بلجريف الجاسوسهذا الموضوع قرأته منذ فترة وأنشره هنا لاهميته فالجاسوس وليام بلجريف palgrave مر بجزيرة البحرين وتطرق في بحثه لتفاصيل حول الجغرافيا والسكان على ما يبدو من خلال هذا الملخص ونتمنى من من لديه اي معلومات حول (كتاب وسط الجزيرة العربية وشرقها «1862-1863م»للمؤلف وليام جيفورد بالجريف) ان يدلوا بدلوه ليفيدنا ونترككم مع الملخص

رحلة بلجريف من الرحلات المهمة والمثيرة للجزيرة العربية ولكن يكتنفها الكثير من الإدعاءات. وجاءت الرحلة في وقت كانت أوربا تجمع أخبار ومعلومات عن الوطن العربي ولمعرفة ماذا يجري فيها للتحرك في الوطن العربي.

وسوف يكون تتطرقي للموضوع من عدة محاور:
1- أهداف الرحالة الأجانب للبلاد العربية:
دوافع أغلب الرحلات كانت موجهة بدوافع جس وتجسس ولم تسلم من التوظيف لأغراض عدوانية حتى ما كان منها متشحاً بثوب العلم والبحث، هذا الثوب الذي طالما ارتداه أعداء الأمة تمويهاً على طريق تحقيق أغراض مشبوبة أو حقيقة، ولكن نتائج أبحاثهم وعلومهم جندت لقهر الشعوب واستعبادها. ويمكن يكون من الدوافع هو الدافع الاستعماري تمهيداً لغزو عسكري أو ثقافي أو نتيجة له. وجمع المعلومات الاستخبارتية.
وبعض الرحلات كان هدفها الاستكشاف العلمي. وبعضها الديني.
2- التعريف بالمؤلف:
• بلجريف: ولد وليام بلجريف palgrave في عام 1826م لأب عالم مشهور جداً، لعب دوراً هاماً في تأسيس دائرة المعارف العامة البريطانية، وبلجريف كان يعرف بين أفراد عائلته بـ «جفي»، التحق بالجيش البريطاني في بومباي، ووقعت عينه على العرب لأول مرة أثناء مروره بمصر في يناير عام 1848م عندما كان في طريقه إلى الهند. ولم تمر سنة على سفره حتى ترك السلك العسكري. وأنضم إلى جماعة الآباء اليسوعيين المسيحية. وقد اعترف بلجريف فيما بعد أنه كان يهدف من خلال انضمامه إلى هذه الجماعة للعمل كمبشر بالنصرانية بين العرب.
تعلم بلجريف اللغة العربية وأتقنه إتقان جيداً حتى كانت تكون لغته الأم مما ساعده كثير في تنقلاته. وكان يجيد اللغات الفرنسية والألمانية والايطالية واللاتينية اليونانية وأيضاً القديمة.
يقول عنه د. روبن بدول[1]  «بلجريف جندي وراهب يسوعي وعميل سري (جاسوس) وأخيراً دبلوماسي». ويقول عنه أسعد عيد الفارس[2]  ربما كان من جواسيس الفرنسيين في الوطن العربي، روائي حالم.
ورحلة بلجريف إلى الجزيرة العربية عام 1862/1863م كانت رحلة يكتنفها الغموض في غايتها وبقيت أيضاً غايتها سرية، ولم يكن لدى الأوربيين في ذلك الوقت معلومات حديثة ودقيقة عن نجد، وقد استطاع بلجريف إقناع رؤسائه الدينيين أنه ربما ينجح في تحويل الوهابيين إلى النصرانية. ولكن يذكر بلجريف في مقدمة كتابه؛ أن الغرض من الرحلة هو الأمل في تأدية بعض الخدمات الاجتماعية لشعب تلك المنطقة الواسعة ورغبته الملحة في توصيل مياه الحياة الشرقية الراكدة بمياه أوربا الجارية!!!!! ولكني أعتقد بأنها رحلة جاسوسية متقنه ومعده لها جيداً.
وعند وصول بلجريف إلى أوربا قدم تقريره إلى الإمبراطور نابليون الثالث والذي تضمن خطة لضم مصر وسوريا ووضعهما تحت الحماية الفرنسية. وتوفي في عام 1888م ودفن في ضاحية فولهام البريطانية.
في عام 1865م ظهر كتاب بلجريف «مذكرات رحلة كاملة في وسط الجزيرة العربية وشرقها» وقد أهداه إلى الرحالة «نيبور»[3]  وقد ترجم بعد سنة إلى الفرنسية.
3- موجز لرحلة بلجريف:
في بداية رحلته وصل بلجريف إلى مدينة مُعَان في عام 1862م/ 1279هـ واستأجر سورياً أسماه «بركات»، وأطلق على نفسه سليمان العيص[4] ، واتفقا على أن يتنكرا في زي طبيب عربي ومساعده، وقد أخذا معهما كمية من الأدوية، وقد درس مقرراً في طب المناطق الحارة.
وينطلق الطبيب العربي المزيف ومعه مساعده من مدينة مُعَان إلى مدينة الجوف ويكسب ود حاكمها الذي فشل في اكتشاف شخصية ذلك الطبيب الحقيقة، وبعد أن يكسب ود حاكم الجوف، يتوسط الأخير له عند حاكم حائل الأمير طلال بن رشيد، الذي فشل بدوره في التعرف على شخصية هذا الطبيب الحقيقة، ويمكث في حائل فترة دوَّن خلالها ملاحظاته، مثلما فعل في الجوف عن كل شاردة وواردة، ثم ينطلق من حائل إلى بريدة، ومن بريدة ينتقل إلى الرياض واستقبله الأمير فيصل بن تركي، وفشل أهل الرياض أيضاً في اكتشاف ومعرفة شخصيته الحقيقية، برغم أنهم ناقشوه، من منطلق «الوهابية في الإسلام» وأثبت لهم أنه ضليع في الدين وأنه قام بدراسة المذهب الوهابي من جميع جوانبه، وحاولوا اكتشافه عن طريق التحدث إليه بالإنجليزية ولكنهم فشلوا في ذلك ونجح في استمالتهم إليه وتسخيرهم لأغراضه فيما يتعلق باستخلاص المعلومات والحصول عليها، وكان أحد أهدافه في رحلته للجزيرة العربية وخاصةً الرياض استمالة أهلهم وتسخيرهم لأغراضه.
وبحكم أنه طبيب، ولندرة الأطباء في تلك المنطقة في الرياض في ذلك الوقت أصبح مقرباً إلى الصفوة ودوائر صنع القرار، بل كان من المقربين إلى أفراد البلاط الملكي مما جعله قريباً من كل شي، وكان الأمير فيصل بن تركي كبير في السن ولسبب ما!! لمحَ لبلجريف عدة مرات وبطريق غير مباشر في رغبته في الحصول على كمية من عقار «ستركنين» السام لينتحر الأمير رفضه بلجريف!!.
ويقضي بلجريف في الرياض مدة تصل قرابة الخمسين يوماً وخلال تلك المدة عمل دراسة تاريخية وسياسية عن الحركة الوهابية.ويخرج من الرياض بشكل مفاجئ لينتقل بعدها للأحساء دون أن يُكشف أمره ومن الأحساء يتجه للقطيف «وهنا سوف يكون لي شي من التفصيل» ثم يتجه للبحرين وبعدها إلى قطر ويزور كثير من مناطقها ويتكلم عن بدو المناصير وبنو ياس، ويغادر قطر إلى بر فارس على سفينة فارسية، ثم يبحر إلى لينجا ومنها إلى سواحل عُمان حيث يزور الشارقة وخورها وميناءها ثم يصل إلى مسقط، والظاهرة، والجبل الأخضر، ويغادر مسقط إلى بندر عباس، وشيرو، ,وأبو شهر ثم إلى البصر ومنها إلى بغداد، ثم يعود إلى سوريا لينطلق منها في النهاية إلى بريطانيا.
استمرت الرحلة عاماً كاملاً، جمع خلالها كثير من المعلومات من أفواه الناس ومن ملاحظاته الشخصية ليكتب كتاباً في مجلدين إجمالي صفحاتهما حوالي ألف ومائتي صفحة.
4- القطيف في الرحلة:
بدأت الرحلة إلى القطيف قادمة من الهفوف
يقول بلجريف: وقبيل المغرب بدأنا نتسلق بالتدريج سلسلة تلال القطيف الرملية الواسعة، ثم بدأنا نجوس خلال أرض صخرية يميل لونها إلى الاسوداد، ويوجد بالمنطقة قرية العازمية azmiah شبه جرداء. ولكنها تبعد عن القطيف فيقول بعد مشي عدة ساعات وصلنا للقطيف.
وصل بلجريف إلى منطقة بالقطيف يقول عنها بلجريف عبارة عن بقعة مرتفعة من الحجر الرملي، يبدو أنها كانت حداً لمياه البحر في فترة سابقة، ومستوى ارتفاع هذا المنحدر يكاد يكون نفس مستوى الخليج الذي يقع بعده مباشرة، وهذه المنطقة ليست صحية برغم خصوبتها وكثافة سكانها، ويعطينا بلجريف وصف لبنية أجسام السكان فيقول: وسكان هذا المنحدر في معظمهم ضعاف البنية وتميل بشرتهم إلى الاصفرار.
وأثناء مرورهم على طريق القطيف عبروا أرض هي امتداد لنوع من التربة تميل لونها إلى الابيضاض والتي كانت حوضاً جافاً من أحواض المستنقعات المالحة الضحلة، وأثناء مرورهم في القطيف وعلى يمينهم كانت هناك كتلة مستمرة من بيارات النخيل، التي كانت تمتد فيها بينها أقواس ومجاري ممر مائي ملتوي قديم ومتعرج ويذكر أن الذي قام ببناء الممر المائي الدولة القرمطية التي حكمت القطيف، وكان الهدف من إنشاء الممر المائي هو إمداد مدينة القطيف بقدر كافِِ من الماء، وطول الممر يبلغ خمسة أميال تقريباً، والحياة النباتية كثيرة وكثيفة.
وصل بلجريف لمدينة القطيف الأم «قلعة القطيف» وعند بوابتها الغربية، والبوابة عبارة عن قوس عالِ من الحجر جميل الشكل، ويتصل بها من جانبيها الأسوار والأبراج ولكنها كانت بحالة سيئة مفككة ومخرَّبة، وكانت توجد على مقربة من تلك البوابة مقبرتان، أحدهما لأهل القطيف، والثانية للحكام والمستعمرين النجدين.
ويقوم بلجريف بوصف القطيف وأحياناً بوصف غير لائق بألفاظ بذيئة حيث كان بمقدوره اختيار ألفاظ أقل حده:
ومدينة القطيف نفسها مزدحمة بالسكان، ورطبة، وقذرة وكئيبة الشكل، ونظراً لأنني لا استطيع العثور على الكنية أو الوصف الصحيح الذي يمكن أن أطلقه عليها فأنني أكتفي بالقول بأنها متعفنة mouldy.
كما أنه تحامل بشكل كبير على سكان القطيف فهو يؤكد على حسب كلامه ما يرويه التاريخ عن الاستعمار الفارسي لهذه المدينة، وينقل أيضاً بقوله «والواقع أن سكان هذه المنطقة كلها، وسكان العاصمة بصفة خاصة هم من الجنس المغولي الذي يجري في عروقه الدم الفارسي، كما يختلط به أيضاً دم البصرة وبغداد والعراق. وكان الشيعة يلوذون من انتصارات بني العباس «أي انتصارات بل ظلم جور وقمع»!!! للقطيف كي يحميهم القرامطة.
ويقول بلجريف: والمعروف أن أهل القطيف جميعاً من الشيعة، ويستكمل كلامه بقلة أدب حيث يقول: أو إن شئت فقل من الخوارج أو المفكرين المتحررين، بمعنى أنهم من أولئك الناس الذين مروا بمراحل العقيدة الفاسدة في الشرق.
قام بلجريف بوصف «قلعة القطيف» ونسب بناءها بسورها إلى القرامطة، وأن أسوارها ضخمة ومرتفعة وقوية وهي مبنية من الآجر والصخور وصلبة الدفاع ومحصنة بمدافع فوق السور وعلى بوابات القلعة، كما أن بعض المدافع متوجه نحو البحر، ومدخل القلعة له بابان وعلى جانبيه تواجد الأبراج، ويوجد مقاعد مخصصة للجلوس خارج القلعة. وتقع القلعة عند أقصى طرف منحنى الخليج الصغير. وسور القلعة الخارجي مربع الشكل، كما توجد في السور الداخلي أبراج عالية عند الأركان، كما يوجد خندق حول القلعة، والبحر هو الذي يحمي الواجهة الأمامية للقلعة، ويقع قصر الحاكم «المكلف من الدولة السعودية الثانية» في الطرف الجنوبي الغربي من القلعة كما وصف بعض السفن الموجودة بالقرب من القلعة الراسية في البحر. ووصف إحدى السفن الكبيرة الموجودة بالقرب من تلك السفن حيث شدته انتابه، فيقول:
«انتابنا خوف شديد منها وأنها واحدة من أسطول الأمير فيصل بن تركي أحد أمراء الدولة السعودية الثانية، وهي لمقاومة السفن الأخرى مثل أسطول البحرين وعمان وإنجلترا بل وكل هذه السفن مجتمعة التي تحاول مهاجمة المنطقة، كما أن أهل المنطقة ينظرون إلى هذه السفينة بكثير من الخوف، ولم يكونوا يذكرون اسمها إلاّ همساً، وكانت السفينة في تلك اللحظة تطوي شراعها، وربما نقدر أن نطلق عليها لوحدها «أسطول»..
ويقع جمرك القطيف بمقربة من الشاطئ القذر «يعود إلى ألفاظه البذيئة»، الجمرك عبارة عن كوخ مصنوع من جريد وسعف النخيل، وكان طويلاً وضيقاً، ومن أمام وبالقرب من الجمرك كانت هناك بيارات نخيل شديدة الرطوبة، ومستنقعات من المياه المالحة، وكان المشهد موحشاً.
قابل بلجريف أمير القطيف والمعين من قبل الدولة السعودية الثانية الأمير فيصل وكان شخص زنجي تربى في قصر الأمير فيصل واسمه «فرحات» وكان فارع الطول يقدر عمره بخمسين سنة، ولقد أكرم «فرحات» بلجريف وقام بالثني عليه بقوله:
حسن الطبع، كثير الكلام، كريماً، كما أن ذكاؤه وفكره يزيد قليلاً على ذكاء وفكر الشخص العادي، وكان يرتدي ثياباً أنيقة أكثر من تلك التي يرتديها الوهابي الملتزم، ومن حول «فرحات» كانت تقف حاشيته المكونة من نجديين سمر البشرة. وقدر عدد الحامية السعودية المتواجد بالقلعة ما بين 250-260 رجلاً. وسكان القطيف يحملون العداء لهم ويقول بلجريف وأنا لم أر في حياتي مثل هؤلاء العرب «يقصد الحامية السعودية» الذين يعانون من الاكتئاب ومن الضجر والملل والسأم، وكثير منهم مرضى، وجميعهم روحهم المعنوية متدنية، وتتراوح إقامتهم هنا بين عامين وثلاثة أعوام، وأفراد الحامية غير مسموح لهم هنا بالزواج من بنات القطيف.كما أن سكان القطيف يرفضون تدخل القضاء الوهابي فيهم.
قام بلجريف بوصف الطراز المعماري للمنازل والبيوت الهامة ويرجع كثير من منازل القلعة إلى الطراز القرمطي أو يعود للدولة القرمطية وخاصة المنازل الفاخرة وهي قله، وقال احد رفقاء بلجريف إلى بلجريف: إن الذين بنوا تلك المنازل كانوا أكثر تحضراً عمن يشغلونه الآن، كما إن تم تحويل جزء من احد المنازل إلى مسجد وهابي!!!!
وقام بوصف أهالي القطيف عندما رآهم في وجبة عشاء بقوله: يرتدون عمائم كبيرة، وصدريات فارسية، والحب مفتقد بينهم وبين أهالي نجد المتواجدين في القلعة.
كما انه يكمل في وصف القطيف فيقول أن الزراعة في بساتين القطيف تفوق بكثير مثيلتها في حدائق وبساتين الهفوف جيدة الرى، والمياه التي تتغذى عليها أشجار النخيل طعمها مالح، وأن أشجار النخيل تترعرع على المياه المالحة التي لا تسبب لها أي ضرر من الأضرار، وأن إنتاج النخيل في القطيف يقل جودة عن أنتاج نخيل الأحساء، فإنه يتفوق عليه من حيث الكمية، كما تنمو في القطيف أشجار الليمون والحمضيات، إضافة إلى الخضروات بكل أنواعها، كما ينمو القمح أيضاً في القطيف، والغذاء الرئيسي للسكان هو السمك والأرز، والأرز في القطيف رخيص، والسبب في ذلك يرجع إلى الاتجار في الأرز الهندي عن طريق البحرين.
ومدينة القطيف برغم زيادة الرطوبة فيها، غير جاذبة للزوار، وليس فيها ما يمكن أن يضيفوه إلى ثقافتهم، كما لاحظ بلجريف شريطاً من الأرض ممهداً يبدو أنه كان ينتمي إلى تلك الأيام الخوالي التي كانت القطيف فيها عاصمة لهذه المنطقة، وكانوا السكان يعتقدون بأننا نجديون من ملبسنا ويأتون ببعض الحركات التي تنم عن سوء الطوية!!!! وأهل القطيف نشيطون ولكنهم ليسوا بشوشين!!!!
وبعد مكوثه ووصفه للقطيف ينتقل للبحرين بواسطة سفينة قام «فرحات» بترتيب الأمور له فيها.
قام بوصف للقطيف والسكان والحياة فيها والمنشآت المعمارية، ومن أراد الازدياد فيرجع للكتاب.
لقد أثارت الرحلة جدلاً بين المهتمين بهذا الشأن، بل أن هناك من شكك في قدومه إلى الجزيرة العربية، ونتيجة لذلك حاول من تبعه من الرحالة تتبع ملحوظاته ومقارنتها على أرض الواقع مثل ما عمل فلبي.
بقلم الباحث: نزار العبد الجبار