مدرسة الشيخ حسين
هو الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن الشيخ ابراهيم بن الحاج أحمد بن صالح بن أحمد بن عصفور بن أحمد بن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرازي بن الأمير هلال بن الأمير موسى بن الأمير حسين بن الامير مانع بن الأمير عصفور بن الأمير راشد بن عميرة بن سنان بن غفيلة بن شبانة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. 

 

 

 

ألقابه ومكتسباته العلمية:
شيخ الأخبارية، زعيم الإمامية، خاتمة المحدثين، رئيس المذهب والدين، المجدد على رأس ألف ومأتين، العلامة الفهّامة، البحر الزاخر، إمام الحُفّاظ وشيخ الوُعّاظ.
الفقيه النبيه ومن أجتمعت أوصاف العبقرية فيه الذي ليس له في الفضل من يدانيه، المحدث الصدوق، العَلَم المشهور، والشرف الموفور، الفَطِن السرسور، ومن صيته أفوح من المسك وأضوع من الكافور، الشيخ حسين بن الشيخ محمد العصفور.

 

نشأته العلمية:
ولد شيخنا العلامة في بيت علم وفضل، من أٌَجلّ البيوت العلمية في البلاد خرّج العلماء والفقهاء والأمراء والأدباء، وكان لهم مجد يناطح الجوزاء، وأنهم سلسلة علمية متواصلة الحلقات، برزوا في شتى الفنون والكمالات.
وكان أول تتلمذ شيخنا على يد والده الشيخ محمد ابن الشيخ أحمد قبل أن يهاجر الى النجف الأشرف، ولما لم يشعر بالإرتواء من معين ينابيع علوم أهل البيت عليهم السلام ولأن الهجرة هاجس العظماء لا سيما الى النجف الأشرف التي تمثل كعبة آمال العلماء ومقصدهم، فقد شد رحاله إلى النجف الأشرف حيث الجامعة الكبرى التي طالما صنعت العظام وخرّجت الأعلام في كنف وجوار معلّم البشرية الثاني وباب مدينة العلم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهناك تتلمذ على يد عمّه صاحب الحدائق المحقق المدقق الشيخ يوسف حتى منحه ومنح ابن أخيه الآخر الشيخ خلف بن الشيخ عبد علي قده (ت 1208هـ/1793م ) الإجازة المسماة (لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين) وذلك سنة 1182هـ /1768م وعلى يد غيره من العلماء الأجلاء.
ولما عاد الى البحرين آلت إليه المرجعية والزعامة الدينية وأصبحت له حوزة ذائعة الصيت يقصدها مريدوا العلم والفضل من كل مكان، وقد تخرج من تحت عباءته الكثير من العلماء الأفاضل والأفذاذ الفطاحل، وكانت داره محط رحال العلماء ومفزع الجهابذة الفضلاء، يستصبحون بضوئه ويستضيئون بمشكاته، فربى جيلا من العلماء الأعلام المرموقين اللامعين في سماء المرجعية.
جاء في (الذكرى المأتين): نشأ وتتلمذ على يد أبيه الشيخ محمد المتقدم ثم هاجر إلى العتبات المقدسة بمعية ابن عمه الشيخ خلف بن الشيخ عبد علي، ولازما درس عمهما المحقق الشيخ يوسف حتى منحهما إجازته المبسوطة المسماة ب(لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرة العين)، وقد تأثّر شيخنا المترجم كثيرا بعمه المذكور منهجا وأسلوبا وصياغة وتحقيقا وتنميقا وتحبيرا كما تشهد به كتبه ومصنفاته، بل وصية عمه له بإكمال مالم يستطع إكماله من مصنفاته إذا عاجلته المنية والأجل المحتوم أكبر شاهد على ذلك، إذ امتثل أمره في تتميم ما سنح له الأجل تتميمه من كتاب الحدائق الناضرة حيث صنّف كتاب عيون الحقائق الفاخرة.
وقال: لما انتهت إلى شيخنا المترجم رئاسة المذهب وألقيت إليه مقاليد الزعامة الدينية أضحت حوزته ومجلس درسه وبحثه مركزا هاما يستقطب الفضلاء وروّاد العلم والفضيلة من البلدان والنواحي المجاورة، وعلى وجه الخصوص من القطيف والأحساء.
وتخرج على يديه جموع غفيرة من ذوي الفضل والنباهة، ولما عادوا إلى ديارهم صاروا من أعلام الدين فيها وحماة الشرع المبين، وقد أحصى عددهم بعض المترجمين بما ينوف عن الألف والمأتين.
أقول وهذا العدد الهائل من الطلبة والتلاميذ الذين قرأوا عليه وتتلمذوا على يديه (ألف ومأتين) يعتبر عددا ضخما في عرف المشايخ العلماء، لا سيما في هذا البلد الصغير فكان هذا الشيخ الجليل بحق جامعة للعلوم الإسلامية والمعارف الشرعية.

 

من ملامح شخصية العلامة:
وللشيخ المترجم سمات جليلة وخصال نبيلة نجدها في عبارات المدح والثناء التي ذكرها العلماء المترجمون لسيرته العطرة.
و لا يمكن إعتبار جمل الثناء والأوصاف والألقاب التي يطلقها العلماء الفضلاء على بعضهم على أنها مجاملة وتفخيم ولا تعكس الحقيقة والواقع.
لأنها _أولا _ صادرة عن علماء أجلاء عرفوا بالتحقيق والتدقيق.
ثانيا_ أنها تستند الى آثار ومصنفات العلماء المترجم لهم.
ثالثا_ انها تعرف من خلال شهادات أساتيذهم و تلاميذهم.
فهي إذا شهادات وتقييمات علمية رصينة تستند إلى الدليل وتطابق الواقع وذات قيمة واعتبار، يقول مولانا ومقتدانا أمير المؤمنين عليه السلام في عهده لمالك الأشتر: إنما يُستدَل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة عباده المؤمنين.
وقال عليه السلام: يستدل على المحسنين بما يجري لهم على ألسن الأخيار من حسن الأفعال وجميل السيرة.
وقال عليه السلام أيضا: إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أولوا الفضل.
نعم لا تخلو كتب التراجم لا سيما القديمة منها من بعض الأسجاع الزائدة والتعابير المحسّنة ولكن الفرق واضح وبيّن واللبيب يميّز بين ما هو سجع وبين ما هو تقييم.

 

العلامة المجدد:
ولم يكتسب شيخنا هذا اللقب من فراغ، إنما جاء نتيجة تضلّع الشيخ الشهيد في الفقه وعلو كعبه وسطوع نجمه بين العلماء والفقهاء في عصره، وإذعانهم له، وصيرورة رئاسة البلد له، وتفوّقه عليهم في الفتوى والدرس ومتانة استدلالاته وجودة تقريراته، وذلك ما تشهد به كثرة مؤلفاته الفقهية واشتهار فتاواه في عدد من البلدان الإسلامية، وكثرة عدد من تخرّج وتربّى على يديه والذي كل واحد منهم يعد نجما لامعا في سماء الإجتهاد والمرجعية والمرتبة العلمية.
ولا يزال الشيخ "ره" رغم تطاول الزمان له مقلدون منتشرون في بعض البلدان.
ولقد اشتهر شيخنا في البحرين ومنطقة الأحساء والقطيف بلقب (العلامة) في زمن كان ذلك اللقب عزيز وذو قيمة عالية لا يوصف به إلا القلة القليلة والتي تمثل نخبة العلماء وفطاحل الفقهاء بناءا على اسهاماتهم العلمية واستنادا الى آثارهم العملية التي خدموا بها الشريعة الاسلامية، حيث اشتهر بهذا اللقب على الإطلاق قبله العلامة الحلي، كما اشتهر بلقب (المحقق) الشيخ نجم الدين الحلي (ت 676هـ/ 1277م) والشيخ علي الكركي (ت 940هـ/1533م) لما أثروا به الساحة الاسلامية من تحقيقات راقية وتآليف قيمة، كما تفرد السيد محمد مهدي بلقب (بحر العلوم) (ت 1212هـ/1797م) لتبحره في العلوم. أما في زماننا هذا فقد أصبحت بعض هذه الألقاب سلعة رخيصة وشهادة مجانية تعطى لكل من هبّ ودبّ ومن غير حساب.

 

الفقيه النبيه:
لقد برع الشيخ حسين أكثر ما برع في الفقه والفتوى، حتى كان الفقه مجال تفوّقه وميدان تألّقه، قد استوعب أصوله وأحاط بفروعه واستقصى غرائب مسائله وحل مشاكله، وهذا ما تشهد به قائمة مؤلفاته الغنية بالرسائل الفقهية والشروح على الكتب المعروفة في ذلك المجال، التي لو وقفت عليها لرأيتها كالبحر المتلاطم الذي لا تنتهي عجائبه ولا تفنى غرائبه، والتي تنم عن سعة إطلاع، وطول باع، وتضلع في الفقه، وتتبع للآراء وإحاطة بالأدلة، فقد شرح كتاب (بداية الهداية) للعلامة الحر العاملي في مجلدين وأسماه (السوانح النظرية في شرح البداية الحرّية).
كما شرح كتاب (كفاية الأحكام) للمحقق السبزواري وأسماه (الرواشح السبحانية في شرح الكفاية الخراسانية) خرج منها خمس مجلدات ضخمة بلغ فيها الى أحكام مكان المصلي، يقول عنه الشيخ محسن العصفور: وهو محاولة جادة لتدوين أضخم فقه استدلالي عرفه مذهب الشيعة الإمامية لو لا اليد الآثمة التي اغتالته.
وشرح كتاب (مفاتيح الشرائع) للفيض الكاشاني في أربعة عشر مجلد أسماه (الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع).
وشرح كتاب (النفحة القدسية) في مجلدين وأسماه (الفرحة الأنسية في شرح النفحة القدسية).
هذا إلى جانب العديد من الرسائل وأجوبة المسائل الفقهية التي سنأتي على ذكر ما توصلنا له منها تحت عنوان مؤلفاته تغمد الله روحه بالجنة والرضوان.
وقد وصفه الشيخ محمد علي العصفور قدس سره في الذخائر بأنه أشد العلماء اطلاعا بفتاوى أرباب المذاهب خصوصا الشيعة. اه
مشيرا الى شدة إحاطته بالأراء الفقهية لمختلف المذاهب الى جانب إحاطته بآراء علماء الطائفة، وقد قيل: إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.
ولا زال رغم مرور أكثر من مائتين عام على رحيله مقلّدا وله آراء مميّزة وفتاوى معروفة في شتى أبواب الفقه تشهد بسعة باعه وكثرة اطلاعه وأصالة رأيه وقدرته على الاستنباط، ومن فتاويه المشهورة: جواز تقديم الطوافين والسعي ليلة التاسع من ذي الحجة لغير ذوي الأعذار، وكذلك كفاية قراءة جزء من السورة بعد الفاتحة في الفريضة وقال بالإستحباب المؤكد في الإتيان بها كاملة، و انعتاق أم الولد بعد موت سيدها من حصة ولدها إذا بلغ وليس بمجرد موت سيدها، ذكره في شرح المفاتيح.
وكفاية غسل الجمعة عن الوضوء، اشتراط الفقاهة في مقيم الجمعة أو التجزئ وأشار في السداد الى القول بإضافة الظهر فيما لو تولى إقامتها من لم يستكمل الشرائط.
وغيرها من الآراء الفقهية التي تناول فيها شتى المسائل والأحكام الشرعية والتي كتب فيها رسائل بين موجزة ومبسوطة وهي تدل بمجملها على ملكة راسخة واستقلالية أصيلة له في الإستنباط والجمع بين الأخبار المتعارضة وشرح الرواية بالرواية.

 

الشيخ المحدث:
شيخنا المترجم قدس سره يعتبر قطبا من أقطاب الإجازة والرواية فهو المحدث الكبير المجيز والمجاز الذي يروي عن جماعة من المشايخ، الذين لهم في هذا العلم قدم راسخ، وقد حرر الكثير من الإجازات المختصرة والمطولة والمتوسطة شفهيا وتحريريا وأجاز واستجاز جملة من المحدثين والعلماء الأعلام، فهو مجاز من عمه المحدث الشيخ يوسف البحراني، وله عدة طرق منها: يروي عن عمه الشيخ يوسف (ت 1186هـ/1772م) وعن عمه الآخر الشيخ عبد علي (ت 1122هـ/1710م) وعن أبيه الشيخ محمد (ت 1182هـ/1768م) عن الشيخ حسين بن الشيخ محمد (ت 1181هـ/1767م) عن الشيخ سليمان الماحوزي (ت 1121هـ/1709م) عن شيخيه الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن يوسف الخطي (ت 1102هـ/1690م)، والشيخ سليمان بن الشيخ علي بن الشيخ سليمان بن أبي ظبية الأصبعي (ت 1101هـ/1689م) عن شيخه علي بن سليمان بن حسن القدمي الملقب بزين الدين (ت 1064هـ/1653م)، عن شيخه الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن الشيخ عبد الصمد الحارثي العاملي (ت 1030هـ/1620م)، عن والده المحقق عز الدين الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي المدفون بقرية المصلّى (ت 984هـ/1576م) عن شيخه الشيخ زين الدين علي بن أحمد المشهور بالشهيد الثاني (ت 965هـ/1557م)، عن شيخه السيد بدر بن السيد حسين الأعرج الحسيني (ت 933هـ/1526م)، عن شيخه نور الدين الشيخ علي بن عبد العال الملقب بالمحقق الثاني (ت 940هـ/1533م)، عن شيخه نور الدين الشيخ علي بن الشيخ هلال الجزائري (ت بعد 909هـ/1503م) عن شيخه جمال الدين بن فهد (ت 841هـ/1437م)، عن الشيخ علي بن خازن العاملي، عن الشهيد السعيد الشيخ محمد مكي (ت 786هـ/1384م) المعروف بالشهيد الأول، عن شيخه فخر المتفقهين ابن آية الله في العالمين الشيخ محمد (ت 771هـ/1369م)، عن أبيه الشيخ جمال المحققين العلامة الشيخ حسن بن يوسف المطهر الحلي (ت 726هـ/1325م)، عن والده الشيخ يوسف الحلي (ت في حدود 665هـ/1266م)، وعن شيخه نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن يحي الملقب بالمحقق الحلي (ت 676هـ/1277م)، عن شيخه المحقق نجيب الدين ابن نما (ت 645هـ/1247م)، عن شيخه الشيخ محمد بن ادريس الحلي العجلي (ت 598هـ/1201م)، عن شيخه سديد الدين الحمصي (ت 583هـ/1187م)، عن شيخه الشيخ أبي علي الطوسي عن أبيه شيخ الطائفة المحقق الشيخ محمد بن الحسين الطوسي (ت 460هـ/1067م)، وشيخه السعيد الشيخ المفيد محمد بن النعمان المشهور بالمعلم (ت 413هـ/1022م)، عن شيخه أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه (ت 368هـ/978م)، عن شيخه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (ت 328هـ/939م)، وعن شيخه الآخر علي بن الحسين بن بابويه الصدوق القمي (329هـ/940م)، بأسانيدهم المتصلة إلى الأئمة الميامين والسادة المعصومين عليهم السلام.
إلى جانب ما ألف في الحديث وهما كتابان: الحدق النواظر في تتميم النوادر للفيض الكاشاني (ت 1091هـ/1680م)، وكتاب الخمائل.
بعض ممن أجاز لهم الشيخ حسين الرواية:
كما كان شيخا من شيوخ الإجازة يقصده العلماء والمحدثون من كل مكان لنيل شرف إجازته، والتبرك بطرق روايته، وقد أجاز عددا من العلماء اللامعين المعروفة أسماءهم المشهورة أنباءهم، منهم:
1. العلامة المتأله الشيخ أحمد الإحسائي (ت 1241هـ/1825م).
2. الشيخ مرزوق بن الشيخ عبد الله الشويكي (ق13)،
3. الشيخ عبد الله بن المقدس الشيخ يحيى الجدحفصي (ت 1225هـ/1810م).
4. الشيخ موسى بن الشيخ محمد بن الشيخ يوسف العصفور "ره" (ت 1236هـ/1820م).
5. السيد عبد القاهر بن السيد حسين التوبلي.

 

الحافظ العبقري:
كان الشيخ حسين العلامة أعجوبة في الحفظ وأحدوثة في الإستذكار، فقد ذكر صاحب الذخائر (العصفوري): أن الشيخ كان يحفظ اثني عشر ألفا من الأحاديث المعنعنة.
وقال أيضا: كان يرتكب في مجلس واحد أمورا متناقضة مثل التدريس والإفتاء والتصنيف والتأليف والقضاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ونقل لي أحد مريدي الشيخ ابراهيم المبارك ره (ت 1399هـ) عنه أنه قال: لا تجتمع حدة الذهن وقوة الحافظة في أحد لتضاد طبيعتهما ولكنهما اجتمعتا في الشيخ حسين العلامة.
وقد سجّل له التاريخ قصته المشهورة التي تنبئ عن شدة حفظه وقوة ذاكرته، يقول صاحب كتاب أنوار البدرين: وحدثني العالم الفاخر المرحوم الشيخ ناصر بن نصر الله القطيفي رحمه الله تعالى وكان على غير مذاقه عمن يثق به، إن هذا الشيخ أتى لبلاد القطيف مسافرا لحج بيت الله الحرام وزيارة النبي وآله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، واجتمع بالسيد الأمجد السيد محمد الصنديد القطيفي "ره" وكان هذا عنده من الكتب النفيسة الكثيرة ما لا توجد عند غيره فرأى عنده كتابا هو يتطلبه من كتب الأخبار فالتمس منه أن يصحبه إياه في سفره لينقله عنده وكان السيد ضنينا بذلك لعدم وجود نسخته فلم يعطه إياه فبقى الكتاب المذكور عند الشيخ المذكور أياما يسيرة مدة جلوسهم في القطيف (الذخائر: ذكر أنها ثلاثة أيام) ثم أعطاه الكتاب وسافر فلما قضى مناسكه وزيارته رجع على البر مارا ببلاد القطيف فلما اجتمع بالسيد أمره أن يأتيه بذلك الكتاب فأتى به اليه فاستخرج نسخة جديدة كراريس مكتوبة عديدة ليقابله عليه، فقال له: هل وجدت نسخة ونقلته ؟
فقال لا ولكنني تتبعته وحفظته وكتبته على حفظي بأبوابه وترتيبه وأسانيده، فتعجب السيد والحاضرون عجبا عظيما وقابله به طبقا لم يختلف عنه إلا يسيرا لا يذكر انتهى، وهذا من عجائب الأمور وشذ أن تحتمله القلوب البشرية والصدور.
وينقل عنه في الحفظ الأمور الغريبة ويكفيه املاؤه النفحة القدسية في الصلاة اليومية المشهورة اليوم على تلميذه وكاتبه الشاعر الأديب الشيخ محمد الشويكي الخطي في ثلاثة أيام، ويذكر فيها الأقوال والأدلة إجمالا حتى نظمها الشعراء في مدائحهم لهم ولها، فقال الشيخ محمد المذكور:
حبذا نفحة قدس لا تضاهى في صلاة أرضت الرب الإله
بنت يومين ويوم برزت في صدور الطرس تهدي من تلاها
تطرب الراثي والراوي ولا عجب ممن رآها ورواها
الى آخر الأبيات وهي كثيرة.
من خلال هذه القصة نفهم كم كان شيخنا حريصا على طلب العلم واكتشافه، منهوم على حفظه وارتشافه، فلا يرى معلومة إلا والتقطها ولا يسمع بحكمة إلا وحفظها، وكانت الكتب رياضه الناضرة وأزهارة العاطرة وسحائبه الماطرة، لا يشبع من العلم ولا يقنع بالقليل منه، كطالب المال الذي لا يشبع من المال أبدا، ذلك أن العلماء يجدون لذتهم في المعرفة وغبطتهم في اكتشاف الجديد وتعلم ما هو مفيد ونافع، لأن في عالم المعرفة دائما يوجد الجديد ومن يكتشف جزءا منه فإنه يطلب المزيد ثم المزيد، ولهذا فإن الكتاب عندهم السلوة وغاية المنى وأشهى وألذ ما في الدنيا، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: الكتب بساتين العلماء.
ويقول عليه السلام: مدارسة العلم لذة العلماء.
ومن عجيب أمره أيضا في هذا المجال ما جاء في (ذكرى المأتين): ومن عجائب أمره وغرائب عادته في ميدان التصنيف والتأليف أنه كان يملي كتبه الإستدلالية الموسعة كالأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع للفيض الكاشاني، ورواشح العناية الربانية في شرح الكفاية الخراسانية، وكتاب السوانح النظرية في شرح البداية الحرية للحر العاملي على بعض تلامذته الذي اختصهم لهذا الغرض اعتمادا على حفظه للأقوال وأدلة كل مسألة بجزئياتها التفصيلية في سابق عهده بها في سني دراسته وتتلمذه من دون تجشّم الرجوع إليها عند التصنيف والتأليف، وتؤكد هذه المقولة النسخ الخطية الموروثة عن مكتبته الخاصة، وكذا النسخ المستنسخة عنها حيث نجد كيف أنها كتبت بخط تلامذته وختمت أجزاؤها بخاتمه الشريف وامضائه فقط.
ومما يدخل في هذا المضمار املاؤه كتاب (النفحة القدسية) في ثلاثة أيام على تلامذته من دون سبق تبويب أو ترتيب.
وقد تعرّض لامتحانات من جمع من الفضلاء مرارا لاستكشاف دقة حفظه وعجيب أمره فوجدوا أنه لا يسقط كلمة ولا حرفا مما أرادوا منه حكايته وذكره.

 

العاشق لأهل البيت عليهم السلام:
وكما اشتهر رحمه الله بكثرة البحث والمطالعة والتدريس، اشتهر بالمواظبة على إقامة العزاء على سيد الشهداء عليه السلام في بيته كل صباح بعد إلقاء الدروس، وهذا ينبئ عن تعلق وثيق وولاء صادق لأهل بيت العصمة عليهم السلام والتأثر بمصائبهم، خصوصا بسميّه الإمام أبي عبد الله الحسين الشهيد، وله عدة مؤلفات في ذلك، فقد كتب كتاب (الفوادح الحسينية والقوادح البينية) كمقتل عرف بمقتل العصفور، وهو على غرار كتاب المنتخب لفخر الدين الطريحي المعروف في بلادنا بـ(الفخري)، ليقرأ كل صباح ومساء في عشرة محرم.
يقول عنه: جمعته ليقرأ في مأتم أبي عبد الله الحسين عليه السلام مدة العشرة، وقد أودعته من الخطب والأخبار ما يجدد على القلوب الغافلة مرائر تلك الخطوب والأخطار، ورتبته ترتيب المنتخب.
طبع في قم المقدسة سنة 1414 هـ /1994م.
كما أنه ألف سلسلة من الكتيبات تتناول وفيات الأئمة من الإمام زين العابدين الى الإمام الحسن العسكري عليهم السلام، لكل كتاب منها اسم مستقل، وذكر مع تلك الأخبار ما يناسبها من الأشعار، يقول عنها الشيخ الطهراني في الكرام البررة ص429: الموجودة بأجمعها والمتداولة أكثرها في بلاد البحرين وسائر تلك الأطراف لا سيما مؤلفاته في واقعة الطف ووفاة الأئمة عليهم السلام فإنها مرجع الجمهور في الموسم.
كما كتب الكثير من الأشعار في رثاء أهل البيت عليهم السلام، فله ديوان شعر كبير، في رثاء الإمام الحسين عليه السلام وفيه ما ينيف على سبعة آلاف بيت. ولا أدل من هذا على ولعه بمحبة أهل البيت عليهم السلام وشدة تعلّقه بهم.
ولم ينس ذكرهم والبكاء عليهم حتى في آخر حياته، ورجى أن تكون خاتمة أعماله البكاء على أبي عبد الله الحسين عليه السلام، فقد نقل الأستاذ محمود طرادة عن الشيخ أحمد العصفور حفظه الله أنه لما حضرت الشيخ حسين العلامة الوفاة طلب منشدا ينشد على الإمام الحسين عليه السلام، وعندما سئل عن ذلك قال: حتى ألقى الله ودموعي جارية على الحسين عليه السلام.
يقول صاحب أنوار البدرين: كان ملازما للتدريس والتصنيف والمطالعة والتأليف مواظبا على تعزية الحسين عليه السلام في بيته في كل وقت منيف لا تخلو أوقاته من بعض ما ذكرناه.
كما وصفه تلميذه الشيخ مرزوق الشويكي "ره" بالورع والزهد في كتابه الدرر البهية.

 

كرامات ومنامات:
يذكر العلامة الشيخ باقر العصفور رحمه الله (ت 1399هـ/1979م) في كتابه (الدرة) هذه الكرامة العظيمة التي تدل على علو وسمو مقام العلامة المترجم، نقلا عن العلامة الشيخ طاهر الخاقاني (ت 1406هـ/1986م) المتوطن في شيراز في كتابه (المسائل الشيرازية) في تمجيد الشيخ آل عصفور صاحب السداد، قال: لو لم يقم الدليل على انحصار الأئمة عليهم السلام في اثنى عشر، لقلت أنه ثالث عشرهم، وكان في علو مقامه: أن السيد بحر العلوم رأى صاحب الزمان عليه السلام في المنام في ثلاث ليال متواليات يأمره بوجوب الإحترام لشخص قد خرج من البحرين لزيارة قبور آبائه الأئمة عليهم السلام، وأن القادم هو حجة الإسلام، وانظره بالعين التي تراني بها، فاستقبله السيد مسيرة خمسة أيام وأجلسه في مجلسه وحلف أن لا يجلس ما دام الشيخ جالسا، وكلما طلب منه الشيخ الجلوس فإن السيد يأبى ويقول أن سيدي أمرني بذلك.
أقول ومن يعرف مقام العلامة السيد محمد مهدي بحر العلوم قدس الله سره يعرف من خلال هذه الكرامة العظيمة مقام الشيخ حسين العصفور قدس الله نفسه.

 

تلاميذه والمجازون منه:
لقد ربى الشيخ العلامة جيلا من العلماء المتميّزين وجماعة من طلائع الفقهاء البارزين، أفاض عليهم من زاخر علمه ونور حكمته، وكلأهم بحسن رعايته وعنايته، وكان من أبرزهم:
1. الفقيه المتأله الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (ت 1247هـ/1831م).
2. الشيخ عبد المحسن اللويمي الأحسائي (ت 1250هـ/1834م).
3. الشيخ حسن بن عبد المحسن اللويمي الأحسائي.
4. الشيخ علي بن عبد الله بن يحيي الجدحفصي (ت 1227هـ/1812م). 5. الشيخ محمد بن خلف الستري.
6. الشيخ محمد علي القطري البلادي.
7. الفقيه الحجة الشيخ عبد الله بن عباس الستري صاحب المعتمد (ت 1267هـ/1850م).
8. الشيخ عبد علي بن قضيب القطيفي.
9. الشيخ مرزوق الشويكي (ق 13هـ) وغيرهم الكثير.

 

مؤلفاته:
كان رحمه الله منكبّا على التأليف عاكفا على التصنيف كرّس حياته في مدارسة العلم وممارسة نشره عبر التصنيف والكتابة، والتدريس والخطابة دون تعب وكلل، وكان ثمرة هذه الجهود العظيمة التي خطها بيراعه السيّال ودبّجها بفكره الجوّال ثروة طائلة ونفائس ذاخرة مترعة بفرائد الفوائد والعوائد وروائع البدائع والصنائع، فأغنى بها المكتبة الإسلامية، وبقت آثار ناصعة في جبين الدهر، وهذا الإنتاج الغزير لا يتيسّر إلا لمن يستغل أوقاته في الليل والنهار والعشي والابكار ولا يصرف ساعة من عمره إلا في اكتساب علم ومطالعة أو تصنيف ومراجعة، فله ما يربوا على خمسين كتاب والكثير من الرسائل والمنظومات في الفقه والعقائد والأخلاق والحديث، و جلها في الفقه.
كما تدل وفرة كتاباته وكثرة تصنيفاته على شغفه بالكتابة وولعه بنشر العلم فهو عالم ومعلّم بامتياز.

 

مؤلفاته الفقهية:

1. سداد العباد ورشاد العُبّاد.

2. الحقائق الفاخرة في تتميم الحدائق الناضرة.
3. النفحة القدسية في الصلاة اليومية.
4. الفرحة الأنسية في شرح النفحة القدسية.
5. الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع.
6. السوانح النظرية في شرح البداية الحرّيّة.
7. أجوبة المسائل الشيرازية.
8. أجوبة المسائل القطيفية.
9. الجُنّة الواقية في أحكام التقية.
10. الاشراف في المنع عن بيع الأوقاف.
11. حاسمة القال والقيل في تحديد المثيل.
12. إسكات أهل الإخفات وإخفات أهل الإسكات.
13. البراهين النظرية في أجوبة المسائل البصرية.
14. رسائل أهل الرسالة ودلائل أهل الدلالة.
15. رسالة في الحبوة وما يختص به الولد الأكبر.
16. هداية القلوب والحواس في أحكام الزكاة والأخماس.
17. ذريعة الهداة في بيان معاني ألفاظ الصلاة.
18. وله ثلاثة كتب في المناسك، كبير ومتوسط وصغير.
19. رسالة جلاء الضمائر في أجوبة الشيخ باقر.
20. الرسائل المتفرقة في الفروع والأصول.
21. رسالة الأنام في أحكام الصيام.
22. كتاب المتاجر والمكاسب.

 

مؤلفاته العقائدية:

1. محاسن الإعتقاد.

2. الأنوار الوضية.
3. المحاسن النفسانية.
4. منظومة في التوحيد.
5. القول الشارح في التوحيد.
6. شارحة الصدور، منظومة مختصرة في أصول الدين.
7. الحجة لثمرات المهجة، في المعارف الإلهية.
وله في تفسير غريب القرآن كتاب واحد اسمه:
1. مفاتيح الغيب والتبيان في تفسير غريب القرآن.
وله في النحو:
1. أرجوزة في ظن وأخواتها.
2. ورسالة في العوامل السماعية والقياسية.

 

أهم كتبه:
1. (سداد العباد ورشاد العبّاد).
وهو من أشهركتبه، وهو كتاب فقهي، يقع في مجلدين، معمول على طريقة الرسالة العملية، اشتمل على أهم المسائل العبادية والمعاملاتية. وأعيدت طباعته مرات ومرات.
وهو من الطهارة الى المكاسب يقول عنه صاحب الذريعة: وأتى بالإستدلالات على وجه متوسط بين الإيجاز والإطناب.
ويقول عنه العلامة الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني ره (ت 1406هـ/1986م): تجده حاويا لمهمات الفروع من العبادة والتجارة مع الإشارة الى الإستدلال والتفريعات الكثيرة التي قل ما يشتمل عليها كتاب فتوائي في عصره وما قارب عصره وتراه مقفلا في جملة أبوابه وجوهرة لم تفض في مبانيه.
ونظرا لأهمية هذا الكتاب وقيمتة العلمية فقد تناوله بعض العلماء بالشرح، منهم حفيده الشيخ خلف بن الشيخ عبد علي بن العلامة الشيخ حسين (ت 1273هـ/1856م)، والشيخ علي بن الشيخ جعفر أبو المكارم (ت 1364هـ/1944م) باسم (السداد في شرح السداد)، والشيخ عبد المحسن الدرازي البحراني (ت 1408هـ/1988م) باسم (توضيح المفاد في شرح عبارات السداد).
كما قام بصياغته صياغة جديدة سماحة الشيخ محسن آل عصفور تحت اسم (فقه السداد الميسّر). خرج منه جزء في الطهارة والصلاة. ومن بعده الشيخ حسن بن الشيخ أحمد العصفور صاغه بكماله وتمامه في حلة جديدة مبسطة تحت اسم (هداية العباد الى فتاوي صاحب السداد)، طبع في قم سنة 1427هـ.
2. (مصابيح اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع).
والأصل للمحدث الخبير الفيض الكاشاني، شرع في تأليفه سنة 1209هـ وفرغ منه سنة 1211هـ، كتبه بالتماس تلميذه الشيخ مرزوق الأصبعي الشويكي، ويقع في أربعة عشر مجلد من المقدمة إلى الحيل الشرعية يوجد متفرقا في بلاد البحرين، ويوجد بعض الأجزاء في المكتبة المرعشية النجفية بقم، والمكتبة الرضوية بمشهد الرضا عليه السلام. واختصره في مجلدين أسماه (أنوار اللوامع).
3. الرواشح السبحانية (وقيل رواشح العناية الربانية في شرح الكفاية الخراسانية).
وهو شرح مزجى واستدلالي مفصل على كتاب كفاية الأحكام المحقق السبزواري الخراساني المتوفى سنة 1090 هـ المطبوع على الحجر في طهران وفيه نقل كثير من الأقوال وتحقيق في الاستدلال وقد عزم مؤلفه كما جاء في آخر الجزء الأول أن يجزئه عشرين جزء. وهو في البحث أوسع من كتابه أنوار اللوامع إلا انه لم يكمل فقد نقل الشيخ الطهراني في الذريعة أنه خمس مجلدات. كاتبها الشيخ عبد علي بن محمد التوبلي البحراني أحد تلامذة العلامة، وعلى النسخة ختم تمليك الشيخ علي بن الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي وعليها تقريض شعر للشاعر محمد بن عبد الله الشويكي البحراني أحد تلامذة الشيخ، شرع في تأليفه حوالي سنة 1194هـ.
4. (السوانح النظرية في شرح البداية الحرّيّة).
وهو شرح واضح مفصل لبداية الهداية للعلامة المتبحر المحدث الشيخ الحر العاملي قدس سره وهو أحد الكتب الدراسية في العصور السالفة بل من أجل كتب الفقه المختصرة الجامعة وقيل أنه أوفى من مطالب اللمعة، وهو في ستة مجلدات يوجد في مكتبة الميرزا محمد صالح جمال الدين في عبادان وفي الذريعة عند الشيخ عبد الحسين الحلي في النجف والشيخ علي كاشف الغطاء في النجف أيضا كامل وينتهى المجلد السادس الى الديات وقد فرغ منه مؤلفه في الحادي عشر من ذي القعدة سنة 1212هـ.
5. (الفرحة الأنسية في شرح النفحة القدسية).
وهي في مجلدين طبعت في النجف سنة 1345هـ /1926م في المطبعة المرتضوية في مجلد كبير، وهذا الشرح مفصل الدليل والإستدلال وهو من كتب المراجع عند العلماء والمحققين فقد نقل عنه الكثير في المؤلفات والتصنيفات ولا سيما الشيخ الأرومي في شرحه وبعض من الشيخية في فقههم ورسائلهم فرغ من تأليفه 12 ربيع الثاني سنة 1200هـ /1785م.
قال الشيخ مرزوق الشويكي مقرظا ومؤرخا كتاب استاذه هذا:
حبذا نفحة قدس لا تضاها في صلاة أرضت الرب الإلها
نفحة قدسية في نشرها أرج ينعش من شم شذاها
تطرب الرائي والراوي ولا عجب ممن رآها ورواها..الخ.

 

وفاته:
وأبى الله سبحانه وتعالى لهذا العالِم النحرير الذي ملأ الدنيا علما وفقها وتحقيقا وتحريرا إلا أن يستكمل أسباب الكمال والفضيلة، وأن يختم حياته التي مِلؤها الفضل والعلم والجهاد والتقوى والسداد بالشهادة، فنال بذلك أطراف السعادة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: فوق كل ذي بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر.
وقال صلى الله عليه وآله: مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء.
فكيف بمن جمع بين شرف مداد العلماء ودماء الشهداء.
توفي رحمه الله في البحرين وذلك في ليلة الأحد ليلة الحادية والعشرين من شهر شوال سنة 1216 هـ، وكانت وفاته في بعض الوقائع _ يبدو أنها هجمة السلطان بن أحمد الأباضي سنة 1215 هـ _ ضربه ملعون من أعداء الدين بحربة في ظهر قدمه فسرت إلى نفسه فمات شهيدا منها، وأرخ عن وفاته (طود الشريعة قد وهى وتهدما)، وأرخه آخر (غروي)، وتاريخ آخر (قد كانت الجنة مثواه)، وآخر ذكره ابن مؤلف أنوارالبدرين: (قمر الشريعة أفل) أي سنة 1216هـ. وأرخه الشيخ ابراهيم المبارك ره (غروى تاريخه وغادره).
وقبره رحمه الله في قرية سكناه الشاخورة مزار مشهور وقد رثاه الشاعر الماهر الحاج محمد هاشم ابن حردان الكعبي المشهور بقصيدتين عظيمتين بليغتين مكتوبتين في شعره في آخر كتاب كشكول الشيخ يوسف (ره) المطبوع.
ودفن في جواره عدد من أقاربه، والشيخ أحمد بن سلمان، وتاريخ وفاته وبنى قبته حفيده المرحوم الشيخ خلف في السنة اللتي توفي فيها وقد أدخلت بنائها في قصيدة مطلعها:
لست أدري وذاك شيء عجاب أشموس مضيئة أم قباب
وأرخوها قلت هذا وللتواريخ (حق بناه يتم فيه الخطاب).
أي سنة 1355هـ /1936م.
وقيل مات بعد الضربة بثلاثة أيام.
والأمر الغريب في مقتل الشيخ هي الكيفية التي قتل فيها، حيث طعن بالرمح في ظهر قدمه !!
ومهما يكن من أمر فإن ما يمكن قراءته من هذه الحادثة _ التي لم يعلم منها إلا الشيء القليل _ هي سمو وعلو منزلته ورفعة ومنعة مكانته، ومركزية الدور الذي كان يقوم به حينها، وهذا ديدن العلماء ودأب الصلحاء على مر التاريخ حيث يشكلون الحصن المنيع والسور العالي الذي يحمي الأمة من كل سيل عارم وشر داهم.
وقد أقيمت له ذكرى المأتين سنة 1416هـ / 1996م في بلاده البحرين وقد أبّنه بعض الشعراء بالقصائد مؤرخين وفاته.
وقد نظم الوالد الناصري "ره" (ت 1419هـ/ 1999م) قصيدة بهذه المناسبة قال فيها:
ذِكرا لقد شاء المهيمن حفظه في القلب من روح النهيّ بلبابه
حبّا له لما أشاد بعزمه للدين خالد عزّه بقبابه
أعني الحسين ومن كمثل حسينا قلّ مثله في العلم من أترابه
من آل عصفور الفقاهة نابِها قد فاق في الإملا على أضرابه
إن شاب يوم ولاده فلذكره غضّا تراه بعنفوان شبابه
لا غرو إنْ ملَك القلوب بحبه بالفضل ساد وكان من خطّابه
وكذاك أهل العلم من زمن خلى لليوم جلّهم عيال رحابه
قطب لأهل الفقه في توثيقه ولدين طه من كبار طبابه
فهو المؤيد في المقال مسدّد أما الدليل فواضح بكتابه
سفر جليل في البيان بليغه في حوزة العلم العظيم لما به
وهو المجدد للشريعة قطبها تلك المآثر تزدهي بشهابه
كم أعطى في التأليف وقتا غاليا فأفاد في التحبير من أتعابه
هذا التراث وإلا غيره مثّلته للذاكرين بقيعة بسرابه
حتما ستذكره الكرام كرامة طول الدهور وتحتسي بشرابه
بحر العلوم وماله من ساحل تاه الأنام بغوره وعبابه
العلم شهد في خلايا نحله يا حبذا العلم شهد رضابه
علامة البحرين في تحقيقه قرنان شابا والفتى بشبابه
هل يسأل التأريخ منبر وعظه بالله تذكر من بيان خطابه
لم يألوا جهدا في سبيل إلهه نال الجنان ومن قليل ثوابه
صرعوا بمقتله الشريعة في الملا والقتل كان الفضل من أسبابه
إن يقتلوا الجسد المطهّر فأسمه باق مدى الأجيال في ترحابه
باسم الحسين سميّه نال العلا حتى الملائك شرّفوا بركابه
ثم يقول:
فعليه ألف ألف تحية من ربه تهمي له كسحابه
وطفاء تغمر قبره من رحمة ما غرّد القمري فوق عذابه
ولكل الثواب من المهيمن وافر في هذه الدنيا ويوم حسابه
وختمها ببيت التأريخ:
نعت الشريعة قطبها إذ أرّخوا (بحسين يسكن خلدها في رحابه)
1216هـ
وقال في تأريخ الذكرى المأتين له:
علامة العصر الحسين فأرخوا بحسين هذا شاع في أنسابه
1416هـ

 

مرقده:
يقع مرقده في قرية شاخورة (تبعد حوالي 8 كم غرب المنامة العاصمة)، وقد تعرّض المسجد لعدة تجديدات فكان أول من بناه هو المرحوم الشيخ خلف العصفور المتوفى سنة 1355 هـ واستمر حوالي 60 سنة ثم جدد بناؤه وأضيف إليه.
وكان تحت رعاية سلمان بن يوسف محمد علي آل عصفور واستمر حوالي 30 سنة تقريبا ثم قام أيضا الحاج علي الشاخوري بإضافة جديدة إليه تقدر 80 % تقريبا إلى أن تم هدمه في عام 1987م، وافتتح عام 1988م بحضور جمع غفير من العلماء والمشايخ.
وقد نظم المرحوم الشيخ ابراهيم المبارك قصيدة بمناسبة إتمام تشييد البناء السابق للضريح، من أبياتها:
لستُ أدري وذاك شيء عُجاب أشموسٌ مضيئة أم قِبابُ
وقِبابٌ من حُمرةِ الشمس تُكسى أم بُروقٌ قد أومضتها سحابُ
وسحابٌ قد غيّبت بدر تُمٍّ أم عُلومٌ يُحثى عليها التُراب
إنه الطُور يُخلعُ النعل فيه وللثم يُناطُ فيه النقاب

 

أولاده:
وللشيخ العلامة قدس الله نفسه أولاد كلهم علماء فضلاء، وكانوا نعم الخلف لنعم السلف:
1. العالم الفاضل الباذل الشيخ محمد ولد سنة 1169هـ /1755م توفي سنة 1216هـ بعد أبيه بقليل.
2. الشيخ عبد الرضا ولد سنة 1185هـ / 1771م.
3. الشيخ علي، قال الشويكي ره في الدرر البهية: كان علما فاضلا متكلما مات في حياة والده وذلك في رجب سنة 1208هـ / 1793م.
4. الشيخ حسن وهو من الأعلام الأكابر ولد سنة 1182هـ هاجر بعد أبيه الى شيراز ثم بعد عام 1240هـ / 1824م الى أبو شهر فكان عالمها وإمامها وتولى القضاء والإفتاء والتدريس فكان زعيمها الروحي له مكانته السامية وله تصانيف منها: رسالة عملية، شرح منظومة والده في أصول العقائد وتوفي بها عام 1261هـ / 1845م.
" قال فيه العلامة السيد محمد باقر الاصفهاني: إني لأعلم ان لكل وقت صمدا وأنك والله صمد هذا الوقت.
5. الشيخ عبد الله وهو من العلماء الأفاضل أيضا خلف أباه في زعامة البحرين الروحية والقيام بالوظائف الشرعية، وأعقب ولده الشيخ سليمان وهو من أعلام هذه الأسرة هاجر إلى شيراز.
6. الشيخ عبد علي توفي في البحرين في حياة والده سنة 1208هـ / 1793م.
7. الشيخ أحمد.

 

من بعض ما قيل فيه:
1. تلميذه الشيخ مرزوق الشويكي (ق 13هـ): هذا الشيخ أجل من أن يذكر وفضله وشرفه أعظم من أن يشهر، قد انتهت إليه رئاسة الإمامية حيث لم تسمع الآذان ولم تبصر الأعيان مثيلا له في عصره قد بلغ النهاية وجاز الغاية، كان محققا مدققا، مصنفا، ماهرا، ورعا، زاهدا، أديبا.
2. العلامة الميرزا محمد النيشابوري (ت 1233هـ): أمين الشريعة ومعجز الشيعة سيدنا وأستاذنا الشيخ حسين العلامة من آل عصفور.
3. العلامة الشيخ علي بن حسن البلادي البحراني ره (ت1340هـ/ 1921م): العلامة الفاضل الفهامة الكامل خاتمة الحفّاظ والمحدثين وبقية العلماء الراسخين الإخباريين، الفقيه النبيه الشيخ حسين ابن العالم الأمجد الشيخ محمد ابن الشيخ أحمد آل عصفور الدرازي البحراني.
كان رحمه الله تعالى من العلماء الربانيّين والفضلاء المتتبعين والحفّاظ الماهرين من أجلّة متأخري المتأخرين وأساطين المذهب والدين، بل عدّه بعض العلماء الكبار من المجددين للمذهب على رأس ألف ومائتين، كان يضرب به المثل في قوة الحافظة، ملازما للتدريس والتصنيف والمطالعة والتأليف، مواظبا على تعزية الحسين عليه السلام في بيته في كل وقت منيف، لا تخلوا أوقاته من بعض ما ذكرناه.
.. وبالجملة فهو من أكابر علماء عصره وأساطين فضلاء دهره علما وعملا وتقوى ونبلا وبحثه مملوء من العلماء الكبار من البحرين والقطيف والاحساء وأطراف تلك الديار وفتاواه وأقواله منقولة كثيرة مشتهرة من تلامذته وغيرهم في حياته وبعد وفاته ضاعف الله حسناته وله مصنفات كثيرة وكتب كبيرة وصغيرة ذكر هو "ره" جملة منها في إجازته للفاضل الشيخ مرزوق الشويكي وكثير تلامذته في كتبهم وإجازاتهم كالفاضل الشيخ عبد المحسن اللويمي الاحسائي.
4. الشيخ محمد علي العصفوري ره (ت 1365هـ/ 1945م): وهو أحد أولئك الأجلة، وواحد تلك البدور والأهلة، ناشر لواء التحقيق، جامع معاني التصور والتصديق، سيد المشايخ والمحققين، وسند المجتهدين والمحدثين، الشيخ الأكبر والمجدد للمذهب في القرن الثاني عشر كما هو اعتقاد جماعة منهم المحقق النيشابوري في قلع الأساس، والشيخ الأمجد الشيخ أحمد الأحسائي في جوامع الكلم، وهو علامة البشر واليه انتهت رياسة المذهب في الهجر، وذكره شيخ الجواهر في كتابه وسماه بالبحر الزاخر وفوضت إليه امور الشريعة في سنة ألف ومائتين بعد أخذه عن الجهابذة من علماء عصره، فصيّر بيت العلم مصره وحضره جمع من العلماء واستفادوا عنه في علوم شتى أكثرهم حفظا بالأحاديث الشريفة، وأشدهم اطلاعا بفتاوى أرباب المذاهب خصوصا الشيعة.
5. السيد محسن الأمين ره (ت 1371هـ/1951م): كان شيخ الإخبارية في عصره وعلامتهم متبحرا في الفقه والحديث طويل الباع كثير الإطلاع انتهت إليه الرياسة والتدريس واجتماع طلبة العلم عليه من تلك البلاد وبلاد القطيف والاحساء وغيرها.
6. الشيخ آغا بزرك الطهراني (ت 1389هـ/ 1969م): كان من كبار علماء عصره ومشاهيرهم، زعيم الفرقة، وشيخها المتقدم، وعلامتها الجليل، وكان من المصنفين المكثرين المتبحرين في الفقه والأصول والحديث وغيرها.
7. الشيخ طاهر الخاقاني (ت 1406هـ/ 1986م): لو لم يقم الدليل على انحصار الأئمة عليهم السلام في اثنى عشر، لقلت أنه ثالث عشرهم.
8. حسن يوسفي الأشكوري: عُرف عنه بأنه أكبر فقيه اخباري في عصره، وما يصفه البعض بأنه كان مجددا للدين في مطلع القرن الثالث عشر يؤيد مكانته العلمية والفقهية، ودوره في ترويج الدين، وكان ملما بأكثر العلوم المتداولة في عصره يؤيد ذلك تآليفه المتنوعة.

 

أهم التواريخ في حياة الشيخ حسين العصفور (قدس):
1. ولد في البحرين سنة 1147هـ.
2 .شرع في تأليف الرواشح السبحانية 1194هـ.
3. فرغ من تأليفه الفرحة الانسية في 12 ربيع الثاني سنة 1200هـ.
4. شرع في مصابيح اللوامع 1209هـ وفرغ منها 1211هـ.
5. فرغ من السوانح النظرية 11ذو القعدة 1212 هـ.
6. وفاته 21شوال 1216هـ.

 

بعد وفاته:
1. بنيت لضريحه قبة في 1355هـ.
2. جدد بناء المسجد سنة 1408 هـ.
3. أقيمت له ذكرى المأتين في البحرين في 1416هـ.

 

المدفون في جواره من العلماء:
وقد دفن في جوار مرقده بالشاخورة بعض العلماء من أسرة العصفور الشيخ خلف بن الشيخ أحمد المتوفى في سنة 1355هـ والشيخ باقر بن الشيخ أحمد بن الشيخ خلف العصفور المتوفى في سنة 1399هـ.
1. الشيخ خلف بن الشيخ أحمد العصفور.
2. الشيخ باقر العصفور.

 

المصدر: (منقول بتصرف): الاوقاف: المزارات في البحرين – محمد باقر الناصري

 

 

الشيخ حسين علامة

مسجد الشيخ حسين في بنائه القديم قبل التحديث

 

الشيخ حسين علامة.jpg 2

مسجد ومقام الشيخ حسين الحالي ببنائه الجديد

مقبره شيخ حسن آل عصفور 2

ضريح الشيخ حسين العلامة من الداخل

مقبره شيخ حسن آل عصفور

جانب من الضريح الداخلي

فريق التنقيب عن المدرسة

فريق التنقيب الذي قام بالتنقيب عن مدرسة الشيخ حسين ونجحوا في تحديد معالمها

مدرسة الشيخ حسين

مدرسة الشيخ حسين بعد التنقيب ولا نعلم ما مصيرها الان

 

000000000000000000000000000000000

وهنا نرفق مشاركة وصلتنا من احد الاخوة تتعلق بنفس الموضوع وننقله كما وصلنا عبر الايميل

 

 

 

 
في فكر العلامة الشيخ حسين آل عصفور(قدس سره )
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
أحببت أن أفيد موقعكم الموقر بموضوع ألا وهو محاضرة للعلامة الشيخ سليمان المدني (قدس سره) بعنوان ((( في فكر العلامة الشيخ حسين آل عصفور(قدس سره)
 
ستجدون فيه شواهد تاريخيه ستفيدكم إن شاء الله..
 
 ــــــــــــــــــــــــــــ
 
المقدمة: الشيخ علي المعلم
 
        أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم,الحمد الله رب العالمين, و الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وحبيب إله العالمين وشفيع المذنبين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين.
رب أشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي, قال الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ1.
سماحة العلامة، الأخوة الحضور السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
        انطلاقا من الآية المباركة التي تعطي الأهمية البالغة للموقع وللصدارة وللمكانة التي حددها الإسلام بالنسبة لمقام رجل الدين, وانطلاقا من الأحاديث المباركة التي أكدت على أهمية رجل الدين في المجتمع، وعلى دوره في مختلف الأصعدة، وعلى الوجود الميداني والتحرك المصداقي للعلماء وللفقهاء الأعلام تصل إلى درجة يعتبرها الإسلام أن في وجودهم وفي تحركهم دوراً لا تختلف أهمية عن تحرك العلماء أو بالنسبة إلى تحرك الأئمة سلام الله عليهم، ولا ننسى الصدارة التي وضع أئمة أهل البيت سلام الله عليهم مكانة العلماء فيها، فالعالم كما تحدد الروايات وخصوصا التوقيع الوارد عن الناحية المقدسة لإمام العصر عجل الله له الفرج في قوله: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة الله عليهم". وهناك أيضا جملة من الأحاديث الواردة عنهم سلام الله عليهم التي توحي لنا المكانة والصدارة والأهمية البالغة الملقاة على عاتق العلماء خصوصا بعد غيبة ولي العصر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء, فلا مجال لأن أتكلم في هذه الأهمية، والكل يعرف الأهمية البالغة والمكانة المقدسة التي نقدسها ونعتبر أن العالِم في مثابة المحرك لفكرنا ولعقيدتنا، والمدافع عن بيضة الإسلام وعن المذهب.
وهاهنا وفي هذه الليلة نحن وإياكم على موعد مع علمٍ من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر ومع فذ من أفذاذ علمائنا الأعلام ألا وهو الحجة العلامة الشيخ سليمان المدني البحراني حفظه الله سماحة الشيخ موقعه في قلوب الشباب والمكانة التي احتلها في قلوب المؤمنين وخصوصا في قلوب الشباب المثقف في البحرين مكانة لها أهميتها، ولها دورها في مجتمع البحرين, فهو رائد الكلمة، وهو المربي لهذا الجيل المثقف، وهو أيضا المدافع عن المدرسة التي استمرت وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا, المدرسة التي أسسها أعلامنا ووضعوا لها القواعد المتينة وهي مدرسة صاحب الحدائق والشيخ حسين وغيرهم من العلماء الأعلام.
نعيش و إياكم مع هذا العالم ولا بد لنا أن نعرفكم عن الحياة الدراسية لشيخنا المدني, الولادة في البحرين في مدينة جدحفص سنة 1359هـ, بدأ الدراسة في البحرين على يد الشيخ عبد الحسن والشيخ إبراهيم المبارك, ثم انتقل إلى النجف الأشرف عام 1379 هـ, وهناك التحق بكلية الفقه من جهة وشارك في الحوزة من ناحية أخرى، ومارس الدرس والتدريس، التحق في الحلقات العلمية البارزة آنذاك كدرس المرحوم المرجع الديني السيد محسن الحكيم حضر على يده في الفقه وحضر دورة كاملة في البحث على يد المرحوم المرجع الديني فقيه الطائفة السيد الخوئي عطر الله مرقده الشريف في الأصول, كما درس أيضا عند أعلام النجف آنذاك السيد محمد تقي بحر العلوم, والملا صدرا, والشيخ إبراهيم الكرباسي.
ومن أقرانه في الدراسة وفي الدرس سماحة الدكتور الفضلي وسماحة السيد علي ناصر, وهذان علمان من أعلام المنطقة, وأيضاً من أقرانه في الدرس سيد عز الدين بحر العلوم وهو من المدرسين المشهورين في الآونة الأخيرة في النجف الأشرف, والسيد محمد حسين بحر العلوم والشيخ محمد جعفر شمس الدين, والشيخ الآصفي وغيرهم من الأعلام الموجودين.
فنحيي هذه الليلة وبقلوب واعية وبعقول متفتحة لنستمع إلى توجيهات هذا الأب الروحاني لشباب هذا اليوم وللطليعة المؤمنة الذين جاءوا ليستمعوا إلى رائد الكلمة وإلى رائد الحركة الإسلامية في البحرين ألا وهو سماحة العلامة الحجة سليمان المدني فليتفضل مشكوراً ….
 
 
——————————————————————————–
 
كلمة العلامة المدني
 
بسم الله الرحمن الرحيم, والصلاة والسلام على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين, والحمد لله أحمده سبحانه الذي وفقني للاجتماع بهذه الوجوه النيرة المؤمنة، وأشكره تعالى على هذه النعمة العظيمة, كما أشكر الأخ الشيخ علي المعلم الذي مهَّد وأصر على هذا الاجتماع وإن كان فيما قاله من مدح كثير من الغلو أو كثير مما لا أستحق, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في الحقيقة لست أدري كيف أبدأ, ففضيلة الشيخ علي المعلم لم يحدد موضوعاً أتكلم فيه بل ترك الأمر عائماً, الرسالة التي نقلت لي على يد بعض الشباب هو الكلام عن الشيخ حسين آل عصفور المشتهر بالعلامة رحمه الله, والكلام عن هذا الرجل بدون تحديد موضوع في حدّ ذاته صعب, الشيخ حسين ليس رجلا عادياً، ولا فقيهاً عادياً يمكن الكلام عليه من جنبة واحدة، فهو ليس مجرد فقيه يرجع إليه الناس في الأحكام, بل له صفات ومميزات تجعله وحيداً بين أقرانه، أو حتى بعد أزمانه, فالرجل بالإضافة إلى كونه علماً من أعلام الشيعة، وبالإضافة إلى كونه رجلاً من رجالات العلم الخالدين، ويكفي أنه في ذلك الوقت وفي ذلك الزمان يلقب بالعلامة، ولفظ العلامة في ذلك الوقت لم يكن هيناً كوقتنا الحاضر حيث يطلق على معظم الناس كما يطلق عليه رحمه الله، لم يكن يطلق في ذلك الوقت لفظ العلامة إلا على الجهبذ الوحيد في عصورٍ متمادية, أطلق لفظ العلامة على الحسن بن المطهر الحلي رحمه الله, وأطلق لفظ العلامة على الشيخ حسين العصفور رحمه الله, هذا الإطلاق ليس من أجل المحاباة أو المجاملة، لم تكن في ذلك الوقت الألفاظ تطلق إلا على من يستحقها.
الرجل بالإضافة إلى أنه فقيه، وإلى أنه زين المحدثين – كما يعبر عنه في الإجازات وفي كتب الرجال- فقد كان قائداً سياسياً بارعاً في زمنه، حضر الساحة المضطربة في ذلك الوقت, ويدلكم على هذا الحضور طريقة وفاته رحمه الله، فأنتم تقرؤون في المعاجم وكتب الرجال أنه مات بسبب ضربة حربة من يد أحد الخوارج, في ذلك الزمان لم يكن يسكن البحرين غير الشيعة, فمن أين جاء الخوارج وضربوا الشيخ حسين؟ المؤسف له أن كتب الرجال عندنا عندما تتكلم عن الشخص لا تتحدث عن الظروف الاجتماعية التي كان يعيشها، ولا تتكلم عن الأنشطة الاجتماعية التي كان يزاولها, وحتى نعرف كيف استشهد هذا الرجل لا بد أن نعرف دوره في الساحة السياسة المضطربة في ذك الوقت، أي بداية القرن الثالث عشر الهجري.
في ذلك الوقت كانت البحرين نسبياً تتبع إيران, فمنذ أن احتلت من قبل الإيرانيين في العهد الصفوي بقيت جزيرة البحرين أو جزيرة أوال وما معها من الجزر تابعةً في بداية الأمر تبعية تامة للدولة الصفوية في إيران, ومن بعد ذلك تبعية اسمية، ففي أواخر عهد الصفوين وضَعْف شأنهم تأسس في البحرين مجلس كان يعرف في ذلك الوقت باسم ديوان السلطنة, وكان العضو الذي يكون في ذلك المجلس يحمل لقب وزير الدولة, بطبيعة الحال طريقة الدخول إلى هذا المجلس هو عن طريق الانتخاب, وكان هناك حزبان رئيسيان يتصارعان على حكم البحرين وعلى تحصيل الأغلبية في ذلك المجلس وهما حزب البلاديين وحزب الجدحفصيين, وبقي هذا الحال حتى بعد سقوط الدولة الصفوية وقيام الدولة القاجارية, بقيت التبعية اسمية، وكانت البحرين تدار إدارة ذاتية من الداخل عن طريق هذا المجلس، وعن طريق الأعضاء المتواجدين فيه.
وفي بداية القرن الثالث عشر اضطربت الأحوال في المنطقة وأخذت الهجومات تترى على البحرين من الخارج، سواء من القبائل المغيرة التي كانت تغيرعلى البحرين بقصد السلب والنهب أو من الدول المجاورة التي تريد احتلال البحرين وضمها إليها, ومن هذه الدول الدولة العمانية، وفي أيام سلطانها سعيد بن سلطان وقع الهجوم على البحرين عام 1216هـ, فاجتمع ديوان السلطنة برئاسة السيد ماجد بن السيد حسن الجدحفصي وكان رئيس حزب الجدحفصيين في ذلك الوقت، وبحضور المندوب الإيراني الشيخ جباره الهولي و أيضاً بحضور مرجع البلاد الشيخ حسين رحمه الله في قلعة الديوان, وكانت البلاد محاصَرَة محاصرةً تامة, كان رأي السياسين والسيد ماجد وسائر أعضاء المجلس أن يطاولوا العمانيين في الحصار إلى أن يمكن تحصيل نجدة من الدولة الإيرانية أو الدولة العثمانية لفك الحصار, طبعاً لو بقي الأمر على ذلك لمات الناس وخاصة الفقراء منهم جوعاً, فالموقف السياسي قد لا يتفق أحياناً مع الموقف الشرعي, ولذلك أصر الشيخ حسين رحمه الله على أن يقوم بأحد أمرين, إن كانت لديه القوات الكافية في المقاومة وفي المدافعة فعليه أن يقوم بالمقاومة والمدافعة ودفع العدو، وإن كان يعجز عن ذلك فعليه بالتسليم حتى لا يموت الفقراء في بيوتهم جوعاً, وعندئذ اضطر الحكام أن يخرجوا لمحاربة الغازين العمانيين, وكان فيمن خرج أيضاً وممن قاد تلك المعركة هو نفسه، الشيخ حسين رحمه الله، حيث جرح في المعركة في قلعة الديوان أي عند قلعة الديوان, وقلعة الديوان هي قلعة المنامة، وهي مركز وزارة الداخلية في الوقت الحاضر حيث ضربه أحد العمانيين بحربة مسمومة على رجله فوقع جريحاً، ثم نقل جريحاً إلى بيته في الشاخورة وتوفي بها.
فالشيخ رحمه الله بالإضافة إلى كونه فقيهاً ومرجعاً كان من القادة السياسيين المشاركين في صياغة وفي تسيير دفة الحكم في ذلك الوقت في البلاد, والحاضرين دائماً في الساحة بكل ما فيها من مآس،ٍ وكل ما فيها من صعوبات، ولم يكن فرداً عادياً كسائر الناس, هذا من جهة حياته الاجتماعية.
ومن جهة قدراته العلمية فأيضاً الشيخ حسين رحمه الله له قدرات مختلفة، وطرق علوم كثيرة متباينة, وإذا كان قد أطلق عليه لقب مجدد المذهب على رأس القرن الثالث عشر فهذا اللقب لم يطلق عليه من قبل مؤيديه ومن قبل مقلديه, وإنما أطلق عليه من قبل علماء الرجال، ومن قبل الفقهاء والمجتهدين؛ سواء منهم من يوافقه أو من يخالفه, فليس عبثاً أن يطلق عليه رحمه الله لقب مجدد المذهب على رأس القرن الثالث عشر, ولذلك لا يمكنني التحدث عن الشيخ حسين رحمه الله من جميع الجوانب ومن جميع المجالات العلمية التي تطرق إليها رحمه الله، سواء بالكتابة والتأليف أو بالشرح أو بالتدريس والإفادة, وإنما سأكتفي بالحديث عن فكر الشيخ حسين رحمه الله من خلال المدرسة الفكرية والفقهية التي كان يتبناها ويحملها ويدافع عنها.
بطبيعة الحال أنه بعد سنة المئة والألف من الهجرة النبوية انشق الشيعة مع الأسف إلى فريقين كبيرين ومدرستين عظيمتين, هما مدرسة المجتهدين ومدرسة المحدثين, مدرسة المجتهدين قالت إن أصول العلم الشرعي تعود إلى أربعة مصادر وهي الكتاب والسنة والعقل والإجماع, ومدرسة المحدثين قالت إن العلم الشرعي الديني يعود إلى مصدرين اثنين, هما الكتاب والسنة, وأنكرت أن يكون للعقل دخل وحكم في القضايا الشرعية وفي الأحكام الجزئية والفرعية.
هذه المدرسة في بداية أمرها أو حتى إلى أواخر أمرها ما كانت تنكر تدخل العقل في أصول الدين وإنما تنكر تدخل العقل في فروع الدين, ولكن حصلت تحويرات كثيرة تلوفي فيها ما يمكن أن يتلافى من الاعتماد على الاستدلال العقلي البحت حتى في أصول الدين, أضرب مثلاً: من المعروف أنه في قديم الزمان وقع الجدل الشديد بين الأشاعرة وبين المعتزلة في أن الإيمان بالله سبحانه وتعالى أو معرفة الله سبحانه وتعالى هل يجب أن تكون عن دليل وعن اجتهاد؟ أو يجوز أن تكون عن تقليد واتباع؟ فذهب الأشاعرة إلى أن معرفة الله والإيمان بالله يصح أن تكون عن تقليد واتباع، وذهب المعتزلة إلى أن الإيمان بالله ومعرفة الله يجب أن تكون عن دليل وعن اجتهاد، وأن الإنسان لو آمن بالله ولكنه لم يؤمن به عن دليل وعن اجتهاد وإنما آمن به عن تقليد واتباع للآباء والأجداد فإيمانه باطل ولا يستحق أن يسمى مؤمناً.
والشيعة أيضاً انقسموا في هذه المسألة؛ فمنهم من قال بما قالت الأشاعرة وهو أنه يصح أن يكون الإيمان بالله عن اتباع وعن تقليد، ولكن الغالبية والمشهور قالوا إنه لا يصح أن يكون الإيمان بالله إلا عن اجتهاد وعن دليل يقيمه المكلف على وجود الله سبحانه وتعالى الذي يؤمن به, وكان بطبيعة الحال لكل فريق من هذين الفريقين حججه وأدلته, فالذين لا يصححون الإيمان الذي يأتي عن طريق الاتباع وعن طريق التقليد يقولون إن الله سبحانه وتعالى ذم المشركين الذين قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ2, ولو كان الاتباع للآباء وللأجداد أو للعلماء أو غير ذلك مما يجوز في مقام الإيمان بالله لما كان يصح أن الله سبحانه وتعالى يستنكر عليهم هذا العمل مادام هو يصح, بالإضافة إلى أن التقليد وإلى أن الاتباع غاية ما يثمر إنما هو الظن, والمطلوب في مقام الإيمان وفي مقام العقيدة هو الجزم, وأيضاً يرد القائلون بجواز الاتّباع فيقولون أنكم لم تأتوا بالآية كاملة لأن الله سبحانه وتعالى ما نهى عن الاتّباع وعن التقليد مطلقاً وإنما نهى عن الاتباع والتقليد في حالة أن يكون المتّبَع والمقلَّد جاهلاً لا يفقه شيئاً, أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ3, فإذن مقام الاستنكار ليس على قولهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ4, وإنما مقام الاستنكار من الباري سبحانه أنهم إنما اتبعوا آباءً لا يفقهون شيئاً ولا يعلمون، أما لو كان آباؤهم عالمين بالله عارفين به مسلمين بالنبوة، فعندئذ لا يكون اتباعهم مزرياً عليه ولا مستنكراً من قبله تعالى.
على أي حال هذا الجدال لم ينته بين الطرفين، وأخذ كل طرف يشنع على الطرف الآخر, مدرسة أهل الحديث رأت في أن هذا الجدل حيث إنه إنما اعتمد على التحليلات العقلية الصرفة لم يأت بشيء، وهو إنما جعل الشيعة في كلا الفريقين يتبعان غير الشيعة، فالذين قالوا بالجواز أو بتصحيح التقليد وبتصحيح الاتباع إنما هم يقولون بمقالة الأشاعرة، والذين منعوا من التقليد والاتباع وأوجبوا الدليل والاجتهاد إنما قالوا بمقالة المعتزلة, وأن المسألة في حقيقتها ليست محطاً للتقليد وليست محطاً للاجتهاد, ذلك أن قضية الإيمان بالله أمر فطري، والمعرفة أمر بسيط فطري خلقه الله في الكائنات, أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ5, وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ6.
فإذاً الإيمان فطري، والعبد ليس له دخل في صنع المعرفة حتى يقال إنه قلد أو أنه اجتهد, ولو قلنا بالاجتهاد لكان ينبغي أن يحكم على عامة المسلمين بالهلاك, لماذا؟, لأن غالبية الناس حتى العلماء في معظمهم لا يتمكنون من الإتيان بالدليل الحقيقي على وجود الله سبحانه وتعالى, ومجرد أن يذهب المكلف إلى العالم ليعطيه الدليل على وجود الله لا يجعله قد آمن بالله عن دليل, لأن التقليد في الدليل هو تماماً كالتقليد في نتيجة الدليل, فإذا كنتم تقولون بعدم صحة التقليد والاتباع في نفس الإيمان فينبغي أيضاً أن تقولوا بعدم صحة التقليد والاتباع في نفس الدليل, لأن الإنسان الذي يقلد العالم في دليله هو كالذي قلده في نتيجة دليله, ما هو الفرق؟
فإذن لو قلنا بوجوب الاجتهاد وبوجوب الدليل في الإيمان لكان ينبغي أن نحكم بخروج غالبية هؤلاء المؤمنين من ربقة الإيمان؛ لأنهم لا يتمكنون أن يأتوا بالدليل الذي يسد جميع الشبه وجميع ما يثارحول الإيمان بالله, والقضية بالإضافة إلى ذلك لا تحتاج إلى اجتهاد ولا تحتاج إلى تقليد وإنما تحتاج إلى تنبيه باعتبار أنها أمر فطري مركوز في أصل الخلقة.
فإذن في هذه الحالة أو في هذه النظرية التي جاءت بها مدرسة الحديث وفّقت بين الطرفين وأزالت الخصام والتشاجر من بين الفريقين المتشاجرين وهو أن اتباع الأب مجرد تنبيه للفطرة، واتباع العلم في الدليل مجرد تنبيه للفطرة، والنظر والاستدلال من القادر عليه أيضاً مجرد تنبيه للفطرة, لأن العلم كما هو مقسم عند العلماء إلى قسمين, علم حصولي, وعلم حضوري, والعلم الحصولي هو الذي لا يكون موجوداً عند الإنسان, أي العلم الكسبي وهو الذي لا يكون موجودا عند الإنسان, وإنما يسعى إليه ويكسبه عن طريق الأدلة، وعن طريق البحث العلمي، وعن طريق إجراء التجارب في مقام ما يحتاج إلى تجارب، وعن مقام إجراء الاستقراء في مقام ما يحتاج إلى الاستقراء فيصل إلى نتيجة لم تكن موجودة عنده, هذا يسمى علما كسبيا, وعلم آخر هو موجود, مثال ذلك, علم النفس بأحوالها, علمي بنفسي بأنني جائع, فأنا لا أحتاج إلى كسب ونظر حتى أعرف أنني جائع, وأيضاً علمي بنفسي أنني أعرف القراءة والكتابة, أو أنني أستطيع النظر وأستطيع الإبصار، ولا أحتاج فى هذه الأمور إلى كسب ونظر, لأنها موجودة عندي, أحياناً أذهل عن حالة نفسي، فقد أكون في أشد حالات الجوع ولكنني لا ألتفت إلى نفسي بأنني جائع لأن هناك ما شغلني عن الإحساس بالجوع, ومجرد حدوث منبه بسيط يجعلني أشعر بالجوع وألتفت إلى الجوع, وكذلك القضايا التي يدركها الإنسان ويعرفها قد تغيب عن ذهنه إما للغفلة وإما للشبهة أو غير ذلك، وبمجرد أن يحصل التنبيه يعود إلى تذكر ما غاب عن ذهنه, فإذن الشيء الموجود لا يحتاج إلى كسب لأنه يكون من تحصيل الحاصل، وما دامت المعرفة بالله سبحانه وتعالى قد خلقها الله في نفس الإنسان فهو لا يحتاج إلى كسبه، ومن أجل ذلك سئل الصادق صلوات الله وسلامه عليه "أللعبد دخل في المعرفة, هل يجب على العباد أن يعرفوا الله ؟, قال : لا, لا يجب على العباد أن يعرفوا الله ولكن يجب على الله أن يعرفهم نفسه, فإذا عرفهم نفسه وجبت عليهم طاعته".
فالمعرفة إذن هي من صنع الله وليست صنع الإنسان بكسبه عن طريق التقليد والاتباع أو عن طريق النظر والاجتهاد, المعرفة بالله أو معرفة الله أمر بسيط، خلق وفطر عليه الإنسان، ولأننا لو فتحنا باب وجوب الاجتهاد لكان ينبغي أن نقول أن كل من اجتهد وبذل ما في وسعه ونظر واستدل فهذا يكون عند الله معذوراً حتى لو أوصله اجتهاده إلى الإلحاد والعياذ بالله, وبطبيعة الحال لا يلتزم بهذه النتيجة أحد, نعم الجاحظ التزم بذلك وقال – طبعاً الجاحظ من المعتزلة وهم أصل القول بذلك– التزم بذلك وقال إن المكلف متى ما نظر واستدل واجتهد فقد أدى ما عليه من قبل الله, وليس عليه أن يكون مصيباً؛ لأن الإصابة والخطأ ليسا من الأمور الإرادية, يعني أن الإنسان لا يصيب بإرادته، ولا يخطئ بإرادته، وإلا فما من إنسان يريد أن يخطيء, وإنما يكون الإصابة بتوفيق من الله و الخطأ بعدم تحصيله على التوفيق, فعندئذ يكون مأجوراً من الله سواء أصاب أو أخطأ. طبعاً لا يمكن لأي شيعي أن يلتزم بهذه النتيجة ويقول إن الإنسان إذا نظر واجتهد وألقاه اجتهاده إلى عدم وجود الله يكون يوم القيامة معذوراً، ومن أهل الجنة.
فإذن ما ذهب إليه أهل الحديث من أن هذه القضية لا تحتاج إلى الاستدلال العقلي وذلك لأنها من الأمور الفطرية حلّت مشاكل كثيرة سواء بين الفريقين المتنازعين من المتكلمين من الشيعة أو بالنسبة إلى سائر الناس، فكل من شهد ألا إله إلا الله اعتبر موحداً, فإذا شهد بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله اعتبر مسلماً، وبذلك يحل هذه الإشكال، ولم يعد هناك مبرر لأن يقال إنه يجب النظر، أو أن يقع الخلاف في أول ما يجب على المكلف هل هو النظر أو مقدمات النظر أو غير ذلك, فهذه كلها مسائل كانت تثير الجدل وكانت تثير النقاش قد أريح واستراح منها الباحث العلمي بسبب هذه النظرية.
أيضاً هذه المدرسة كما قلنا تذهب إلى أن العقل له دخل في أصول العقائد كالاستدلال مثلاً على صفات الله سبحانه وتعالى, لابد أن يكون للعقل دخل فيها وغيرها كذلك، كالنظر في معاجز الأنبياء؛ فهنا أيضاً لابد من دخول للعقل فيها، ولكن بالنسبة إلى فروع الدين كالاستدلال على الأحكام الشرعية الفرعية قالوا إن العقل لا مسرح له فيها, ولكن ما هو هذا العقل؟
من الغريب أنني لقيت أشخاصا يعتقدون بأن المحدثين يقولون إن الفقيه يجب أن يكون بلا عقل حتى يصح أن يكون فقيها, ليس ذلك كذلك, على أي حال المحدثون يقولون إن العقل لا مسرح له في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين الجزئية, وعمدة دليل العقل تقوم على شيئين أو أن العقل بحد ذاته يقسمه الفلاسفة إلى قسمين, عقل نظري, وعقل عملي, والعقل النظري مثل إدراكنا أن الاثنين أكثر من الواحد أو أن الواحد نصف الاثنين، وأن الأربعة زوج تنقسم على اثنين، وأن الكل أكبر من الجزء، و أن النقيضين لا يجتمعان وأن الضدين لا يجتمعان إلى غير ذلك من هذه الحدود، فهذه تسمى بالعقل النظري. والعقل العملي ينحصر في القضايا الخلقية, هذه القواعد تسمى التهذيبات والصلاحية, وطبعا إذا أردنا أن نستدل عليها فيما لو قيل ما هو دليلكم على ذلك, نقول إنها حسنة وهذا هو معنى الحسن.
طبعاً عمدة الدليل العقلي في الحقيقة خاصة عند الشيعة إنما يعتمد على الحسن والقبح العقليين, وإلا فباب الاستدلال في الدليل النظري للعقل النظري على الأحكام نادر وقليل جداً ولا يِلتفت إليه, وإنما النزاع الذي وقع وأثير بين مدرسة المحدثين وبين مدرسة المجتهدين هو الاعتماد على الدليل العقلي العملي؛ أي باب الحسن والقبح العقليين, ولا إشكال في أن الأشياء في حد ذاتها تكون فيها حسن وقبح, ولا إشكال أن العقل قد يدرك بعض وجوه الحسن وبعض وجوه القبح في بعض الأشياء، فكل إنسان مسلماً كان أو كافراً, صغيراً أو كبيراً, متعلماً أو جاهلاً, لو سألته ما رأيك في العدل لقال حسن, ولو سألته ما رأيك في الظلم لقال قبيح, لا يشكك أحد من بني البشر في حسن العدل ولا يشكك أحد من البشر في قبح الظلم، بالإضافة إلى أمور أخرى قد يدرك العقل حسنها ويدرك قبحها, هذا الإدراك لو فرضنا أن العقل أدرك الحسن أو أدرك القبح في موضوع من الموضوعات, وفرضنا أن هذا الموضوع لم يرد فيه نص من قرآن ولا من سنة, فهل يصح العمل بهذا الإدراك العقلي واعتباره حجة؟ وأنه حكم الله في الواقعة؟ فالخلاف في التلازم بين إدراك العقل وبين حكم الشرع, فالمجتهدون ذهبوا إلى وجود التلازم بين إدراك العقل وحكم الشرع, والمحدثون ذهبوا إلى عدم التلازم بين إدراك العقل وحكم الشرع.
طبعاً المجتهدون يقولون إن الله هو سيد العقلاء، فإذا حكم العقلاء بحسن شيء فلابد أن يحكم سيدهم بما حكموا به, لأنه سيد العقلاء, والمحدثون يقولون إنه لا يلزم أن تكون المصلحة الواقعية على طبق إدراك العقل حتى يلزم أن يحكم به الله سبحانه وتعالى وإن كان هو سيد العقلاء, وإن كان هو واهب العقل, بالإضافة إلى ذلك فإن العقل لا يدرك الموضوع الخارجي, ولا يدرك إلا المفهوم الكلي, فلا يوجد مفهوم أوضح في الحسن من مفهوم العدل, ولا يوجد مفهوم أوضح في القبح لدى العقل من مفهوم الظلم, ولكن لو وزعت على الحاضرين أوراقاً وطلبتَ من كل شخصٍ أن يعرف الظلم وأن يعرف العدل لوجدت تعريفات بعدد الحاضرين, ولو وزعت أوراقاً بعدد سكان الكرة الأرضية من رجال ونساء وصغار وكبار و جمعتها لوجدت تعريفات قلّ ما تشترك مع بعضها البعض, وهذا يكشف عن أن العقل إنما يدرك الحسن والقبح في بعض المفهومات وليس في كل المفهومات, وأنه يدرك هذا الحسن والقبح في المفهوم لا في الموضوع, فالموضوع الخارجي لا يدرك فيه, أضرب مثلاً, لو كان في هذه القرية خباز واحد فقط, لكان جميع أهل القرية من أين يشترون الخبز؟, من ذلك الخباز, وعندئذ يكون له ربح وفير جداً, فلو جاء شخص وفتح مخبزاً ثانياً بجواره – طبعاً هذا ليس فيه تقصير لهذا الإنسان بجزء مما كان يدخل عليه – فيأتي الخباز الأول ويعطيه مفهوم الإضرار بالمؤمن, وعندئذ يكون قبيحاً, ولكن صاحب المخبز الثاني يعطيه مفهوماً آخر, يقول عكس القول الأول, هذا من باب التسهيل على المؤمنين, فلابد أن يكون حسناً, ما سبب الاختلاف هنا, لأن العقل يدرك الحسن والقبح, لكن يدركه في المفهومات الكلية العامة, لا يدركه في الجزئيات الخارجية.
ولذلك يجب أن نقول إذا أردنا أن نعمل بهذا النوع من الدليل أن القبح في المفهوم يسري إلى المصداق, طبعاً لا يمكن ذلك؛ لأن المفهوم ليس دائماً من طبيعة المصداق, الكلي ليس دائماً من طبيعة الجزئي, أحياناً يكون من طبيعته مثل انطباق لفظ الماء على الجزء منه، ولكن أحياناً لا يكون من طبيعته، ولذلك مفهوم حرف الجر لا يجر, تجر الباء, وتجر عن, وتجر على, أما عنوان حرف الجر فلا يجر، لماذا؟ لأنه ليس من طبيعته, أي مجرد صورة ينتزعها العقل من مقام الواقع؛ لأن العقل لا يستطيع أن يدرك الخارج, ولا يستطيع أن ينظر الموضوعات الخارجية؛ فلكي يعرف ماذا في الخارج ينتزع مفهوماً ويجعله مرآة، ومن خلال هذه المرآة ينظر إلى الخارج, طبعاً المرآة ليست من طبيعة ما في الخارج, فالفقيه عندما يزاول عمله لا يحكم على المفهومات, بل على الأحكام الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين الجزئية, فالفقيه عندما يزاول عملية الاستنباط فهو إنما يحكم على أمور جزئية، وهذه الجزئية لا يتمكن العقل من اكتسابها إلا عن طريق مرآة ينظرإليها منها, فمن أجل ذلك قالوا بأنه لا يمكن التعويل على دليل العقل في الأحكام الشرعية الفرعية المتعلقة بأفعال المكلفين الجزئية.
هناك أيضاً مسائل كثيرة لا أدري إن كان يمكن أن أطرق بعضها أو أن الوقت قد أزف وقد أطلت . فنترك الموضوع للأسئلة.
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
 
 
——————————————————————————–
 
الأسئلة والأجوبة
 
سؤال: سماحة العلامة, لماذا رفض المحدثون العقل والإجماع كدليل مقابل الكتاب والسنة؟
جواب: أعتقد أن الكلام الذي تقدم كله مصداق للإجابة على هذا السؤال, وبالإضافة إلى ذلك الله سبحانه وتعالى في كتابه يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا7. وقال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ8, وقال سبحانه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم9.
هذه الآيات المباركة هي الدليل الملزم على حجية أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وأفعاله وتقريراته، أي الأخذ بسنته وطاعته في ما أمر ونهى، واتباعه فيما فعل, وقال النبي صلى الله عليه وآله: "إني مخلف فيكم الثقلين, كتاب الله وعترتي أهل بيتي, وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فلا تتقدموهما فتمرقوا ولا تتأخروا عنهم فتزهقوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم وأنهم لن يخرجوكم من باب هدىً ولن يدخلوكم في باب ضلالة". وقال صلى الله عليه وآله: "أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق", إلى غيرها من الروايات الكثيرة المتواترة الشائعة.
وهذه الروايات التي أمر النبي صلى الله عليه وآله فيها باتباع الأئمة من أهل بيته هي دليل حجية أقوالهم وأفعالهم, فمن أين نأتي بالإجازة من الله سبحانه وتعالى للعمل بدليل العقل, بالإضافة إلى ما بينت من دليل العقل العملي.
ولكن على الرغم من كل ذلك لو سألنا من أين لنا إجازة مِنْ قِبَل الله أو من النبي (ص) بأن نعمل في دينه بأقوالنا؟ خاصة إذا نظرنا في كلمات أمير المؤمنين (ع) في ذم القضاة الذين نصبهم الخلفاء الذين من قبله حيث قال: "ترد القضية على أحدهم فيحكم فيها ثم ترد على غيره فيحكم فيها بغير ما حكم به صاحبه ثم يجتمعان إلى إمامهما الذي استقضاهما فيصوب آراءهم" إلى أن قال عليه السلام: "أوأنزل الله ديناً ناقصاً فاحتاج إلى عقولهم ليكملوه, أم هم شركاؤه فلهم أن يأمروه وعليه أن يرضى".
فإذاً لا يوجد هناك دليل من الشرع على حجية دليل العقل, وقد بينا حاله من أنه لا يتعلق ولا ينظر إلا عن طريق المرآة المنتزعة من عنده, إلا أن نقول بالجزم والقطع، وهذا باب آخر قد يطول الكلام فيه في الوقت الحاضر، ولكننا نقول إن الجزم بحد ذاته لا يشكل ديناً ولا يشكل علما, وربما جزم الإنسان بأمر ولكنه خلاف الدين، وخلاف العلم، كأهل الجاهلية الذين جزموا بصحة عبادة الأصنام، وضحوا بالغالي والنفيس والأرواح في صيانة هذا الاعتقاد، وهم لا إشكال جازمون بصحة ما هم عليه، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى سماهم ظانين وسماهم يخرصون, قال سبحانه وتعالى: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ10, مع أنهم في الواقع جازمون وقاطعون، ومجرد الجزم والقطع لا يجعل المجزوم به والمقطوع به علماً حتى يكتسب الحجية، بل إن الله سبحانه تعالى خلق للعلم طرائق عند الإنسان, فهو خلق له العينين والشفتين واللسان وخلق له اليدين والأذنين.
فإذاً مصادر العلم هي الحواس الخمس, الشم والسمع والنظر وغير ذلك، ومنها تأتي المعلومات، وكذلك تأتي أيضاً المعلومات من الفطرة, وأما ما خرج عن الفطرة وعن الحواس الخمس فلا يستحق أن يسمى علماً إلا أن يكون قد جاء عن طريق البرهان التي تكون مقدماته قد جاءت من الطرق العلمية، ولكن عندئذ تكون حجيته ذاتية أي لا تنطبق إلا على من قام عنده البرهان, هكذا نص على ذلك ابن سينا في كتابه الشفاء وغيره من الفلاسفة الكبار من أن حجية البرهان ذاتية؛ بمعنى أن العلم البرهاني لا يكون حجة على غير من قام عنده البرهان، والفقيه إنما يريد حجة عامة إذا قامت تقوم عليه وعلى غيره حتى يصح تقليده فيما توصل إليه، وعندئذ لا يكون العلم البرهاني النظري حجة بالنسبة لغير من قام عنده البرهان, هذا عند الفلاسفة, وأما عند المتشرعة فإنهم يحتاجون إلى دليل شرعي يثبت حجية هذا البرهان أيضاً.
س: شيخنا قد ذكرتم أنه إذا كانت هذه المباني على عدم حجية العقل والإجماع كدليل أو كمدرك, فعلى ماذا اعتمدت مدرسة المجتهدين في حجيتهما؟
طبعاً الذي ينظر فى الجزء الثاني من كتاب أصول المظفر – وهو أستاذنا رحمه الله وقد درست على يديه – يرى أنه يحتج على دليل العقل بالقطع، ويرى أن القطع هو حجة الحجج، ثم يستدل على حجية هذا القطع بأن حجية العلم ذاتية, وقد قلنا بأن القطع بمعنى الجزم ليس هو دائماً العلم, قد يكون القطع علماً وقد يكون القطع وهماً, سلوا بعض العجائز في هذه القرية إن كانت تؤمن بوجود أم حمار أو لا تؤمن, وحاولوا أن تقنعوها بأن الله لم يخلق خلقاً اسمه أم حمار. هذه قاطعة جازمة ولكن القطع هنا بأمر وهمي, فمجرد الجزم ومجرد القطع ليس دائماً علما. العلم هو حصول صورة الشيء عند العقل, فالصورة الحاصلة عند الشيء في الذهن تسمى علماً وأما حصول صورة شيء آخر بدعوى أنها صورة ذلك الشيء لا تجعله ذلك الشيء, فالذي لم ير الجمل في حياته أولم ير الزرافة في حياته وأراد أن يرى الزرافة وقالوا له إن الزرافة تعيش في بلاد العرب, وخرج إلى بلاد العرب فرأى جملاً فاعتقد أن هذا الحيوان هو الزرافة, لماذا؟ لأن رقبتها طويلة، وأرجلها أيضاً طويلة, وذيلها قصير، وآذانها صغيرة, فهذه صفات الزرافة قد توافرت فيها, ورجع إلى بلاده وذهب حديقة الحيوان فرأى شيئا فقالوا له إن هذه هي الزرافة, طبعاً لا يقبل ذلك, فلو فرضنا أنه أصر على أنه قد رأى الزرافة الحقيقية في بلاد العرب وأنها ليست هذه, في هذه الحالة فإن الصورة التي حملها للزرافة هل هي فعلاً صورة الزرافة؟! وهل هذا الإنسان يقال عنه أنه علم بالزرافة؟! لا يعلم بالزرافة, وهو جازم لكن جزمه ليس علماً.
فليس كل جزم هو علم حتى يصح استدلال أستاذنا بأن حجية العلم ذاتية, صحيح أن حجية العلم ذاتية، لكن حجية القطع ليست بذاتية, يقول الصادق عليه السلام كما في رواية المحاسن: "ما من قومٍ إلا وهم يجزمون بما هم عليه, إلا أنكم قد أخذتم بشيء له أصل", فإذاً يجب أن يكون القطع معتمداً على أصل شرعي, فإذا كان كذلك يكون حجة, لا لكونه حجة في حد ذاته، ولكن لأن الأصل الشرعي الذي اعتمد عليه هو حجة.
 سؤال: ألا ترون أن النظرية الوسط التي تفضلتم بطرحها – الفطرة – هي من شؤون العقل حيث إن من ليس له عقل لا يدركها, وهذا ما يراه المجتهدون؟
جواب: هذا مثل ما قلت لكم, أنه لقيني شخص في الطريق وقال بأن المحدثين يشترطون أن الفقيه لا عقل له حتى يقلد. ليس العقل بمعنى الإدراك هو موضع الخلاف, وإلا فبأي شيء يدركون كتاب الله, وبأي شئ يفهمون كلام رسول الله, وبأي شيء يحللون حتى تقول أن من ليس له عقل لا يدركه؟!, طبعاً المجنون ليس بمكلف حتى يشترط الجنون بالفقيه. نحن نقول دليل العقل ولا نقول الإدراك أو العقل العادي الذي يتعامل به الناس في حياتهم وبه يفهمون وبه يتكلمون.
 سؤال: إذن شيخنا هناك فرق بين الإدراك وبين العقل كدليل؟
جواب: قلنا إن الخلاف عندهم ينحصر في الأدلة العقلية التي تنتج من العقل النظري كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والرأي ومما ينتج من الدليل من العقل العملي الذي هو الحسن والقبح, وطبعاً كل هذا يدخل في الدليل الاجتهادي.
 سؤال: إذن بهذا الإطار نحن نؤطر الدليل العقلي؟
جواب: المجتهدون من الشيعة لا يقولون بحجية كل معطيات الدليل العقلي, لا، حاشهم ذلك, وإنما يقولون بنوع واحد من الدليل العقلي وهو الاعتماد على نتائج العقل العملي الذي هو نتائج التحسين والتقبيح العقليين.
 سؤال: سماحة العلامة, لماذا لا توجد في الآونة الأخيرة مدرسة مهيمنة تمثل الحركة الفكرية لمدرسة المحدثين كما حصل في زمن صاحب الحدائق قده؟
جواب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس11. وأعتقد بأن هذا كافٍ ولا تحتاج إلى توسعة. لابد للإنسان إذا أخذ بأسباب القوة وبأسباب الحياة أن يقوى وينتشر, وإذا أهمل أسباب القوة وأسباب الحياة يضعف ويموت. أضرب مثلاً ببلاد القطيف وسيهات من صفوى إلى سيهات فإن طلبة العلم الذين فيها من المحدثين قليلون, لماذا لا يوجد عدد كافٍ من الطلبة؟ لأن الناس لا تبذل لهم, طيب، إذا كان الناس لا يريدون أن يبذلوا لهم من جيوبهم, لماذا لا يدفعون لهم من الحق الشرعي؟! أليس الحق الشرعي موضوع في الأولوية لطلبة العلم؟! فإذا صار قطر كبير مثل هذا القطر بهذه المثابة, فالعلم ينقرض بموت حامليه، ولا ينتشر، وإنما عماد الأمر وعماد حياة الأمم على المال والعلم.
بالمال والعلم يبني الناس أمرهم      ماقام أمرٌ على جهلٍ وإقلالِ
وبطبيعة الحال كما ذكرت, بالإضافة إلى تلك الآية وأن هناك سنة كونية وتداول الأمر بين الناس كذلك الأخذ بأسباب الحياة غير الأخذ بأسباب الموت.
 سؤال: شيخنا الحجة, مسألة تقليد الميت من المسائل التي أخذت جانباً مهماً في الساحة العلمية, هل أن المحدثين هم الذين تفردوا بجواز تقليد الميت؟
جواب: أولاً ما هو التقليد؟, التقليد هو رجوع الجاهل إلى العالم, وهذا بناء عقلائي لم يخترعه الإسلام بل كان الناس من أقدم الأزمان, الجاهل منهم بالشيء يرجع إلى العالم به, ولكن هذا البناء العقلائي لا يميز بين عالم وعالم في أي صفة من الصفات, فمثلاً الناس لا يهمهم أن يكون المهندس ممن يضرب بالطنبور أو ممن يصلي في المحراب, المهم أن يأتي ويعمل لهم الخارطة التي يريدون, وكذلك سائر المهن الأخرى. الشرع المقدس بالنسبة للعلماء الذين ينبغي الرجوع إليهم لأخذ أحكامه اشترط فيهم شروطاً وصفات معينة، ولم يجز الرجوع إلى كل عالم, وهذه الشروط طبعاً معروفة؛ وهي الذكورة والإيمان والبلوغ والعقل والفقه. وفي مرسلة الإمام العسكري صلوات الله وسلامه عليه حين قال: "فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، ولا يكون ذلك إلا لبعض فقهاء الخاصة وأما من ارتكب مراكب العامة فلا ولا كرامة", فهذا الحديث الشريف بيّن الشروط التي تجب في الفقيه الذي يُرجع إليه في أخذ الأحكام الشرعية, وأن من يرتكب مراكب العامة فلا يجوز الرجوع إليه.
فلو عرفنا مثلاً أن فقيهاً من الفقهاء قامت عنده حجية القياس أو الاستحسان أو غيرها من هذه المراكب التي يرتكبها العامة, فعندئذ لا يصح الرجوع إليه, فهذا الحديث الشريف الذي حدد الشروط التي يجب أن تكون في المرجع أو في الفقيه كالإيمان والعدالة و لم يذكر من ضمنها الحياة مطلقاً. ولذلك فإن بعض الفقهاء وليس فقط المحدثين وإنما هناك أيضاً من الأصوليين من ذهب إلى جواز تقليد الميت، ومنهم من ذهب إلى وجوب تقليد الحي, ولكن المحدثين بقضهم وقضيضهم إلا من شذ وندر منهم كلهم على القول بجواز تقليد الميت ابتدائاً واستدامة.
ولهم على ذلك أدلة, ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله: "يموت المرء إلا من ثلاث, صدقة جارية له في حياته فهي تجري له بعد وفاته, وولد بار يستغفر له, وكتاب علم ينتفع به" – وفي رواية أخرى, وكتاب علم يعمل به -.
وأيضاً قوله صلى الله عليه وآله: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة, ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة", فإذا كان تقليد الميت لا يجوز فكيف له أن يتحمل الوزر, فلو فرضنا أن أحداً قلده بعد موته بمئتي سنة وأراد الله أن يعطيه ثواب ما عمل فلا بأس, ولكن لو أن أحداً قد قلده في البدعة التي ابتدعها بعد مئتي سنة أو بعد ألف سنة هل يحمله وزر عمل من قلده, كيف يكون كذلك؟, وبذلك يستطيع هذا أن يحتج في يوم القيامة ويقول لله بأنك نفسك قد منعت تقليد الميت وهذا قلدني بعد أن مت, فكيف لي أن أتحمل نتيجة اتباعه ونتيجة عمله؟!!