البحراني، ومع ذلك لم يفردوا للوالد الجليل ترجمة خاصة بسيرته الذاتية حتى بإيجاز، بيد أن تسمية والد الشيخ عبدالله صاحب الإجازة من المقابي بـ «شيخ حسين» وخاصة في كتاب «الذريعة» تعني في التقليد الديني أنه عالم دين وشريعة، ويبدو أن الشيخ حسين عاش مخضرماً في قرنين متصلين هما (القرن 11، 12) لأن ابنه الشيخ عبدالله حصل على إجازة شيخ المقابي سنة 1147 هجرية، أي قبل منتصف القرن الثاني عشر الهجري بثلاث سنين، وتفيد هذه الإشارة بأن الوالد المتقدم عليه في الوجود والعمر نرى أنه قد عاش سنوات متصلة من القرنين المذكورين (11، 12)، وقد أغفل أكثر من مصدر في التراجم ذكره، ولم تفرد له ترجمة خاصة بحياته، ولم تقدم عنه معلومات حتى بقدر محدود أو قليل.
-2 الشيخ أحمد بن علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني:
لم يفرد صاحب كتابي (الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج9، وطبقات أعلام الشيعة، ج6) ترجمة خاصة به أو لم نتمكن نحن خلال البحث من العثور عليها لقصور ذاتي، ولكنه أشار إليه في سياق ترجمته لسيرة أحد أفراد أسرته، فقد ذكره كواحد من الأخوة الثلاثة للمقدس الشيخ علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني، وقد عرفنا من سياق الترجمة لأفراد هذه الأسرة أن الشيخ والد الشيخ ناصر بن أحمد بن علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني، وأنَّ الشيخ عبدالله بن ناصر الربعي البربوري البحراني هو حفيده، ولم نتمكن من التعرف على وجود آثار فكرية له كالرسائل والمصنفات والكتب… إلخ.
-3 الشيخ أحمد بن الشيخ عبدالله بن الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر البربوري البحراني:
ذكر صاحب مقال خادم تراب المؤمنين أنَّ الشيخ عبدالله بن الشيخ حسين بن أحمد بن جعفر بن أحمد البربوري البحراني كان له ابن اسمه أحمد بن عبدالله بن المرحوم الشيخ حسين البربوري البحراني، حيث كتب له الشيخ محمد بن الشيخ علي المقابي رحمه الله في إجازته (سنة 1147 هـ 1734 م)على ظهر كتاب «غاية المأمول في شرح زبدة الأصول» بخط صاحب الترجمة الشيخ عبدالله بن الشيخ حسين صاحب الترجمة وهو يخاطب ابنه الشيخ أحمد بقوله:
«الشيخ الأنبل الأوَّاه أحمد بن عبدالله بن المرحوم الشيخ حسين البربوري».
ومع أن الكاتب الذي يسمي نفسه بـ «خادم تراب المؤمنين» لم يحدد مصدراً معيناً بعينه لما ذهب إليه من قول وجود ابن للشيخ عبدالله البربوري (الزيوري بالتصحيف) اسمه أحمد أو الشيخ أحمد، إلاَّ أننا بمراجعة كتابي الذريعة أو الطبقات للطهراني في الجزأين (9، 6) لم نعثر على ما يؤكد ذلك، ويبدو أنه وقع في اشتباه أو خطأ غير مقصود، فما ذكره الطهراني في كتابه الذريعة أنه قال على ظهر كتاب غاية المأمول في شرح زبدة الأصول بقلم صاحب الترجمة:
«الشيخ الأنبل الأوَّاه عبد الله بن المرحوم الشيخ حسين البربوري» ولم يذكر ابنه أحمد من قريب ولا من بعيد كما ذهب صاحب المقال.
وإذا صح ما قاله صاحب مقال (خادم تراب المؤمنين) فإنه يستفاد من هذه الإشارة أن الشيخ أحمد هو الشقيق الأكبر الشيخ علي بن عبدالله بن حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي صاحب كتاب أو مصنف «وفاة النبي يحي بن زكريا» المنسوخ في أكثر من نسخة بخط أكثر من ناسخ، منهم الحاج حبيب بن يوسف بن الحاج أحمد بن الشيخ يوسف النويدري البحراني، فعادة ما يطلق الآباء على أبنائهم البكر أسماء آبائهم، ومع ذلك لا نجزم بصحة هذا الافتراض لمخالفته أحياناً إطلاق بعض الآباء أسماء أخرى على الأبناء غير أسماء الآباء، وكل ما في الأمر أننا نفترض لوجود ممارسة بالاستفادة من أسماء الآباء وإطلاقها على الابن البكر، ولكننا لا نجزم بصحة وجود الابن المسمى الشيخ أحمد نفسه حتى نتبين له إشارة له في كتب التراجم.
جوانب مضيئة من التراث الثقافي لعلماء بربورة
مدخل عن التراث الثقافي لعلماء البحرين:
شهدت البحرين الحالية (المعروفة قديماً بجزيرة أوال) نشاطاً ثقافياًً رائعاً في عصور مختلفة من تاريخها المجيد، بيد أنَّ حركتها العلمية قد تمايزت وتألقت في أربعة قرون هجرية متتابعة امتدت من القرن العاشر حتى الثالث عشر الهجريين، وعرفت هذه الجزيرة بكثرة مدارسها، وقد استقطبت في فترة ازدهارها وبروز إشعاعاتها الحضارية كثيراً من العلماء والدارسين فوفدوا إليها لتلقي العلم وخاصة علوم الشريعة، ولم يستطع مؤرخو العلم في منطقتنا تجاوز الحالة الثقافية – التقدمية للبحرين وعلمائها حتى أنهم عند تناولهم لموضوع معين من موضوعات المعرفة ومجالاتها يذكرون دائماً لقب "البحراني" في كل إشارة منهم لرأي هذا العالم البحراني أو ذاك، وبصمت البحرين موقعها الحضاري بالعلم والفكر كحاضرة من حواضر العلم والمعرفة في العالم الإسلامي على صغر مساحتها الجغرافية، وقلة سكانها، ولكنَّ أهلها بعزائم العظماء النبلاء جعلوا البحرين واحة علم وفضيلة.
وقد شارك علماء البحرين في إنتاج حركة ثقافية واسعة ومتألقة عرفها التاريخ الحديث في أشكال متشابكة من العمليات الثقافية كتأليف الكتب ونسخ المخطوطات وعمليات التدريس، والمناظرات، والبحث الحواري في المساجد والمنازل وحتى الأسواق كما ذكرت مصادر دراسة التراث الثقافي لعلماء البحرين كما في كتاب "أنوار البدرين" لمؤلفه المؤرخ والعالم الجليل الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي البحراني.
وبعد ذلك بدأت هذه الحركة تذبل شيئاً فشيئاَ بفعل وتأثير عوامل عديدة، ومن أهمها عوامل التأثير الخارجي كالاعتداءات وحملات الغزو التي استهدفت البحرين في أمنها من قوى إقليمية وأجنبية وخاصة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، وذلك بغرض تحقيق هذه القوى مطامع سياسية واقتصادية في بلادنا، واستفراغ مخزون عداوتها لأهلها، وعاشت البحرين بعد ذلك محنة صعبة بفرار علمائها وتشردهم في المناطق المجاورة، إذ تركت تراثها الثقافي مبعثراً كمخطوطات ورسائل علمية وتلف بعضها وتعرضت مدارس العلم ودوره للتخريب والتدمير، ولكن مع ذلك منَّ الله عليها أنْ حفظ القليل من تراثها العلمي والفكري في مكتبات معروفة وخاصة في إيران والعراق وشرق الجزيرة العربية، بالإضافة إلى احتفاظ المهتمين بالتراث من أهالي البحرين أنفسهم بقسم من هذه المخطوطات في مكتباتهم ببيوتاتهم، وتناقلوها جيلاً بعد جيل لعدة قرون حتى وصلنا بعض هذه المخطوطات، وفي النفس غصة على ضياع كثير منها.
وتفاوتت بالتأكيد إمكانيات علمائنا وتباينت قدراتهم لأسباب عديدة، لهذا اشتهر بعضهم، وما يزال بعضهم الآخر وصار مجهولاً حتى الآن، بل لم يعرف الناس تراثهم الثقافي حتى اللحظة الراهنة، ولم يساعدنا الماضون القريبون من عصرنا من فهم شيء من هذا التراث، فالنساخون للأسف منعوا عنَّا بعض المعرفة ولم يدخلوا في تفاصيل مفيدة لنا عن المخطوط ومؤلفه، واكتفوا بعملية النسخ، لهذا اجتهدنا ما أمكننا في البحث عنه لتقديمه للناس، فعلماء "بربورة" وتراثهم الثقافي لا يزال مجهولاً، بل حتى اسمها التاريخي لا يعرفه مواطنون على الرغم من وجودها في الوثائق البريطانية التي اهتمت بتاريخ البحرين وبخرائطها الجغرافية، فإحدى الخرائط التي نحتفظ بها تكشف عن موقع القرية بالقرب من قرية النويدرات حتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، وهي مثبتة في أحد المصادر والوثائق البريطانية وهو كتاب دليل الخليج الصادر في يوم 24 من ديسمبر/ كانون الأول سنة 1908م.
ومما لا شك فيه أن هذه الخطوة أولية نفهمها كمدخل إرشادي يضع أعين الباحثين على بداية الطريق، ونترك تفاصيل الحركة فيه لجهود أقوى في زمن لاحق، أو حتى نوهب في طي الزمان فسحة منه تمكننا من بذل مزيد من الجهد للبحث والتقصي، ولا نستطيع الاستغناء عن عون الله وتوفيقه لنا ولكل الباحثين من أبناء البحرين وغيرها في مهمة البحث والكشف والاستقصاء التاريخي – الثقافي، فكل من يضع رجله في المسار الصحيح تذهب به إرادة الجهد والزمن في مساحة أبعد وأوسع دائرة.
بوادر اتجاه ثقافي في البحث عن التاريخ الثقافي لبربورة:
مع عدم وجود إشارات واضحة عن علماء بربورة في مصادر التراث الثقافي للبحرين التي كتبها علماء كبار كالشيخ يوسف آل عصفور البحراني في اللؤلؤة، والشيخ علي بن حسن البلادي في أنوار البدرين وغيرهما حتى من الكتابات المعاصرة لمؤلفين بحرينيين فإن مصادر التراث الثقافي لعلماء الدين بوجه عام التي أشرف على تدوينها علماء كبار كالآغا بزرك طهراني في الذريعة، وكتابه الآخر طبقات أعلام الشيعة (الجزء السادس) وكذلك كتاب (موسوعة طبقات الفقهاء، ج 12) بإشراف العلامة الكبير الشيخ جعفر السبحاني نلحظ بوادر ولادة وظهور اتجاه جديد لدى عدد محدود من علماء البحرين والمثقفين ومن الباحثين للاهتمام بدراسة ظواهر من التراث الثقافي لعلماء بربورة والعناية بآثاره والتفتيش عن مصادره، حيث بدأت تظهر من بين أسطر وصفحات هذه المصادر أفكار وآراء يمكن لنا أن نؤسس عليها حركة بحث لدراسة فكر علماء من بلدة «بربورة» وما قاموا به من عمليات ثقافية أداءً لواجبهم الديني والوطني وإثراءً لنشاط الحركة الثقافية القائمة آنذاك.
ومن المؤكد أن هذا الاتجاه سوف ينمو في المستقبل متى ما صبرنا على ذلك، وآثرنا المشقة على الدعة والراحة، وذلك يحقق لنا ولتراث علمائنا في منطقة بربورة نتائج مهمة على مستوى البحث التاريخي المحلي، وعلى مستوى التعرف على عدد من علماء بربورة وتراثهم الروحي والثقافي، ونأمل أن يتراكم هذا الجهد للكشف عن كزيد منه.
مفهوم التراث الثقافي لعلماء بربورة:
المراد بالتراث – هنا – إرث إنساني وأدبي يشمل كل ما ينقله الناس لبعضهم جيلاً بعد جيل من أنماط السلوك وعادات وتقاليد وعلوم وآداب وفنون وأفكار وقوانين أو دساتير وجوانب مادية ومعنوية لتنظيم حياة جماعة ما أو لإدارة الحياة في مجتمع معيَّن، وما يترتب عن ذلك كله من آثار ونتائج ومعطيات تعكس واقع الناس في فترة ما بخصائصها الإيجابية ومخلفاتها السلبية، وهذا ما ينطبق على حياة الناس في مجتمع قرية بربورة التي اندثرت منذ عهد قريب وبالتحديد من تسعين عاماً تقريباً.
إنَّ التراث بمعناه المتقدم هو كل ما يدخل في الآثار الإنسانية التي ورثناها من جهود علماء بربورة الماضين ونشاطهم الثقافي وما تركوه لنا من كتب ومصنفات، ونسخ مخطوطات، ورسائل تناولت قضايا دينية وتاريخية وفكرية عبرت عن تفكير أهالي بربورة وهمومهم، وعن احتياجات المجتمع البربوري الروحية والقيمية والثقافية والاجتماعية في فترة وجود القرية التاريخي منذ نشأتها مروراً بالقرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين حتى لحظة اندثارها في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين الميلادي، أي إلى العام 1345 هجرية تقريباً (1927 م).
وظل هذا التراث الإنساني قائماً وحياً فعالاً يوجه حركة الناس من جهة، ويساعدهم من جهة أخرى على صنع آثار معززة له، حتى هجرت آخر عائلة بربورية القرية في منصف العقد الثاني من القرن العشرين، ولم يبق فيها سوى المرحوم (عبد الله بن يوسف البربوري) الذي بقي ساكناً في القرية بمفرده حتى توفاه الله تعالى قبل خمسين عاماً تقريباً، ولكن صور التراث وقيمه لم يمحها الزمن ولا ألغاها الإهمال والتهميش، فما مكث في تاريخ القرية وما تجذر أصبح عصيَّاً على الشطب والمحو.
مسوغات البحث في تراثهم الثقافي:
ثمة مسوغات تدعونا كباحثين في تراث علماء بربورة للاهتمام به والعناية بمخطوطاته، وهي لا تزال مادة خام في طورها الأولي، إذ لم تنشر بعد مخطوطة ولم تطبع دراسة عن هذا التراث، بل لا توجد في الدراسات والمصادر الحالية المعروفة بين أيدينا إشارات مباشرة عن علماء بربورة وتراثهم باستثناء قليل لا يناسب نشاطهم، وهذا وحده يكفي للاهتمام بعلماء بربورة الأبرار وبيان منتجاتهم الثقافية وإسهاماتهم في الحركة العلمية التي عرفتها البحرين في قرون خلت وخاصة القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، حيث تألقت فيها الحركة العلمية، وكان لعلماء بربورة جهود في إثراء هذه الحركة حتى وإن لم يكتشف هذه الجهود إلاَّ مؤخراً بعد أشارات بعض مصادر التراث الثقافي لعلماء الشيعة إلى أسماء بربورية عاشت خارج الوطن لظروف مختلفة.
ومن مسوغات اهتمامنا بالتراث الثقافي لعلماء بربورة ما يأتي:
1 – أنَّ بعض ما تركه بعض علماء هذه القرية البحرينية البائدة منذ العقد الثاني من القرن العشرين من تراث ثقافي متوافرة، ولا تزال بعض المخطوطات والرسائل والمصنفات بأيدي بعض المهتمين بالتراث الثقافي البحريني أو ربما محفوظة في مراكز الإحياء للتراث الإسلامي المتفرقة في بعض بلدان العالم الإسلامي وخاصة المناطق المجاورة القريبة من البحرين، وهي في الفترة الحالية تنتظر جهوداً مخلصة لوضعها بين أيدي الناس كمادة علمية يجب التعلم منها، ونحن على أمل أن يتم البحث عن مزيد منها في قابل الأيام.
2 – أن بلدة بربورة المعروفة بأنها قديمة في عمقها الزمني وكبيرة جداً بكثرة سكانها، وبمساحتها الجغرافية قد استهدفها المتطاولون الكارهون للحقائق التاريخية.
3 – ونعتقد أيضاً – وكمسوغ ثالث – أن مادة هذا التراث هو في حقيقته تعبير حي على رغبة البحرينيين الصادقة في تأكيد هويتهم الروحية والثقافية والحضارية بعمقها التاريخي، وتجسيد متألق لإبداعاتهم العقلية في فترة كانت المنطقة تعاني من فقر فكري، فكانوا يصفون أنفسهم كدلالة على هذا الانتماء كقول الشيخ ناصر البربوري البحراني في آخر رسالته عن فقه الحج أنه "تم بعون الله وتوفيقه بيد الأقل الجاني ناصر بن عبدالله بن ناصر البربوري"، أو وصف عالم آخر نفسه بأنه علي بن عبدالله بن حسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي، وما أطلقه علماء السير والتراجم على الشيخ المقدس علي بن جعفر الربعي بـ "البربوري" البحراني، وغيرهم يصفون أنفسهم بلقب "بربوري" كتعبير عن انتمائهم للقرية محل سكناهم على مدى قرون متتالية، وقد يضيفون كلمة "البحراني" لاستكمال الهوية وتحديدها بدقة.
4 – ومسوغ رابع نراه من أبرز مسوغات هذا الاهتمام لدى الباحثين وهو سعيهم لتأصيل البحث التاريخي للتراث الثقافي لعلماء بربورة هو اعتقادنا بدورهم في ترسيخ النشاط الثقافي لعلماء البحرين قاطبة، فما أنتجوه من مخطوطات ورسائل وأنشطة ثقافية – حتى مع قلة المتوافر منه بأيدينا – هو بكل تأكيد شاهد على نمو حركة علمية في البحرين خلال القرون الهجرية الأربعة من العاشر حتى الثالث عشر، وأنَّ بربورة لم تتخلف عن المساهمة فيه بقدر ما أتيح لأبنائها من إمكانيات في إثراء هذه الحركة.
5 – وفي سياق ما تقدم من مسوغات فإن من حق أبناء بربورة وخاصة علمائها أن نكشف بعض ما تعرفنا عليه من تراثهم الثقافي سواء ما كتبه نساخون ومؤلفون وعلماء دين وما ارتبط بذلك من قيامهم بعمليات ثقافية كالتعلم والتدريس والتأليف والتصنيف ونسخ الكتب وممارسة الخطابة الدينية وبعض العمليات الثقافية الأخرى المماثلة لما كان مألوفاً في البيئات التربوية بالعالم الإسلامي.
الكتابات الأولية عن التاريخ الثقافي لقرية "بربورة":
على الرغم من ظهور بوادر اتجاه جديد للكتابة عن التراث الثقافي لبربورة ودور علمائها في تأصيل إسهاماتهم الفكرية بطابعها الروحي فإن الكتابة عن هذا التراث كحال نمو الطفل، فالكتابة الأولية عن بربورة وعلمائها وتراثها ما تزال في بداياتها، وفي طور الحبو، وهي صعبة إلى حد ما، فالخطوات الأولى تكون دائماً متعثرة ومرهقة، وتشوبها العشوائية لأنها تبدأ لدى الباحثين في هذه الفترة التي نحاول فيها التعرف على بربورة وعلمائها من نقطة الصفر.
إن الطفل يبدأ في نموه الحركي بحركات بطيئة ومتدرجة، فيبدأ كخطوة أولى في تحريك جسمه بوجه عام ثم يظهر حركات خاصة بأعضائه كتحريك يديه، ثم يناوب تقلبه بين الظهر والبطن في فترة لاحقة، وبعد ذلك بقليل من النمو يحاول الزحف والحبو حتى يقف على رجليه مستنداً، ويحاول أن يتعرف بمزيد من الجهد الحركي على العالم.
وهكذا يتدرج بعض الباحثين عن تاريخ "بربورة" وفي تعرفهم على جوانب الحياة فيها كالنمو التدريجي للطفل.
إذ بدأ الشباب حديثهم عن بربورة بأفكار بعضها عاطفي يخلو من العلمية، ثم قفزت أفكار أكثر نضجاً تحاول قول شيء ما عن التاريخ الثقافي يخفف من الاعتماد فيه على أقوال العامة، وهذا يجعلنا نقول إن الكتابة عن التراث الثقافي لعلماء بربورة لا يزال أشبه بالطفل في مراحل حركته الأولى في البحث عن عالمه الخارجي، فما تزال الكتابة عن بربورة وتراثها بسيطة ومحدودة ولكنها ضرورية لتعريف الناس بواقعها الاجتماعي وتراثها الثقافي والروحي، وهي تتراوح بين أفكار مبعثرة يكتبها مبتدئون من الشباب، وبين مقالات في صفحات مواقع إلكترونية وبحوث مصغرة بعضها غير منشور، ومحاولات نعلم بها لتأليف كتب عن "بربورة وعلمائها" تنتظر أن ترى النور يوماً، بيد أنَّ محاولات الكتابة – ولله الحمد والثناء – موجودة وقائمة حتى مع بطئها.
ومن هذه الكتابات :
1 – ما عرضه الأستاذ سالم النويدري من مادة ثقافية عن بعض الجوانب التاريخية لبلدة بربورة في قرص (CD) مصوَّر في مسجد الشيخ مؤمن بمنطقة بربورة بواسطة مؤسسة تدير احتفالاً دينياً، وأشار فيها بصورة مجملة لقرية "بربورة"، ولأننا نعرف الأستاذ سالم باحثاً جاداً، فالمتوقع أن يوسع اهتماماته بالقرية وبتاريخها الثقافي، ويقدم مادة تاريخية ذات بُعْدٍ ثقافي تعكس مساهماتها الثقافية في المجتمع البحريني خلال فترة وجودها.
2 – مقال خادم تراب المؤمنين، حيث نشر هذا الكاتب باسمه المستعار مقالاً موجزاً عن ثمانية علماء من أهالي بربورة بعنوان "علماء بربورة الحبيبة" بإيجاز قدم فيه الكاتب سيرة ذاتية لهم، ويمثل ستة من هؤلاء العلماء الذين ذكرهم في مقاله (أسرة علمية هي أسرة الربعي) تسكن بمدينة شاهجهان بالهند، وقد نشره في أحد المواقع الإلكترونية وهو منتدى النويدرات، وقد استفدنا منه بعد التعرف شخصياً على كاتبه وبعد التأكد من المصادر التي اعتمدها في إعداده، فأسماء العلماء الثمانية مذكورة في بعض صفحات كتابي (الذريعة إلى تصانيف الشيعة "ج9" وطبقات أعلام الشيعة "ج 12" المسمى بـ "الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة") لمؤلفهما الآغا بزرك الطهراني رحمه الله سبحانه وتعالى.
3 – وكتب كذلك صديقنا العزيز الأستاذ محمد أحمد سرحان بحثاً صغيراً عن جغرافية بربورة، وقد اطلعت على محتوى هذا البحث الذي لا يتجاوز في صفحاته عن ثلاث عشرة صفحة تناول فيها الباحث موضوعاً حيوياً هو "جغرافية قرية بربورة" وذلك لاستكمال دوائر البحث في هذا الموضوع بجانبيه التاريخي – الجغرافي.
4 – وفي خطوة موسعة، ولكنها – بالتأكيد – ليست كافية لسبر التاريخ الثقافي، يقوم الأستاذ يوسف مدن (صاحب هذا الدراسة المتواضعة) بكتابة مطولة إلى حد ما يصل لحجم كتاب موثق ببعض الوثائق عن جوانب مضيئة من تاريخ بربورة، ويحاول تقديم مجموعة من الأدلة التاريخية – الحاضرة عن وجود بربورة ذاتها كتجمع بشري فعال في تاريخنا الوطني، وذلك باعتماد أدلة ووثائق ذات صلة بمخطوطات لعلماء بربورة ونساخين من أبنائها أو خدموا تراثها الروحي والثقافي حينما كانت قائمة، وقد بلغ الكتاب مراحل متقدمة نأمل أن يخدم القارئ الكريم في معرفة بعض تاريخه الثقافي الوطني في قرية شاء البعض أن يلغيها بتسمية نشاز هي هورة سند سيئة الصيت في معاجم اللغة وفي الذوق العربي، وتناول المؤلف في حلقته السادسة من كتابه بعض الأفكار عن علماء بربورة العشرة الذين تعرف عليهم من مصادر مختلفة، واعتبرهم أحد أبرز أدلته التاريخية على وجود القرية نفسها.
5 – وما أعلمه بيقين أن أحد علماء البحرين يقوم منذ سنوات بجمع بعض المخطوطات لعلماء البحرين ومنهم مخطوطات (كُتُب ومؤلفات) علماء بربورة الأبرار، وتمكن هذا العالم المثقف – بحمده تعالى – من العثور على عدد من هذه المخطوطات للاستفادة منها في عرض نماذج من جوانب التاريخ الثقافي لعلماء هذه القرية المراد لها على ألسن المتطاولين ونواياهم أن تغيب للأبد، فغرض هذا الباحث كما نعلمه علمي محض يستهدف إما تحقيق بعض مخطوطات علماء بربورة أو تدوين معلومات تاريخية عنهم في نطاق الجانب الثقافي وجوانب أخرى تتصل به، وكما علمته منه أنه يقوم بكتابته مدونة ثقافية عن بعض علماء بربورة.
تراثهم الثقافي بين الدين والتاريخ:
يدلَّ ما توافر لدينا من مخطوطات ومصنفات ورسائل كتبها بعض علماء بربورة أن إنتاجهم الثقافي برز في مجالين ملحوظين يتصل أحدهما بالآخر اتصالاً وثيقاٌ هما الدين والتاريخ، ولا يستبعد أن حاول علماء آخرون من بربورة كتابة مصنفات ورسائل في علوم اللغة والأدب والشعر والحكمة العقلية، فالفرضية بوجود كتب ومؤلفات ورسائل تعالج بحوثاً خاصة بعلوم أخرى ممكنة القبول، ولكنها قد تكون مضامين هذه البحوث قريبة كذلك من موضوعات الدين والتاريخ وتتشابك معهما وتخدمهما وخاصة أن طريقة البحث لدى العلماء السابقين نلحظ فيها جمعاً بين البحث التخصصي أحياناً والجمع الموسوعي لموضوعات عدد من العلوم في كتاب أو مصنف واحد أو رسالة واحدة.
مظاهر التراث الثقافي لعلماء بربورة:
تشابه التراث الثقافي لعلماء هذه القرية المندثر منذ عهد قريب مع تراث علماء الإمامية في البحرين بتعدد مظاهره في صيغ سنذكر بعضها، وشارك هذا التنوع في إثرائه بقدر ما، ومكننا من استثماره في التعرف على الوجود التاريخي للقرية، فالتاريخ يفيدنا في مواجهة بعض الحقائق التي يراد لها أن تُغَيَّب عن الحركة والوجود الاجتماعي، وأنْ تطمس تاريخاً للتركيز على تاريخ آخر لا ننكره ولكنه لا يحق له أن يشطب الآخر.
ومن مظاهر النشاط الثقافي لأهالي بربورة التي كانت أحد أدلة وجودها التاريخي، ما يأتي:
1 – طلب العلم والتعلم:
وهو أول خطوات تربية المتعلمين وإعداد العلماء في بلدة بربورة، ولا نعرف بالدقة كيفية بدء التعلم لدى هؤلاء الأعلام في قريتهم بربورة، بيد أنه من المتوقع تشابه ظروف بيئتهم التعليمية مع البيئات التعليمية عند الشيعة الإمامية في البحرين وعند غيرهم كذلك، وتفيد بعض العبارات المستمدة من بعض ما توافر لنا من تراجم وسير العلماء الآخرين أنَّهم تعلموا في حلقات تعليمية لعلماء كبار مشهورين بالنبوغ العلمي كما حصل لحضور الشيخ عبدالله بن الحسين البربوري البحراني حلقات الشيخ محمد بن علي بن عبد النبي المقابي والشيخ أحمد البلادي، وكذلك توقع تعلم الشيخ علي بن عبدالله البربوري على يد أبيه الشيخ عبدالله بن الشيخ حسين في منطقة سكناه وفي منطقة خارج بلادهما بربورة، ويعني ذلك طلب العلم بالرحيل والسفر والانتقال من منطقة السكن إلى بلاد العلماء المطلوبين بالبحرين وفي خارجها.
ولا يستبعد بدء تعلمهم بالتعليم القرآني المنزلي السائد في البيئات التربوية البحرينية قبل قرون كما هو حال النمط التعليمي الراسخ في حياة المسلمين على امتداد تجربتهم التربوية الكبرى، إذ عادة ما يلجأ الآباء إلى إلحاق الأبناء الصغار بتعلم القرآن على يد معلمين في البيوت والكتاتيب تمهيداً لإلحاقهم بحوزات علمية أو ملازمة مشايخ، ففي تحصيل هذه العملية مراحل متدرجة تبدأ بالتعليم القرآني منزلياً أو في الكتاتيب ثم الالتحاق بالحوزات وملازمة المشايخ لدراسة علوم أكثر تقدماً، ولا نحسب أن التعليم في بربورة يختلف كثيراً عن هذه الأنماط السائدة في بيئات المسلمين التربوية حتى وإنْ لم تسعفنا مصادر دراسة التراث الثقافي عند علماء البحرين بأية إشارات عن البدايات الأولى للتعليم وكيفيته في أرض بربورة.
2 -نشاط النساخين:
كأي قرية من قرانا الأصيلة اتجه بعض الناس فيها – منذ قرون – إلى كتابة بعض الكتب الدينية والتاريخية التي تسرد وقائع ذات صلة بتكوينهم الروحي والذهني والنفسي، ولما كانت آلة الطباعة غير موجودة أو لم يدركوها أو غير قادرين على امتلاكها أو غير واعين لأهمية استثمارها أو لإيمانهم أنهم بالكتابة اليدوية يخدمون دينهم وتاريخهم وينالون جزيل الأجر والثواب فإنهم للأسباب المذكورة قاموا بكتابة ونسخ بعض الكتب والمخطوطات وبخط أياديهم الكريمة وقد وصلنا بعضها إلينا.
ومن المشاركين في هذه المهمة الثقافية بعض علماء بربورة كالشيخ علي بن عبد الله البربوري الأوالي البحراني صاحب مخطوطة وفاة النبي يحي بن زكريا عليهما السلام، والشيخ سليمان الربعي البربوري بن الشيخ المقدس علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني، حيث قام الشيخ سليمان بنسخ كتاب (شرح أصول الكافي) وأهداه لأخيه الشيخ يوسف الربعي البربوري البحراني، وكذلك الشيخ ناصر بن عبدالله بن ناصر البربوري البحراني صاحب رسالة "في فقه الحج"، وكذلك بعض النساخين المتأخرين من أبناء بربورة والنويدرات كالحاج علي بن عيسى بن عبدالله آل سليم والحاج حسن بن عبدالله بن سرحان اللذان قاما في العقد الثاني من القرن الرابع عشر الهجري بعملية نسخ بعض الكتب لمآتم بربورة، وهي محفوظة لدى أحفاد القائمين عليها.
3 – تأليف الكتب وتصنيفها:
تصدى لتأليف الكتب كمهمة ثقافية بارزة في النشاط الثقافي لعلماء البحرين قاطبة آنذاك علماء من بربورة ما زالوا للأسف مجهولين لدى الناس حتى بالنسبة لأهالي النويدرات والباحثين المهتمين بالتراث الثقافي لعلماء البحرين في القرنين (12، 13) الهجريين، وقد بدأنا محاولات التعرف عليهم من خلال مخطوطاتهم وتصنيفاتهم الثقافية كتأليف الكتب، وكتابة الرسائل الفقهية، وإنْ كان المتوافر حالياً لا يزال قليلاً، بيد أن تتابع البحث مستقبلاً قد يساعدنا على معرفة الجديد، فنحن بدأنا البحث من نقطة الصفر، وتم تكوين قدر من المعرفة عن علماء من بربورة وعن جوانب من تاريخ الثقافي والروحي بتقادم الأيام.
ومن العلماء الذين اهتموا بتأليف وتصنيف الكتب وإعدادها:
– الشيخ ناصر بن عبدالله بن ناصر البربوري البحراني، ومما نعرفه أن له رسالة في (فقه الحج وأحكامه) وعدد صفحاتها (254) صفحة، ومما يلحظ أن هذه النسخة هي النسخة الأصلية أو الأم ومكتوبة بخط المؤلف نفسه، وتحتفظ بها مؤسسة كاشف الغطاء لإحياء التراث الإسلامي بمدينة النجف الأشرف في العراق، ومشار إليها في الموقع الإلكتروني للمؤسسة، وفيما أعلمه هناك من الباحثين وعلماء الدين المعاصرين من تمكن من اقتناء نسخة من هذه الرسالة المخطوطة الخام، حيث لم تنشر بعد في عالم المعرفة وسوقها.
– الشيخ علي بن عبدالله بن الحسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي البحراني، وله كتاب مخطوط بعنوان "وفاة النبي يحي بن زكريا" عليه السلام، ونسخة هذا المخطوط موجودة لدينا، وعدد صفحاته حوالي 80 صفحة بخط يد أحد الناسخين من أهالي النويدرات، وهو ملحق بمخطوط كبير مكون من مخطوطات لكتب نسخها المرحوم الخطيب الحسيني الحاج حبيب بن يوسف بن الحاج أحمد بن الشيخ يوسف النويدري البحراني.
4 – التعرف على مخطوطات علماء من بربورة:
تعتبر المخطوطات وبعض كتب علماء هذه القرية أثراً ثقافياً خالداً يربطنا بتاريخ بربورة ونشاطها الثقافي سواء بالتعرف على مخطوطات في نسخها الأصلية أو منسوخة بأيدي بعض النساخ، وما يهمنا هو أن هذه المخطوطات تمثل دلالة تاريخية – ثقافية، وعنواناً على الهوية الحضارية والثقافية للقرية وإبداعات أهلها في ظروف صعبة أحدقت بهم في فترات متصلة من تاريخ قريتهم وخاصة في الفترة الأخيرة، فتشردوا وتركوا "الجمل وما حمل" بعد أن فقدوا أمنهم النفسي، وفقدوا حريتهم نتيجة ظروف وعوامل لسنا في محل مناقشتها.
ومن المخطوطات ما أشرنا إليها آنفاً كرسالة الشيخ ناصر بن عبدالله البربوري البحراني في رسالته (فقه الحج وأحكامه)، وكذلك كتاب أو مصنف الشيخ علي بن عبدالله بن الحسين بن أحمد بن جعفر البربوري الأوالي.
بالإضافة إلى ما نسخه نساخ من أهالي بربورة والنويدرات لمخطوطات أو كتب لعلماء من بربورة كابن سليم.
5 – أسماء علمائية بربورية:
كان البحث في البداية صعباً لمعرفة أسماء من علماء بربورة، فحركتنا في هذا المجال انطلقت لسوء الحظ من نقطة الصفر، وقد رافق هذه العملية صعوبات ومتاعب مكنتنا من الحصول على نتائج ذات قيمة علمية، فقد أثمر البحث – وقد تم على مرحلتين – عن معرفة ثلاثة علماء في المرحلة الأولى، وسبعة علماء في المرحلة الثانية، ففي المرحلة الأولى تم التعرف على أحد العلماء وابنه، وعالم بربوري ثالث من خلال مخطوطته في فقه الحج، وهم كما يأتي:
– الشيخ عبدالله بن الحسين بن أحمد بن علي بن جعفر البربوري البحراني الذي عرف في بعض الدراسات والتراجم المعاصر بـ "الزيوري" تصحيفاً، وهو من علماء القرن الثاني عشر الهجري ووالد أحد العلماء الشيخ علي صاحب مؤلف أو كتاب "وفاة النبي" يحي عليه السلام المذكور آنفاً، وقد درس الشيخ عبدالله البربوري على يد علماء كبار كالشيخ محمد بن علي بن عبدالنبي المقابي البحراني وأجازه في الرواية عنه سنة 1147 هجرية، كما درس على يد أحمد بن عبدالله بن الحسن بن جمال الشيخ البلادي، وحضر مع علماء كبار كالشيخ يوسف العصفور الدرازي وأخويه محمد وعبدعلي حلقات البحث التعليمية عن العالمين الجليلين المقابي والبلادي، وقد تنقل الشيخ عبدالله البربوري لطلب العلم والمعرفة من قريته "بربورة" إلى قرى داخل البحرين كقريتي "مقابة والبلاد القديم".
– والشيخ الثاني هو الشيخ علي بن عبدالله بن الحسين بن أحمد بن جعفر البربوري البربوري الأوالي صاحب كتاب "وفاة النبي يحي بن زكريا" عليهما السلام، ويستفاد من مخطوطته أنه عاش مخضرماً بين قرنين هما (12، 13) الهجريين فقد كان حياً سنة 1200 هجرية.
– وآخر الثلاثة الذين تعرفنا عليهم في الفترة الأولى من البحث هو صاحب الرسالة (في فقه الحج) المحفوظة بمؤسسة كاشف الغطاء لإحياء التراث الإسلامي، وهو الشيخ ناصر بن عبدالله بن ناصر البربوري البحراني، وهي رسالة يحاول بعض المهتمين بالتراث الثقافي تحقيقها ونشرها.
وفي المرحلة الثانية عثرنا على أسماء جديدة من خلال أحد المواقع الإلكترونية، ولكن اضطررنا لمراجعتها في مصادر التراث الثقافي لدى علماء الشيعة وخاصة في كتابي "الذريعة للآغا بزرك طهراني، وكتابه الآخر طبقات أعلام الشيعة، ج6 المعروف بالكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة"، ومن هؤلاء العلماء ما يأتي.
– الشيخ جعفر البربوري البحراني رحمه الله تعالى وهو كما ذكرت بعض مصادر دراسة التراث الشيعي من معاصري جلال الدين أبي المعالي الشيخ عبدالرؤوف الجدحفصي، وله معه مراسلات ومكاتبات تضمنت بعض الردود والأجوبة على بعض الأسئلة بينهما.
– وعلماء (أسرة علمية) من أصل بربوري سكنت الهند بعد هجرتها إلى هناك وعميدها المقدس الشيخ علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني والد كل من العلماء الشيخ أحمد الربعي، والشيخ يوسف الربعي، والشيخ سليمان الربعي البحراني، ومن أبناء هؤلاء كذلك الشيخ ناصر بن الشيخ أحمد، والشيخ عبدالله والد الشيخ ناصر البربوري، والشيخ ناصر المشار إليه في مرحلة التعرف الأولى وصاحب رسالة فقه الحج التي يعمل بعض الباحثين كما ذكرنا على تحقيقها.
6 – قيامهم بالعمليات الثقافية:
تبين لنا من مراجعة مصادر دراسة التراث الثقافي عند علماء الدين سواء كانت مكتوبة بأقلام علماء بحرينيين أو بأقلام علماء غير بحرينيين أن هناك إشارات عن قيام علماء بربورة (أسوة بعلماء البحرين قاطبة) بعمليات ثقافية يحتاجها المجتمع البربوري في فترة نموه الطبيعي، وقد أثروا حركته الاجتماعية بأنشطة ثقافية مألوفة في حياة العلماء وسيرتهم الذاتية، وتؤدي وظائف تقدمية في إحداث حراك اجتماعي للناس نحو الأفضل.
وهذه الأنشطة هي عمليات ثقافية مؤثرة ومتطلبات تربوية لنمو المجتمع في بربورة الذي كان يمر بظروف تقليدية أسوة بأشقائه في مجتمعات القرى البحرينية، ومن هذه العمليات التي مارسوها نسخ الكتب وكتابة المخطوطات باليد، وتأليف الكتب والرسائل، وممارسة الخطابة الدينية في مآتم بربورة، والتدريس وعقد الحلقات التعليمية بمساجدها، وإفتاء الناس والرد على تساؤلاتهم.
ويستفاد من بعض العبارات الواردة في بعض مصادر دراسة التراث الثقافي عند الإمامية في البحرين أنهم تعلموا وعلّموا، ولتحقيق هذا الطلب تنقلوا داخلياً من قرية إلى أخرى كما فعل الشيخ عبدالله بن الحسين بن أحمد بن جعفر البربوري البحراني، وهاجرت أسرة بربورية كما تقدمت الإشارة إلى بلاد بعيدة من أجل ممارسة وظائفها الثقافية كهجرة علماء أسرة الربعي التي رحلت إلى شاهجهان بالهند، وقد وجدت نفسها في الغربة تعيش مرارته من دون رغبة فيه.
ويذكر الطهراني أن الشيخ سليمان بن علي بن جعفر الربعي تتلمذ على يد أخيه الشيخ يوسف بن علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني، ودرس منه علوم الشريعة وما يتصل بها من علوم عقلية (الطهراني طبقات أعلام الشيعة، ج6).
كما أن الشيخ يوسف بن الشيخ علي بن جعفر الربعي كان فقيهاً وأستاذاً لعدد من أفراد أسرته وخاصة أخيه الشيخ سليمان وابن أخيه الشيخ ناصر بن أحمد بن علي بن جعفر الربعي البربوري البحراني، وكذلك أفراد هذه الأسرة العلمائية.
7 – إفتاء الناس والرد على تساؤلاتهم:
إذا كان علماء بربورة وأعلامها العشرة المذكورين في هذا البحث قد مارسوا عمليات ثقافية متنوعة كحلقات التدريس وتأليف الكتب فإنهم – بكل تأكيد – بلغوا مستويات من العلم تسمح لهم بالردود على تساؤلات الناس والمساهمة في حل مشكلاتهم الفقهية اللازمة لحياتهم وانتظامها، وتدل بصماتهم الثقافية كعمليات التدريس والتأليف وشرح الكتب ونسخها، وتحصيل الإجازة العلمية كما في حياة الشيخ عبدالله البربوري الذي حصل على إجازة علمية متوسطة من شيخه محمد بن الشيخ علي بن الشيخ عبدالنبي المقابي البحراني بتاريخ 17 ذي القعدة سنة 1147هجرية كما ذهب إلى ذلك الأستاذ عبدالعزيز العرادي وكما أشار كتاب "موسوعة طبقات الفقهاء، ج12" الذي أصدرته اللجنة العلمية في قم المقدسة بإشراف العلامة الشيخ جعفر السبحاني.
وهذا المستوى يؤهلهم للردود على أسئلة الناس في مجال تخصصاتهم الدينية وبعض العلوم العقلية السائدة في عصرهم كما جاء في ترجمة الشيخ جعفر البربوري البحراني أنه رضوان الله عليه له مراسلات مع جلال الدين أبو المعالي الشيخ عبدالرؤوف الجد حفصي، ولدى الشيخ جعفر ردود من الأجوبة على تساؤلات الناس، فالمراسلات بوجه عام تحمل أفكاراً عامة قد يكون بعضها في صيغة تساؤلات وإجابات أو اهتماماً بقضايا دينية وتاريخية وأدبية.
8 -الخطابة:
على الرغم من عدم حصولنا على إشارات مؤكدة من مصادر محددة في هذا الشأن، فالمألوف أن علماء الدين في البحرين وخارجها يتصدون عادة لممارسة الخطابة أمام الناس سواء في مناسبات دينية كالأعياد وخطب أيام الجمع أو في أيام دائمة كما في المساجد والمآتم الحسينية، فالخطابة إحدى وظائفهم الأساسية في توعية المجتمع ونشر قيم الدين وتمكين تعاليمه من النفاذ لعقول الناس، ونحن لا نستبعد علماء بربورة بالتأكيد من القيام بهذه المسئولية الشرعية الاجتماعية حتى وإنْ لم تأتِ مصادر التراجم لعلماء البحرين بأية إشارة من هذا القبيل، فهم ليسوا استثناءً من مجموعة علماء الدين، فالمجتمع البربوري احتاج لهم ولخطابهم، ولأن دينهم أمرهم كذلك بهذا التكليف الشرعي، ولم يكتب الشيخ علي بن عبدالله بن حسين البربوري مخطوطته في وفاة النبي (يحي بن زكريا) عليهما السلام إلاَّ لمساعدة الخطباء على أداء وظيفتهم الخطابية للناس ولا سيما في المناسبة الدينية المخصوصة بمصرعه عليه السلام على أيدي جند أحد طغاة اليهود، وفعلاً فإن أحد الذين نسخوا بخط أيديهم هذه المخطوطة هو من خطباء المنبر الحسيني وهو الحاج حبيب بن يوسف بن الحاج أحمد بن الشيخ يوسف النويدري البحراني، وكان كما عرفته شخصياً في صغري يتألق في الخطابة بهذه المناسبة.
الأساليب التربوية – الثقافية في حياة علماء بربورة:
تمثل أساليب التعلم والتعليم أحد ملامح الفكر التربوي لعلماء بربورة، فلا يمكن تشكيل هذا الفكر وتجسيده من دون دمج هذه الأساليب مع العمليات الثقافية التي سادت البيئة التربوية في بربورة وفي خارجها على يد علمائها الأبرار، فهذه الأساليب متشابهة إلى حد كبير مع ما كان يسود آنذاك البيئة التعليمية لدى المسلمين في البحرين وفي خارجها، فالمعتاد أن يلجأ علماء الإسلام إلى استخدام أساليب سليمة لتربية الخبرات التربوية وتنميتها وصقلها في الحياة الشخصية والاجتماعية للناس.
ولم يستطع علماء بربورة – بمنطق الضرورة الاجتماعية – سوى الاندماج مع أنماط البيئة التربوية العربية والإسلامية، وشروطها وأساليبها في عمليات التعلم والتعليم والفعاليات الثقافية القائمة في المناخ النفسي والعقلي السائد في هذه البيئة، فمناخ البحرين الثقافي والروحي والنفسي يعج بحركة العلم والعلماء، ويقدم بين حين وآخر مشاهد لنهضة ثقافية وفقهية رائعة لم تعرفها المنطقة من قبل، ومن الاستحالة بمكان أن يعزل أهالي بربورة عن أجواء نهضة بلادهم فانطلقوا، كما انطلق كثير من أبناء البحرين في قرى عديدة، للتفاعل مع مثيرات الحركة العلمية التي شهدتها بلادهم على الرغم من تحديات جمة واجهتهم كحملات الغزو الأجنبية والإقليمية المتكررة، وكون البحرين جزيرة يتم الوصول إليها عن طريق البحر، وعدد السكان القاطنين فيها قلائل، وربما ضعف مواردها الاقتصادية عدا مغاصات اللؤلؤ ومزارع النخيل وصيد الأسماك والعمل في مهن وحرف يدوية.
ويمكننا القول إنَّ بعض أساليبهم في إدارة عمليات التعليم والتعلم هي كما يأتي:
1 – القراءة على يد شيخ أو ملازمته كما حدث للشيخ عبدالله بن حسين البربوري ولأفراد الأسرة العلمية البربورية في الهند.
2 – المراسلات والمكاتبات كما في مراسلات الشيخ جعفر البربوري مع الشيخ عبدالرؤوف الجدحفصي.
3 – تحصيل المعرفة بالقراءات الذاتية التي يعتبرها العلماء إحدى طرائقهم الأساسية في التحصيل الدراسي وتكوينهم الثقافي.
4 – استخدام طريقة طرح الأسئلة والرد عليها.
5 – نسخ الكتب وإعادة كتابة المخطوطات.
6 – التعليم الفردي أو التلمذة الفردية كما في تتلمذ الشيخ علي البربوري الأوالي على يد أبيه الشيخ عبدالله بن الحسين بن أحمد بن جعفر البربوري البحراني، وقد ابتدأت بتلمذة منزلية ثم في المسجد أو في بعض الحوزات العلمية.
7 – الرحلة العلمية كما في رحلة الأسرة العلمية البربورية إلى العراق فالهند ورحلة الشيخ عبد الله البربوري البحراني لقريتي "مقابة والبلاد القديم".
8 – الإجازة في الرواية عن غيرهم من العلماء كإجازة الشيخ محمد بن علي بن عبدالنبي المقابي للشيخ عبدالله بن حسين البربوري البحراني سنة 1147 هجرية.
9 – استخدام الأدعية وقراءتها وشرح مضامينها.
10 – الالتحاق بالحلقات التعليمية كانضمام الشيخ عبدالله بن حسين البربوري لحلقات الشيخ المقابي والشيخ البلادي، وكذلك انضمام أسرة الشيخ علي بن جعفر الربعي لحلقته التدريسية الخاصة التي تستقبل طلبة علم آخرين.
مصادر المقال.
1 – لوريمر، دليل الخليج، ج 1، ص 273.
2 – الشيخ جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج 12، صفحات 44، 45، 302، 303.
3 – الآغا بزرك الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، ج 6، صفحات عديدة.
4 – الآغا بزرك الطهراني، الذريعة في تصانيف الشريعة، ج9، صفحات عديدة.
5 – يوسف مدن، بربورة وشهادة التاريخ، غير منشور.
6 – مخطوطات بعض علماء بربورة ومنها:
أ‌- مخطوطة الشيخ ناصر البربوري البحراني (رسالته في فقه الحج).
ب‌- مخطوطة الشيخ علي بن عبد الله بن الشيخ حسين بن أحمد البربوري الأوالي البحراني.
7 – مخطوطات منسوخة بأيدي نساخين من أبناء بربورة والنويدرات، وهي محفوظة بيد بعض الأهالي.
8- موقع "منتدى النويدرات" الإلكتروني.
بعض الوثائق التاريخية للبحث:
وتتضمن عدداً من الوثائق :
– خريطة جزء من الشريط الشرقي لجزيرة البحرين تتضمن موقع بربورة والنويدرات المتجاورتين (انظر الحلقة الأولى).
– صفحة رقم 12 من مقدمة مخطوطة الشيخ ناصر بن عبدالله بن ناصر البربوري البحراني وهي "رسالة في فقه الحج وأحكامه".

clip_image002السيرة الذاتية للمؤلف يوسف مدن
من مواليد أكتوبر 1954م.
– يعمل مديراً لإحدى المدارس الابتدائية للبنين.
– أعد مجموعة دراسات في حقلين أساسيين هما حقل الدراسات التربوية المعاصرة، وحقل الأبحاث التربوية الإسلامية.
– نشر عدداً من الدراسات والأبحاث في المناهج والتقويم بمجلة "قضايا تربوية" التي كانت تصدرها في التسعينيات مدرسـة الرفاع الشرقي الثانوية، وكذلك تم نشر البعض منها في مجلة "التربية" التي لا تزال تصدرها حالياً وزارة التربية والتعليم.