الجريشهو العلامة الاديب الشيخ أحمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن الحسن ابن المتوج الستري البحراني
وكنيته ( أبو ناصر ) وقد يقال له ( جمال الدين ) أو ( فخر الدين ) كما يظهر من تحقيقات العلامة الماحوزي في رسالته حول تراجم علماء البحرين .
قال عنه أصحاب التراجم إنّه :
" فاضل معظم معروف وبالعلم والفضال والتقوى في أسانيد

أصحابنا موصوف "
ووصفه تلميذه الشيخ فخر الدين بن رفاعة الشبعي قائلاً :
" زكان شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام وقدوة أهل النقض والإبرام ، وارث الأنبياء والمرسلين ، جمال الملة والحق والدين ، أحمد بن عبدالله بن المتوج توجه الله بغفرانه وأسكنه في أعلى جنانه "
أما والده المعظّم الشيخ عبدالله فقد كان أيضاً من كبار علماء البحرين وفقائها المتبحّرين .
درس الشيخ أحمد عند أبيه وغيره من علماء البحرين ثم واصل دروسه العالية في حوزة الحلّة بالعراق عند الشيخ فخر المحققين ابن العلامة الحلي ورجع إلى بلاده البحرين وهو في درجة رفيعة من العلوم الشرعية وغيرها .
قال عنه صاحب ( البركات الرضوية ) – كما في أعيان الشيعة – إنّه :
" عالم فاضل مفسر أديب شاعر عابد عالم رباني يعرف بابن المتوج البحراني صاحب مؤلفات كثيرة ، قيل في حقه بعض الإجازات : خاتمة المجتهدين المنتشرة فتاواه في جميع العالمين " .
عرف منذ صغره بين زملائه بالتفوّق والذكاء وقوة الذاكرة والإستيعاب للعلوم الغسلامية حتى قيل عنه في كتب التاريخ إنه : " ما فطن شيئاً ونسيه " .
وعندما نطالع حياة هذا العالم الجليل نجده قد استخدم نعمة الذكاء والذاكرة في سبيل الحق والإنسانية ، فكانت حياته سالكة على صراط الله المستقيم ، شاكرة لنعمائه تعالى حتى بلغ به جهاده الأكبر وعمله الصالح بين الناس إلى مكانة لا يرقى لها إلا المخلصون .
وبذلك سجّل ابن المتوج البحراني ( عليه رحمة الخالق البارئ ) مواقف بناءة ومشرّفة في تاريخ البحرين الإسلامي وتراثاً غنياً لا ينسى .
" ابن المتوج " العلم المعروف المشار إليه بالبنان ، أحياه الإسلام لانه أحيا معالم القرآن وكتب عنه حتى اشتهر بين العلماء بكثرة التأليف .
فمن مؤلفاته كتابان حول تفسير القرآن ، واحد مختصر والآخر مفصل ، وله كتاب حول الفقه الإسلامي اسمه ( الوسيلة ) وكتاب حول مسؤوليات الإنسان المسلم اسمه ( فيما يجب على المكلفين ) وله كتاب ( منهاج الهداية في شرح آيات الأحكام الخمسمائة ) وهي آيات تدور مدارها عملية استنباط الأحكام الشرعية لدى الفقهاء .
في رسالته عن تراجم علماء البحرين يقول الشيخ سليمان الماحوزي عن هذا الكتاب إنه :
" مختصر جيد يدل على فضل عظيم ، قرأته في حداثة سني على بعض مشائخي سنة 1091 هـ .
ويواصل حديثه عن رسالة لابن المتوج البحراني حول القبلة – كما في أنوار البدرين – " إنّ قبلة البحرين أن تجعل ( الجدي ) محاذياً لطرف الأذن اليمنى وليس قبلتها كقبلة البصرة كما ظنه بعض متفقهية زماننا ومن غريب ما اتفق في ذلك أنّه ورد في سنة 1108 هـ على البحرين حاكم اسمه محمد سلطان بن فريدون خان واشكل عليه معرفة القبلة جداً وادعى أن أكثر محاريب المساجد منصوبة على غير القبلة وكان عنده الآلة المعروفة بـ ( قبلة نما ) في معرفة القبلة ، فسأل جماعة من علماء البحرين المتفقهة ، فذكروا له أنّ قبلتها كقبلة العراق وذكروا له علامة البصرة وما حاذاها فلم تقع في خاطره بموقع وذكر ان ( قبلة نما ) لا تساعد على ذلك وكانت بيني وبينه – أي الحاكم – كدروة ، فاستمالني فلما زرته سألني عن قبلة البحرين فذكرت أنها بحيث يحاذي ( الجدي طرف الأذن اليمنى ) كما ذكر الشيخ جمال الدين – ابن المتوج – في رسالته وكان المتفقهة المذكورون حاضرين ، فتبينت لهم ان الشيخ جمال الدين وغيره قد بينوا ذلك ، فوقع ذلك من السلطان موقع القبول وساعدت عليه الآلة المذكورة – قبلة نما .
ويقول المحقق الماحوزي عن بقية مؤلفات ابن المتوج البحراني عليهم جميعاً رحمة البارئ :
" ومن جملة مصنفاته ( مختصر التذكرة ) وهو جيد مفيد مليح كثير الفوائد ، ظفرت منه بنسخة عتيقة مقروءة عليه ( قدس سره ) ، قرأها عليه تلميذه الفقيه أحمد بن فهد الإحسائي وعليها الإجازة بخطه ( قدس سره ) تاريخها سنة 802هـ ومن مصنفاته كتاب ( مجمع الغرائب ) وهو كما سمي يحتوي على فروع غريبة ومسائل نادرة رأيته في كتب بعض إخواني بنسخة سقيمة سنة 1120هـ " .
وله ايضاً عدة كتب ورسائل وبحوث منها كتاب ( كفاية الطالبين في اصول الدين).
هذا ولقد اعطت مرجعية ابن المتوج وتصدّيه للأمور الحسبية وفصل القضايا الشرعية للناس في البحرين زخماً هائلاً من الوعي الديني كما نظمت جوانب كثيرة من الحياة الإجتماعية هناك وفق الشريعة الإسلامية .
ومن البداهة أن مثل هذا العمل بين الجماهير والذي هو الهدف من وراء طلب العلم يأخذ وقت العالم لمفردات العمل ومستجداته اليومية مما يؤدي إلى انشغال الذهن بها ما دام العالم عاملاً فيها .
ومن جهة اخرى فلأن العلم حقيقة مستمرة لا تنتهي في هذه الدنيا ولأن العالم انسان محدود الطاقة وغير قادر على استيعاب كل المجالات العلمية فكان من المؤكد ان يتقدم على ابن المتوج بعض زملائه في دقائق العلم ، فهذا زميله الشهيد الأول العلامة العاملي صاحب ( اللمعة الدمشقية ) – موسوعة فقه تدرس في حوازتنا العلمية – كان كثيراً ما تقع بينهما مناظرات وفي الأغلب يكون الغالب هو الشيخ ابن المتوج البحراني ولكن لما عاد إلى البحرين واشتغل في شؤون الناس قلّت مطالعاته العلمية ، فاتفق اجتماعه بالشهيد الأول في مكة المشرفة فتناظرا حول آرائهما الفقهية والعلمية فغلبه الشهيد الأول ، فتعجب العلامة ابن المتوج فقال له الشهيد الأول ممازحاً :
" قد سهرنا وأضعتم " .
هذا وقد تخرّج من مدرسة ابن المتوج العديد من العلماء والفقهاء ، منهم الشيخ شهاب الدين أحمد بن فهد الإحسائي والشيخ احمد بن فهد الحلي والشيخ فخر الدين أحمد بن رفاعة السبعي والشيخ أحمد بن محرم البحراني وولده الشيخ ناصر ابن المتوج الذي كان شبلاً منذ ذاك الأسد وقد نقل عنه الشيخ سليمان الماحوزي انه " كان نادرة عصره في الذكاء واشتعال الذهن ونسيج وحده في الصلاح " وعنه في كتاب ( أمل الآمال ) قال " صاحب الذهن الوقاد ، فاضل محقق فقيه حافظ "
وللشيخ أحمد بن المتوج أشعار كثيرة ومراث عديدة في شأن أهل البيت (ع) تقرب عشرين الف بيت في مجلدين ، من هذه المراثي قوله :
ألا نوحوا وضجوا بالبكـــاء على السبط الشهيد بكربلاء
ألا نوحوا بسكب الدمع حزنـاً عليه وامزجـوه بالدمــاء
ألا نوحوا على من قد بكــاه رسـول الله خـير الأنبيـاء
ألا نوحوا على من قد بكــاه عليُّ الطهـر خير الأوصيـاء
ألا نوحوا على من قد بكتــه حبيبـة أحمـد ست النسـاء
ألا نوحوا على من قد بكــاه لعظـم الشجو أملاك السماء
ألا نوحوا على قمر منـيــر عراه الخسف من بعد الضيـاء
ألا نوحوا لخـامس آل طــه وياسين وأصـحـاب العبـاء
ألا نوحوا عليه وقد أحـاطـت به خيل البغـاء الأشقـيـاء
إذ أقبل واعظاً فيهم خطيـبـاً وبالـغ في النصيحـة والدعـاء
ألا يا قوم أنشدكـم فــردوا جـوابي هـل يحل لكم دمائي
وجدي أحمـد وأبـي عــلي وأمـي فـاطم ست النسـاء
فنادوا للقتـال معـاً ونــادى أخيـل الله هـبي للقــاء
فكافحهم على غصص إلـى أن أبـادوا نـاصريه ذوي الوفاء
وصادفهـم بـمهجتـه إلى أن أتـاه سهـم أشقى الأشقيـاء
فخـرّ وبـادر الملعـون شـمر وحزّ وريـده بعـد ارتقـاء
وعـلا رأسـه في رأس رمـح وخلى الجسم شلـواً بالعـراء
ومالوا في الـخيام فحـرقوهـا وعاثوا في الذراري والنسـاء
وساقوا الطاهـرات مهتكـات على قتب الجمال بـلا وطـاء
ألا يـا آل يـاسـين فـؤادي لذكرى مصابكم حلف الضناء
فأنتـم عدتي لي في يوم معادي إذا حشـر الخلائـق للجـزاء
ومـا أرجـو لآخرتي سواكم وحاشا أن يخيب بكـم رجـائي
صلاة الخلـق والخلائـق تترى عليكـم بالصبـاح وبالمسـاء

 

هكذا رسم لنا الدرب أئمتنا الطيبون وأرشدنا إليه علماؤنا المجاهدون ، علمونا أنّ النياح والبكاء على فاجعة كربلاء وعاشوراء يجب أن يصبّ في قناة تؤدي إلى أهداف الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين (ع) وبهذه القيم التي تعلمها ابن المتوّج البحراني من مدرسة أهل البيت (ع) وبهذه القيم التي تعلمها ابن المتوج البحراني من مدرسة أهل البيت (ع) توّج علمه وعمله وهو يعتز ويفتخر بذلك ويخاطبهم عليهم أفضل الصلاة والسلام :

 

أنا ابن المتوّج توجتموني         بتاج الفخر طرّاً والبهاء
صلاة الخلق والخلاّق تترى   عليكم بالصباح وبالمساء
ولعنته على قوم أباحوا               دمائكم بظلم وافتراء

 

ابن المتوج البحراني قدوة سامية ليس في العلم والتقوى والصرخة الحسينية الثائرة فحسب بل في الولاء والولاية كذلك هو قدوة ، اذ كان رضوان الله عليه شديد الولاء لأهل الولاية ، فهذه قصيدته الشهيرة ، يوازن فيها بين محامد صفات النبي (ص) والإمام علي (ع) انطلاقاً من آية المباهلة الكريمة وأنفسنا وأنفسكم وهي تقرب من سبعين بيتاً يقول في مطلعها :

 

اصغ واستمع يا طالب الرشد ما الذي    به المصطفى قد خصّ والمرتضى علي
محمد مشتق من الحمد اسمه             ومشتق من اسم المعالي كذا علي
إلى قوله :
محمد فتح الله في نور وجهه           كذلك مضمون بسيف الفتى علي
إلى قوله :
محمد مفتاح الحصون لعزمه            كذا قاتل الشجعان يوم الوغى علي
محمد كنزي شافعاً عند خالقي         فاني موالٍ مخلصاً في ولاء علي

 

هذا ولقد توفي سنة 820هـ كما في ( اعيان الشيعة – ج 9 – ص 38 ) ويؤيده ما كتبه ابنه الشيخ ناصر بخط يده على كتاب ( الناسخ والمنسوخ ) من مؤلفات والده .
وأما قبره فهو كما يقولالعلامة الشيخ يوسغ البحراني معروف بجزيرة ( أكل ) وهي المشهورة الآن بجزيرة النبيه صالح من بلاد البحرين ( حماها الله تعالى من الشين).
إنه تعبير من العلامة في كتاب لؤلؤة البحرين يدل على أهمية بحريننا الحبيبة في قلوب علمائنا السابقين الذين بذلوا مختلف جهودهم من أجل تحريرها من أيدي الأشرار المتسلطين على رقاب شعبنا بالحديد والنار .
نعم كان ابن المتوج ( عليه رحمة الله ) تجسيداً للقيم العقائدية والجهادية معاً اذ الحياة عقيدة وجهاد ، كذا علمتنا زكية الدماء وانا على درب قاداتنا سائرون وبنصر الله من القوي واثقون .
أبرز صفاته وعطائه :
التفقه ، التأليف ، الشعر ، الولاء
وننقل لكم قصيدة المعاجز للشيخ الفقيه أبن المتوج البحراني
فهذه قصيدة المعاجز منها ما يوازن فيه محامد صفات محمد (ص) وعلي (ع) ومعجزاتهما الباهرات, مسمى بقصيدة المعاجز, وهي تنوف عن سبعن بيت, أولها: 

 

أصغ واستمع يا طالب الرشد مالذي *** به المصطفى خص والمرتضى علي
محمد مشتق من الحمد أسمه *** ومشتق من أسم المعالي كذا علي
محمد قد صفاه ربي من الورى *** كذلك صفى من جميع الورى علي
محمد محمود الفعال ممجد *** كذالك عالٍ في مراق العلا علي
محمد للسبع السماوات قد رقى *** وكان بها في سدرة المنتهى علي
محمد بالقرآن قد خص هكذا *** بمضمونه نهج التقى علي
محمد شق البدر نصفين معجزاً *** له وكذا الشمس قد ردها علي
محمد واخى بين أصحابه ولم *** يواخ من الأصحاب شخصا سوى علي
محمد جن الأرض جاؤو ليسمعوا *** تلاوته القرآن لما تلى علي
محمد فتح الله في نور وجهه *** كذلك مضمون بسيف الفتى علي
محمد صلى ربنا ما سجى الدجى *** وثنى بالصلاة على علي

 

بتصرف منقول: ملتقى شهداء البحرين والعضو زهير محمد الخال