بوشهري بحريني بأصول وثقافة فارسية.. لم أجد يوماً تعارضاً بين الاثنين

يقول المؤرخ بيار فيدال ـ ناكي ‘’ولجتُ عالَم التاريخ كما ولج آخرون عالَم الأديان’’ ما الذي يجمع بين الولوجين؟ إنه الحب الذي يجعلك تهب كلَّك لعالم ما تحب، لقد وهب علي أكبر بوشهري، كلَّه لعين التاريخ، فصار التاريخ عين وجهه وعين قلبه حد تماهي الصوفي الذي يقول ‘’عين قلبك كعين وجهك’’. لكن، فيما يرى الآخرون جنتهم في الدين، كان بوشهري يرى جنته في التاريخ، ذهب إليه بيقين المحب، وبشك المحبوبة، كافرا بالحقيقة الواحدة وشاكاً بصفاء الهوية ومنتقداً أسطورة

العرق، دلمون التي ولج لها الباحثون عن الخلود، ولج إليها بوشهري باحثاً عن تاريخ الخلود. في جنته هذه، يروي شيئاً من ماء عينه.

– مـن أنا؟
بوشهري: بحريني بأصول وثقافة فارسية.. لم أجد يوماً تعارضاً بين الاثنينمن هو علي أكبر بوشهري؟ بحريني أولاً، عاشق تاريخ البحرين، والبحرين. ولدت في المنامة في فريق بوصرة. انتقلت وأنا عمري 7 سنوات إلى فريق المخارقة. عشت في المنامة، وأحببت المنامة، زرانيق المنامة، فرقان المنامة أسواق المنامة، تعددية المنامة، فضاءها الحر المفتوح، ميناءها المطل على العالم. كان فريقنا بؤرة يمثل المجتمع البحريني بجميع طوائفه ومذاهبه وأديانه، هكذا كان فريق المخارقة، كذلك كان فريق أبو صرة وإن بدرجة أقل. جيراني كانوا عجما، بحارنة، يمانية، آل خليفة، يهود. خليط لم أدرك الاختلاف بين مكوناته.
وأنا عمري 5 سنوات لم تقبلني المدارس الحكومية. التحقت بصف التهيئة (الروضة) بمدرسة العجم. بعدها انتقلت إلى المدارس الحكومية. في المرحلة الابتدائية كنت في مدرسة السلمانية، الإعدادية انتقلت إلى مدرسة النعيم، والثانوية مدرسة الحورة.
– العاشر الساقط
كنت في البداية طالباً فاشلاً، سقطت كثيراً، سقطت في الصف الرابع وفي الصف السادس. في اللغة العربية ضعيف جداً، وقوياً جداً في مادة الرياضيات ومادة التاريخ. أكره مادة الكيمياء في المرحلة الثانوية. في هذه المرحلة كنت العاشر على المدرسة، لكني كنت ساقطاً بسبب مادة الكيمياء. كانت درجتي 1 من .40 العاشر الراسب. تركيبة لا تعرفها الكيمياء. لكني كنت أعرفها. فشخصيتي لم تكن ترى في القسم العلمي ما يمكن أن يشبع ولعها، لذلك تحولت إلى القسم الأدبي. وهناك لم أتجاوز ترتيب التاسع أو العاشر على مستوى المدرسة والبحرين. تخرجت سنة .73 كان عمري 20 سنة. سقطت 3 سنوات، لكن في السنتين الأخيرتين كنت من الأوائل على مستوى البحرين. تخرجت من مدرسة الحورة بؤرة الحركات الطلابية في البحرين. ورثت مدرسة الحورة قيادة الحركة الطلابية في السبعينات من مدرسة الهداية. لم أكن أعرف الشخصيات الطلابية السياسية التي كانت تشارك معنا في الاحتجاجات الطلابية. بعد الميثاق وأثناء جلسات استذكار تاريخ السبعينات اكتشفت أن كثيرا من الوجوه السياسية المعروفة اليوم، كانت معنا. أحد هذه الوجوه الدكتور حسن مدن رئيس جمعية المنبر الديمقراطي. خضت في هذه المدرسة الحركات الطلابية الاحتجاجية. كانت مطالبنا طلابية بحتة. تتعلق بشؤون الطلاب ودراستهم وبعثاتهم.
– ثمن المطالب
أحد مطالبنا الطلابية كان السماح لطلاب التوجيهي الراسبين في مادتين، بإعادة الامتحان في المادتين بعد أسبوعين من ظهور النتائج بدلاً من إعادة السنة الدراسية كاملة. رفعنا هذا المطلب إلى الوزير وأقنعنا مجموعة من المعلمين بأن يشاركوا في عمليات تصحيح الامتحانات من دون مقابل. لقد تحدثنا مع الوزير الشيخ عبدالعزيز آنذاك. قلنا له إن السماح للطلاب بإعادة الامتحان يوفر على الدولة اقتصادياً مصاريف عام كامل، ويمنح للطالب فرصة كسب عام دراسي من أجل مستقبله. طلبنا الآخر كان اعتماد شهادة الثانوية العامة في الجامعات الأجنبية. لقد كان الكثير من الطلبة البحرينيين يواجهون مشكلات في تسجيلهم في الجامعات الأجنبية. طلبنا الثالث إنشاء اتحاد طلابي، لكننا لم نستخدم هذه التسمية، قلنا نريد لجنة طلابية من أجل التواصل بين المدرسة والطلاب والوزارة. رُفض الطلب. دعونا إلى اعتصام وليس مظاهرة. وكان هذا الاعتصام هو الأول للطلاب في تاريخ التعليم في البحرين. كانت الدعوة أن يترك الطلاب، كتبهم في الصفوف وينزلوا إلى ساحة المدرسة حتى نهاية الدوام بدون مظاهرات أو تكسيرات. المدة خمسة أيام. توقفت الدراسة. صارت الكتب تنتظر الطلاب في الصفوف والطلاب ينتظرون قراراً يأتي من الوزارة. طلب الوزير أن يجتمع معنا. رشحت كل مدرسة ممثلاً لها. اجتمع الممثلون في مدرستنا، وكنت أنا ممثل مدرسة الحورة. اجتمعنا في مكتبة مدرسة الحورة. أذكر أن أحد الأساتذة حضر الاجتماع فطلبت منه الانصراف، لأن الاجتماع خاص بالطلبة. حددنا مطالبنا وكيف سنتحدث مع الوزير وكيف سنتصرف إذا ما حصلنا على مطالبنا أو بعضها أو لم نحصل على شيء. كان الاتفاق أن لا يتجاوز الاعتصام 5 أيام، وفي حال فشلنا ننهي الاعتصام. يوم إنهاء الاعتصام، قامت الوزارة بإغلاق المدارس وفصلت بعض الطلاب الذين كانوا يمثلون مدارسهم في اجتماعنا، والبقية تلاعبت بدرجاتهم. وكنت واحداً من هؤلاء. الشيء الغريب أنها تلاعبت في درجات المادة التي كانت جزءاً مني. تلاعبت بدرجاتي في مادة التاريخ! حصلت على 8 من 20 في مادة التاريخ. وتراجع ترتيبي من التاسع على البحرين إلى .145
لم أكن منتمياً إلى أي توجه سياسي في ذلك الوقت، لكن تحركي كان يستند إلى كتاب تأثرت به كثيراً. كتاب هربرت ماركيوز (1898 – 1979) ‘’نحو ثورة جديدة’’.
حين كنت في إحدى زياراتي للكويت في تلك الفترة احتفى بي طلبة البحرين بالكويت وكانوا يعرفون اسمي، وقالوا إنهم بعثوا لنا برسائل تأييد. قلت لهم لم نتسلم شيئاً. لقد فشل اعتصامنا في تحقيق مطالبه، وأرسلنا إلى الإدارة المدرسية رسالة تفيد بإنهاء الاعتصام. كدت أُضرب من بعض الطلبة المتحمسين، لولا أن حماني في تلك اللحظة عادل مديفع.
– بكالوريوس مزدوج
بعد تخرجي قُبلت في جامعة عين شمس لدراسة الحقوق، لكن أهلي رفضوا أن ألتحق بهذه الجامعة لأنهم كانوا يعرفون ميولي شبه السياسي في المرحلة الثانوية، وهم يدركون تماماً أن القاهرة بيئة تنشط فيّ فيروس السياسة بشكل جنوني. استجبت لهم فلم أذهب. أرسلني أهلي للدراسة في أميركا. لغتي الانجليزية لم تكن بالمستوى الذي يؤهلني لدخول الجامعة، فبقيت أدرسها لمدة 6 أشهر، حتى تمكنت من دخول الجامعة التي بقيت فيها لمدة أربع سنوات. في 3 سنوات و3 أشهر أكملت البكالوريوس. أردت مواصلة الدراسات العليا، لكن العائلة طلبت مني الرجوع لأسباب عائلية تطلبت وجودي بينهم. كان نظام الدراسة يسمح لك أن تتخصص في مجالين مختلفين بدرجة البكالوريوس، فتخصصت في التجارة إرضاء لأهلي، وفي التاريخ إرضاء لولعي بالتاريخ. كان قد بقي لي 8 أشهر، كي أكمل بكالوريوس التجارة، وسنتان كي أكمل ماجستير التاريخ، إلا أن رغبة أهلي بالرجوع حالت دون ذلك.
– اختـلاط الأعـراق
لم اشعر أن علاقتي بالطلبة في تلك الفترة تتحدد بانتمائي العرقي. كانت علاقتي طبيعية ولم أشعر بأي تحسس كوني من أصول فارسية. وجو المدرسة المختلط الأعراق كان يذيب الحساسيات. حتى في المحيط الاجتماعي خارج المدرسة، لم أشعر قط أن أصولي الفارسية تمثل حدا أو سوراً بيني وبين الآخرين. لكن لا يخلو الأمر أحياناً من إطلاق بعض التسميات العفوية التي لا تعبر عن حس تمييزي. في جو المدرسة حين نكون في جماعة كلها تتحدث بالفارسية، نستخدم اللغة الفارسية. وحين يكون بيننا أحد لا يجيدها، فإننا بصورة طبيعية نتحدث باللغة العربية. في البيت نتحدث اللغة الفارسية، وفي الفريق نتحدث العربية بلهجتها البحرانية. كنت في مدرسة النعيم سنة 1968 حين أصدرت وزارة التربية قراراً. القرار يمنع التحدث باللغة غير العربية في مدارس البحرين. لقد فهمنا بأن غير العربية بأنها تعني الفارسية لا غير. كانت الغرامة 100 فلس لمن يضبط وهو يتحدث بغير اللغة العربية. بحسنا المراهق تحدينا هذا القرار. وبمجرد أن يمر بجانبنا أحد المدرسين كان صوتنا يعلوا باللغة الفارسية، حتى ولو أدى الأمر إلى أن نفقد مصروفنا اليومي. بعد أسبوع ألغت الوزارة القرار، لأنها وجدت أن الأمر قد انقلب إلى العكس. كان إحساسنا بهويتنا البحرينية واضحا. كنا نشعر أننا بحرينيون، لكن أصولنا وثقافتنا فارسية، ولم نجد تعارضاً بين الاثنين، ولم نقبل أن يسيء أحد إلى لغتنا وأصولنا باسم الهوية التي كنا نراها تستوعب أكثر من لغة وأكثر من عرق وأكثر من دين. في إحدى المرات كان أحد الموظفين في الجوازات يسخر مني ويقول: توّك محصل جواز بحريني؟ قلت له بغضب: ‘’لدي الجواز البحريني قبل أن تولد أنت’’. بمعنى إن وجودي التاريخي في هذا البلد ليس طارئاً، وأنني جزء متكون فيه، ولا يمكن لأحد أن يزايد على هذا الجزء الذي تربى في داخلي في هذه البيئة. لقد كتبت كتباً باللغة العربية، وأتحدث باللغة العربية، وأنتمي إلى هوية عنوانها عربي. لكن أصولي فارسية، ولغتي فارسية، وهذا لا يقدح في هويتي البحرينية، بل أراه إغناء لها.
– أنا واللغة العربية
في مادة التعبير، درجاتي مرتفعة، وأفكاري متدفقة، ولغتي سلسة في التعبير عما أريد. حتى أني كنت أحصل على 9 درجات من أصل ,10 لكن الدوائر الحمراء كانت تحيط بجملي كلها، كانت بسبب إخفاقي الفاقع في القواعد النحوية التي لم أتقنها يوماً: أخوات إن وأخوات كان والمؤنث والمذكر، لم أكن أحسن الكتابة على إيقاعها. الأستاذ أحمد المناعي كان أستاذ اللغة العربية الوحيد الذي أشعرني أن بإمكاني أن أحب اللغة العربية. بدأت أقرأ كتباً باللغة العربية بكثافة شديدة بفضل تشجيعه. وبدأت أتصالح مع اللغة العربية وأعشق شعرها. كان ذلك في الصف الخامس الابتدائي. كان المناعي أحد أهم المؤثرات في توجهي للقراءة. المؤثر الآخر كان إحساسي بالجهل بالتاريخ. في سنة 1966 كان معي زميل في المدرسة من اليمن الجنوبية. تميز هذا الطالب بثقافته في النقاش والسؤال. أخذته يوماً لأعرفه بأجواء محرم في فريقنا. بدأ يسألني وبالتحديد عن الإمام علي. كنت أشرح له في حدود ما تسمح به طفولتي. ولأن أسئلته كانت تتجاوز حدود هذه الطفولة، فقد أشعرني بالجهل وعدم القدرة على الدفاع عن أسئلته النقدية. لم أستطع أن أدافع عن الإمام علي الذي هو أهم شخصية بعد الرسول في مذهبي. فذهبت أشتري كتباً عن الإمام علي، ثم عن الأئمة، ثم عن الشيعة، ثم عن التاريخ الإسلامي. هكذا تدفعك بيئة الاختلاف نحو تحديات ومغامرات لم تكن قد اخترتها أصلا. أدخلتني هذه القراءات للاهتمام بالتاريخ الإسلامي والعربي، وتوطدت علاقتي بالتاريخ. حتى سنة ,1970 كانت قراءاتي عربية. بعدها تحولت إلى القراءات الفارسية. علمت نفسي القراءة باللغة الفارسية. مكثت ذلك الصيف مع عائلتي في إيران، وأخذت أتقرأ الصحف الفارسية. في شيراز كنت أسأل والدي عن الكلمات التي لم أستوعبها في الصحف. ثم انتقلت إلى قراءة كتب التاريخ الفارسية بدافع الرغبة في معرفة تاريخ الأصول التي أنتمي إليها. كان هناك أحد ملوك الفرس العظام (كوروش) أعجبت به وأحببت التعرف على تاريخه. وأعتقد أنه ذو القرنين الذي ذكر في القرآن. كنت أشعر بالاستمتاع في التعرف إلى لغة جديدة في شكلها الثقافي المكتوب. لكن ليست إلى درجة استمتاعي باللغة العربية، إلا في الشعر. كان الشعر الفارسي بالنسبة إلى ذائقتي يتوفر على حس روحي عال. لقد وفرت لي اللغة الفارسية مادة تاريخية غزيرة، لا تجدها في اللغة العربية، ومع الأسف لم يعمل أحد على ترجمتها، ولو ترجمت لشعرنا بغنى كبير، ولأكملنا فراغات كثيرة في التاريخ المتعلق بهذه المنطقة.
– البحث عن دلمون
صدفة ذهبت إلى تاريخ دلمون، أخبرت أستاذي بجامعتي بمدينة شارلوت بأميركا عن نيتي كتابة بحث عن حضارة دلمون وأبديت له تخوفي من الإقدام على هذا المشروع، فجميع المختصين في دلمون كانوا من غير العرب، ولديهم اعتقاد بأنها ليست حضارة مستقلة، بل تابعة لحضارة وادي الرافدين، وأنا عندي اعتقاد بأنها كانت حضارة مستقلة في ثقافتها. لقد شجعني أن أكتب بحثي وأخوض مغامرتي، فكتبت البحث في 1978وأخذته معي إلى البحرين وحاولت أن أنشره في مجلة جمعية التاريخ والآثار بالبحرين فلم يقبلوه، وحين عدت بعد عام كان الأستاذ قد ترك الجامعة، فأعطيت البحث لجمعية أميركية كنت عضوا فيها ولديها مجلة مختصة بالكتابات القديمة، تفاجأت بأنهم نشروا بحثي عن دلمون وطلبوا مني أن أقوم لهم بعمل دراسات قديمة. بعد ذلك طلبت مني مجلة جمعية التاريخ والآثار هنا أن أنشـــر بحثي عندهـــم.
لقد وجدت التشجيع من جهات ليست محلية ولا عربية، ومعظم أبحاثي نشرتها خارج البحرين، وظل أن أشتغل في وزارة الإعلام كباحث، أمنية معلقة في التاريخ، كان الوزراء يتغيرون والأمنية لا تتغير.
يكتبها هذا الأسبوع علي أكبر بوشهري:
* علي الديري