1«عذاري» تسقي البعيد وأسطورتها صامدة منذ ثمانية قرون
قرية «أبو بهام»… بصمة جميلة ماثلة في وجدان أهل الخليج
قد تستذكر وأنت تتجول في قرية «أبو بهام»، بعض الأساطير المروية عن «عين عذاري» الشهيرة، والتي من شهرتها، جعلت الاسم الأصلي للقرية، يأتي تاليا… فالكثير من المواطنين والمقيمين أيضا، يطلقون على القرية اسم «قرية عذاري»، فيما اسم القرية المدون رسميا هو «أبو

إبهام» وأشهر أسطورة تقول إن اسم «عذاري»، أصله إحدى الحكايات الخيالية التي رويت منذ زمن بعيد، وهي تقول إن فتاة جميلة عذراء، خرجت لتعبر تلك المنطقة الزراعية المعروفة بكثافة النخيل فيها، فبينما هي في طريقها، خرج لها فارس ملثم أراد الاعتداء عليها، فطلبت منه أن يتركها في حالها، لكن الفارس أصر على الاعتداء عليها، فرفعت كفها إلى السماء تستنجد بالله تعالى، ومن خوفها ضربت برجلها الأرض بقوة فأحدثت فتحة في الأرض سقطت فيها، وخرج من خلال هذه الفتحة ماء عذب، فعرف الناس هذه القصة من هذا الفارس الذي اختل عقله – كما تقول الرواية – مما رآه فقام يروي القصة في كل مكان، لكن لا يبدو أن القصة حقيقية على الإطلاق.
ورواية أخرى… كيف تتزوجني؟
أما الرواية الأخرى، فهي لا تختلف كثيرا عن سابقتها، فتشير إلى أنه كانت هناك فتاة رائعة هيأجمل عذارى البحرين، وذات صباح خرجت تستروح النسيم الندي، فإذا بالأرض تنشق أمامها عن فارس جميل الطلعة، اقترب منها وهو يتودد إليها، وراح يلقي على مسامعها أرق عبارات الغرام، وحين صدته أعلن لها أنه إنما جاء ليتخذها لنفسه زوجة، وسخرت الفتاة منه وهي تقول: «كيف تتزوجني وانا مخطوبة لفتى أحبه وأهواه ولن أقبل عنه بديلا؟»، ولكن الفارس الذي لم يصدقها طلب منها أن تضرب الأرض بقدميها، فإذا تفجرت المياه تحت أقدامها تأكد من صدقها ورحل عنها، أما إذا لم تتفجر فهي إذن كاذبة، وسيتخذها لنفسه بالقوة، ودقت العذراء الأرض بقدمها، فإذا بالأرض تنفجر، ويندفع منها الماء في غزارة ليغطي سطح المكان، وليستمر تفجره فلا يتوقف ابدا، ومنذ ذلك الحين سميت العين… عين عذاري.
لا… عذاري كانت تروينا
الحديث عن تاريخ عين عذاري وعيون الماء العذبة في البحرين حديث عذب هو الآخر، ولكن، لندخل الى قرية «أبو بهام»، ونلتقى بالحاج إبراهيم الذي يبلغ من العمر 70 عاما، وهو حين يتحدث عن الأساطير المذكورة، يكتفي بالإشارة إلى أن هذا ما سمعناه من الآباء والأجداد، لكن الذي يعرفه جيدا هو أن هذه العين، كانت بالفعل كما يقال عنها في الأمثال، تسقي البعيد وتترك القريب، ولكن لماذا؟ ذلك لأن نهرها الممتد منها يذهب إلى بساتين بعيدة مارا بقرى طشان وجدحفص والديه والسنابس، فيروي البساتين هناك، ولكنه لا يتفرع ليروي البساتين القريبة، ومع هذا، يقول الحاج إبراهيم: «هذا مثل يقوله الناس، لكن المزارع والبساتين القريبة من العين كانت ترتوي بما يكفيها حيث كان الفلاحون يشقون فروعا من النهر لتصب في بساتينهم، وكان الأهالي يستخدمون مياه العين في حياتهم اليومية… لكنه مجرد مثل اعتاد الناس على قوله نقلا».
قرية أبو بهام، لا تزال تعانق أشجار النخيل، فالبساتين فيها صامدة، تماما كما صمدت أسطورة عين عذاري مدة 800 عام، لكنها ليس بساتين الأمس بالطبع التي كانت تحيط بالقرية من كل الجوانب، ويبدو بستان «تينار» القريب وبعض أراضي النخيل التابعة للأوقاف الجعفرية جميلة تشرح الفؤاد… فهذا الشعور لا يزال يحمله الحاج إبراهيم وغيره الكثير من أهالي القرية وأهالي البحرين وأهالي الخليج الذين تعتبر عين عذاري، وقريتها، ماثلة في وجدانهم.
قريتنا صغيرة… لماذا هي مهملة؟
في الجولة، التقينا ببعض أهالي القرية، وكحال كل القرى، فإن المطلب الأول بالنسبة لهم هو الحصول على الخدمات الإسكانية للأهالي المسجلين على قوائم الانتظار، أما بالنسبة لشئون القرية، فهي في حاجة إلى تحسين الإنارة، بالإضافة إلى تحسين طرقاتها والاهتمام بخدمات النظافة.
ومن أهم الأمور التي تتطلبها القرية، كما يقول ابن القرية «زهير» الاستفادة من مساحة كبيرة من الأرض يمكن تنفيذ مشروع إسكاني للأهالي عليها، وكذلك هناك فكرة لإنشاء مضمار للمشي من مدخل شارع الشيخ سلمان وصولا إلى منتزه عذاري، وهناك بعض مساكن العمال الوافدين تلقي الكثير من المخلفات وتبقى لمدد طويلة قد تصل إلى أسبوع في بعض الأحيان، وتسبب أكوام القمامة وأنقاض البناء الكثير من الازعاج للأهالي.
ويقول الشباب إنه بالإضافة إلى وجود مساحات لا بأس بها من الأراضي مناسبة لإنشاء وحدات سكنية، فإنه لا توجد مساحة شعبية أو متنزه ولو صغير يناسب الأهالي، فليس كلهم في مقدورهم أخذ أطفالهم إلى المنتزه الكبير، كما أن هناك إمكانية لتخصيص مساحة كملعب كرة قدم، والشباب يستخدمون مساحة من الأرض تقع شرق القرية لممارسة لعبة كرة القدم.
هكذا كانت عين عذاري… إلى الوراء در
خصصت موسوعة «ويكيبديا» على شبكة الإنترنت معلومات عن عين عذاري، وصفتها بأنها عين تكلم عنها الرحالة عبر التاريخ، وذكرها المؤرخون على أنها أشهر العيون في البحرين من حيث قوة اندفاع الماء من ينبوعها القوي، حيث كانت المياه تصل إلى القرى البعيدة عن قريتها، لهذا كانت عين عذاري بالفعل أسطورة ذكرها العديد من الرحالة من قبل 800 عام، و ذكرت في عدة منقوشات تاريخية عثر عليها كلها تروي لنا حكاية العين الأسطورة ذات الصيت الواسع، وعين عذاري من العيون الطبيعية المشهورة، ليس على مستوى البحرين فحسب، بل في كل دول الخليج والوطن العربي، فهي عين بحرينية امتازت منذ القِدم عن سائر عيون البحرين.
تراث وثقافة وأدب
وعين عذاري من أكثر المواقع البحرينية التي حظيت باهتمام تراثي وثقافي وأدبي كبير في البحرين ومنطقة الخليج، ويزخر التراث البحريني بالكثير من الحكاوي والقصص والروايات التي لم يعرف لها مصدر، ومما قيل عن عذاري، إن هذه العين تعتبر واحدة من أكبر وأعمق ينابيع المياه الحلوة في البحرين، وتقع على بعد ميلين من مدينة المنامة، وتعتبر معلما سياحيا من معالم البحرين يقصدها جميع زوار البلاد، ويحرص المواطنون على أخذ ضيوفهم القادمين من الخارج إلى هناك للتفرج ومشاهدة جمالها على مر السنين.
في العام 1926، كانت هذه العين مكانا مليئا بالأوساخ والفوضى بسبب إهمال تنسيقها وانتشار جداول المياه (السيبان) الموحلة من حولها، حيث يجلب الفلاحون دوابهم، وكانت العين تفقد الكثير من الماء الذي يتسرب عبر جوانبها، وفي ذلك العام تم إصلاح بركة العين للحصول على إمداد أفضل من المياه بهدف ري البساتين، فتم بناء درجات (عتبات) من الأسمنت ورصيف واسع على حافة مستوى الماء لوقوف السباحين عليه، كما تمت إعادة بناء المسجد الآيل للسقوط المطل على العين.
من يتذكر هذا الماضي الجميل؟
وتم كذلك إنشاء سرادق صغير مع سلم موصل إلى أعلاه، لكي يتمكن هواة السباحة من القفز فوق اللوح الخشبي الطويل المرتفع جدا عن العين، بالإضافة إلى فتح مقهى له سطح مفتوح بالقرب منها، وزراعة أشجار الأزهار والشجيرات وإقامة حديقة على جانب من جوانبها ملأتها بنباتات الدفلى العطرية والبوغينفيلة الحمراء والقرمزية الألوان.
ويوجد خلف الحديقة عبر مجرى المياه، بستان ضخم رائع به غابة من النخيل وتشاهد فيه جذوع النخلات العالية الرمادية اللون تقف شامخة كالأعمدة فوق أعماق أكوام الأشجار الأخرى، وعندما تشرق الشمس يتلون ماء العين بالزرقة اللامعة ويصبح صافيا كالزجاج الشفاف، هذا الماء يندفع من الينبوع بقوة كبيرة لدرجة أن السباح لا يمكنه الوصول إليه.
المعنى الاجتماعي والحضاري والبيئي
وتوجد داخل عين عذاري أسماك كبيرة الحجم تشبه سمك الشبوط النهري تسبح ببطء في أرجائها، ولا أحد يضايق هذه الأسماك أو يحاول اصطيادها، لأن البحرينيين لا يأكلون السمك الذي يعيش في الماء الحلو ويفضلون أكل أسماك البحر التي يختارون من أنواعها الكثيرة ما يشاءون.
ومن المعروف أن عين عذاري مثلت المعنى الاجتماعي والحضاري والبيئي في البحرين، فلم تكن نبع ماء عاديا بل كانت مصدرا مهما لتزويد مناطق البحرين البعيدة بالمياه العذبة، وكانت بيئة طبيعية مكسوة بجمال النخيل والأشجار الكثيفة والمختلفة الأنواع، وشكلت مأوى لأنواع مختلفة من الطيور المقيمة والمهاجرة التي استوطنتها وكثرت في مجاريها المائية أنواع البرمائيات التي من أهمها الضفادع والسلاحف المعروفة بـ «السلاحف القزوينية».
الموقع
تقع على شارع الشيخ سلمان، جنوب طشان وغرب السهلة الجنوبية، أما قرية الخميس فتقع إلى الشرق منها، ويفصل شارع الشيخ عيسى بن سلمان – الذي يبلغ طوله الإجمالي نحو 15 كيلومترا – أطرافها الجنوبية عن قرية توبلي الواقعة في أقصى شمال شرق المحافظة الوسطى.
مجمعاتها
تتكون من مجمع واحد 367.
المساحة
تشكل مساحتها 0,28 كيلو متر مربع.
تعداد السكان
يبلغ عدد سكانها ما يقارب 944 نسمة حسب التعداد، لكن الأهالي يقولون إن العدد يتراوح بين 300 إلى 400 نسمة فلا يوجد إحصاء دقيق لعدد السكان، ويوجد بالقرية مسجد ومأتمين.
مرافقها
تضم القرية العديد من الأنشطة التجارية، ولعل أشهرها على الإطلاق متنزه عين عذاري المرتبط بعين عذاري التاريخية، التي تحولت إلى مسبح حديث بعد نضوبها وتعرضها للإهمال سنوات طويلة، وفي الوقت الراهن، تحولت واجهة القرية إلى مقار للشركات والمؤسسات وورش السيارات والمعارض، ومساحة الأنشطة التجارية أكبر بكثير من مساحة بيوت القرية ذاتها.
أصل التسمية
عود منشأ قرية أبوبهام إلى أنه كان بها رجل عالم فاضل له مقام كبير بين أهالي القرية، يقال له أبو بهام، ربما لأن هذا هو لقبه وربما نظرا لكبر أصبع إبهامه أو أن له إبهامين.
أبو بهام – الوسط