من عبق الماضي

شاطئ المعامير، ذلك الشاطئ الرملي الممتد على طول الحدود الشرقية للقرية، كان مرفأ للذكريات الجميلة، لكل جيل من أبناء القرية معه حكايات وذكريات لا تنسى، عام 1981م تقريبا، كنا أطفالا نمرح ونسبح فيه تحت أشعة الشمس وخيوطها الفضية التي تداعباللحف، كان اللحف أعمق مكان في ساحل المعامير وسابقا كان غنيا بأنواع الأسماك، كنا نسبح وأحيانا نتعلق بالخشب أو الفلين كي نصل إلى وسط اللَحف، هناك نصعد على تلك البراميل المصفوفة، نقف فوقها ونقفز إلى الماء، كان ضحكنا وصيحاتنا تتعالى وتحلو أكثر حين تتعانق مع أصوات النوارس والطيور التي تحلق في فوق رؤوسنا، يأتي مد البحر فيرتفع مستوى الماء بالتدريج، تغيب تلك البراميل تحت الماء، نعود مرة أخرى إلى الساحل فنصعد فوق تلك الدوبة الطويلة (عوامة خشبية) ونستخدم العصي والأخشاب للتجديف حتى نصل إلى اللحف فنقفز من الدوبة إلى الماء بحركات بهلوانية كان بعضنا يجيدها ولها أسماء ومنها على سبيل المثال (الطماسي ، الرويسي، عمودي، القلبة، الديك، الدجاجة، وغيرها من الحركات البهلوانية)
إذا مللنا من السباحة في اللحف نتنقل من مكان إلى آخر فوق الدوبة فندفعها بالعصي حتى نصل إلى (الجوة) تلك الصخرة التي تقع بين الساحل والمقطع، كانت الجوة موقع تجمع الأطفال والصغار الذين لايجيدون السباحة، الجوة لايغطيها الماء إلا في (ماية هلال) وهي موقع تجمع النساء الذين يغسلون الأواني والعيش وأغراض الطباخ في شهر محرم، كنا نصعد فوق الجوة وكل شخص يدفع الآخر ليرميه في الماء ومن يبقى فوق الجوة بعد سقوط الجميع يعتبر بطلا بين الجميع، الجوة لم تكن مجرد قطعة صخرية وسط الساحل بل كانت أروع وأجمل لما تحمله من ذكريات وحكايات، كنا نتنقل بالدوبة من مكان إلى أخر وأحيانا نصل بالدوبة إلى الجسر القديم عبر النهر الشمالي، أحيانا نذهب إلى المقطع فنركض ونلعب، في المقطع نحفر في الطين الأبيض، نجمع أكبر كمية من الطين فنبني بها قصورا وقلاع وبيوت صغيرة، رغم حرارة الشمس والعطش كنا ننسى أنفسنا حين ننهمك في رسم الخطوط والزخارف فوق جدران القلاع، كنا نسمع البنات الآتي يسبحن بقرب الساحل يرددن تلك الأناشيد القديمة (يعلاية يعلاية سقيت عليش الماية يعلاية)، (أحبابنا سيروا سيروا نغدوا إلى النهر الجميل)، وغيرها من الأناشيد التي كنا نحفظ بعض الأبيات منها، كعادتنا بعد هذا الاستجمام والسباحة نعود بالدوبة التي كنا نربطها خلف بيت الحاج علي بن يعقوب ثم نذهب للمسجد لنستحم بالمياه الحلوة وننظف ثيابنا خوفا من معرفة أمهاتنا بذهابنا للبحر، إذا اقترب وقت الأذان نهرع مسرعين إلى الحمامات القديمة ذات الأبواب الزرقاء الخشبية القصيرة، موج البحر كان يصل إلى أسفل الحمامات من الجهة الشمالية حيث كانت مبنية على قطعة جبلية مرتفعة عن سطح البحر، نسبح بسرعة قبل مجيء المرحوم الحاج علي بن مدن أو المرحوم الملا محمد بن أحمد أو غيرهم من كبار السن الذين يمنعون الأطفال من توسيخ المسجد، بعد السبحة بالماء الحلو نغسل ملابسنا التي عادة ما تكون وسخة طوال اليوم، ملوحة ماء البحر تضفي عليها ألوان وروائح نتنة، أبرزها خرائط الملح التي تتشكل فوق الملابس خرائط الملح تكشفنا أمام بيوتنا وهي خير دليل على ذهابنا للبحر، عادة تكون خرائط الملح سببا لعقابنا لذا نحرص على فرك الملابس بالماء جيدا ثم نخرج لنقف قرب جدار المسجد شرقا، نتدفأ بأشعة الشمس ونجفف ملابسنا، نعصر الملابس ثم نلفها ببعضها ونلطمها بالجدار لتجف بسرعة، بعد تجفيفها نلبسها ونبقى واقفين تحث أشعة الشمس حتى تجف الملابس تماما (نكويها بحرارة الشمس) ثم نعود لبيت احدنا لنتناول وجبة الغداء التي عادة ما تكون سمك أو ربيان مجفف، كنا نتناول وجبة الغداء في بيت احدنا كي لا نفارق بعضنا منذ الصباح إلى غروب الشمس فإذا تناولنا الغداء وشبعنا نخرج مباشرة إلى الساحل من جديدة، في تلك الأيام لم تكن الطرقات والأزقة والساحل يخلون من الناس حتى في عز الظهيرة، هذه بعض الذكريات الجميلة التي عاشها الكثير من شباب القرية.

لو بحثنا في خارطة البحرين الجغرافية لن نجد ساحلا ذو ضفتين متقابلتين تتوسطه ثلاث جزر جميلة، ساحل المعامير له الكثير من الحكايات التي تروى فكبار السن قضوا فيه أجمل أيامهم وكذا النساء، ساحل المعامير كان مرفأ لسفن وجوالبيت الغوص وكان بندرا لقوارب صيد السمك، كان غنيا بسائر أنواع السمك والربيان، وكان مصدر رزق لاغلب العوائل في فترة من الفترات، توفي فيه العديد من الأحبة من أبناء القرية غرقا، ويبقى ساحل المعامير أجمل من كل ما كتبنا ولكن؟
ولكن يبقى السؤال المهم: لو خرج أجدادنا وآبائنا وشاهدوا ساحلهم الجميل وما وصل إليه من وضع مزري ومخيف ماذا سنقول لهم؟ هل بذلنا أي جهد للحافظ عليه؟ هل يأسنا من المطالبة بإعادة تأهيله، أم إننا أوفياء للأجيال القادمة في الحفاظ على بيئتهم وحقوقهم البيئية والطبيعية؟.

بقلم : جاسم حسين ابراهيم آل عباس.

أمواج البحر فتكسوه جمالا لا يوصف، كنا نبني لنا فيه عششا معلقة فوق الماء نسميها (فرض) مفرد

ها فرضة، في فصل الصيف تجد كل مجموعة تبحث عن الخشب والألواح تجمعها في موقع الفرضة التي ستبنيها فوق البراميل أو الطابوق
وسط الساحل، بعد الانتهاء من بناء الفرضة يبنى لها جسر خشبي يتصل بالساحل، في الصيف تجد العديد من الفرض ممتدة على طول الساحل وفيها الأطفال والصبية وأحيانا بعض الكبار، البعض يبنون فرضا فوق المقطع وأحيانا في المقطع الثالث(الزغيبة)، تتنافس المجموعات في بناء أكبر وأضخم فرضة، اللطيف أو المضحك أن اغلب الفرض تكون تحت المراقبة ليلا ونهارا واحيانا تجد فيها من يحرسه

ا خوفا من تخريبها، وكثيرا ما يعود أصحاب الفرضة فيجدون فرضتهم مخربة فينتقمون من اصحاب الفرض الأخرى بتخريب فرضهم ليلا تحت جنح الظلام، رغم الغارات الليلية والتخطيط وتخريب الفرض كان الأمر رائعا وفيه الكثير من الحماسة والمغامرات فكم من الشباب قبض عليهم متلبسين وهم يخربون بعض الفرض ولكنهم يدفعون الضريبة حيث يفرض عليهم إعادة بنائها تحت –الإقامة الجبرية- وأنظار أصحابها حيث يقضي المعتدون طوال اليوم يعملون دون توقف بدون أكل أو شراب طلبا للنجاة من عقوبة الضرب أو التفطيس، في تلك الأيام لم يكن الشاطئ يخلوا من الأطفال طوال النهار، البعض يصطادون الربيان بالسالية (امبارة) وآخرون يصطادون الميد بالطوس والطحين، وفي الناحية الأخرى ترى النساء منهمكين بغسل الأواني والمديد وهن يتبادلن الأحاديث، هذه اللوحة الجميلة تغمرنا بالبهجة والسعادة، نركض مسرعين إلى مسجد الشيخ أحمد (مقر الانطلاق والعودة)، هناك نخلع ملابسنا ونخبئها تحت الأخشاب المتناثرة خلف المسجد، ننزل في البحر من أقرب مكان يوصلنا للجوة ثم نسبح إلى

 
المعامير- البحرين