الشيخ سهلانكثير من الناس يعرفون بعض المواقع والمزارات في جزيرة البحرين ولكنهم يجهلون بعضها ولعل ذلك يعود للتعتيم الاعلامي والاهمال الرسمي من قبل المؤسسات المعنية في الدولة فالجميع يعلم بان الاعلام يوجه الانظار الى مواقع تراثية محدودة تتعلق بفترات من تاريخ البحرين ويترك مواقع اخرا ذات قيمة تاريخية كبيرة ولعل من ابرز المواقع التاريخية المجهولة في جزيرة البحرين مقام ومسجد الشـيخ سـهلان بن علي الذي يقع في قرية العكر من المحافظة الوسطى ويضم ضريح الشيخ سهلان بن علي الذي يعود تاريخه للقرن الأول الهجري

اي مع بزوغ فجر الاسلام ما يعادل اربعة عشر قرن.
لم نجد له ترجمة في كتب التراجم والأعلام ولكن ورد ذكره في القصة التي أوردها الشيخ يوسف صاحب الحدائق قدس الله روحه في كشكوله والتي يبدو أنه نقلها عن كتاب (مقتل أمير المؤمنين عليه السلام) للسيد عبد الجبار الحسيني الموسوي "ره" (ق11)، نذكرها ثم نحاول مناقشتها.
يقول الشيخ يوسف العصفور طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه: وجدت في كتاب يشتمل على جملة من فضائل سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام وأخبارا تدخل في ذلك الباب قال فيه بعد نقل تملك المختار رض الكوفة وقتل مصعب بن الزبير (ت 72هـ/691م) له ما هذا لفظه: وأما ما كان من خبر أهل الشام فإنه لما قتل عامر بن الطفيل بن ربيعة الشيباني وجاءت الأخبار بذلك إلى الشام _ وكان قد مات مروان بن الحكم (ت 65هـ/684م) وتولى الأمر من بعده ولده عبد الملك بن مروان (ت 86هـ/705م) _ فسار بنفسه إلى الكوفة في ألوف لا يحصى عددهم إلا الله تعالى وقد آلى على نفسه أن لا يبقي بها أحدا من شيعة علي عليه السلام إلا قتله، فلما سمع بذلك إبراهيم بن مالك الأشتر وصعصعة بن صوحان وعمرو بن عامر الهمداني المعلم وجماعة من خواص الشيعة رض هربوا من عبد الملك إلى جزيرة البحرين وكان زيد بن صوحان العبدي وصعصعة بن صوحان واليا عليها من قبل الحسن عليه السلام ولم يتمكن من عزله بنو أمية خوفا من أهل البحرين لأنهم لم يسلموا أمرا إلى بني أمية أبدا وهم كانوا أشجع أهل الدنيا وأقواهم جنانا وأفصحهم لسانا وأحبهم لأمير المؤمنين عليها السلام قلبا، قال: فبقي زيد بن صوحان حاكما في البحرين وقتلوا جميع أصحابه الذين أرسلهم إلى أهل الكوفة، فلما سمع بذلك حشّم عليهم من الأعراب والبوادي ما لم يعلم عددهم إلا الله تعالى وانحدر على أهل البحرين يومئذ في البلاد القديم عند المشهد وهو القلعة التي بناها الملك دقيانوس وهو الذي كان يدّعي الربوبية وهربوا عنه أصحاب الكهف والرقيم إلى جبل في الأحساء وكان زمان هذا الملك في الفترة التي ما بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليه السلام وبقيت هذه القلعة إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى زمان بني أمية، وكانت بيوت أهل البحرين يومئذ متصلة من خلف القطع الجنوبي إلى بربورا وإلى كرزكان، وكان الرجل من أهل البحرين في ذلك الزمان يعد بألف فارس !.
قال: ثم أنه لما انحدر عليهم عبد الملك جعل زيد ابن صوحان على القلعة من يحرسها وخرج مع أهل البحرين إلى قتال عبد الملك وجعل ابراهيم بن مالك الأشتر سندا ومعهما عسكر كثير في وسط البلد، وجعل سهلان بن علي ومعه أهل الأطراف الشرقية، وجعل صعصعة أخاه وهو أغلب عسكره في الطرف الجنوبي أقصاه، وجلس الأمير زيد بن صوحان في كرزكان ومعه أهل الأطراف الغربية.
ثم وقع الحرب بينهم وبين عبد الملك ووقعت بينهم مقاتلة عظيمة يطول شرحها في هذا المكان.
قال: فلما رأى عبد الملك الشجاعة من أهل البحرين وقوة بأسهم على الحروب ورآهم أفرس أهل الدنيا، وكان يخرج عليهم بالخمسين ألف وبالمائة ألف من أصحابه فيحصدهم أهل البحرين حصد السنبل حتى كادوا يقتلون عبد الملك، فأشار عليه بعد ذلك أرباب أهل دولته بأن يستميل أهل البحرين بالرشاء والعطاء، فاستمال جهالهم وأشرارهم بذلك وأغرى بعضهم على بعض فقتل شرارهم خيارهم على الطمع وقتلوا ابراهيم بن مالك وسهلان وصعصعة ابن صوحان العبدي وقتلوا أخاه زيد بن صوحان والجماعة الذين خرجوا معهم من أهل الكوفة والذين نصروهم من أهل البحرين.
قال: فلما ظهر عبد الملك بالبحرين وأهلها أحضر أهل الأطراف الذين نصروه والذين استأمنوا ودعاهم إلى الخروج من التشيع فأبوا أن يخرجوا من دينهم وتعصبوا وامتنعوا عليهم وقد أخذهم الندم على قتلهم أخيارهم، فلما نظر عبد الملك إلى غضبهم وإظهارهم العداوة خاف منهم خوفا شديدا فقال لهم: طيبوا نفوسكم فإني أترككم على دينكم ولكم عندي ما أردتم ولكن أريد منكم أن تكونوا في جزيرتكم هذه ولا أحد منكم يحمل السيف ولا العصا ولا يشد وسطه إلى حرب أبدا ولا أحد ينقل السلاح ولكم علَيّ أن لا آخذ منكم شيئا من خراج بلدكم ولا أتعرض لكم بعد سنتي هذه، وهذا الشرط بيني وبينكم وعلَيّ في ذلك عهد الله وميثاقه.
قال: فحالفه أهل البحرين على ذلك وكتب الله عليهم الذلة فلم يشدوا أوساطهم بعد ذلك إلى حرب ولم ينقلوا السلاح إلى يومنا هذا.
ثم إنّ عبد الملك دفن عين السجور وكانت أقوى عين في البحرين ودفن عيونا كثيرة منها لأن مراده ضعف أهل البحرين وولّى راجعا عنها بعد ذلك. انتهى.
نسجل هنا بعض الملاحظات:
1. لم يذكر الشيخ يوسف قدس الله نفسه إسم الكتاب الأمر الذي يفهم منه إنه ليس من الكتب المعروفة والمعتبرة، وما يدعم ذلك وصفه للقصة بأنها ركيكة.
2. أنها ركيكة التعبير على حد تعبير الشيخ يوسف قدس سره، حتى بعد قيامه بإصلاح الكثير منها حال النقل.
3. فيها بعض المخالفات التاريخية حيث ذكرت بأن زيد بن صوحان العبدي مات بالبحرين وكذلك ابراهيم بن مالك الأشتر والثابت تاريخيا غير ذلك، حيث ذكر المؤرخون وأصحاب السير والتراجم أن زيد قتل في معركة الجمل سنة 36هـ (انظر ترجمة زيد بن صوحان في هذا الكتاب)، أما ابراهيم الأشتر فقد قتل مع مصعب ابن الزبير قتلهما عبد الملك بن مروان وكان ذلك سنة 71 هـ أو 72هـ وقبره قرب سامراء مزور معظم وعليه قبة، كما ذكرنا ذلك في ترجمة ابراهيم العسكري.
ومن المخالفات التاريخية أيضا موقع الكهف الذي لجأ إليه أصحاب الكهف والرقيم، حيث ذكر أنه في الأحساء بينما يذكر المؤرخون أنه في مدينة (أقسوس) أو (أفسوس) ، يقول الحموي: أفسوس بالفاء: بلد بثغور طرسوس يقال أنه بلد أصحاب الكهف.
الثعلبي: هي طرسوس كان إسمها في الجاهلية أقسوس فلما جاء الإسلام سموها طرسوس.
وفي مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ومدينة المعاجز للسيد هاشم التوبلي والبحار للمجلسي عاملهم الله بلطفه: والكهف في بلاد الروم في موضع يقال له: اركدي، وكان في ملك باهندق وهو اليوم اسم الضيعة.
4. فيها الكثير من المبالغة، خصوصا في وصف شجاعة أهل البحرين وقوتهم، حيث ذكر: وكان الرجل من أهل البحرين في ذلك الزمان يعدّ بألف فارس.
وقال: يخرج عليهم بالخمسين ألف وبالمائة ألف من أصحابه فيحصدهم أهل البحرين حصد السنبل !
و يبدو أن الكتاب المذكور هو كتاب (مقتل أمير المؤمنين) للسيد عبد الجبار الموسوي الحسيني رحمه الله (القرن 11هـ) من خلال عدة قرائن تطابق ما وصفه الشيخ يوسف ره.
يقول الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة مبديا رأيه في الكتاب المذكور: (مقتل أمير المؤمنين ع ) للسيد عبد الجبار بن الحسين الحسيني الموسوي البحراني، معاصر المحدث الحر (ت 1104هـ) كما في (أمل الآمل) وهو مبسوط متداول في بلاد القطيف البحرين يقرؤونه في أيام الشهادة وغيرها، وفيه خطبة البيان المنسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام وفيه الموضوعات مثل تكلم سلمان مع الأمير ع في حال الخطبة بمسجد الكوفة مع أنه توفي قبل الخلافة الظاهرية له، ومثل فرار صعصعة وزيد ابني صوحان وابراهيم بن مالك الأشتر إلى البحرين أيام عبد الملك بن مروان عنه ولحوقه بهم وقتله لهم ودفنهم هناك مع أن صعصعة مات بالكوفة أيام معاوية وزيد صاحب الراية يوم الجمل وقتل فيه، وإبراهيم قتل فيه مع مصعب ابن الزبير وقبره قرب الحميرات من أراضي الدجيل مشهور بقبر الشيخ ابراهيم.
وهذا أيضا رأي الشيخ علي البلادي قدس سره صاحب (أنوار البدرين) في الكتاب المذكور حيث يقول بعد الإشارة الى هذه الحكاية: والظاهر أن هذه الحكاية لا أصل لها والله العالم لأن زيد بن صوحان قتل يوم الجمل في واقعة البصرة.. وأما أخوه صعصعة فالظاهر من بعض الكتب المعتبرة أنه قتله معاوية ولم يبق إلى زمان الحسين عليه السلام فضلا عن زمان عبد الملك أو أبيه مروان.
وعليه فلا نستطيع التعويل على هذه القصة.
ولكن يمكن أن يستفاد من رأي الشيخ يوسف طيب الله ثراه حول هذه القصة من أن هذه المراقد (زيد وعمير وابراهيم وصعصعة وسهلان) معروفة بهذه الأسماء في عهد سابق على عهد الشيخ يوسف، أي قبل القرن الثاني عشر، حيث قال: وحكاية الحكاية وإن كانت لا تخلو من ركاكة في التعبير وخلل في التحبير مع إصلاح كثير منها حال النقل إلا أن مضمونها موافق لما هو الموجود الآن في تلك البلاد ومشهور بين الخلف والسلف من قبور أولئك الأمجاد، فإن قبور هؤلاء المشار إليهم كلهم موجودة في البحرين.
ويبقى السؤال من أين جاءت تسمية هذه المقامات، وما صحة نسبتها إلى أولئك الأعلام ؟
والجواب لا يخرج عن عدة افتراضات:
1. أن هذه هي الحقيقة، أي أن ما يعرف عند الناس الآن من نسبة هذه المقامات إلى أولئك الأعلام هو الحق، ولكن لأن الثابت أن بعضها غير صحيح كزيد بن صوحان وابراهيم الأشتر _ كما ذكرنا في ترجمتيهما _، وعليه فإن هذا الإفتراض ساقط على الأقل فيما يتعلق بهذين العَلَمَين.
2. أن في الأمر تلفيق واختلاق، وهذا التلفيق إما بسبب كتاب (مقتل أمير المؤمنين ع) المشار إليه، أو بعض المصادر الغير معتبرة التي استقى منها هذه الأخبار.
3. أن لهذه الحكاية أصل صحيح في بعض الكتب المفقودة ولكن دخل عليها تحليلات وتحشيات وزيادات من رواتها فطفحت بالمغالطات و تناقضت مع الواقع في بعض الجوانب.
4. أن هناك شبهة في بعض الأسماء (كصعصعة، وزيد، وابراهيم الأشتر، وكذلك النبي صالح)، فربما تشابه الأسماء جعل الناس تعتقد أن هذه المقامات لأولئك الأعلام.
5. أن بعض هؤلاء هم من أبناء وأحفاد أولئك الأعلام المعروفين، كما قال به البعض (كقول الشيخ عبد الحسين الحلي في زيد وقول الشيخ محمد علي التاجر في صعصعة).
والحكاية مع ما فيها من مخالفات تاريخية ومبالغات لا نستطيع الحكم بخطئها كلها، فقد لا تخلو من بعض الصحة، وقد يكون الشيخ سهلان أحد الولاة والأمراء الذين ولّاهم الإمام الحسن ابن علي عليهما السلام على البحرين، والله أعلم.
إلا أن القدر الثابت والمقطوع به تاريخيا: أن زيدا قتل في معركة الجمل ودفن مع القتلى كما مر عليك في ترجمته من هذا الكتاب، وابراهيم ابن مالك الأشتر قتل مع مصعب ابن الزبير ودفن قرب سامراء وله مرقد مزور هناك.
وإما ما يخص الأمير سهلان فلم نقف له على ذكر في غير هذا الكتاب لذلك فلا نستطيع ردّه ونفيه بالكلية، فربما اعتمد على مصادر ليست متوفرة لدينا الآن وهذا وارد جدا بسبب ضياع وفقدان الكثير من كتب علمائنا الأقدمين بسبب ما جرى عليهم من بلاءات عظيمة ورزايا جسيمة.
مرقده:
يقع مرقد الشيخ سهلان في قرية العكر على بعد 7 كم جنوب المنامة العاصمة، ومرقده مزور معظّم ومتبرك به. بناؤه الحالي منذ مطلع الثمانينات من القرن الميلادي المنصرم، حوالي سنة 1981م، قام ببنائه الحاج جعفر بن محسن بن زهير (مواليد 1948م) بمعاونة أهل العكر، بإشراف الشيخ منصور الستري رحمه الله، واستمر البناء فيه لمدة سنتين ونصف إلى ثلاث سنوات.
أول من تولى سدانة المقام _ وذلك قبل الترميم وبنائه الحالي _ الحاج سلمان بن طلاق (المتوفى في 7 اكتوبر 1990م) ، ولم يعرف عن أحد قبله تولى قيمومة المقام لأن هذا الأمر مستحدث فلم يكن في السابق متعارفا لدى الناس أن يختاروا شخصا قيما على المسجد وإنما الأمر متروك لتطوّع الناس فكل من يسبق المصلين يشعل الفانوس ويؤذن، وهذا جار على كل المساجد والمقامات الأخرى في البحرين، ثم من بعده الحاج عبد الله بن أحمد بن سرحان حتى عام 2001م، وهو عمدة العكر السابق، ساعده الحاج علي بن رضي بن محمد علي بن محمد بن سرحان (من مواليد 1945م)، ومن بعده ابنه الحاج عبد المجيد بن عبد الله بمساعدة الحاج علي بن رضي أيضا.
ويوجد في جوار الشيخ سهلان قبر لعالم آخر اسمه الشيخ مُقبل، ولا يعرف له خبرا ولم أجد له ذكرا.
ممن صلى في هذا المسجد الشيخ علي بن الشيخ جعفر أبو المكارم رحمه الله المتوفى سنة 1944م الذي كان قاضيا في المحكمة الجعفرية في وقته، وابنه الشيخ عبد المجيد رحمه الله المتوفى في 26 رمضان سنة 1423هـ، وصلى فيه أيضا الشيخ منصور الستري رحمه الله المتوفى سنة 2000م، بل أقام فيه الجمعة في الفترة التي هدم فيها جامع سترة ، فكان يصلي جمعة فيه وجمعة أخرى في المعامير، وممن صلى فيه أيضا الشيخ عبد الحسن آل طفل المتوفى سنة 1996م.
وهذا المقام له مكانة عظيمة في نفوس أهل العكر والقرى المجاورة، وله وقوفات كثيرة من بساتين وعقارات وحظور بحرية، ومن عادة أهال العكر أيضا أن المتزوج يصلي فيه ركعتين ليلة الزفاف، وهو مزار معروف يؤمه الناس من مختلف مناطق البحرين والبلدان المجاورة، وينذر له.
المصدر: الاوقاف – المزارات في البحرين – محمد باقر الناصري

الشيخ سهلان

مسجد ومقام الشيخ سهلان من الجهة الشرقية والذي يضم قبره

DSC04292

مقبرة الشيخ سهلان وتضم قبور لبعض العلماء بينهم الشهيد الشيخ جمال العصفور

 

DSC04287

المقبرة والمغتسل

DSC04308

القبور في الجهة الشمالية

 

سنوات الجريش