قرقور4 – القرقور والمسكر
ناقشنا في الحلقة السابقة طريقة الصيد بالشباك وسنتناول هنا طريقة الصيد بالقرقور والمسكر.
تطور صيد السمك من السلة للقرقور
تشير بعض البحوث لاستخدام السلال في عملية صيد الأسماك منذ عصور


قبل الميلاد، بدأ استعمالها لاصطياد الأسماك من الحفر عوضا عن اليد، وقد تطورت الفكرة بصناعة فخٍ من تلك السلال وذلك بتغطيتها بقطعة قماش وإحداث ثقب فيه لكي يدخل منه السمك، ثم تطورت الفكرة وتم استخدام أدوات معدنية عوضا عن السلة فظهرت «الطاسة» و»المشخال» والتي مازالت تستخدم في البحرين من قبل بعض الهواة وإن كانت تستخدم في الماضي بشكل ملحوظ عندما كانت سروب الأسماك تسبح بالقرب من الشاطئ، فقد كان يوضع الطحين في المشخال ويغطى بقطعة قماش بها ثقب في الوسط ويوضع المشخال أثناء المد في المناطق الضحلة جدا، بعدها ترى سروب السمك تتسارع نحو فتحة «المشخال» حينها يسرع الصياد فيغلق الفتحة بيده ويرفع المشخال بسرعة، كانت من أسهل الطرق لاصطياد الأسماك الصغيرة وخاصة «الميد» التي تسبح في أسراب بالقرب من الشاطئ. وقد أبدع البعض في طريقة الصيد بالمشخال فمنهم من يربط المشخال بحبل يربط بآخره علبة بلاستيكية لتطفو على سطح الماء وقد عرف البعض هذه الطريقة باسم اللجايات. والبعض الآخر يربط حبلا في المشخال ليرمي به بعيدا ثم يجره إليه بالحبل. وقد تطورت فكرة السلة أو المشخال منذ عهدٍ قديمٍ حينما ابتكر الصياد فتحة ذكية لتحل محل قطعة القماش المثقوبة هي الفتحة التي سميت «الفچ» وهي فتحة على شكل قمع مخروطي تسمح بدخول الأسماك في جوف القرقور لكنها لا تستطيع الخروج منها وذلك إن فتحت القمع المخروطي الخارجية تكون كبيرة لكنها تصغر جدا في نهاية القمع، ومن الممكن لهذه الفتحة الأخيرة أن تتسع لتسمح للسمكة بالدخول للقرقور لكنها تغلق من جديد بعد مرور السمكة من خلالها مباشرة. هذا الاختراع أي «الفچ» جعل الصيادين يصنعون سلال ليس لها إلا هذه الفتحة السحرية وبذلك يسهل الصياد على نفسه فترة مراقبة دخول الأسماك للسلة وكذلك لا يضطر الصياد للركض ليطبق بيده على الفتحة. هذه السلة الجديدة ذات «الفچ» هي ما عرفت لاحقا بالقرقور. ويجب أن نلاحظ أن القرقور كان في القديم يصنع من (عسق) النخيل وهو عذق النخلة عندما يجرد من الرطب، كذلك يصنع من أجزاء من الأشجار الأخرى ذات الليونة والمتانة.

 

صناعة القراقير في الحاضر
يصنع من أسلاك تسمى محليا (أسيام) وهي تأتي على ثلاثة أنواع: من الحديد العادي غير المجلفن، أو من الحديد المجلفن وهو أكثر مقاومة لملوحة الماء، أو قد تستخدم أسلاك مصنوعة من الحديد الغير قابل للصدأ وهذا النوع الأخير مرتفع الثمن ويقل الإقبال عليه بسبب أن القراقير المصنعة منه يجب أن تغمرها في الماء فترة طويلة حتى تنمو على أسلاكها الطحالب التي تنجذب لها الأسماك.
ويتم غزل تلك الأسلاك على هيئة شبك له عيون إما مربعة الشكل أو سداسية ويتراوح أقطارها بين 2سم و2.5سم. ويصنع القرقور على شكل أجزاء تركب مع بعضها وهي ثلالثة أجزاء: القبة وهي جسم القرقور الذي يشبه القبة، وقاعدة دائرية الشكل، و الجزء الأخير هو «الفچ».
وتصنع القراقير بأحجام مختلفة، ويسمى القرقور الصغير حيزة أما الكبير فيسمى دابوي. وأصغر حجم للقرقور يبلغ قطر قاعدته قرابة المتر وارتفاعه حوالي 60سم وهذا النوع يستخدم بالقرب من الشاطئ أو داخل الحضرة، أما القرقور المتوسط الحجم فيصل طول قطر قاعدته لمترين وربع المتر تقريبا وارتفاعه في حدود المتر ونصف المتر ويستخدم في المناطق القليلة العمق. أما النوع الكبير فيصل قطر قاعدته نحو ثلاثة أمتارٍ أو أكثر وهو يستخدم في المناطق العميقة (الغبّة). وللقرقور فتحتان الأولى هي «الفچ» والفتحة الثانية تسمى «تفره» وهي عبارة عن باب صغير مقفل يفتح فقط عند إخراج الصيد من القرقور، أو لوضع الطعم المستخدم لصيد الأسماك من حشائش بحرية أو خبز.
والقرقور لا يمكن وضعه هكذا في البحر فلابد من وضع إضافات متممة ليكتمل إذ إن القرقور سريع الانطواء بسبب التيارات المائية بل إنه قابل للسحب أو أن التيارات تجرفه بعيدا عن موقعه ولذلك يتم وضع دعاماتٍ وأثقالٍ معينةٍ. أما الأثقال فهي عبارة عن حجارة قد تكون ثلاثة أو أربعة توضع في أطراف القرقور من الداخل. أما الدعامات فكان يستخدم في السابق جريد النخل أو الخطرات (سيقان البامبو) التي توضع متعامدة أسفل قاعدة القرقور وعادة ما تستخدم أربع خطراتٍ، وقد استبدلت لاحقا بأنابيب معدنية.

 

تعمير القراقير
قبل إنزال القراقير للماء يتم تعميرها أي وضع الطعم بها وهو غذاء لجلب الأسماك. وهناك ثلاثة أنواع من الطعوم هي الطحالب البحرية والتمر بالطحين والخبز.

 

1 – الطحالب البحرية
وتعتبر الطحالب البحرية أشهر تلك الطعوم وتسمى بصورة عامة الحشيش أما إذا أردنا التخصيص فقد ذكر الناصري في كتابه من تراث شعب البحرين أكثر من عشرين نوعا منها ولها مسميات تدل على وصفها مثل صويف وأعلوب وفتايل وفاريفة ووريق وغيرها كثير، ويتم الحصول عليها من المناطق الساحلية للبحر حيث يتم جمعها بكميات كبيرة، وتعرف عملية جمعها بالحشاش. وأثناء عملية الحشاش يتم جمع الحشائش وفي نفس الوقت يتم جمع التربة التي بأسفله وهي الطبقة العليا من التربة التي يميل لونها للبني الفاتح وكذلك جزء من الطبقة التي بأسفلها ويميل لونها للرمادي القاتم أو الأسود بسبب وجود كبريتيد الهيدروجين، وقبل أن يجمع الخليط في أكياس كبيرة يتم دقها بحجر. وفي الغالب لا يوضع الحشيش لوحده في القرقور بل يضاف معه خليط من لحم سرطانات البحر (القباقب) حيث يزال الغطاء الظهري لسرطان البحر ويدق جسمه ثم يخلط مع الطحالب.
وقد كانت أنواع الطحالب البحرية أو الحشيش تتوافر بكثرة على العديد من الشواطئ كالدير وقلالي وجزيرة سترة وجزيرة النبيه صالح وشواطئ خليج توبلي.

 

2 – التمر والطحين
استخدم الطحين منذ القدم كطعم للأسماك الصغيرة حيث كان يوضع في المشخال أو السلة كما أسلفنا. ولكن هناك طعم آخر عبارة عن خليط من التمر الجاف الذي نزعت منه النوى (الطعام) وعجينة من طحين القمح. ويشكل هذا الطعم بطريقة معينة بحيث تكون العجينة على شكل كرة بداخلها التمر، وتوجد بالكرة بعض الفتحات التي تظهر أجزاء من التمر بداخل العجينة، ويستخدم هذا النوع من الطعم لصيد الصافي والجنم بصورة أساسية. وهناك من يستخدم العجينة فقط دون وضع التمر بها.

 

3 – الخبز
استخدمت قطع من الخبز كطعم للأسماك ليس في القراقير فقط وإنما حتى في الحداق، وقد حدث تطور في استخدام الخبز كطعم ففي البحرين ولنأخذ قرية الدير مثلا حيث وثّق أحمد الباقر طريقة التعمير هذه حيث تحدث عن حداثة هذه الطريقة حيث «لم تكن أرغفة الخبز مستخدمة لتعمير القراقير كطُعمٍ للأسماك قبل بداية الثمانينيات في قرية الديــر وخاصة لصيد أسماك «الصافي»، فقد لجأ بحارة قرية الديــر باستخدام أرغفة الخبز في الصيد مع نهاية السبعينيات و بداية الثمانينيات فقد كانوا في البداية يتفقون مع مخابز القرية لتزويدهم بالكميات المطلوبة من أرغفة الخبز، ثم استعانوا بالشباب للقيام بهذه المهمة بالقرب من البحر وقد كانوا يصنعون موقدا بسيطا أو «تنورا» يضعون فيه عجين الخبز وعندما يصبح الخبز أسمرا يقومون بتجفيفه حتى يصبح صلبا ومتماسكا حتى لا ينفذ بسهولة من فتحات القراقير أما الآن فإن البحارة ما زالوا يستخدمون رغيف الخبز كذلك، ولكنهم خصصوا أماكن خاصة وعمالا معينين لتجهيزه بعد أن زاد اعتمادهم على هذه الطريقة الجديدة نسبيا لتعمير القراقير».

 

الحواجز المدية
ويقصد بها تلك الحواجز التي تبنى في منطقة المد والجزر وتعتمد على عملية المد التي تجلب الأسماك معها فتحبس في تلك الحواجز أثناء عملية الجزر. هذه الحواجز إما أن تبنى من الحجارة فتسمى «مسكر» أو أن تبنى من السعف أوجريد النخل وتسمى «حضرة». وسنتحدث هنا بصور أساسية عن الحضرة أما المسكر فسنتطرق له بصورة سريعة ولو أن المبدأ واحد إلا أن الحضرة هي الشائعة حاليا وربما كان المسكر الصورة القديمة التي تطورت منه الحضرة.

 

بقايا مساكر أم قرى بائدة تحت الماء
المساكر ومفردها مسكر وهي حواجز من الحجارة الجيرية تشيد في المناطق القريبة من الشاطئ بين حدي المد والجزر تصف على شكل نصف دائرةٍ بارتفاع نخو 50سم لتحجز خلفها مساحة من المنطقة الشاطئية المعرضة للمد والجزر، وأثناء ارتفاع المياه في المد تسبح الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى إلى داخل هذه الحواجز وسرعان ما تنحصر داخلها عند انحسار المياه اثناء الجزر حيث لا تجد طريقا للهروب حتى يأتي الصيادون للإمساك بها بشباكهم أو بحرابهم، وأحيانا كانت تمتد هذه المساكر عدة كيلومترات بمحاذاة الشاطئ. وقد عُثر على سواحل الإمارات العربية على عدة مساكر قديمة جدا مهجورة يعتقد أنها تعود للقرن الحادي عشر الميلادي. وفي البحرين عُثر على بقايا لجدران مغمورةٍ تحت الماء بعيدة عن الشاطئ وقد زعم البعض أنها بقايا لقرى بائدةٍ غمرها الماء مدّعمين قولهم بما ذكره محمد علي التاجر في كتابه عقد اللآلئ عن عدد من القرى التي غمرها الماء، إلا أن أحدا لم يرجح أن تكون تلك الجدران بقايا لأنماط من المساكر القديمة التي كانت تقام على الشاطئ عندما كانت مياه الخليج أقل من مستواها الطبيعي الآن؛ يجعل جزءا كبيرا من شاطئ البحرين المغمور حاليا مكشوفا فتكون تلك الجدران بمحاذاة شاطئ البحرين القديم.
الحضرة
سنتناول الحضرة بالتفصيل في الحلقة المقبلة ولكن ما أريد أن أوضحه هنا تأثير الأوقات والمواسم على الحواجز المدية سواء مساكر أو حضور.

 

أوقات ومواسم تؤثر في صيد الحضرة
ناقشنا في حلقة سابقة أن هناك مدين وجزرين في اليوم الواحد يختلف توقيتهما بحسب اليوم القمري وبما أن الحضرة يتم مباراتها أي معاينتها لالتقاط ما بها من أسماك في فترة الجزر فهذا يعني وجود بارتين في اليوم الواحد بارة الصبح أو النهار وبارة الليل. عند البعض هناك بارة واحدة وعند آخرين هناك بارتان، ولكن كيف نحدد أي البارات ستكون مربحة وأيهما ربما لا نجد بها أسماكا، هذا يعتمد على أي شهر في السنة، فالحواجز المدية و بخاصة الحضرة لا يمكن استخدامها طوال العام، وذلك أنه عندما تشتد حرارة الصيف تقل الأسماك التي تأتي للشاطئ، إذا فهناك دورة تعتمد على درجة الحرارة فهناك اختلاف في درجات الحرارة في اليوم الواحد من النهار إلى الليل وكذلك اختلاف في درجة الحرارة من شهر لآخر.

 

اختلاف درجة الحرارة حسب الشهر
تنخفض كمية الأسماك المصادة بالحضور مع انخفاض درجات الحرارة خلال أشهر الشتاء (ديسمبر/ كانون الأول، ويناير/ كانون الثاني، وفبراير/ شباط) ثم تبدأ الزيادة التدريجية في كمية الأسماك المصادة مع الارتفاع في درجة حرارة المياه بداية من شهر مارس/ آذار حتى تصل لأعلى كمية أسماك مصادة خلال شهر يونيو/ حزيران. ومع استمرارية ارتفاع درجة حرارة المياه لتصل لأقصى حد لها خلال شهري يوليو/ تموز وأغسطس/ آب؛ ما يؤدي ذلك إلى الانخفاض النسبي لكمية الأسماك المصادة بالحضور.

 

الجزر النهاري والجزر الليلي
متوسط كمية الأسماك المصادة بالحضرة تتباين بالزيادة أو النقصان تبعا لمواقيت الجزر (النهار أو الليل) خلال فصول السنة المختلفة، حيث نجد أن في موسم الشتاء تزداد حصيلة الصيد من الأسماك بالحضرة في الجزر النهاري عنها في الجزر الليلي، بينما يحدث العكس في موسم الصيف حيث تزداد كمية الأسماك المصادة في الجزر الليلي عنها في الجزر النهاري. كما نلاحظ أن هناك تقاربا إلى حدٍ كبيرٍ بين كميات الأسماك المصادة في كلا الجزرين النهاري والليلي خلال موسمي الربيع والخريف.

 

طرق صيد الأسماك:…الحضرة
تعرف في غالبية الخليج العربي باسم «الحضرة» وتسمى في البصرة قطعة أو ميلان وتصنع عادة من الجريد والقصب السميك، وفي الكويت استخدم قصب السكر العراقي ثم استبدل بالمعدن والسلك الحديدي. و كانت «الحَضرة» في السابق عبارة عن مصيدة على شكل طوق مصنوع من سعف النخيل يُثبّت بطريقة مُحكمة ودقيقة بواسطة حبال مصنوعة من الليف ويُثبت السعف بطريقة عمودية ومن الأسفل عند القاع بواسطة الحصى، أما الآن فتصنع من الجريد والشباك الحديدية أو ما يعرف (بالسيم) وخيوط النايلون وأعواد البامبو والتي تسمى محليا (الخطرات) جمع (خطرة). وتُقام «الحضرة» بالقرب من الشاطئ أو في داخل البحر في المناطق التي ينحسر عنها الماء، وتكون الفتحة في اتجاه الساحل. بعض الحضرات تكون في مناطق ضحلة إلى درجة أنها تكون جافة جدّا عند انحسار الماء عنها، وفي ذلك الوقت بالذات يُجمع السمك منها. البعض الآخر من «الحضور» (جمع «حضرة») يكون فيها مستوى الماء من نصف قامة إلى قامة واحدة عند انحسار الماء عنها عندما يجمع السمك بواسطة الشباك.
يشرف على عملية بناء «الحضور» الأستاذ ومجموعة من المساعدين، وفي الستينيات كان يتقاضى الأستاذ أجرا يصل إلى 25 روبية عن كل «ماية» أي عن كل دورة من دورات الجزر حيث ينكشف الموقع وهو الوقت الملائم الذي يسمح باستئناف عمليات بناء و ترميم «الحضور»، أما بقية العمال فكان أجرهم هو 12 ربية عن كل موجة جزر.

 

تركيب «الحضور» و أنواعها
توجد ثلاثة أشكال رئيسية «للحضرة» يمكن تلخيصها كالتالي

 

النوع الأول:
يتكون هذا النوع من ثلاثة أجزاء رئيسية، الأول هو المجمع و يحده الجناحان وبعده يأتي الحوش (أوالحضن) و تحده الحنيتان والجزء الأخير هو السر.

 

1 – السر
وهو الجزء الخلفي من «الحضرة» ويحده حائط دائري (وقد يكون جزؤه الخلفي مثلث الشكل أحيانا) مفتوح من الأمام ويمتد من كل طرف جدار يسمى كل منهما «سرار أول» و يتلاقى السراران في القاع فقط مكونين مدخل السر الذي يكون على شكل حرف «V». والبعض يطلق على هذه الفتحة اسم «ترباس». ومن شأن هذا التصميم للفتحة أن يسمح للأسماك أن تدخل السر من الجزء العلوي عندما يكون مستوى الماء مرتفعا نسبيا و يتعذر عليها الخروج عندما ينخفض مستوى الماء. و يتم تثبيت حائط السر عن طريق حبال تسمى «الخية» تكون مثبتة في أوتاد تسمى «حواليش» مغروزة في قاع البحر.

 

2 – الحوش أو الحضن
وهو المساحة الواقعة أمام السر و يحده من الجانبين حائطان من الشبك يتخذ كل منهما شكل قوس من محيط دائرة و يسمى كل منهما حنية.
أحيانا لا تبنى جدران الحوش بشكل قوس و إنما تتخذ أشكالا مختلفة و بذلك يحدث تباين في أشكال «الحضرة».

 

3 – المجمع
وهو الجزء الأمامي من «الحضرة» ويحده حائطان مستقيمان يعرفان بالأجنحة، يكون أحد هذه الأجنحة طويلا حيث يمتد للقرب من الشاطئ ويسمى «المد» أو «الإيد» أي اليد، وأحيانا لايكون سور المد طويلا بل يجعل له امتداد بالحجارة. أما الجناح القصير منهما فيسمى «المطعم». ويمتد جزء من كلا الجناحين لداخل الحوش ويعرف هذا الامتداد باسم الوالي.

 

4 – «الكديل والكديله»
أطلق البعض اسم «الكديل» أو «القديل» على السر والبعض خصه بمقدمة السر أو رأس «الحضرة».
سارجنت في بحثه عن «الحضور» في البحرين في الستينيات من القرن المنصرم يتحدث عن «جذيلة» كانت تغزل من حبل القنبار وهو الحبل المصنوع من ألياف ثمرة جوز الهند، وكانت تعلق هذه الجذيلة على مقدمة «الحضرة» أو مقدمة السر بالتحديد وهي التي خصها سارجنت باسم «الكديل» مشتقه من «كديله» (تحريف جذيلة)، ويعترف سارجنت أنه لم يشاهد تلك الجذايل وإنما لاحظها في رسومات لأشكال «الحضور» المختلفة في البحرين. فإن صح التأويل هنا أن الأصل في كلمة «كديل» تلك الجذيلة فإن تسمية السر «بالكديل» جاءت من باب التعميم.
النوع الثاني :
أما النوع الثاني من «الحضور» فهو كالأول ولكن يستغنى عن الجناحين ويكتفى بمد طويل أمام مدخل الحوش.
النوع الثالث:
في هذا النوع الثالث من «الحضور» يستغنى عن الحوش فلا يكون هناك سوى سر ومجمع له جناحان، وقد خص سارجنت هذا النوع بجزيرة سترة وعلل كثرته حول جزيرة سترة بقوة التيارات المائية التي لا تسمح ببناء حنيتي الحوش.

 

جمع السمك من «الحضرة»
تتم عملية جمع السمك من «الحضرة» التي تسمى «إمباراة» في فترة الجزر، وقد يباري الصياد «الحضرة» مرتين في اليوم بحسب مواعيد الجزر وحسب الموسم كما سبق وأوضحنا ذلك في حلقات سابقة. ويحتاج الصياد في ذلك إلى شبكة يدوية صغيرة (سالية)، وحربة من الحديد وإلى مرحلة صغيرة مصنوعة من الخوص. يدخل الصياد لمنطقة السر ويعلق المرحلة على أحد جوانب السر ثم يستخدم الشبكة في جمع الأسماك ووضعها في المرحلة، ويستخدم الحربة بصورة أساسية لصيد السرطانات البحرية التي تستخدم كطعم. وأحيانا يتم وضع قرقور صغير بالداخل ليسهل عملية الجمع. ثم يقوم بتنظيف «الحضرة» مما دخلها من طحالب.

 

استملاك «الحضرة»
في الماضي القريب لم تكن «الحضور» خاضعة لأي سيطرة كانت حرة وذلك لأن السمك لم تكن له قيمة نقدية حيث كان يستخدم للاستهلاك اليومي المحلي فقط، فلم يستورد كالرز ولم يصدر كالتمور ولم يكن يلعب دورا مهما في زيادة أو خفض الضرائب التي كانت مفروضة في يوم من الأيام. كانت شواطئ البحرين غنية بأنواع عديدة من الأسماك. لكن هل كان الكل يستطيع أن يستملك «حضرة»؟ علينا أن ندرك أن وفرة السمك شيء ووفرة رأس المال لتصنيع «الحضرة» وصيانتها أمر آخر، فالجريد والحبال والبناء تحتاج لرأس مال ومن هنا بدأ نظام معين لطريقة استملاك «الحضور» وهو نظام يشبه لحد ما استملاك الأراضي الزراعية. وتعرف المناطق التي تقام عليها «الحضور» بالسطوات ومفردها سطوة، وقد تكون الرقعة التي ستقام عليها «الحضرة» ملكا لشخص ورثها أو اشتراها أوقد تكون وقفا. وهناك العديد من الخيارات أوالطرق لاستملاك رقعة لإقامة «حضرة» عليها وقد ناقشها سارجنت في بحثه وهي نظم كان متعارف عليها في البحرين في الستينيات من القرن المنصرم، إلا أننا لا نعلم بالتحديد زمن بدايتها وقد حدثت تغيرات في هذا النظام حيث أصبح الوضع مختلفا تماما عما هو في السابق.

 

سنتطرق للنظام القديم ونذكر هنا بعض بنوده باختصار ثم نفصل كل حالة منفردة:
1 – أن يكون لهذه الرقعة التي ستقام عليها «الحضرة» مالك، وهنا عدة احتمالات
أ – أن يكون المالك صائد سمك أو «بوار» فبذلك يعمل في ملكه وهذه حالة لا تحتاج إلى تفسير.
ب – أن يستأجر «بوار» ليعمل له في ملكه بمقابل مادي وهذه حالة تحتاج إلى تفصيل.
ج – أن يقوم هذا المالك بتأجيرها على «بوار» وتسمى عملية التأجير «خفار»:

 

2 – أن تكون هذه الرقعة التي ستقام عليها «الحضرة» وقفا وهنا يمكن لأي شخص أن يتضمنها فيصبح الضامن، وهنا أيضا عدة احتمالات:
أ – قد يكون هذا الضامن «بوار» ويملك رأس المال لبناء «الحضرة».
ب- يكون هذا الضامن «بوار» لكنه لا يملك رأس المال لبناء «الحضرة» فيحتاج إلى ممولج – أن يقوم الضامن بتأجيرها على بوار (ربما يملك رأس المال أو لا يملكه)
ج – قد يستأجر الضامن «بوار» ليعمل لحسابه.
ملخص كل ذلك أن هناك ثلاث حالات تحتاج لشرح مطول وكلها تدور حول علاقة «البوار» ب«الحضرة» وهو ما سنشرحه هنا.

 

«البوار» وعلاقته بـ«الحضرة»
«البوار» هو الشخص الذي يتابع «الحضرة» ويجمع السمك أثناء انحسار الماء ويقال فلان يباري «الحضرة» ومنها الاسم «إمباراة وإمباره» ، ويسمى ما يصيده «البوار» من «الحضرة» (باره)، وكما رأينا سابقا فقد يكون «البوار» هو صاحب «الحضرة» أو مستأجرا «للحضرة» أو متضمنا لها وعليه يمكن إيجاد عدة علاقات «للبوار» حسب علاقته ب«الحضرة» وهي كالتالي:

 

أولا: أن يكون مستأجرا
وفي هذه الحالة إما أن يكون مستأجرا من المالك أو من الضامن أو أن يكون ضامنا «للحضرة» من الأوقاف. ويتم دفع الإيجار على ثلاثة أقساط في بداية الموسم ومنتصف الموسم وفي نهاية الموسم، ويجب أن نلاحظ أن «البوار» يدفع الخفار أوالإيجار عن الرقعة التي ستقام عليها «الحضرة» أما تمويل بناء «الحضرة» فيدفع كلفته «البوار» وفي حال عدم قدرة «البوار» تحمل التكاليف يتحملها الضامن أو المالك، وتلك التكاليف يقسطها على «البوار» بواقع ربح قد يكون 1 في المئة أو 2 في المئة أو عشر أو حتى خمس، وفي حال مرض «البوار» يمكنه أن يفاصل في المبلغ ويقسطه على سنوات وبذلك يبقى «البوار» مديونا للضامن أو المالك الذي ربما استغله ليبيع له الأسماك ولا يحضى «البوار» إلا بالفتات تماما كما هو معمول به في نظام السلفية و»التسقام» الذي كسر ظهر «الغواويص».
وهناك حالات يقوم الجزاف، وهو بائع الأسماك الذي يشتري الأسماك بالجملة، بتمويل «البوار» بنسبة ربح يتفق عليها وهو بذلك يلعب دور الطواش تاجر اللؤلؤ الذي يقدم سلفا للنوخذة على شريطة أن يشتري جميع ما يجلبه من لؤلؤ بسعر أقل من السوق. وهنا يجب أن يلتزم «البوار» بتوصيل كل كمية المصاد إلى الجزاف ولكن بعد أن يخصم منها بعضا من الأسماك ذات الأسعار المتدنية و ذلك له ولأسرته. وتستمر العملية على هذا المنوال حتى يتم تسديد كل الديون وحينها يقال عن «البوار» بأنه «استفضل» أي أصبح بمقدوره الاحتفاظ بكل كمية الصيد لنفسه ومع ذلك غالبا ما يضل يبيع أسماكه للجزاف بأرخص الأسعار حتى يحافظ على علاقات تجارية طيبة معه.

 

ثانيا: أن يكون «البوار» عاملا بأجر
قد يكون «البوار» عاملا في «حضرة» ليست ملكه فيأخذ أجرا نظير اتعابه بإحدى الطرق التالية:
1 – أن يأخذ جزءا من السمك «المصيود» نفسه، وقد تصل نسبة مايأخذه إلى النصف كأقصى حد ويقال حينئذ بأنه أخذ (نص البارة).
2 – يتقاضى أجره على كل يوم «يباري» فيه «الحضرة»
3 – يأخذ أجره اليومي مضافا له «أودام» (أي إدام) وجبة يومه.

 

بقلم: حسين محمد حسين