21999التأريخ علم اجتماعي يدرس فيه ماضي البشرية وأحوالهم في سالف الحواضر وغابرها وفق ما يتيسر للمؤرخ من وثائق مخطوطة أو قرائن أثرية ظاهرة، ولا يتجاوز في ذلك التقاليد والقصص الشعبي والأعمال الفنية، لتضاف إلى مدوناته وكتبه التي يخرجها بعد ذلك وثائق جديدة يُستند إليها فيما يتقدم من البحوث والدراسات. وفي علاقة متصلة، فإن علماء الاجتماع يقارنون أنماط السلوك الإنساني وعللها في دراستهم للأمم والشعوب ليستخر جوا القوانين المفسرة إليها، فإن المؤرخين يدرسون أحوالهم والحوادث السياسية التي مرت بهم كغاية أولى في تلك الحقب، مستعينين ببعض تلك النظريات، غير

غافلين عن النواحي الأخرى الاقتصادية والدينية والفكرية.
وإن غلّب أحدهم ناحية فإنما ينظر لمذهب يتبعه ورأي يؤمن به، أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والفكرية فهي  عوامل مساعدة في فهم حوادث جرت في ذلك المجتمع المؤرخ، فتؤخذ من فرد لتؤصل في مجتمعه ويفهم منها نمط معيشي أدت إلية السياسة القائمة وتداول الدول فيها. ولا يضار مع ذلك النهج الذي يتبعه المؤرخ في فهم التاريخ عند كتابته وفق ما يرى من الآراء ويعتقد من الأفكار من دون أن يغلب ناحية على الأخرى، ولكنه رأي يراه يفسر به حوادث التاريخ ويقارن ذلك بأفكاره. فقد ركزت النصرانية مثلاً في كتابة أقطابها للتاريخ على الدور الإلهي في حوادثه وتفسيره بها وتحديده بداية ونهاية. ولعل الراهب الإنجليزي بيدي أشهر من اتبع ذلك النهج، بينما اعتبر اليونانيون التاريخ دورة مكررة من دون نهاية. أما المسلمون فهو عندهم نابع من التصور الإسلامي لنواحي الحياة المختلفة بما يفرضه الدين على الإنسان من الأوامر والنواهي وما قرره في تسيير الكون والحياة. فالسبيل عندهم في كتابته يقتضي بتقرير دوافع السلوك في المجتمع طبقاً لتلك النواهي والأوامر التي حددها الإسلام، بل اشتطوا في ذلك فاتبعوا أساليب علماء الحديث في رواياتهم التاريخية مما عده بعضهم ميزة لحركة الكتابة التاريخية عند العرب المسلمين يَمِيز بها عن التاريخ العالمي. ولا نعرف تلك الميزة التي جعلت المسعودي يملأ كتابه بذلك الكم الهائل من الخرافات والخزعبلات، وأن يقحم الطبري تاريخه بحشد من الروايات من دون تمحيص أو تدقيق. والأولى كما الدراسات التاريخية الحديثة بعد اختيار القضية – أو الشخصية المراد ترجمتها – إعداد المصادر المتاحة عنها وقراءتها إلى «أولية»: وهي الوثائق والسجلات والكتب والآثار المتعلقة بها حتى المشافهة منها ممن عاصرها وخبرها، و«ثانوية»: وهي ما أعد عنها من الدراسات لغيره من الباحثين باستخدام تلك المواد قبله ثم تفسير المعلومات بعضها لبعض وفقاً لمنهجه الفكري، وعلى ذلك كان الاختلاف في تفسير الحوادث التاريخية بتغليب بعض المعطيات على الأخرى ثم تكون المرحلة الأخيرة وهي «التدوين».
فن الممارسة التاريخية
ولا عبرة بالتقسيم الذي قام به بعض المؤرخين للحقب التاريخية عند تناول الموضوع مع التنظيم الذي يفرضه ذلك والتركيز الذي يلزمه إلا أنه بأحكامه العامة يلغي التمايز بينها مع شيء من التشويه للأنموذج المقدم لحضارة لاحقة، مع ذلك يمكن التقسيم على أساس الشعوب والأمم أو تناول الحقب الزمنية المختلفة من خلال تاريخ المدن والدول في غير ما إجحاف أو نقد لما بينها من الاختلاف والتباين. وقد برع المؤرخون العرب في كتابة ذلك اللون من التاريخ وأكثروا منه، فألّف ابن عساكر «تاريخ دمشق»، وألّف الأزرقي «أخبار مكة»، والخطيب البغدادي «تاريخ بغداد»، كما ألّف المقريزي كتابه الشهير «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» المعروف بخطط المقريزي. وهو وإن صنف من الجغرافيا إلا أنه مادة دسمة لأخبار مصر بمدنها وأهلها ومن تولوا عليها من الأمراء والخلفاء والسلاطين وتحدث فيه عن منشآتها وتاريخ مساجدها ولم يغفل عن ذكر أجناسها المختلفة في الديانة كاليهود والأقباط مع تعداد كنائسهم وأديرتهم، كل ذلك في عرض رائع مبهر شامل وفن مبتكر لم يسبقه إليه إلا الكندي وإن فاقه فيه وبزه، وعلى خطاه سار علي مبارك فألّف كتابه «الخطط التوفيقية» إلى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر.
إهمال كتب خير السلف
وهناك فن آخر من فنون الممارسة التاريخية عند العرب أو مدخل إليه ومصدر مهم من مصادره الأولية لدارسيه في العصر الحديث، فإن دخل المؤرخون العرب إلى التاريخ من الخطط والآثار أو من الأدب والإنشاء فقد برزوا فيه من خلال فن الترجمة الذي بلغ أوجه في القرن الثامن الهجري، وكان أشهر من كتب فيه ابن خلكان بكتابه الموسوم بـ «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» ترجم فيه لأشهر العلماء والملوك والشعراء – كما يذكر في مقدمته – بحسب الترتيب الأبجدي، وأكمل عليه ابن شاكر الكتبي ما ظنه من نواقصه في «فوات الوفيات» كما ألحقه الصفدي» بـ «الوافي بالوفيات». وأظن أن أحسن من كتب في هذا الفن – نظراً للقيمة النقدية المقدمة – كان شمس الدين السخاوي في كتابه الرائع «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» وإن لم يسلم أحد من نقده البناء «اللاذع»، والأديب الأندلسي الشهير لسان الدين ابن الخطيب في كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة»، وقد كان هذا الفن من الفنون الممتدة عند العرب حتى وقتنا الحاضر فألف أحمد تيمور فيه كتابه الموجز «أعيان القرن الرابع عشر» وكتب جرجي زيدان «أعلام الشرق» وغيرهم.
ومازلنا على طول العهد نألف هذا النوع من الكتب في منطقتنا ونرتضيه لإيجازه وشموله وقصصه الممتع في بعض الأحيان متغافلين عن كتبنا التي سارت على هذا النمط ولعل أشهر ما تناول من الكتب في ذلك النوع كتاب الشيخ علي البلادي الشهير «أنوار البدرين» وإن اقتصر فيه على تراجم لعلماء المنطقة فقط. كما كتب صاحب «عقد الآل» كتاباً سار فيه على منواله دعاه «منتظم الدرين». وذلك غير ما تحفل به مكتباتنا من كتب الإجازات المليئة بترجماتها لبعض الفقهاء، كان أشهرها عندنا كتاب الشيخ يوسف البحراني «لؤلؤة البحرين». فإن لقيت كتب الأولين اهتماماً من قبل الباحثين في أحوال منطقتهم، فقد لقيت هذه الكتب وأضرابها من كتب التراث التي تؤرخ لمنطقتنا إهمالاً من قبل باحثينا في العصر الحديث على ما بها من التوثيق لمعاصرة كتابها لمعظم «الوقائع» والحوادث التي مرت بها ونحن أدعى إلى الاهتمام بها تمحيصاً وتدقيقاً بما نملك من أسباب البحث العلمي وأدواته. فكتاب الشيخ يوسف مثلاً وثيقة مهمة في الحوادث التي مرت بالمنطقة ونزلت بالبحرين في عصره كقدوم العتوب عليها سنة 1112 هجرية (1700م) – مما يفهم منه – واستقرارهم في المناطق المجاورة للبحرين فبل نزوحهم إلى قطر – كما يرى بعض الباحثين ويقطع به في روايته – وإطلاق اسم العتوب عليهم قبل انتقالهم أو عتبهم إلى الشمال وينفي ذلك. غير ما يؤرخه للغزو الأباضي وحدوث أول مجاعة فيها واستيلائهم لها بعد حصار وحرقهم لقراها وتكرار ذلك فيما بعد من قبلهم. وحادثة مدرسة الشيخ داود الجزيري في جزيرة أكل (النبيه صالح) شهيرة عندنا سجلها من الشيخ علي البلادي في كتابه، إضافة إلى حوادث مهمة في القرن التاسع عشر كـ «وقعة قتل حاكمها علي بن خليفة» وهي الحادثة الشهيرة بينه وبين أخيه الشيخ محمد بن خليفة الحاكم الرابع للبحرين – وقد وثقت مي تلك الحادثة. كما يذكر البلادي في كتابه حركة السيد شبر الستري سنة ,1895 هذا وبعض حوادث الحركة المسيحية التي يستشف منها نشاط التبشير التي بدأها «زويمر» في البحرين. تلك الحركة التي جهد مبارك الخاطر في توضيح معالمها في كتابه عن القاضي الرئيس – ومي في كتابها عن التعليم – فلم يوفق وكان الأحرى أن يستوضح ذلك عند أكبر منافحيهم الشيخ جعفر أبو المكارم الذي مثل في البحرين ضدهم ما مثله البلاغي في العراق. وله مؤلف – مازال مخطوطاً – ضدهم سماه «الرد على النصارى» وقد كان من المناوئة ضدهم حتى شك بعضهم في اغتياله في مستشفى الإرسالية الأميركية.
جزاء سنمار!
كنا أخذنا على مي في مقال سابق القصور في السرد التاريخي وغلبة الجانب التوثيقي في كتبها، وهو الأمر ذاته الذي يتكرر مع المرحوم مبارك الخاطر، إضافة إلى الاسترسال في السرد الذي يصل لدرجة الإملال في بعض الأحيان مع اعتماده على التقارير الرسمية – حتى الشفهية منها – فقط، فكانت كتبه أشبه بالتقارير الحكومية. فلم أتبين مثلاً المعالم العامة لشخصية عبدالله الزايد أو قاسم بن مهزع وقس كتاب الخيري على ذلك – سوى اتفاق الثلاثة على التأريخ لنادي إقبال أوال! – وهو ما تجد له مثيلاً في كتاب مي عن شيخ الأدباء.
وعلى كل حال، فإن الاهتمام بمثل هذه الكتب قد يغطي فترات مهمة من تاريخ البحرين قلة المصادر المتاحة عنها كالفترة التي تقع بين العامين 1602 إبان خروج المحتل البرتغالي بعد الثورة المشهورة عليهم من قبل الأهالي – بعد حادثة أبو رمانه الشهيرة – و,1783 وبها أيضاً نغطي فترة مهمة – إلى جانب الوثائق المتاحة – من تاريخ البحرين المعاصر وخاصة عهد الشيخ عيسى بن علي التي أحسبها من الحقب الفاصلة في تأريخ المنطقة، وذلك للتحولات التي رافقت توليه الحكم في البلاد والحوادث السالفة لعهده بعد عزل محمد بن خليفة واكتمال الهيمنة البريطانية إبان حكمه ثم الحوادث التي أدت إلى عزله في عهد المستشار البريطاني «الميجور ديلي» بعد حوادث 1923 وهي الفترة التي غطتها كتب مهمة في وقتنا الراهن تجاهلها باحثونا فلم تؤخذ بالتمحيص ككتاب طلال فرح حول البحرين، وكتاب إسحاق الخوري وإميل نخلة مستشار الإدارة الأميركية لشؤون الخليج.
ولنتذكر أخيراً أن مفتاح الحضارة الدلمونية اكتشف في أحد مساجد علمائها المترجم لهم في الكتب التراثية السالفة عندما اكتشف الرحالة البريطاني الكابتن «ديوراند» العام 1880 حجراً كتب عليه كتابة مسمارية في «أرض مدرسة الداود! بالبلاد القديم!» فربط السير «راولنسون» – بعد فك رموز الحجر ونشر تقرير الكابتن «ديوراند» حوله – بين اسم ديلمون القديمة التي ورد في مجموعاته من الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري في أطلال قصر الملك «آشور بنيبال» وبين البحرين الحديثة، فلا يكون جزاؤهم جزاء «سنمار» بنقل شواهد بعض هؤلاء العلماء إلى المتحف الوطني كما حدث في «المصلى ومناير الخميس» ولا أعرف لمَ لَم تنقل إدارة المتحف المنارتين معها!
عباس علي مزعل- المعامير