لبني الهادي مناحي * في غدوي ورواحي
مقدمة :
هذا البيت مطلع لقصيدة قديمة اعتاد أهل البحرين قبل عشرات السنين على تداولها وقراءتها في ليال مخصوصة في شهر محرم الحرام وربما أعدت لها مجالس خاصة وكانت تعرف بـ(النواحة ) وربما على منوالها تأسس أدب من نوع خاص لعل بعض المهتمين بالأدب يدرسونه ضمن دراسة جيولوجية للأدب البحراني الحسيني هذا الأدب يمكن أن نعرّفه بإسم

أدب النواحة فله طريقة خاصة في النظم والإلقاء .
ومن أهم أمثلته البدائية هذه القصيدة التي احتفظت لها البحرين بمكانة خاصة لا أدري بالضبط ما هي أسبابها ولماذا هذه القصيدة بالذات كل هذه الأمور بحاجة لمن يبحث في تأصيلها ودراسة جذورها لعل الله يقيض لها بعض المهتمين بالأدب البحراني لدراستها بعدما جمعها وحافظ عليها جملة من المهتمين.
لقد كان للإصدار الذي أصدره الأخ الفاضل الاستاذ الشيخ حسين الأكرف حفظه الله والذي يولي لجانب التراث البحراني والأدب الحسيني البحراني دوراً بارزاً في إصداراته _ أدام الله توفيقه _ انتشاراً واضحاً برزت من خلاله هذه المرثية والتي قام بأداء جزء بسيط منها ولكن بقي التساؤل من هو صاحب هذه الأبيات ومن هو قائلها ومن يكون ( الشيخ مغامس بن داغر الحلي ) هذا ؟
وهانحن نكتب هذه الترجمة المختصرة والدراسة عن شخصية هذا الشاعر نسأله تعالى أن يجعلنا من المشمولين بكرامات أوليائه وخدّام دينه .
نسبة القصيدة إليه :

هذه القصيدة توجد في كثير من المجاميع المخطوطة والمتداولة في كتب الحسينيات في البحرين وتارة لا تنسب لأحد وتارة يقال لها النواحة وفي كتاب الغدير في مجلده السابع في عده للشعراء ذكر مطلعها ونسبها إليه اعتماداً على مصادره فليس من شك أن هذه القصيدة هي للشيخ مغامس بن داغر . وقد قام الأخ الفاضل السيد حسن علوي طاهر الدرازي بطبعها مؤخراً برمتها اعتمادا على المخطوطات والطبعة القديمة لها مع مراعاة مايوجد في النسخ وألحقها بكتاب ( تهذيب الفوادح للشيخ حسين العصفور ) والذي قام مشكوراً بتحقيقه تحقيقاً رائعاً فجزاه الله خير الجزاء
ترجمة الشيخ ( مغامس) :
جاء في كتاب الغدير ج7 مانصّه : الشيخ مغامس بن داغر الحلي ، طفح بذكر المغامس في حب آل الله صلى الله عليهم غير واحد من المعاجم المتأخرة كالحصون المنيعة للعلامة الشيخ علي آل كاشف الغطاء ، والطليعة للعلامة السماوي ، والبابليات للخطيب اليعقوبي ، وذكر شطرا من شعره شيخنا فخر الدين الطريحي في المنتخب ، والأديب الاصبهاني في التحفة الناصرية ، و تضمن غير واحد من المجاميع قريظه المتدفق بمدح أهل بيت الوحي أئمة الهدى و رثائهم صلوات الله عليهم حتى جمع منها الشيخ السماوي ديوانا باسم المترجم يربو على ألف وثلثمائة وخمسين بيتا ولعل التالف منها أكثر وأكثر. فهو من شعراء أهل البيت المكثرين المتفانين في حبهم وولائهم غير أن الدهر أنسى ذكره الخالد ، ولعل هذا الانقطاع عن غيرهم عليهم السلام هو الذي قطع إطراد ذكره في جملة من الموسوعات أو المعاجم لمن لا يألف إلى ودهم كما فعلوا ذلك بالنسبة إلى كثيرين من أمثال المترجم فتركوا ذكره أو أثبتوه بصورة مصغرة ، وعندهم مكبرات لذكريات أناس هم دون أولئك في الفضيلة والأدب ، وكم للتاريخ من جنايات في الخفض والرفع ، والجر والنصب ، لا تستقصى ؟ كان الشيخ مغامس من إحدى القبائل العربية في ضواحي الحلة الفيحاء فهبطها للدراسة ، ولم يبارحها حتى قضى بها نحبه شاعرا خطيبا ، في أواسط القرن التاسع و يعرب شعره عن أنه كان له شوط في مضمار الخطابة كما كان يركض في كل حلبة من حلبات القريض قال :
فتارة أنظم الاشعار ممتدحاً * وتارة أنثر الأقوال في الخطب
وكان أبوه داغر شاعرا مواليا وهو الذي علمه قرض الشعر ومرنه على ولاء العترة الطاهرة كما يأتي في قوله :
أعملت في مدحكم فكري فعلمني * نظم المديح وأوصاني بذاك أبي
فحيا الله الوالد والولد _ انتهى كلام الاميني _
ومع أن الشيخ الأميني قد نقل عن البابليات للخطيب اليعقوبي فهذا المصدر قد ذكر شيئاً مهماً لم ينقله الشيخ الاميني ولست ادري سبب عدم نقله إياه سنتعرض أليه فيما يلي .
وفي كتاب الأعيان للسيد محسن الأمين العاملي مانصّه : الشيخ مغامس بن داغر الحلي توفي في أواخر المائة التاسعة بالحلة ، كان أديباً شاعراً من أعراب الحلة ثم سكن الحلة ونظم بها الشعر فأجاده ثم ذكر له بعض الاشعار .
ولقد حاول الشيخ النمازي أن يستدركه في كتابه مستدركات علم الرجال فلم يثر كثيراً حيث لم يضف على مافي الغدير ، وكذلك الشيخ أغا بزرك الطهراني في كتاب الذريعة فلم يزد على ماذكر في الغدير إلا أنه في الجزء العشرين قد ذكر معلومة مهمة تضاف لما سبق ففي الرقم 2122 : تحت عنوان : ( مجموعة المراثي ) قال : لبعض الفضلاء من أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر، رأيته في مكتبة المولى محمد علي الخوانساري جمع فيه مراثي معاريف الشعراء _ وعد منهم _ والشيخ مغامس البحراني _
هل هو بحراني أم حلي ؟
جاء في كتاب ( أدب الطف ) أو كتاب شعراء الحسين للخطيب سيد جواد شبر قدس الله نفسه مايثبت أن الشيخ مغامس بن داغر هذا بحراني فقد قال في ترجمته :
الشيخ مغامس بن داغر المتوفي حوالي سنة 850هـ شاعر طويل النفس بديع النظام حلو الإنسجام ، أصله _ كما في الحصون المنيعة _ من احدى العشائر العربية القاطنة ضواحي الحلة ، استوطن الحلة حتى توفي فيها . قال الشيخ الخطيب اليعقوبي في البابليات وقفت أخيراً على قصائد للمترجم في أهل البيت عليهم السلام ذكره الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ محمد علي الطريحي _ أخو فخر الدين صاحب المجمع والمنتخب _ في مؤلف له كتب بالحلة سنة 1076 هـ وكله في مراثي آل الرسول ( ص) ومديحهم وهو من بقايا مخطوطات كتب آل طريح وكنه طالما عبّر فيه عن المترجم بالبحراني فيمكن أن يكون أصله من البحرين وهبط العراق وسكن الحلة للحصول على الغاية التي أشرنا إليها .
هل هو متحد مع الحجري أم مختلف ؟
للشيخ محمد علي بن محمد تقي العصفور في كتابه الذخائر_ أو تاريخ البحرين _ وهو ما نقل عنه السيد حسن الأمين في مستدركات الأعيان الكثير ، ومنه أخذ النويدري في أعلام الثقافة ترجمة لأحد علماء البحرين وهو يتفق مع هذا الشاعر في أكثر من مورد :
1- الأصل البحراني – حسب نقل اليعقوبي _
2- الأدب والشاعرية
3- النفس الجزل في الشعر
إلا أن العصفور قد عنونه بعنوان الشيخ مغامس الحجري البحراني فقال في ترجمته مانصّه :
وهو أحد الأدباء وواحد النجباء ، جمع مع الأدب علوماً كثيرة وله ديوان معروف مشتمل على اشعاره البديعة وعباراته المنيعة ومن قصائده ، وذكر له أبيات مطلعها :
تذكر ما احصى الكتاب فتابا * وحاذر من مس العذاب فذابا
بكى ذنبه واستغفر الله ربه * ونادى منادي رشده فأجابا
تذكر اوزاراً جناها بجهله * وأشفق من أوزاره فأنابا
وهي أبيات جميلة يتشابه فيها النفس الشعري للحلي مع الحجري . ولكن هناك رابط يربط بينهما حيث أن الشيخ الأميني لما نقل بعض مطالع لقصائد مغامس بن داغر الحلي هذا فقد نقل البيت الاول من قصيدة الحجري إلا أنه قد نقله بهذه الطريقة :
تذكر ما أحصى الكتاب فتابا * وحاذر من مس العذاب عقابا
واختلاف كلة لايضر فالبيت هو البيت كما لايخفى ذلك ، مما يعني أن المترجم له واحد إلا أن العصفور قد ترجم له بعنوان مغامس الحجري البحراني ، وفي الغدير ترجم له بعنوان الشيخ مغامس بن داغر الحلي ، وقد توقف صاحب ادب الطف في إضفاء اللقب فقد عنونه بعنوان الشيخ مغامس بن داغر بدون إضافة لقب ، لما علمت من نقله عن اليعقوبي عن البابليات . ولعل الله يوفقنا للحصول على ماجمعه الشيخ السماوي من شعر مغامس بن داغر فلعله وجد أشياء لم تصلنا ولعله ترجمه ترجمة غير التي بأيدينا .
النتيجة :
إن الشيخ مغامس بن داغر الحلي والمتوفي على ما في أدب الطف_ حدود 850هـ _ هو عينه الشيخ مغامس الحجري البحراني و متحد معه ، فلعله بعد أن ترك البحرين لأسباب غير معروفة كغيره كثير من علماء وأدباء البحرين استوطن بادية قريبة من الحلة ثم استوطن الحلة . فلم يذكروا أنه من مواليد الحلة سوى كونه من عشيرة عربية وهذا لايضر فأهل البحرين من عشائر عربية أيضاً . والسبيل لهذه النتيجة مايلي :
1- مانقله اليعقوبي عن الطريحي في البابليات
2- نفس مطلع القصيدة التي نقلها صاحب الغدير وذكرها العصفوري في تاريخ البحرين
ولعل لهذه الأسباب بقى أهل البحرين أوفياء لهذا الشاعر الذي تغرب عن وطنه وعاش بعيداً عن البحرين فظلوا على مدى مئات السنوات يرددون قصيدته في محافلهم الحسينية بطريقة معينة
نسأل الله التوفيق والسداد
كتب هذا البحث في غرة ربيع الثاني 1430هـ
مصادر البحث :
1- الذخائر أو تاريخ البحرين للشيخ العصفور
2- كتاب الغدير الجزء السابع
3- كتاب أدب الطف الجزء الرابع
4- مستدركات الرجال للنمازي
5- مستدركات أعيان الشيعة
6- أعيان الشيعة للسيد الامين
7- أعلام الثقافة للنويدري ج3

 

بقلم الباحث: الشيخ بشار العالي البحراني