الملا عطية الجمريضمن برنامجه الثقافي استضاف مجلس الشيخ الجمري الباحث حسين محمد حسين الجمري الذي قدّم محاضرة في الشعر الشعبي الحضري، متخذا من الملا عطية مثالا رابطا بين التراث الحضاري السومري والأكادي ومن بعدهم جاء الآراميون السرياليون. مستعينا بما توصل إليه البروفسور كلايف هولز من جامعة أكسفور من أن قصائد المناظرات البحرينية قريبة الشبه جدا من المناظرات السومرية والأكادية.
وفي محاضرته ركز الباحث على جنس واحد من الشعر الشعبي الحضري وهو المعروف بشعر المناظرات والمحاورات. وأشار إلى أن هذا الجنس من الشعر يقوم فيه الشاعر بجعل جمادات معينة أشخاصا تتحاور فيما بينها أو تتناظر كالمناظرة بين الشاي والتبغ أو القهوة

والشاي، وقد تكون المناظرة بين الألوان أو بين المواسم كالخريف والربيع مثلا أو بين مناطق معينة. وعادة ما يكون الشاعر موجودا في هذه المناظرة فقد يكون هو الحكم الذي يحكم بين المتناظرين أو الراوي للمناظرة.
وأضاف الجمري أما شعر المحاورة فهو حوار بين الشاعر وأحد الحيوانات أو الجمادات في إطار قصصي مسرحي. وقد عرفت الحضارات القديمة هذا الجنس من الشعر، ومنذ آلاف السنين عرفت الحضارات التي تفاعلت مع منطقة البحرين قديما هذا الجنس من الشعر فقد عرفه السومريون وهناك مناظرة شهيرة عثر عليها منقوشة وهي مناظرة بين المجرفة والمحراث. وقد استمر هذا الجنس من الشعر في الحضارات التي تلت السومرية وصولا للأكاديين ومن بعدهم جاء الآراميون السرياليون. ويرى بروفسور كلايف هولز من جامعة أكسفور أن قصائد المناظرات البحرينية قريبة الشبه جدا من المناظرات السومرية والأكادية.
وفيما يخص المناظرات الآرامية أشار الجمري إلى أنه قد وجد أقدم مثال لها في القرن الرابع الميلادي وهي بداية وصول القبائل العربية للمنطقة. وقد استمرت المناظرات تكتب بالآرامية (أو السريالية) حتى القرن التاسع الميلادي. وقد تضمنت العديد من المناظرات السريالية مناظرات بين شخصيات من الإنجيل. ويرى بروك في بحثه «شعر المناظرات من سومر إلى السريالية» أن المناظرات السريالية هي امتداد لتلك المناظرات التي بدأت في سومر.
وأما عند العرب فقد أشار الجمري إلى أن المناظرات لم تظهر إلا في العصر العباسي ومع ظهور فن جديد من الأدب وهو «المقامات» ظهر نوع من المقامات عرف بالمفاخرات. والمفاخرات هذه ما هي إلا مناظرة بين الجمادات أو الألوان أو الفصول أي تماما كالمناظرات ولكنها ليست شعرا بل نوع من السجع هو المقامات. والمقامة أقرب ما تكون لقصة قصيرة مسجوعة وتعتمد في أسلوبها على قالب السجع، وعلى الإكثار من استخدام المحسّنات البديعية واللفظية بأنواعها المختلفة.
وأضاف أنه تعتبر المفاخرة المنسوبة للجاحظ هي أولى تلك المناظرات وهي «سلوة الحريف بمناظرة الربيع والخريف» في القرن الرابع الهجري تلتها بعد ذلك العديد من المفاخرات امتدت لقرون طويلة، وقد قام محمد الششتاوي بتحقيق العديد من المفاخرات وإصدارها في سلسلة المفاخرات التي تتكون من ستة أجزاء بين عامي (1999م – 2001م).
واستشهد الجمري بقول البروفسور كلايف هولز «انه بعد التمحيص في المفاخرات العربية منذ بدايتها أنها تناولت مواضيع حضرية أي أنها كانت من الوسط الاجتماعي الحضري، وعليه يرجح أن هذا الجنس من الشعر انتقل من الآرامية للعربية». وتابع هنا نضع علامة استفهام كبيرة حول منشأ المقامات ولماذا ضمنت المناظرات ضمن المقامات ولم يتضمنها الشعر. فهل نشأت المقامات بسبب تأثرها بالحضارة والشعوب التي تأثرت ثقافتهم بالآرامية؟.
وأضاف الجمري لا يجد هولز صعوبة في رسم تاريخ قصائد المناظرات في البحرين، فقد سبق أن كتب هولز سلسلة من البحوث عن المجتمع البحريني حيث يحدد وجود طائفة حضرية في البحرين وهي طائفة البحارنة التي لها امتداد عميق في التاريخ، وهكذا يرى هولز أن أسلاف هذه الطائفة من القبائل العربية والتي يحددها هولز بصورة رئيسية على أنها قبيلة عبد قيس اندمجت مع البقية الباقية من الحضارة السابقة والتي سكنت البحرين والتي تمثلت بصورة أساسية في السرياليين النساطرة. ولو ركزنا قليلا على المراجع التي تناولت اللهجة البحرانية نجد أن الباحث الأكاديمي عبدالعزيز مطر يرى أن اللهجة البحرانية هي لهجة قائمة بذاتها وأن الخصائص العامة لهذه اللهجة تكونت بفعل تأثرها باللغة الآرامية، ويرى هولز في أحد بحوثه أن اللهجة البحرانية تأثرت باللغة الأكادية أيضا. ولو تناولنا بعض عناصر الثقافة كطقس «الحجة» أو «الضحية» سنرى عددا من الكتاب يرجحون امتداد هذا الطقس لعصور ما قبل الإسلام. كذلك البحوث التي أجريت على جينات مرض فقر الدم المنجلي ترجح وجود امتداد لطائفة البحارنة وتواجدها في منطقة البحرين. وعليه ليس من الغريب أن يتأثر الشعر الشعبي لهذه الطائفة بالسريالية أو الأكادية فتظهر قصائد المناظرات بها.
ثم تطرق الجمري إلى مناظرات ومحاورات الملا عطية الجمري مشيرا إلى أنه على الرغم من قلة القصائد غير الحسينية المنشورة للملا عطية الجمري إلا أن ذلك القليل كان له أثر كبير في بروز شعر المناظرات والمحاورات، فقد ترجم بروفسور هولز قصيدتين للملا عطية الجمري من العربية للإنجليزية. الأولى وهي «محاورة فار ونوخذا جالبوت» التي يروي فيها الملا عطية قصة طريفة لنوخذ حيث سكن فأر في جالبوته ولم يخرج هذا الفار إلا بعد أن قام النوخذة بإغراق الجالبوت، كل ذلك في حوار قصصي جميل، وقد تم تحويل الترجمة الإنجليزية لقصة للأطفال مع التوضيح بالرسوم الملونة، وألحق بالقصة نص القصة محور في نص مسرحي وكذلك ألحق الكتاب باسطوانة سجل عليها فلما تعليميا يحكي القصة بالرسوم المتحركة. حاليا تدرس هذه القصة للمرحلة الابتدائية في المدارس الناطقة بالإنجليزية.
وأضاف أما القصيدة الثانية فهي «مناظرة بين الغوص ومنابع النفط» هذه القصيدة اعتبرها هولز وثيقة تاريخية تحكي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وكذلك تحكي الطبقية القائمة في البحرين في الثلاثينيات من القرن العشرين. وهذه القصيدة لها أيضا شهرتها عند العامة فقد سمعنا من كبار السن أن الملا عطية قد تكهن بأمور مستقبلية في هذه القصيدة حدثت لاحقا. هولز أيضا يشير لأمور مشابهة فنلاحظ منذ بداية القصيدة يقول الملا
منابع نفط بالبحرين فواره وراح الغوص دامچ وأخمدت ناره وعلق الجمري أنه على الرغم أن القصيدة كتبت في العام 1935م والغوص في الكويت لم ينتهِ حتى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين وفي البحرين بقى حتى بداية الستينيات من نفس القرن. هذه مع أمور أخرى تعجب لها البعض، ولكن عندما نستقري الوضع في تلك الحقبة نلاحظ أن الغوص قد انتهى حتى قبل العشرينيات من القرن العشرين وما حدث لاحقا مجرد مكابرة ولا يفوت الملا أن يؤكد على هذه المكابرة فيقول على لسان الغوص تعرفيني حكومة ولا هبطت الراس من خمري الهوى شارب لذيذ الكاس ويجيبه الملا على لسان منابع النفط
ابها الحال الرذيل ولا أنكسر باسك أتقول أنته حكومة ولا هبطت راسك وخلص الجمري إلى أن المناظرة كما يرسمها الملا مقارنة بين حالتين اقتصاديتين حالة الغوص الذي يحتضر بل فارق الحياة والعمال الذين بقوا يعملون بهذه المهنة وما أصابهم من ظلم وتردي الحال، فكلما قل محصول اللؤلؤ زاد ظلم أصحاب رؤوس الأموال المتحكمين في هذه المهنة، فأصبحت الفائدة الكبرى هنا لأصحاب رؤوس الأموال وليست للعاملين، ويؤكد الملا على هذه النقطة فيقول على لسان الغوص عزيت العرب والعرب عزوني وتجار البلد بالكوك قصدوني واسشهد الجمري هنا بإشارة هولز إلى أن لفظة عرب هنا يقصد بها الطائفة ذات الأصل القبلي في البحرين، فنلاحظ المستفيد هنا هذه الطائفة والتجار، وطائفة العرب تنظر للمهن مثل بيع الخضر والنسيج والفخار وغيرها على أنها «عيب». وعليه يرد الملا على لسان منابع النفط الذي يفتخر أنه عمل معهم بائع الخضرة «صالح» ويستنفع معهم الحمار الذي يجلب الماء فيقول أنشد صالح وربعه أيصير إلك معلوم وهو العنده الخبر شاطر الخضاره بعدها يبدأ الملا بمدح صالح ووصف أمانته وشرفه وعمله «الصالح» وليس العيب ويقول أيضا وأنطيت الحمير أبياب تنقل ماي مالي غرض غير أنفع الحمارة ولا حظ الجمري أن الملا عطية جعل من «منابع النفط» المنقذ فقد اعتنت بصورة أساسية بالفقراء والمعدومين وهي فكرة يعود للتأكيد عليها في ختام المناظرة، وهي لحظة النطق بالحكم حيث يمثل الملا عطية هنا دور الحاكم بينهما، فينهي الملا القصيدة كما بدأها بحكم لصالح منابع النفط وأن الغوص كان في السابق له صيت أما الآن فلا خير يرتجى منه فيقول أما الغوص مكسب لا جرى ولا صار مثله ولا سمعنا بساير الأمصار عاينا صعاليك أصبحوا تجار لكن عثر عثرة وكسر تجاره وقال لمنابع النفط وأنتي اليوم صار الفوز إلچ كله على فقر الخلق شنيتي الغاره ثم أمرهم بالتصالح فتصالحوا وانتهت المناظرة.
بقلم: حبيب حيدر
مجلس الشيخ عبدالامير الجمري