قبل الكشف عن خلية البندر لم يكن هناك جدل وثرثرة حول هوية البحرين وسكانها الاصليون، ولم يكن هناك كذب وتزوير على المستوى الاعلامي حيث كان الجميع يسلم بحقيقة لا لبس فيها وهي ان البحارنة هم سكان هذه الجزيرة قبل مجيء الاسلام حتى يومنا هذا، فقبيلة عبدالقيس القبيلة العربية التي ينحدر منها أغلب البحارنة استوطنت هذه الارض ورابطت فيها رغم كل المظالم والاعتداءات والجرائم التي ارتكبت بحق البحرين وسكانها، اليوم ابناء البحرين يعيشون فترة من الظلم الذي يستهدف
هويتهم وتاريخهم وتراثهم بكل المقاييس، فقبل اعوام فقط لم يكن في حسبان اهل البحرين ان يخرج عليهم شذاذ الافاق من خلية البندر الذين ينشطون في كل محفل ومنتدى ومزبلة ليزوروا تاريخ هذه الارض كما زور قبلهم الصهاينة تاريخ فلسطين، من لا يعرف الحقيقة فعليه ان يبحث قبل ان يساهم في ظلامة شعب مسلم فيبخسه حقه، من لا يعرف تاريخ البحرين وسكان البحرين فعليه ان يرجع للمراجع والمصادر التاريخية ويقينا سيجد الحقيقة بسهولة وبساطة وهي عكس ما يروج له البندريون وأتباعهم.
هذا الموضوع هو نبذة بسيطة ومختصرة حول أصل التشيع والبحارنة في هذه الارض والموضوع شيق ويحوي معلومات مختصرة.
الشيعة في البحرين
دخول الإسلام :
كانت تسكن البحرين في زمن ظهور الإسلام قبائل عربية أصيلة منها قبيلة عبد القيس , وبكر بن وائل , وبنوتميم والمئات من أبناء قبائل الساحل الشرقي . وكانت الديانة المنتشرة فيهم هي : الزرادشتية , واليهودية , والمسيحية . ولكن لما توفي الملك الفارسي ( خسرو برويز ) في السنة السابعة للهجرة , بدأ النبي ( صلى الله عليه وآله ) تحركه باتجاه البحرين يدعوها إلى الإسلام . وكان عليها من قبل الفرس ( منذر بن ساوى ) وهو من عبد القيس ويعتنق المسيحية .
وكان أول كتاب أرسله النبي ( صلى الله عليه وآله ) إليه هو:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى
سلام على من اتبع الهدى , أمّا بعد فإني أدعوك إلى الإسلام فأسلم تسلم , يجعل الله لك ما تحت يديك . واعلم أن نبياً سيظهر إلى منتهى الخف والحافر .
الكتاب الثاني :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى
سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله غيره وأشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً عبده ورسوله .
أما بعد فأني أذكرك الله عز وجل فانه من ينصح فانما ينصح نفسه وأنه من يطيع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني . ومن نصح لهم فقد نصح لي . وان رسلي قد أثنوا عليك خيراً و إني قد شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه . وعفوت من أهل الذنوب فاقبل منهم وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك . ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية .
محمد بن عبد الله
الكتاب الثالث :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد النبي رسول الله الى أهل هجر
سليم أنتم فاني أحمد إليكم الله لا إله إلاّ هو . أما بعد فإني أوصيكم بالله وبأنفسكم أن لا تضّلوا بعد إذ هديتم ولا تغووا بعد إذ رشدتم .
أمّا بعد فقد جاءني وفدكم فلم آت إليهم ألاّ ما يسرهم و أني لو جهدت حقي فيكم كلّه أخرجتكم من هجر , فشفعت غائبكم وافظلت على شاهدكم . فاذكروا نعمة الله عليكم . أما بعد قد أتاني الذي صنعتم وأنه من يحسن منكم ولا يحمل عليه ذنب المسيء فإذا جاءكم أمرائي أطيعوهم وانصروهم على أمر الله وفي سبيله فانه من يعمل منكم عملاً صالحاً فلن يضلّ له عند الله ولا عندي .
الكتاب الرابع :
إلى المنذر بن ساوى أمّا بعد :
فان رسلي قد حمدوك وأنك مهما تصلح أصلح إليك وآتيك على عملك وتنصح لله ولرسوله والسلام عليك .
وغير ذلك من الكتب إلى العلاء الحضرمي في البحرين وكانت جميعها تدعو إلى اعتناق الإسلام عقيدة ومنهجاً .
لقد كان أهل البحرين على موعد مع عهد جديد بعد ما أطلّ فجر القرن الأول الهجري بنور الإسلام فقد توجه ( عمرو بن عبد القيس ) إلى النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) موفدا من قبل الزعيم البحراني المنذر بن عائذ الذي اشتهر بلقب ( الأشج ) وذلك للاطلاع عن كثب على الدين الجديد والتحقق من علاماته التي وردت في الكتب السماوية ولكن الاشج لم يكن ليطمئنّ على الانعطافة الجديدة لشعب الجزيرة حتى وقف بنفسه على حكومة النبي ( صل الله عليه وآله ) في المدينة المنورة في السنة السابعة للهجرة إذ ترأّس وفداً مكوناً من عشرين رجلاً شقّوا أمواج البحر وساروا أياماً في صحاري الجزيرة حتى التمسوا لقاءً برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذي استقبلهم بوحي النبوة قائلاً : ( مرحباً بوفد قوم لاخزايا ولانادمين ) .
فقال الأشج : جئنا سلماً غير حرب ومطيعين غير عاصين فاكتب لنا كتابا يكون في أيدينا .
فسألهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : ( تبايعونني على أنفسكم وقومكم ؟ ) فقالوا : نعم يا رسول الله إنك لن تزايل الرجل عن شيء أشد عليه من دينه , نبايعك على أنفسنا وترسل معنا من يدعوهم .. فمن اتبع الإسلام كان منا ومن أبي قتلناه .
ثم أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) الأنصار بإكرامهم وحسن وفادتهم وأنزلهم دار ( رملة بنت الحارث ) وبعد عشرة أيام من مرافقتهم للرسول ( صل الله عليه وآله ) والاطلاع على أحكام الدين وتعاليمه , قفلوا راجعين إلى جزيرتهم الخضراء .
وفي السنة الثامنة للهجرة كانت بداية لتحولاتٍ خطيرة رسمت المسار الأمثل للمجتمع البحراني باتجاه العقيدة الموحدة والموقف السياسي السليم الذي نبّأ به الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) خلال مراحل تبليغه الرسالة .
وفي تلك السنة أوفد ( عبد القيس الشريف ) , ( الجارود بن المعلّى العبدي ) ـ الذي عرف ببغضه لعبادة الأصنام على عهد الجاهلية ـ على رأس أربعين رجلاُ كان من بينهم :
( الحكيم بن جبلة العبدي ) الذي عاد مع الوفد إلى البحرين وهو يحمل مبدأ الولاية الثابتة لأمير المؤمنين علي وأهل بيته ( عليهم السلام ) .
وترك الوفد وراءه في المدينة المنورة الجارود العبدي ليحيط إحاطة تفصيلية بالآيات القرآنية وسنة الرسول ( صل الله عليه وآله ) والمسار التاريخي الذي انتهجه النبي وأصحابه الأخيار من الأنصار والمهاجرين , ثم يعود إلى البحرين وأهلها مثقلاً بفيض علم النبوة و الإمامة .
دخول التشيّع :
منذ عودة الجارود ومن بعده الحكيم بن جبلة إلى البحرين قادمين من المدينة التي شاهدوا فيها بأعينهم حكومة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وسياسته وتعلموا منه الشيء الكثير , عرفت البحرين بالاستقرار الديني والاجتماعي والسياسي وبدأت خلايا علم الشريعة تنو وتتوسع إنطلاقاً من المساجد التي انتشرت في مناطق مختلفة من جزيرة البحرين و القطيف و الأحساء . ولم يكن هذا العلم ليخلوا من فضائل أهل البيت ( ع ) والدور العظيم الذي سلكه الإمام علي ( عليه السلام ) بعطاءات الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الذي أحسن إعداده لأيام المحن والبلايا .
وقد أحسن الشهيد ( نور الدين ) في كتابة الموسوم ب ( مجالس المؤمنين ) بقوله : إن ولاية أهل البحرين لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) هي لطف إلهي , إذ قال :
( إن تشيع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والحسا من قديم الأيام إلى هذه الأيام ظاهر شائع .. ومنشأ ذلك شمول اللطف الإلهي لأهل تلك الديار .. وعلل بأن أبان بن سعيد كان عاملاً عليها مدة في مبدأ الاسلام وهو من الموالين لامير المؤمنين (عليه السلام) … وصار عاملا عليها عمر بن أبي سلمة ـ وأمه أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها ـ وهو أيضاً من محبي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فغرسا فيها التشيع ) .
ولكن فترة الهدوء تلك لم تعمّر طويلاً إذ بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لم تعرف الجزيرة استقراراً بحكم المتغيرات السياسية التي عصفت بالجزيرة العربية , فضلاً عن ثبات أهل البحرين على مبدأ الولاية لعلي ( عليه السلام ) ودفاعهم دونها . وتبعاً لذلك الموقف المبدئي لأهالي البحرين غابت النعوت الإيجابية المعبرة عن حقيقتهم وشدة اهتمامهم بالعلم والشريعة والتفقه في الدين . وسرعان ما أطلقت عليها نعوت أخرى سلبية . جاءت من وحي الموقف المعادي لأهل البيت ( عليهم السلام ) . ومن بين تلك النعوت : ( جزيرة الردة ) و ( المدينة المرتدة ) وغيرها . ولكن تلك النعوت كانت تحمل في طياتها دلالة واضحة على شدة بأس أهل البحرين وإصرارهم على التمسك بالشريعة وفق منهج وسيرة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) وابن عمه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . كما تدل على ضعف أعداء شعب البحرين في تقويض ولائهم الثابت . وفي عهد عمر بن الخطاب , أدّى عدم استقرار البحرين إلى هجرة أعداد كبيرة من أهلها إلى العراق واستوطنوا المدن الحديثة كالبصرة والكوفة . وارجع عدد من الباحثين تزايد شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) في هاتين المدينتين إلى دور البحرانيين الذين ظهر وجودهم بشكل جلي في أواخر عهد عثمان بن عفان . ولا يخفى على اللبيب أن الاتجاه الأموي بشقيه السفياني و المرواني وكذلك الاتجاه العباسي فيما بعد , كان يرى في البحرين قلعة حصينة من قلاع أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) و أهل بيته , لذلك كانت هدفا لهجماتهم المتعددة التي دمّروا خلالها الجزيرة وقتلوا ألوفاً منها . ولكن الموروث العلمي بقي ببقاء أهلها على ولائهم وتمسكهم بعقيدتهم .
وخلال خلافة الإمامين علي ( عليه السلام ) والحسن ( عليه السلام ) استرجعت جزر البحرين استقرارها السياسي والاجتماعي وتوسعت دور العلم , وانتقل كثير منها خارج المساجد إلى المناطق النائية .
حتى برز الكثير من العلماء والزعماء الكبار , عرف من بينهم : رشيد الهجري , وزيد بن صوحان العبدي وأخوه صعصعة , و سيجان بن زيد بن صوحان , و الاصبغ بن نباته , وأعين بن ضيعة , و الأعور بن بنان التميمي , و جارية بن قدامة وغيرهم .
ونتيجة لتزايد الوعي الديني الذي افرز الولاء اللامحدود لأمير المؤمنين واهل بيته عليهم افضل الصلاة والسلام التحق العديد من ابناء البحرين بإمامهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليشاركوه في حروبه المعروفة , دفاعاً عن الإسلام بالقضاء على مخلفات الاتجاه السياسي السفياني وما تلاه .
فالجارود العبدي الذي مرّ ذكره آنفاً مارس قدراته الخطابية وعلمه في الشريعة , وتقدم باسداء النصيحة لمخالفي علي ( عليه السلام ) بالعودة وتجاوز سلبيات الماضي ومراعاة الإسلام بعنوانه الأكبر قبل ظهور حالة التشرذم .
بينما استشهد أكثر من ( 500 ) مقاتل بحراني في تلك الحروب التي خاضها علي بن أبي طالب عليهما السلام وأكثرهم من بني عبد القيس وكان منهم الشهيد الحكيم بن جبلة العبدي الذي استشهد في معركة الجمل .
وكان فيها صعصعه بن صوحان أيضاً وكان موفد الإمام إلى البصرة ليفاوض طلحة والزبير وعائشة قبل بدء المعركة وقد قاتل قتال الأبطال عند اشتداد أوزار المعركة وبقي صعصعة مرافقا للإمام ( عليه السلام ) حتى تنفيذ المؤامرة باغتياله وهو في محراب العبادة والذكر على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي .
ولما انتهى الإمام الحسن ( عليه السلام ) وأصحابه من دفن الإمام يوم 21/ رمضان / 40هـ وضع صعصعة إحدى يديه على قلبه وأخذ بالأخرى بعض تراب القبر وضرب به رأسه ثم قال : ( هنيئا لك يا أبا الحسن لقد طاب مولدك وقوي صبرك وعظم جهادك وظفرت برأيك وربحت تجارتك . فأسأل الله أن يمنّ علينا باقتفائنا أثرك , والعمل بسيرتك , والموالاة لأوليائك , والمعاداة لأعدائك , وأن يحشرنا في زمرة أوليائك فقد نلت ما لم ينله أحد , وأدركت ما لم يدركه أحد , وقمت بدين الله حق القيام حتى أقمت السنن , وأبرت الفتن , واستقام الإسلام وانتظم الإيمان , وان يومك هذا مفتاح كل شرّ , و مغلاق كل خير , ولو أن الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم , ولكن آثروا الدنيا على الآخرة ) .
ثم بكاه بكاءً مرّاً وأنشد أبياتاً رثاه بها بحضور الإمامين الحسن والحسين ( عليهما السلام ) نؤثر نقلها لما فيها من صدق الولاء :
ومَنْ لي أَنْ أبُثَكَ مالديّا *** ألا مَنْ لي بأُنسِكَ يا أُخيّا
لِذاكَ خطوبُهُ نشراً وطيّا *** طوتْكَ خطوبُ دهرٍ قد توَلّى
شكوتُ إليكَ ما صَنَعَتْ إليّا *** فلو نَشَرَت قُواك لي المنايا
فلم يُغْنِ البكاءُ عليكَ شيّا *** بكَيتُكَ يا عليُّ بِدُرّ عَيني
وأنتَ اليومَ أوْعَظُ مِنكَ حَيّا *** وكانتْ في حياتِكَ لي عِظاتٌ
ألا لو أنّ ذلكَ ردَّ شياّ *** فيا أسفي عليكَ وطولُ شَوقي
هذا أنموذج من الشيعة الأوائل الذين أنجبتهم البحرين و جعلتهم فراقد تكشف انحراف الساسة الذين قعدوا لهم كل مقعد لا لذنب سوى أنهم رأوا في علي ( عليه السلام ) المثل الذي يحاكي رسول الله في كل شيء سوى النبوة والوحي . ولمثل هذه المواقف الولائية الصادقة , فرض الأمويون حصاراً خانقاً على أهل البحرين لمنعهم من الالتحاق بحركة الإمام الحسين ( عليه السلام ) التصحيحية , بعد رسالة مسلم بن عقيل له . ولكن الشهيد صعصعة العبدي استطاع هو وأصحابه من اختراق عيون بني أمية والانضمام إلى جيش المختار بن أبى عبيدة الثقفي في الكوفة وقاتلوا معه في معركة ( الجافليق ) حتى استشهدوا جميعاً واليك عزيزي القارئ نموذجاً آخر ضرب أصدق صور البطولة والولاء ذلك هو الشهيد رشيد الهجري أحد أبناء البحرين , الذي تلقى من علوم علي ( عليه السلام ) الشيء الكثير حتى سماه الإمام ( عليه السلام ) ب ( رشيد البلايا ) لما عرف عنه من علم بحوادث الرزايا والبلايا إلى قيام الساعة .
وقد ذكر السيد الخوانساري في موسوعته ( روضات الجنات ) حول الشهيد الهجري :
( أهل البحرين قديمو التشيع .. متصلبون في أمر الدين .
وقد خرج من البحرين من علمائنا جمّ غفير , ورشيد الهجري الذي هو في درجة ميثم التماّر ومن جملة حاملي أسرار امير المؤمنين ) .
وروي عن ابن حيان البجلي عن ( قنوا ) بنت الشهيد الهجري أنها قالت : سمعت من أبي يقول : إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سأله : يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل عليك دعي بني أمية قطع يديك ورجليك ولسانك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين آخر ذلك إلى الجنة ؟
فقال الإمام ( عليه السلام ) : يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة .
قالت قنوا : فو الله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه عبيد الله بن زياد الدعي , فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأبى أن يتبرأ منه . فقال له الدعي : فبأي ميتة قال لك أن تموت ؟ فقال الهجري : أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة فلا أتبرأ منه , فتقطع يدي ورجلي ولساني . فقال : والله لأكذّبنّ قوله . قالت قنوا : فقدموه فقطعت يداه ورجلاه وترك لسانه . فحملت أطراف يديه ورجليه , فقلت : يا أبت هل تجد ألماً أصابك ؟ فقال : لا يا بنيّة إلاً كالزحام بين الناس . فلما احتملناه أخرجناه من القصر .. اجتمع الناس حوله . فقال رشيد : ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى يوم الساعة . فأرسل إليه الحجّام حتى قطع لسانه , فمات في ليلته .
ولم يكن التشيع فكراً وممارسة مرحلية لدى مؤمني هذا البلد وإنما كان العقيدة التي تتفاعل مع كل الظواهر وترصد جميع حالات الانحراف . ولذا كانت حالة رفض الاستبداد والتسلط ومقارعة الظلم بشتى صوره بارزة وواضحة لدى شيعة البحرين . وتؤكد ذلك مواقفهم المبدئية وتضحياتهم الجسيمة التي افرزها تمسكهم بعرى الدين الإسلامي كما فهمه الرسول الأعظم ( صل الله عليه وآله ) وابن عمه علي ( عليه السلام ) .
ولذلك بقيت البحرين على ولائها لأهل البيت ( عليهم السلام ) فبايعت الإمام الحسن ( عليه السلام ) الذي عينّ زيد بن صوحان العبدي والياً عليها . ولكن معاوية عندما خرق بنود الصلح مع الحسن ( عليه السلام ) وتعرض لأتباع علي ( عليه السلام ) بالقتل والتهجير وهو ما منعه الصلح نصاً رفض أهل البحرين بقيادة زيد العبدي الخضوع لمعاوية لأنهم يرونه طرفا غير شرعي .
شيعة البحرين أيام بني أمية :
حاولت الدولة السفيانية مراراً السيطرة على البحرين لمواقف أهلها التي لا تنسجم والفكر الذي كان بنو أمية يمتازون به . وقد فشلوا في مبتغاهم , وتحولت البحرين في عهدهم إلى معقل للمعارضة , وتوافدت الاتجاهات السياسية المناوئة للسلطة آنذاك من أقطار البلاد الإسلامية إلى جزيرة البحرين الحصينة , التي تحولت سواحلها إلى قلاع وحصون منيعة .
ولكن لما جاء المروانيون بعد مؤتمر الجابية واستلم عبد الملك بن مروان الحكم , أعدّ جيشاً جراراً لاستعادة البحرين . ودخل معركة شرسة ضد أهلها في عام (71هـ ) حيث أباء المئات منهم ودمّر العشرات من حصونها وقلاعها الساحلية ثم توغلت كتائبه إلى قرى وسط الجزيرة وشمالها وأتت على المساجد ودور العلم ودمرتها و أحرقت الكثير من الكتب والمؤلفات في فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ودورهم الفكري .
وقد تقدم زيد بن صوحان معركة الدفاع عن البحرين وقاتل حتى استشهد مع الكثير من علمائها وفقهائها . فتوقفت الحركة العلمية والدينية خلال فترة السيطرة المروانية ثم بدأت تستعيد حيويتها إبّان النهضة التي قام بها الإمام الباقر و الإمام الصادق عليهما السلام .
حيث ألقت بظلالها على جزيرة البحرين بشكل ترافقه التقية والحذر حتى استطاع مسعود بن أبي زينت العبدي وعلي بن محمد طرد كل من الامويين والعباسيين على فترات متباعدة . ولكن ذلك لم يضع نهاية لنوائب الاحتلال والغزو من قبل اخوة مسلمين أو أعداء كافرين . ولهذا نرى أهل البحرين قد اعتزلوا فترة طويلة ـ الاهتمام بشؤون الإدارة السياسية أعقاب المعارك الضارية مع الامويين والاحتلال المرواني لهم .
فضلاً عن أطماع العباسيين في جزيرتهم . ولكنهم تفرغوا لطلب العلم ونشره وتبنّوا الحفاظ على الشريعة تعويضا عن خسائر الماضي , بعيداً عن الصراعات السياسية والشدّ والجذب اللذين كانا ينتابانها .
المصادر :
1: د.محمد الرميحي ـ البحرين مشكلات التغيير السياسي والاجتماعي . ص35 ط الاولى 1976م دار ابن خلدون بيروت لبنان .
2: خضير نعمان العبيدي ـ البحرين من امارات الخليج . ص332 ط الاولى مطبعة المعارف بغداد 1969م.
3: كريم المحروسي ـ البحرين الاصالة ومظاهر التغيير السياسي . ص15 ط الاولى مؤسسة الرافد للنشر والتوزيع لندن.
4: فارس تبريزيان ـ العلامة السيد هاشم البحراني . ط الاولى 1416هـ دار المعروف للطباعة والنشر قم ايران .
5: مؤسسة انطوان جلخ واخوانه ـ اطلس العالم . ص129 ط الاولى 1996م بيروت لبنان .
6: مسعود الخوند ـ الموسوعة التاريخية الجغرافية . ج5 ص82 ط الاولى 12 ـ 1995م مؤسسة هانياد بيروت لبنان .
7: حسن الاميني ـ دائرة المعارف الاسلامية الشيعة . ج5 ص69 ط الخامسة دار التعارف 1997م بيروت لبنان .
أشكركم على الجهد الرائع … بصراحة مدونة جميلة … شكرا لكم إخواني …