معا ضد تدمير الآثار

اثار البحرينعندما تقود وزيرة الثقافة والإعلام بنفسها حملة يوم الجمعة احتجاجا على انتهاك إحدى قنوات الري القديمة في مدينة حمد، فذلك يعني أن الأمور بلغت درجة الخطر.
هذه الحركة سبقها قبل أسبوعين، إعلان الوزيرة في ختام مسابقة الحاج حسن العالي، عن تسجيل عددٍ من المواقع الأثرية ضمن سلسلة التراث العالمي، وفي مقدمتها تلال عالي، وهي أكبر مقبرة أثرية في العالم، كانت تحتوي على أكثر من مئة ألف، فتقلصّ العدد بفعل التعدي عليها إلى خمسة آلاف!

هذا البلد يواجه استهتارا لا مثيل له في حماية تراثه، رغم وجود مؤسسات رسمية من صلب مهماتها حماية الآثار، ولكنها عجزت أمام تدمير هذا التراث. وإذا كانت الوزيرة في مقالها الغاضب الذي نشرته أغلب الصحف تتكلّم عن «هزال تعامل البعض منا مع هوية البحرين وثقافتها ومقومات عراقتها في التاريخ»، فإن الواقع يؤكد تهمة الهزال على الكثيرين، وخصوصا من تولّوا في فترة من الزمن مهمة حفظ الآثار.
الوزيرة تحذّر من امتداد التهور والجهل إلى قلعة البحرين أو سلاسل التلال الأثرية… وتطالب بالشروع في حماية حقوق الأجيال المقبلة في الرصيد الأثري لهذه الأرض. وهي دعوةٌ نؤيّد الوزيرة فيها، رغم أنها جاءت متأخرة. لكن أن تبدأ متأخرا خيرٌ من أن لا تبدأ أبدا وتجلس تندب حظك والتلال والأطلال.
لست خبيرا في الآثار، ولكن يهمني كمواطنٍ ضرورة حفظ تراث هذا البلد، وما أعرفه أن القناة التي «اكتُشفت» يوم الجمعة الماضي، ما هي إلاّ جزءٌ بسيطٌ من نظام ريٍّ طبيعي قديم، كان يغذّي رقعة واسعة من البساتين والحقول.
يوم الاثنين الماضي، قام الزميل هاني الفردان بعمليةٍ لتنشيط الذاكرة، حين عرض قضية الأفلاج الأربعين الممتدة على طول الساحل الشمالي من البحرين، من قرية المرخ انتهاء ببحر الجنبية. وهو موضوع سبق أن طرحه في تحقيق صحافي قبل أربعة أعوام، وكنت مرافقا له في مغامرته الجميلة تلك. يومها قابلنا عددا من الأهالي، وتسللنا مع المصوّر إلى عددٍ من البساتين والحقول و»الأملاك الخاصة»، وشاهدنا بأعيننا ما تبقّى من شواهد على ذلك النظام الهندسي البديع في الريّ، مما لم نتعلمه من مناهجنا الدراسية ولا وسائلنا الإعلامية.
حينها خامرني شعورٌ طاغٍ بالإحباط في مواجهة هذا «العبث والخفة والرعونة والمسعى المشبوه وغير المسئول»، إن سمحت لي الوزيرة باستخدام تعبيراتها. مع ذلك كتبت أكثر من مقالٍ داعيا لصيانة الآثار وحفظ هوية البلد الحضارية.
لقد أحسنت الوزيرة صنعا بتهديدها باتخاذ «إجراءات صارمة» ضد العابثين بتراث البلد، وتضييع هويتها وآثارها. وهي آثارٌ لا تقتصر على القلاع التاريخية، وإنما تمتد إلى تلال عالي والشاخورة والحَجَر ومعبد باربار وعين أم السجور… في سلسلةٍ طويلةٍ من الواجبات التي يُفترض على الوزيرة القيام بها. ويجب ألا ننسى المهن القديمة الآيلة للانقراض، وفي مقدمتها السلال في كرباباد، والنسيج في بني جمرة، التي نشرتُ عنها تحقيقا قبل سنوات، حذّرت فيه من اختفاء هذه الصنعة القديمة، برحيل الجيل الأخير لا سمح الله.
الوزيرة لا تتحمّل شخصيا مسئولية من اعتدوا على الآثار قبل وزارتها، أو استولوا على مساحات واسعة في سار أو الجنبية أو تلال عالي، ومحاسبة المتنفّذين فوق طاقتها وطاقة وزارتها، ولكن لتبدأ بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وخصوصا أنه لم يبق من ذلك إلاّ القليل.
قاسم حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*