Bahrain38هى عبارة عن عيون عذبة منتشرة فى البحر تسمى محليا «چواچب» أي كواكب جمع كوكب وهى عبارة عن شعاب صخرية تمر المياه العذبة بينها وتفور كما تفور العين الفوارة وهى ذات مياه حلوة يستقي منها الغواويص وصائدو الأسماك وكذلك السكان الذين يسكنون بالقرب منها، وعادة ما تنكشف هذه العيون في حالة الجزر أما في حالة المد فتغطيها مياه البحر.

طرق جمع الماء من العيون البحرية

 

طرق جمع الماء من العيون البحرية
في حالة الجزر يتم جمع الماء في أوانٍ فخارية أوالقرب المصنوعة من جلد الماعز حيث عادة ما تكون المياه تتدفق فوق سطح البحر فيسهل ملء الأواني وعادة ما تقوم النساء بهذا العمل. أما فى حالة المد فيكون البحر قد ارتفع عدة أقدام عن فوهة الينبوع وفي هذه الحالة يتم سحب الماء من هذه الينابيع تتم بواسطة الغواصين. وهناك عدة طرق للحصول على الماء في حالة المد وقد لخصها أحمد المناعي في بحثه عن مصادر المياه في قلالي، من إحدى تلك الطرق استخدام القرب الجلدية حيث يتم إفراغها أولا من الهواء وغلق فتحتها بعدها يغوصون بها فى البحر وما أن يصلوا إلى قاع الينبوع حتى يفتحوا تلك القرب وتضع فوهتها على رأس الينبوع حتى تمتلئ بالماء ثم تربط من رأسها بحبل آخر ويخرج الغواص بها إلى ظهر السفينة. وهناك طريقة أخرى حيث يتم استخدام أنابيب مصنوعة من النسيج الثخين الذي يستعمل في صنع أشرعة السفن حيث يتم تشكيل قطعة النسيج في شكل أنبوب ومعالجته بمادة الشمع أو الصمغ بعدها تلبس فوهته بقاعدة حديدية مفرغة الوسط تثبت على رأس الينبوع كي لاتتشتت المياه وبالتالي يتم ضمان اندفاعها بقوة إلى أعلى السطح لتصب في الأوعية التي جلبت فوق سطح القارب. ومن الطرق التي استخدمت أيضا عصا البامبو المفرغة وأحيانا يتم إعداد أنابيب خشبية أخرى.

 

وصف العيون البحرية
يتواجد حول جزر البحرين عدد وفير من العيون الطبيعية البحرية وهي تنتشر بصورة أساسية على امتداد السواحل الشرقية والشمالية الشرقية عند جزيرة سترة وجزيرة المحرق، وتنتشر بدرجة أقل على السواحل الشمالية لجزيرة البحرين عند السنابس وباربار والدراز. وقد وصف النبهاني الطائي الذي زار البحرين أوائل القرن المنصرم (1911م) هذه العيون في كتابه التحفة النبهانية فجاء فيه:
«ويوجد في وسط البحر جملة ينابيع عذبة تفور بقوة، فيغوص إليها المتسقون فيملؤون منها القرب للسفن ولشرب غالب أهل البلدة وأن من الواقعة على ساحل البحر لما يتدفق ماؤها ويسيل على وجه الأرض، ومنها إذا جزر البحر وظهرت فاستقوا منها. وإذا مد البحر علاها بنحو ستة أذرع فيغوصون إليها للاستقاء. والينابيع البحرية هي ألطف مياههم لصيانتها عن الأوساخ التي تقذفها الرياح في العيون غالبا. وأيضا ليس بها دود ولا طيسي (مكروب) وذلك لعدم مكثه بسرعة فورانه وتدفقه. وعدد الينابيع البحرية المشهورة عندهم بأسماء مخصوصة نحو 25 ينبوعا غير الصغار والمجهولة الاسم، ويبعد بعضها عن البر بنحو (25) ميلا فأبعد ويعلوها البحر بنحو خمسة «أبواع» فأكثر»

 

العيون البحرية والذاكرة الشعبية
ارتبطت العيون البحرية أو الجزر الصغيرة المرتبطة بهذه الينابيع بالذاكرة الشعبية فبعضها يسكنها الجن وأخرى بها خطى الأولياء والأنبياء وهنا نعطي مثالين من تلك الاعتقادات.
1 – «دوسة الرسول» و «بو كداو» في الساية
جزيرة الساية عبارة عن صخرة كبيرة غرب جزيرة المحرق مقابل البسيتين تتميز بوجود حفرة في وسطها ينبوع ماء عرف بكوكب الساية وقد كان مصدرا للماء لأهل منطقتي البسيتين ورأس رمان، ويذكر الدكتور فضل العماري (2009م) أن العقل الشعبي في البحرين يربط بين هذه الجزيرة وبين زيارة خاطفة للنبي (ص) فأوجد فيها «دوسة» أي موطئ قدمه الشريفه (ص) وكذلك إبريقه وعصاه، وكان الشعب يقوم بزيارة احتفالية لها في مناسبات الفرح. وهناك أكثر من مصدر يؤكد قيام حفلات النذور إلى هذه الجزيرة قديما. وقد زعم بعض العامة وجود جني يقطن هذه الجزيرة يسمى «بوكداو» وقد اشتق اسمه من «الكدو» (الگدو) (الآلة الشعبية لتدخين التبغ) حيث يسمع في حفرة النبع ما يشبه قرقرة الكدو وهو في الواقع الصوت الناتج عن تفريغ الهواء أثناء ظاهرتي المد والجزر. وقد اعتاد الزوار لهذه الجزيرة ترك شيء من الطعام لأبو كداو لكي يأمنوا شره.
2 – «صنقور» في قصار جرذي
قصار هو اسم لجزيرة صغيرة تبعد قرابة ثلاثة أرباع الميل إلى الشمال الشرقي لقرية قلالي في جزيرة المحرق. ويوجد بجانب جزيرة قصار نبعان بحريان عرفا باسم جرذي أو قصار جرذي، وقد زعم بعض العامة أن هناك جنيا يدعى «صنقور» يحرس هذه المياه لذا كان الأهالي يتقربون إليه بتقديم الطعام ومن هم من يتبرك به لشفاء مرضاهم أو برجاء الحمل لامرأة لم ترزق أولادا.

 

العيون البحرية وهدر الماء والأموال
إننا عندما نفكر قليلا في هذه العيون البحرية نجد أن مياه هذه العيون تذهب سدى في مياه البحر، لقد استغلت تلك العيون من قبل الناس في استخداماتهم اليومية قديما بشكل محدود ولم تستخدم مياهها في الزراعة فعملية التوصيل تحتاج لتقنية معينة لتوصيل الماء ناهيك عن الكلفة المادية. لقد استغلت بعض من تلك العيون بصورة محدودة وذلك بوضع أنبوب عليها والبعض وضع أنبوب موصل بحنفية ولكن كان الاستغلال محدودا.
في العام 1952م قامت شركة بابكو بدراسة لعدد من العيون البحرية وتحديد مقدار إنتاجيتها من الماء، ولعدم اختصاص الشركة في مثل هذه الدراسات فقد جاءت أرقامهم أقل من ما هو عليه في الواقع، وفي العام 1979م قامت شركة متخصصة بدراسة هذه العيون وهي الشركة الاستشارية لتنمية المياه الجوفية GDC. تقرير الشركة يوضح أن هناك ملايين الجالونات من الماء التي تهدر يوميا من هذه العيون في البحر دون استغلال، وتشير الأرقام إلى أنه بإمكان ثلاثة ينابيع بحرية فقط أن توفر ما مقداره 10 في المئة احتياجات البحرين المائية. وقد ورد في التقرير عبارة بغاية الخطورة حيث أشار التقرير أنه بحسب المعطيات لهذه العيون البحرية للعام 1979م وبحساب معدل التناقص السنوي لها أنه في الوقت الذي أجرت فيه بابكو دراستها أي العام 1952م يجب أن يكون معدل الإنتاج اليومي لهذه العيون 7.5 مليون جالون لكل يوم وهو ما يساوي ضعف احتياجات البحرين المائية في تلك الفترة أي العام 1952م، وللعلم بأنه لم يتم دراسة جميع العيون البحرية في تلك الفترة. لا أدري كيف نمكن أن نوفق بين ما قالته شركة GDC عن معدل إنتاج العيون البحرية في الخمسينيات وبين ما ذكره جيمس بلجريف في كتابه «البحرين ترحب بكم» (عن مقاطع من الكتاب ترجمها مهدي عبدالله) عن المحرق في الخمسينيات حين قال:
«وتتوافر في المحّرق الخدمة الهاتفية والإضاءة الكهربائية ويوجد بها مكتب للبريد ومحطة بنزين لكن ليس بها محطة إمداد رئيسية للماء باستثناء الآبار الارتوازية. بالرغم من ذلك فإن حكومة البحرين منشغلة حاليّا بالنقاش مع خبراء مائيين حول إمكانية تزويد المحّرق بالماء عن طريق الينابيع البحرية».
والسؤال هل تم تزويد المحرق بالماء من الينابيع البحرية؟. لقد بقت مياه تلك العيون تتدفق ردحا من الزمن وتهدر في البحر وقد كان بالإمكان توفير ملايين الدولارات باستغلالها. وهنا سنعطي مثالا واضحا للاستغلال الأمثل للعيون البحرية وهو استغلال عين أم السوالي من قبل شركة أسري وهو المثال الذي تناولته هند القصيبي في رسالتها عن تاريخ العيون الطبيعية في البحرين.

 

استغلال عين أم السوالي
عين أم السوالي من أكبر العيون البحرية في مملكة البحرين وتعتبر من أنجح الأمثلة على استغلال وتطوير العيون البحرية بدلا من هدرها في مياه البحر. وتقع عين أم السوالي على بعد يقارب 800 متر إلى الجنوب الشرقي من أقصى نقطة في جنوب مدينة الحد وعلى بعد 3.5 كيلومترات من بوابة شركة أسري (الشركة العربية لإصلاح السفن) ويمكن الوصول إليها مشيا على الأقدام في فترة الجزر.
وتقع عين أم السوالي في منخفض دائري يبلغ قطره قرابة 14 مترا وبعمق متر واحد عند أعمق نقطة فيه. ويملأ المنخفض الرمل الخشن ويوجد حوله رصيف الشاطئ. ولهذه العين ينبوعين رئيسين للمياه يقع الأكبر منهما في مركز المنخفض مباشرة أما الآخر فيبعد عنه قرابة المتر على الجهة الشمالية الشرقية، وللعين أيضا ثلاثة ينابيع أخرى متفرقة. وقد تم دراسة العين من قبل شركة بابكو العام 1953م ومن قبل شركة GDC العام 1979م. وقد كانت العين مستغلة من قبل صيادي السمك والسكان القريبين من المنطقة للشرب وقد تم تثبيت أنبوب بقطر أربع بوصات وبطول متر واحد على المخرج الرئيسي للعين وذلك لصيد مياه هذه العين، وفي العام 1979م عندما زيارة العين لدراستها من قبل شركة GDC كان هذا الأنبوب مليئا بالرمال.
وقد قامت شركة GDC بتقديم توصياتها لشركة أسري ليتم استغلال العين كمصدر للمياه لها. وفي العام 1989م قامت شركة أسري بتطوير واستخدام عين أم السوالي. وقد مر استغلال العين من قبل الشركة بمرحلتين، المرحلة الأولى كانت من إبريل/ نيسان 1989م وحتى مارس/ آذار 1990م وقد بلغت الطاقة الاستخراجية فيها 500 متر مكعب في اليوم وقد بلغت كلفة هذه المرحلة ثلاثمائة وثلاثين ألف دولار أميركي، أما المرحلة الثانية فقد كانت من يناير/ كانون الثاني 1992م وحتى يونيو/ حزيران 1992م تم فيها زيادة الطاقة الاستخراجية إلى 1700 متر مكعب في اليوم وقد بلغت كلفة هذه المرحلة مئتين وخمسين ألف دولار أميركي.
وتعتبر كلفة تطوير عين أم السوالي قليلة نسبيا إذا ما قورنت بالمبالغ التي كانت ستدفعها للتزود بالمياه حيث بين تقرير شركة أسري عن العين في عام 1992م بأنه قد تم توفير نحو 1.25 مليون دولار أميركي سنويا من جراء استغلال مياه العين. وأوضح تقرير أسري للعام 1996م والخاص بحساب المبالغ التي تم توفيرها من مشروع استغلال عين أم السوالي والتي تم تقديرها حسب أسعار العام 1997م (0.0133 دولار أميركي للجالون) أن التوفير يتراوح من 1.54 إلى 2.18 مليون دولار أميركي وذلك بحسب معدل السحب اليومي الذي يراوح بين 1200و1700 متر مكعب.
وبالإضافة لتلك المبالغ المذكورة التي تم توفيرها من قبل شركة أسري فإن استغلال مياه عين أم السوالي قد منع حوالي 3715 مترا مكعب لكل يوم من مياه العين من الهدر إلى البحر.

 

المنامة – حسين محمد حسين