قصة براميل الصل
 

اخواني هذا المقال البسيط هو ملخص كتيب محطات من ذاكرة المعامير الذي اصدرته قبل عام وقد اختصرته في ثلاث صفحات.

بدايات التنقيب وصعوبة التنقل

في عام 1930م واجهت مجموعة شركات ايسترن اند جنرال سنديكيت البريطانية صعوبة في التنقل بين مرفأ سترة وجبل الدخان حيث كان ساحل البحر الفاصل بين المعامير وسترة يعيق تنقلهم فقرروا بناء جسر يربط المرفا بالجزيرة الام ليسهل عليهم التنقل، ولم تجد الشركة موقع استراتيجيا لبناء الجسر أفضل من موقع الممر الشمالي لساحل المعامير.
وحيث كانت سفن المعامير ترسو على الساحل قرب بيوتهم (برستجات واكواخ) فان عملية بناء الجسر ستعيق عبور الخشب (السفن) للقرية واذا ما حصل ذلك وتم ايقاف السفن بعيدة عن مساكنهم فانها ستكون عرضة للسرقة والتخريب، وفي ذلك الوقت لم يكن بإمكان الشركة بناء الجسر دون موافقة الأهالي ونواخذة القرية حيث لا يمكن أن تتجاهلهم وتقوم باغلاق المنفذ الرئيس لعبور سفنهم دون رضاهم.
وفي احد الايام من صيف عام 1930م تسربت أنباء مفادها أن رئيس شركات ايسترن اند جنرال سنديكيت السيد ادوارد اسكنر سيقوم بزيارة لقرية المعامير للالتقاء بوجهائها لاقناعهم بضرورة بناء الجسر الذي سيكون بمثابة قناة اتصال بين جزيرة سترة وجزيرة البحرين، وما ان تلقف الاهالي هذا الخبر حتى تجمع الوجهاء وكبار العوائل في مجلس الحاج رضي الذي كان قد ترأس القرية بعد وفاة والده الحاج عبدالله بن عباس، وفي ذلك الوقت كانت الحكومة قد بدأت تبسط سيطرتها الادارية والامنية على مختلف المناطق والقرى، وشرعت في تاسيس إلادارات الرسمية باشراف الانجليز.
في البداية رفض بعض البحارة والنواخذة بناء الجسر لكنهم سرعان ما وافقوا على بناءه وجاءت موافقتهم لاسباب كثيرة ومنها:
*ان الجسر سيساعدهم على العبور لجزيرة سترة ولن يحتاجوا للنزول في الماء او استخدام القوارب الخشبية للعبور (البكارات والهواري)
*كانوا يدركون ان مهنة الغوص ستنتهي قريبا، وستحل مكانها مهن وصناعات جديدة، وقد بدأت في تلك الفترة بوادرها تلوح في الافق، ففي ذلك الوقت كان الكثير من الغواصين يفرون من اخطار وصعاب البحر الى صناعة النفط وغيرها من المهن الجديدة.
* كان انتشار اللؤلؤ الصناعي منذ عام 1912م والذي بدأ ينتشر بكثرة في منتصف الثلاثينات كان له الأثر المباشر على عزوف الناس عن الغوص فاسعار اللؤلؤ هبطت بعد انتشار اللؤلؤ الصناعي وكانت تكاليف الغوص كبيرة قياسا بالدخل القليل الناتج عن الغوص ولاسيما النفط الذي كان له ألاثر المباشر في اضمحلال امبراطورية الغوص في الخليج وخصوصا جزيرة البحرين، مما يعني ان كل المؤشرات كانت تشير إلى قرب نهاية الغوص الى الابد وهذا يعني انهم لن يحتاجوا بعد سنوات قليلة قادمة للممر البحري الذي سيبنى عليه الجسر.
وسرعان ما توافقوا على بناء الجسر ولكن بمكاسب ينتفع منها أهل القرية والمنطقة، وفي نهاية اجتماعهم وكلوا أمرهم للحاج رضي الذي كانوا يثقون به الى درجة كبيرة وكانوا لا يختلفون على أي أمر يتخذه او يقره بعد التشاور معهم.

وفي احد ايام العام 1930م زار المعامير وفد من الشركة وكان يضم بعض الانجليز والمدراء العرب بقيادة (ادوارد اسكنر) الذي كان أول رئيس تنفيذي لشركة نفط البحرين بابكو بعد اكتشاف النفط وقيل كان معه المترجم الحج حسين يتيم وما أن وصل الوفد لمدخل القرية حتى خرج أهل المعامير لاستقبالهم صغارا وكبار ومباشرة قام وجهاء القرية باصطحاب الوفد لمجلس الحاج رضي، وكان مجلسه يقع في الأرض الجنوبية لمسجد الشيخ احمد وبعد دخولهم للمجلس جلس الحاج رضي وبعض وجهاء العوائل ومن بينهم الحاج طاهر بن حسين والحاج مكي بن اللطيف والحاج حسين بن عاشور والحاج مدن بن امان والحاج يوسف بن سعيد وغيرهم من الرجال، ثم تحدث رئيس بابكو عن أهمية بناء الجسر وطلب منهم اخراج سفنهم للشمال، وكان المترجم يترجم لهم ما يقوله رئيس بابكو وفي بداية الامر كما يروي أحد المعمرين ان الحج رضي قال لهم أن النواخذة وأهل القرية يعارضون بناء الجسر لانه سيؤثر على ارزاقهم وكان ذلك الكلام للضغط عليهم للحصول على بعض المكاسب من الشركة، وبعد نقاش دار بينهم اخبرهم الحاج رضي ان أهل المعامير سيوافقون على بناء الجسر ولكن بشروط.

 


أما فحوى الشروط فكانت كالتالي :

1- ان تقوم الشركة التي حطت في البحرين للتنقيب عن الماء والنفط بحفر خمس الى سبع عيون للمياه في المعامير ليستخدمها الناس للشرب والسباحة وقضاء الحاجة، وهذا المطلب يعتبر مكسبا جيد لأهل القرية فقد كانوا يذهبون لاماكن بعيدة لإحضار مياه الشرب كعين عبدان في سترة وعين العكر وكوكب عيال سعود جنوب المعامير اوالفارسية والحالة وكان الماء يباع بمبلغ رمزي، علما ان المعامير كانت تحوي حوالي عينين صغيرتين ولكن الشركة قامت بتوسيعهما وتعميقهما أكثر من السابق وقد بقت اثار العيون الى مطلع الثمانينات ثم دفنتها البلدية.

2- المطلب الثاني ان تكون الأولوية في العمل لأهالي المعامير بما ان بابكو ستغلق المنفذ الرئيسي لقناة المعامير البحرية فعليها ان تجعل الأولوية في العمل لاهل المعامير.

3- ان تقوم الشركة ببناء خمسة حمامات عامة وهذا المطلب يعتبر مكسبا مهم لان القرية لم يكن يوجد فيها لا حمامات عامة ولا حمامات في المنازل فالرجال كانوا يقضون حاجتهم قرب الساحل او خلف التلال، اما النساء فكنا يقضين حاجتهن قرب (عين مستقى) وهذا الامر كان منتشرا في سائر مناطق البحرين، وبناء هذه الحمامات سيخدم القرية ويغنيهم عن الذهاب لمسافات بعيدة عن انظار الناس لقضاء الحاجة وكانت هذه مشكلة يعاني منها الناس خصوصا في الليالي المظلمة اذ كان لا يخرج احدهم الا ومعه بعض المرافقين خوفا من الجان والمجرمين وما شابه من هذه الامور.

4- في تلك الفترة شرعت الشركة في رصف بعض الطرق الممتدة من سترة الى جبل الدخان واستأجرت الكثير من الحمير والدواب لنقل المواد والصخور لتعبيد الطرق فطلبوا من الشركة ان تقوم باستأجار دواب وحمير اهل المعامير قبل غيرها وان تستأجر سفنهم والجوالبيت في بناء مرفأ سترة (الورف).

5- في صيف عام 1930م كانت سفن الغوص خارج البحر وقد تم طلائها بمادة (الصل) وهذه المادة كانت غالية الثمن، واذا تم انزال السفن في الماء سيظطرون لطلائها مرة أخرى وهذا الامر مكلف جدا قال لهم اسكنر ان بابكو على استعداده لتعويضهم عن خسائرهم فطلب الحاج رضي من اسكنر تعويض النواخذة المتضررين في أمرين وهما:

* أن تقوم الشركة بتزويد كل نوخذة أو بحار ببرميلين من الصل والأسلاك الحديدية التي يحتاجها البحارةكثيرا وكانت متوفرة في بابكو علما انها كانت غالية الثمن في السوق.

* والامر الاخر إذا أرادت الشركة استئجار أي قارب أو سفينة لاكمال بناء المرفأ الشرقي للشركة (الورف) فالأولوية لسفن وقوارب القرية.

هذه المطالب في تلك الفترة كانت مكاسب جيدة ومن الخطأ ان نلوم الاوليين على تلك المطالب ونحن لم نعش زمانهم وظروفهم، او كما كتب احد الاشخاص قائلا: كان الأولى بهم أن يطالبوا بإعفاء أهل القرية عن تسديد فواتير الكهرباء والماء وهذا ينم عن عدم الدراية بامور عدة وابرزها ان الزيارة كانت في العام 1930م، والكهرباء وصلت للمعامير في العام 1962م، اذ كيف يمكن للناس ان يطالبوا باعفائهم عن الكهرباء وهم لم يحلموا يوما بوصول الكهرباء للقرية، لكنهم طالبوا بتوفير المياه لان الشركة كانت تنقب عن المياه مع النفط والغاز.

يذكر ان وجهاء القرية كانوا يعتقدون ان الانجليز لن يوفوا بوعدهم فطلب أهل القرية من اسكنر ان يوقع لهم على اوراق تعتبر وثيقة عهد من شركة الشركة لاهل المعامير فوافقوا على ذلك وأعطيت للحاج رضي نسخة من هذه الوثيقة، ويذكر بعض المعمرين ان ارشيف شركة بابكو ما زال يحوي نسخة من تلك الاوراق وقيل انه يحوي صورا فوتوغرافية لتلك الزيارة.

 
بقلم : جاسم حسين آل عباس.