027بالبشـــر أهتـــف والبشائـــــر        مرح الزّمـان عليــك ظاهـــر
ثغر جميل يستضيف البحـــر          مرتخيــــــا .. وهــــــــــادر
وانســــاب نبــــع كالحيــــــاة         مخلــــدا بالحـــبّ طاهـــــر
وتعانقــــــت هــــدب النّخيـــل         بحبـــه مــــاض وحاضــــر
أقسمـت يابحـــرين أنـــــك             جنـــة، وهـــــواك أســــر

أهديت للدنيـــــا الحضــــــارة           والنّضــــارة … والجواهـــــر
كـــــم في هــــــواك تكـلـــــــم      العشاق، واشتاقــت منابــر
ولكــــــــم تبتّـــــــل عابــــــــد         ولكم تغنّــى فيــك شاعــر..
* * *
وبعد .. فأنا لست الوحيد فيمن تغنى بحب البحرين. فقد سبقني في ذلك كثير من الشعراء وعاصرني منهم الكثير، وسيأتي من بعدنا الأكثر فالأكثر من الشعراء.
وعلى مرّ العصور هام ادباء البحرين وخطباؤها وعلماؤها وشعراؤها في حبّ البحرين وتأكيد انتمائهم لها وشوقهم لمرابع الصبا فيها، كما تغنوا بجمال الطبيعة وبوفرة المياه وبساتين النخل والثمار.. بل تعدوا ذلك للتغني بتراب ارضها وظل سمائها وسحر شواطئها ومرافئ السفن فيها، ومكنون بحارها حاضنة اللؤلؤ والمحار.
وسوف اقتصر في هذه المقالة على إيراد نماذج مما خلفوه من أشعار تعبر عن ذلك الشوق والحنين.
من أولئك الشعراء طرفة بن العبد احد شعراء المعّلقات المشهورة في العصر الجاهلي.
وكان ناقما على أحوال معيشته وعلى أقاربه وذوي أرحامه.. ولكنه ترك لنا في أبيات شعره مع ذلك وصفا توثيقيا في شئون البحر وصناعة السفن وبعض عادات أهل البحرين مثل قوله في معلقته المشهورة:
(كأنّ حدوج المالكية غدوة … خلايا سفين بالنواصف من ”دد”
عدولية.. أو من سفين ابن يامن … يجور بها الملآح طورا ويهتدي)
فنعرف من شعره ميناء سفن اسمه (دد) وموضعا لصناعة السفن اسمه (عدولي) ومالك سفن أو ربانها (نوخذه) اسمه ابن يامن.. وأساليب توجيه دفة الإبحار المتعرج للسفن الشراعية ذات الشمال وذات اليمين.
ثم يذكر بعض عادات أهل البحرين وألعابهم التي استبدلت اليوم بما يسمى (لعبة الخاتم) وذلك في قوله:
يشقٌ حباب الماء حيزومها بها كما قسم الـترب المفايـل باليـد
ولا يخفى أن ايراد طرفة تلك الأبيات في وصف المطايا التي حملت حبيبته فيها مضمون الحب والإعجاب لموطن نشأته. كما أنه رسم لنا صورا فنية جميلة ذات حركة وانسجام.
أما الشاعر الآخر فهو الأمير علي بن مقرب العيوني الأحسائي من شعراء القرن الهجري السادس والسابع (572-629). وكان شأنه شأن طرفة بن العبد في كونه ناقما على عصره، حيث كتب جلّ
أشعاره في مقارعة حكام زمانه.. فكان يهجوهم اشد الهجاء، لأنهم سلبوا منه بساتينه المثمرة وأملاكه وعقدوا لسانه وقيدوا حريته حتى قرر أن يهاجر من وطنه وهو يتهددهم بقوله:
فإن عقلت قومي لساني بأرضها… فليس بمعقول.. إذا كنت نائيا سأرسل فيها بالدواهي شواردا… تنبه ذا عقل، وتفهم واعيا)
ومع كلّ ذلك فقد خلفت لنا أشعار ابن المقرب توثيقا تاريخيا لما اشتهرت به البحرين من بساتين يانعة، ونخل نضيد، ولؤلؤ مكنون، واسماك وفيرة لايزال اسمها معروفا اليوم.
هذا إضافة إلى تخصص شعره في الفخر والحماسة وايراد الحوادث واخبار الحروب.
فلنستمع اليه وهو يعدد خيرات البحرين مقارنا اياها بضدها في موضع لوم وعتاب فيأتي على ذكر البساتين ونهر الجوهرية، وقماش المرزوي ولالس الناعم (ربما هو ما نسميه اليوم ب (اللاس) ولحم سمك الصافي والكنعد والنخل الضارب في السماء، ثم الدر والمحار وعذوق النخل المكتنزة، وبساتين ذات زروع اسمها (دنانير).. الخ:
فخير لعمري مـــــن بساتـــين مرغـــــم على ذي المجاري.. طلح نجد وشوعهـــا
ومن ماء نهـــــر الجوهريـــة لو صفــــا ذبابـة حـــسي لا يرجــــــى نبوعهــــــا
ومن مـــــــروزي بالقطيـــف ولا لـــــس عبـاء بــــوادي طـــــيء ونطوعــهــــــــا
ومن لحـم صـــــــاف في أوال وكنعـــــد ضباب وجـــــرذان كــــثير خــدوعهـــــا
أما سمنها في أبحـــــر الملــح مـــــاؤه وفي نخلها العمّ الطـــوادي.. جذوعهــــا
وليـــس لنـــا في الـــــدرّ الاّ محـــــاره ولا في عذوق النخل، الاّ قموعها.. عفاء على البحــــرين لــــو قيـــــل أينعـــــت (دنـــانير) واديهــا وجـــادت زروعهـــــا
فهـــــــــل ذاك إلاّ للعـــــــدوّ وغــــــصـّة سيأتي بهـــــا متبوعهـــــا وتبوعهــــــا
* * *
كما يقول في موضع آخر يستحث قومه على حماية أرضهم وصد الأعداء الغزاة عنها:
أرجال عبـد القيــــس كـــم أدعوكــــــــم في كـــــــــلّ حـــــــين للعـــــــــلا وأوان
أصبحتــم عرضــا تناضلــــــه العــــدى بمذريــــــــات الـــــــبغي والعــــــــدوان
القـــوم تأكلكـــم ويأكـــــل بعضكـــــــم بعضــا… كأنكـــــم مـــــن الحـيـتــــــان
تتظلمــــون مـــــن الملــــــوك وأنــــــتم أصل البـلا والشـــــؤم.. منـــــذ زمـــــان
والله مـــا نحـــس الـبــــلاد سواكــــــم لا بالعــــدى انتحســـت ولا السلطـــان
شيّدتم عــــــــزّ العــــــدى وتركتـــــــــم بنيـــــــان عزّكــــــم.. بــــــلا أركــــــــان
…أخـذو الحســــــاء من الكثيـــف إلى محاديـــث العيــــــون إلى نقــــا حلــــــــــوان
والخـــطّ من صفـــوان حـــازوها فمــــا أبقــــوا بهـــا شــــــبرا… إلى الظهــــران
والبحر فاستولوا على ما فيـــه مــــــن صيـــــــــــــد، إلى درّ الى مــرجــــــــــان
ومنـــازل العظمـــاء منكــــم أصبحـــت دورا لهــــم، تكــــــرى بـــــلا أثمــــــــان
وأمــــضّ شيء للقلـــــــوب فظائــــــــع بالمـــــــــروزان لـهــــــــم وكرزكــــــــان
* * *
وفي القرن العاشر الهجري أصبحت جزر البحرين مستقلة باسمها (البحرين) عن باقي جيرانها وذلك بجانب اسميها التاريخيين (هجر) و(أوال) ونشأ فيها أدباء وشعراء وعلماء وخطباء… طبقت شهرتهم الآفاق. وجميعهم تغنوا بحب البحرين نثرا وشعرا. وسنكتفي بإيراد بعض القصائد والأشعار لعدد من العلماء والأدباء والشعراء في تلك الفترة:
1- الشيخ الحسين ابن عبد الصمد الحارثي الهمذاني العاملي الجبعي انتقل الى البحرين للسكن فيها واثر الجوار فيها والموت بأرضها وذلك على اثر حكاية تروى عنه مفادها انه رأى مناما وهو في مكة المكرمة حيث شاهد جزيرة البحرين ترفع بمن فيها إلى الجنة… فاستقبله أهل البحرين وعلماؤها بما يليق بمقامه العلمي، وعاش بينهم ثم توفي فيها ودفن في قرية (المصلى) سنة 918 هجرية وقبره معروف فيها إلى اليوم.
وكان ابنه محمد ابن الحسين المعروف بالشيخ (البهائي) قد ذهب إلى شيراز وأصبح شيخ الإسلام فيها.. فلما سمع بموت أبيه ودفنه في البحرين رثاه بقصيدة منها هذه الأبيات:
(ياجيرة هجـــروا واستوطنوا هجرا.. واهــــا لقلـــبي المعنّى بعــدكم واهــــا
يا ثاويـــا بالمصلّـــى من قرى هجــــر كسيت من حلل الرضـــوان أضفاهـــــــا
أقمـــت يا بــحر بالبحرين فاجتمعـــت ثلاثـــــة.. كــــن أمثــــــــالا وأشباهــــــا
حــويـــت من درر العليـــــاء ماحويــــا لكــــن دّرك أعـــلاهـــــــا وأغـــلاهــــــــا
ربوع فضل تباهـــي التــــــبر تربتهــــا ودار أنــس تخـــال الــــــدرّ حصباهـــــا
2- ومن شعر الحنين إلى البحرين هذه الأبيات للعالم الجليل السيد أبي علي السيد ماجد السيد هاشم البحراني المتوفى سنة 1028 للهجرة ومنها قوله:
يـا ساكنــي جــد حــفص لا تخطّفكـــم ريب المنـــــون ولا وافتكـــــــم المحـــن
ولا عــــدت زاهــــرات الخصب واديكـــم ولا أغبّ ثــــراه العـــــــــارض الهـــــتن
ما الدار عنــــدي ولو الفيتهــــا سكنـــا يرضــــاه قلبي.. لولا الألف والسّكــــــن
مــــالي بــــكلّ بـــلاد جئتهــــا سكـــــن ولي بكـــــلّ بـــــــلاد جئتهــــا وطــــــن
* * *
3- ويضيق بنا المجال عن الوقوف عند جميع ما ورد إلينا من شعر الحنين والتشوق الى البحرين في ذلك العصر أو ما بعده. وسأقتصر في ذلك على شعر الأديب الشيخ العالم أبو البحر جعفر بن محمد الخطي – أحد بني عبد القيس.. وهو من شعراء القرن العاشر والحادي عشر للهجرة. وقد اشتهر بقصيدته المسماة بالسبيطية وقد وصفه بعض النقاد كالدكتور محمد جابر الأنصاري بأنه لجزالة ألفاظه يذكر في عمود سامي البارودي في مصر في محاولته إحياء أسلوب البلاغة الشعرية العربية.
ولن نقف عند قصة الخطي مع سمكة السبيطية التي شجت وجنته وأسالت دماءه اللهم إلا عند استغاثاته الغريبة بقومه من بني عبد القيس لأخذ الثأر له من السمكة حيث يقول:
(برغم العوالي والمهندة البتر.. دماء أراقتها سبيطية البحر
ألا قد جنى بحر (البلاد) و(توبلي).. عليّ بما ضاقت به ساحة البرّ… ألا أبلغ الحيين ”بكرا وتغلبا”.. فما الغوث إلا عند تغلب أو بكر
أيرضيكما أنّ أمرأ من بنيكما.. وأيّ امريء للخير يدعى وللشرّ
يراق على غير الظبا دم وجهه.. ويجري على غير المثقّفة السّمر).
* * *
ذلك أن ديوان شعر الخطيّ حافل بالأشعار التي تتغنى بالبحرين وتتشوق إلى ربوعها. وسأكتفي بأبيات من إحدى قصائده لتكون مسك الختام في هذه المقالة.
يبدأ الخطي قصيدته بالتشوق للبحرين فيقول:
عج بالمــــطي على مــــرابع ”بــــوري” بمحــــل لـــــــذّاتي وربــــــع ســــروري
وأطل بها عنــــي الوقــــوف، فمـــا أرى شوقــــا يحــــــركني لهــــــا بقصــــــير
واستنـــــش رياهـــا، ففي عرصاتهـــــا عنـــد العبــــور بهـــــنّ.. نشـــر عــــبير
لم تجعــــل العـــبرات خـــدّي معـــــبرا إلا علــــى مــــــرّي بهـــــا وعبـــــــوري
ثم يأخذه الحنين لأهله فيقول:
أن يصــــبني ذكــــر الدّيـــار فـــإنه لإنـــــــــاث أصبـــــــية بهــــــا.. وذكور
وكريمة الطـــرفين جـــرّ عـــلى التقــّى والدّيــــن، فاضـــل ذيلهــــــا المجــــرور
أنــــا أسعـــد الثقلــــــين أن أدناهــــــم مني رواحي نحـــــــوهم وبــــــــــكوري
لأجشمــــــــن النــاجـيــــــات أليهــــــم والسّفـــــن.. قطـــع مفـــاوز وبــــــــحور
يأمــن أســـير كــــلّ يــــوم نحوهـــــــم كـتبي.. أذا أعيـــــــا علـــــيّ مســـــيري
ويتأوّه على البحرين فيقول:
اه.. وقــــلّ عــــــــلى (أوال) تــــــــأوّهي فــــإذا جننـــت بهــــــا… فغــير كثـــــير
ما كــنت مبتاعـــــا أزقــــــة (فــــارس) بالفيـــح مـــن عرصاتهــــــا والــــــدّور
هيهات ما (شـــــيراز) وافيــــــة بمــــــا في تلـــك لي مــــن نعمــــة وحبـــــــور
ثم يذكر سهولة المعيشة وتوفر أسبابها في البحرين .. قائلا:
بلد تعــــادل صيفهـــــا وشتاؤهــــــــــا في الطيــــب، للـمقـــــــرور والمحــــرور
يتكـــأد الـــــــرزق العبــــــــاد وأنـــــــه فيهــــــا على باغيـــــه، غـــــير عســـير
سيــــان عيشــــة كـــــادح وتـــرفــــــه فيها.. ونعمة موسر وفقير
أن طبــــق المحـــل الـــبلاد فأنـنــــــــا في روضة من خصبها وغدير
وينتقل الخطي بعد ذلك إلى وصف الطبيعة في البحرين فيقول:
أن أنــس لا أنـــس الربيــع بهــــا ومــا يجلوه من نواره والــــنور
لا شيء أبهـج منظـــرا مـــن صحــــوة والشمـــس فــيـــــــه كــــدارة البلــــور
ومتى أغـــام أراك خيمــــــة سنـــدس غشى سمـــاوتهــــا دخــــــان بخـــــور
هــي جنـــة لـــو ميــــزت نعمــــــاؤها ما بـــــين عــــــبد مؤمــــــن وكفــــــور
ثم ينتهي بذكر أصحابه في البحرين وأحبائه حيث يقول:
هذي مزاياها.. وكم علقت يدي فيهـــــا بذمــــة صاحـــــــب وعشـــــير
هذا على سري الأمين وذاك أن خذل النّصير على الخطـوب نصـــــيري
ياجادها الهتن الملثّ وأصبحت عرضــــا لمحلـــــول النطـــاق غــــــزير
وأقــرّ أخـــــواني بهــــا وأباتني معهم بطــــرف في الدّنــــــو قـــريــــــر
* * *
وفي حبّ الوطن والتشوق إليه يتداول الناس القول المشهور ”حب الوطن من الأيمان”، ولكن فضيلة الشيخ عبد الحسين الحلي (وكان قاضيا للتمييز الشرعي في محاكم البحرين) يذهب في شعره إلى أكثر من ذلك حين يقول:
قالوا هواه من الأيمان قلت لهم نحـّوا حديث ”من الأيمان” عن أذني
أني امرؤ لا أرى الأيمان يحفزني له، ومن فوق أيمـــاني أرى وطــني
ما للنفوس سوى أوطانها ثمن.. وليس للوطــــن المحبوب من ثمن.
* * *
ومع كل ذلك.. فإن حب الوطن على طريقة الشيخ الحلي أو طريقة من سبقه من شعراء البحرين سوف يظل المبدأ الراسخ في القلوب.. يورثه الآباء للأبناء.. يشدو به تلاميذ المدارس ويتغنى به الشعراء والمبدعون في كل جيل.
بقلم: تقي محمد البحارنة: