الخريص من فلكلور المعامير الشعبي

الحديث عن التراث الشعبي فيه الكثير من الجوانب الشيقة لا سيما إذا كانت تتعلق بالذكريات التي عشنا بعضها أو سمعنا عنها من كبار السن


لا أتصور أن أحدا من أهل القرية لا يعرف الخريّص، ذلك الينبوع العذب الواقع جنوب المعامير، الذي كان لأهل القرية فيه كثيرا من القصص والذكريات الجميلة، كان أهل المعامير منذ القدم والى منتصف الستينات إذا تزوج احدهم يتجمعون في موكب يضم جميع الأهالي ويتوجهون به ناحية ذلك الينبوع وهم يدقون العلب الفارغة والأواني ويرقصون على طول الطريق، في تلك الأيام كان الرجال في مقدمة الزفة والنساء خلفهم يدقون على الأواني والعلب الفارغة فإذا وصلوا إلى موقع الاسل القريب من أنابيب مشتقات النفط تعود النساء إلى القرية ويواصل الرجال رحلتهم إلى ذلك الينبوع القريب من جبال سعود فيستحمون في تلك العين المتصلة بالينبوع، تلك العين كانت مبنية بالحجارة والطين وتمتد من الينبوع قناة صغيرة متصلة بالعين تصب فيها، وما زالت أثار بناء العين باقية تحت الأنقاض، بعد الاستحمام يقومون بتنظيف المعرس بالصابون الطبيعي والليف وغيرها من مستلزمات التنظيف، ثم ينعزل المعرس خلف القصب والحشائش المنتشرة هناك فينظف جسمه من الشعر بالزرنيخ أو النورة، والطريف في الأمر أن موكب الزفة ينتظرونه وهم يرددون الأناشيد الشعبية حتى ينتهي من الحلاقة فيقومون بحلق رأسه ولحيته وهذا البرتوكول اللطيف هو مجرد مقدمة لليلة الزفة التي يتابع الجميع لاسيما النساء أدق تفاصيلها، وبعد الانتهاء من التنظيف والحلاقة يأتي وقت تناول الأكل والطبخات التي جلبوها معهم من القرية كالخبيص والتمر والعيش المحمر، وبعد تناول الأكل ينطلقون تجاه القرية وهم يرددون الأناشيد والأغاني ويدقون على الأواني في موكب يضم جميع أهالي القرية، نعم ربما أصبح اليوم ذلك الينبوع تحت الأنقاض ولكن الذكريات والمواقف الجميلة تبقى تقارع النسيان، هذه العادة الشعبية لم تنته إلا في منتصف الخمسينات، والجميل في الأمر أنني شاهدت قبل فترة بعض كبار السن يترددون على الخريص وجبال سعود ليقفوا على تلك الذكريات الرائعة ولكنهم لايرون غير الأطلال وبقايا الآثار التي ما زالت تعيش في وجدانهم.
وأما عن سبب تسمية الينبوع بهذا الاسم فالسبب أن الينبوع كان محاط بالاسل والحشائش الكثيفة فأطلق عليه باللهجة العامية الخريّص أي المكان الوعر.

أما عن تلك المنطقة الجبلية ذات الصخور المنبسطة فتسمى جبال سعود وهي قريبة من الخريّص وهذه المنطقة كانت مضعن قديم حيث ينزل فيها العديد من الناس وأشهرهم قبيلة بن سعود الذين انقطعوا عنها منذ أواخر الثلاثينات وانتشروا في عدة مناطق في البحرين وخارجها، والى وقت متأخر من الستينات كان بعض الرعاة يترددون على منطقة الخريّص وجبال سعود ليسقوا جمالهم ويرعوا أغنامهم.
منطقة الخريّص وجبال سعود هما جزء من جنوب قرية المعامير والبعض يعتبرها أخر متنفس للقرية إذ أنها خالية من المصانع والشركات ويتخذها البعض من الأهالي مضمار للمشي والتنفيس عن النفس.

بقلم: جاسم حسين إبراهيم آل عباس.

المعامير- البحرين