bahrain

هذا الكتاب يؤرخ لمرحلة حساسة من تاريخ البحرين الحديث ويحوي جوانب مهمة من تاريخ الحراك السياسي وقد يختلف البعض مع بعض المحتوى ولكنه يبقى وثيقة جيدة يمكن الرجوع اليها في امور متعددة واترك لكم الكتاب ويمكنكم الاستفادة منه عبر نسخه والاحتفاض به على الوورد.
بناء الدولة في البحرين المهمة غير المنجزة بقلم الدكتور . عبد الهادي خلف

 
State-Building in Bahrain – An Unfinished Business
ترجمة: عبد النبي حسن العكري – مراجعة: نجوى خلف، الطبعة الثانية 2003
جميع الحقوق محفوظة- دار الكنوز الادبية- بيروت ـ لبنان -ص. ب / 7226 ـ 11
هاتف / فاكس 739696
إهداء إلى اللورد افبري مع تقديري
المحتويات :
توطئة 9
المقدمة 11
الفتح 18
أدوات الحكم 31
بناء الدولة – مهمة لم تنجز (1) 45
التجربة الدستورية 55
بناء الدولة – مهمة لم تنجز (2) 90
المشــــــــية المعوجة 106
ملاحظات ختامية 121
ملاحق
1 ) العريضة النخبوية في 1992
2) العريضة الشعبية في 1994
3) العريضة النسائية في 1995
4 ) هيئة مجلس الوزراء الحالية 1999
5) مبيعات وتحويلات الأسلحة الامريكية إلى البحرين 1987-1997
توطئة
كتب الكولونيل روس الوكيل السياسي في مايو 1874 إلى مسؤوله، سكرتير حكومة الهند، إلى مسؤوله، سكرتير حكومة الهند، تقريراً حول الأوضاع في البحرين. و تبدو بعض ملاحظاته جديرة با لإهتما م حتى وقتنا الراهن ما يلي :
" لا يمكننا تحمل استمرار وجود سفننا الحربية في البحرين لحماية شيخها . فعلاوة على أن من المرغوب فيه أن يتعلم شيخ البحرين
الاعتماد على موارده الخاصة لـلمحافظة على مركزه. إلا إنه طالما ظل مطمئناً أن بإمكانه الاعتماد على إســتمرار الدعم الأجنبي له فإنه سيظل بكل تأكيد مهملاً و غير مبالي و لن يبذل الجهود اللازمة لتدعيم مركزه عن طريق الإدارة الجيدة و إتباع سياسة المصالحة تجاه شعبه."
رسالة الكولونيل روس المقيم السياسي في البحرين إلى سكرتير حكومة الهند
FD 29 May 1874,
L/P & S/9/24, p. 993. As quoted in Farah ( 1987:50)
المقدمة
تظهر التقارير الإخبارية على امتداد سنوات أن البلاد تعيش مواجهات متجددة منذ 1994 ومواجهات بين قوى المعارضة وقوى الحكومة. وهي مواجهات اتخذ بعضها أشكالا عنيفة في بعض الأحيان. يصور الناطقون باسم الحكومة الصراع بأنه عبارة عن سلسلة من أعمال الشغب والفوضى والإرهاب من قبل عصابات إرهابية لمجموعات من الشباب الشيعي المضلل اذي تدعمه و تشجعه قبل جهات أجنبية. أما مجموعات المعارضة فتصفه بأنه انتفاضة شعبية تهدف إلى إعادة الحكم الدستوري الديمقراطي . بينما لا يتفق المراقبون والصحفيون والباحثون تماماً مع الحكومة أو خصومها فإن التفسير المعتاد لدى كثيرين من هؤلاؤ يبدأ بالإشــــــارة إلى الاستقطاب الاثني لوصف مظاهر النـزاع الفائم بأنه احتجاج من الأغلبية اشـــيعية المحرومة ضد الأقلية السنية الحاكمة ذات الامتيازات.
أحاول في البحث التالي أن أبين أنه في حين يبدو التضاد السني الشيعي طاغياً في بعض الأحيان فإنه واحد فقط من بين المتضادات. إن التراتبية والاثنية المتأصلة و البارزة في أي مجتمع اثني تضعف الأبعاد الاجتماعية والسياسية الأخرى للاستقطاب الإجتناعي. هناك تراتبية ضمن كل طائفة استناداً إلى المقومات الاجتماعية والاقتصادية مثل الثروة والمكانة الاجتماعية والنسَب والتعليم والمهنة. و سنرى لاحقاً أن هذه المقومات منفردة أو ملتحمة مع مقومات أخرى قد قادت , في ظروف تاريخية محددة , إلى تحييد تأثير العوامل الاثنية في التجاذب السياسي في البلاد. وبالرغم من عدم الاعتراف بها رسمياً فإن جميع هذه المقومات الأولية منها و الفرعية بما فيها تلك التي ذكرتها سابقاً ستستمر في تشكيل الهويات الســــائدة و في إعطائها أبعادها الاجتماعية والسياسية و من ثم في تحديد الانتماءات وفي تحديد أسس الصراع و توصيف حلوله المحتملة.
يظهر تاريخ التجاذب السياسي في البحرين بأن هذه الهويات محل تغيير مســتمر , ويعاد تعريفها وأنها تتأقلم مع الظروف المتغيرة، ونظراً لمكوناتها الغامضة والمتحولة، فإنه لا يمكن التنبؤ بأهمية أو عدم أهمية أي منها إذ ســتظل هذه الأهمية موضوعاً و مجالاً لعمل الناشــــطين السياسيين على إختلاف أشــكالهم.
من جهة أخرى فإن التركيز على بعد واحد في الهوية الاثنية في إطار متعدد الاثنيات يمثل مشكلة تحليلية جديدة. وتصبح هذه المشكلة أكثر حدة عندما تصبح الهوية الاثنية مندغمة عضوياً مع أشكال غير اثنية من الهيمنة والتمايز والتراتبية (ايكيستين 1978 )
استخدمت الأسرة الخليفية الحاكمة للبحرين عدداً من الأدوات السياسية الأخرى بما في ذلك الاثنية بعد أن ســـاهمت في إعادة صياغتها بشكل فعال. إلآ ان قدرة الأسرة الخليفية الحاكمة على البقاء في وجه تحديات متكررة يعود جزئياً وليس كلياً إلى براعتها في أســتخدام إمكانياتها لتحريك العنصر الاثني . لذا قد تبدو مهمة هذا البحث هي الإبتعاد عما يعتبره البعض بديهياً , و التركيز بدلاً من ذلك على إيضاح إن ما يجري هو أعراض تجاذب ســياسي وإجتماعي أكثر مما هو انقسام إثني. يسعى هذا البحث , إذن, إلى استكشاف خلفية هذا التجاذب وتقديم أنماط التعاطي معه.
إحدى فرضياتي الأولى هنا أن الخمسين سنة الماضية من سياسة التجاذب لم تتمحور حول الاثنية وحدها فكما هو الحال مع معظم إنعكاســات الاستقطاب الاجتماعي فإن سياسة التجاذب قد تشكلت عن طريق تفاعل عديد من العوامل الأصلية والمساعدة. ويعود السند الأساس القوي لفرضية الاثنية التي يطرحها الكثيرون إلى عام 1883 عندما غزا آل خليفة وعدد من القبائل السنية القادمة من الجزيرة العربية البحرين. تبع ذلك الغزو تسعة عقود من الاضطرابات قبل أن يفرض آل خليفة أنفسهم كسادة لا منازع لهم على الجزر ذات الأغلبية الشيعية وقتها . أما العقود التالية فلقد تميزت بنمط من العلاقات التي تســــود بين الغازي الأجنبي والسكان الأصليين المنهزمين. ومع فرض الاصلاحات البريطانية في العشرينات من القرن العشـــرين و تراكم التحولات في الاقتصاد المحلي إثر اكتشاف النفط في البحرين، فقد بدأت البلاد في الابتعاد تدريجيا عن الحكم الســياسي القبلي الفج الذي كان ســــائداً في العقود الســـــابفة.
وكما هو الحال بالنسبة للزعماء القبليين في الضفة العربية من الخليج فقد وقع آل خليفة منذ بداية القرن التاسع عشر عدداً من الاتفاقيات مع بريطانيا. وبموجب هذه الاتفاقيات فقد تم الاعتراف بهيمنة بريطانيا العظمى السياسية والاقتصادية والعسكرية على مجمل المنطقة مقابل اعترافها بالأنظمة القبلية القائمة. من أجل تقفي أثر هذه الاتفاقية محليا فسوف أغامر بالاختلاف مع ما هو مألوف. أود أن أطرح أنه قد تم بناء الهويات الجمعية القائمة هنا أقوى منها في أي من أي مكان في المنطقة بسبب تدخل الدولة ويعود الفضل في ذلك إلى الدور المباشر للإداريين البريطانيين. وانطلاقا من الأولويات الاستراتيجية البريطانية وعلى خلفية النـزاعات مع شيعة فارس ووهابيي الجزيرة العربية إضافة إلى النـزاعات فيما بينهم، فقد ترتب على ذلك تدعيم نظام آل خليفة. إن محصلة هذه السياسات المتبعة منذ عام 1869 هو إدخال هذه البلاد في عملية لم تنته بعد وهي خلق شعب من خلال بناء جماعة متخيلة حسب تعبير عنوان بنيديكت أندرسون.
بعد عرض تاريخي سريع سوف أعالج خلفيات تمظهر عددٍ من النـزاعات السياسية التي حدثت خلال العقود السبعة الماضية. وفي هذا الجزء من بحثي فسوف استند إلى استنتاجات فؤاد خوري (1980-1983) ولكنني في ذات الوقت سأجادل مع وضد بعض الفرضيات التي قدمها في بحثه الهام و المتعمق عن البحرين. و ستشمل مناقشتي عرضاً للتشطير الأفقي واستخداماته الفعالة ضمن وسائل إدامة النطام الســـياسي القائم و ضمان إســـتقراره . وهنا أطرح أن الأسرة الحاكمة استطاعت أن تصد بنجاح وخصوصا إثر تدشـــين الحقبة النفطية بعد عام 1973 جميع خصومها المحليين من خلال الاستخدام الفعال للتشطير العمودي للمجتمع. من جهة أخرى استطاعت الأسرة الحاكمة عن طريق الإســـتخدام الفعال للتضامنيات المتوازية ذات الطبيعة الانتقالية والقصيرة أن تعبئ القوى القبلية والطائفية والاثنية ضد بعضها البعض. كما استطاعت الأسرة الحاكمة أن تدعم حكمها من خلال التغيير المستمر لتركيبة هذه الانقسامات العمودية بما في ذلك تغيير الأفراد , الوجهاء , المنتفعين من هذه الانقسامات العمودية في المجتمع وتأكيد شعورهم بعدم الأمان علاوة على تأجيج الشكوك المتبادلة بينهم.
و فبل أن أمضي قدماً أود أن أقدم توضيحين :
1- الأول ملاحظة تحذيرية و هي أنه بالرغم من جهودي الحثيثة بقي بعض ما يرد في هذا البحث متأثراً بانغماسي المباشر في الأحداث التي أصفها هنا أوبسـبب كوني مراقبا نشطاً فيها. . إلا إنني حاولت ما أســـتطيع أن أخفف من تأثير انحيازاتي . من جهة أخرى قمت بحذف بعض الأحداث التي ليس لدي الكثير من قرائن خارجية عليها ســـوى ملاحظات تعتمد في جلها على الذاكرة . في العموم قد أفشـــل في وصفي لبعض الأحداث أو في تفسـيري لبعضها الآخر أن أكون بالفعل محايداً حياد الغريب المتجرد. وهنا أحيل المهتمين من القراء إلى كتاب أميل نخلة "البحرين" الصادر عام 1976 فمن بين الأكاديميين الذين كتبوا حول المواضيع التي أعالجها في هذا البحث فإن نخلة هو أكثرهم تعاطفا مع آراء ومواقف نظام آل خليفة.
2- أما التوضيح الثاني فيتعلق ببعض التعبيرات التي تحمل معاني محددة في أدبيات علم الاجتماع. وهي تعبيرات مثل المجموعة الاثنية أو المجتمعية أو المجموعة المذهبية . ففي إســــتخدامي لهذه التعبيرات أضحت تحل محل بعضها البعض وتدل محليا على الطائفة ومشتقاتها. إن الغموض المحيط باستخدام تعبير الطائفة كإطار لمجموعة متنوعة من المؤسسات الاجتماعية تمتد بدءا بالعائلة الممتدة والعشيرة حتى مجموع المنتمين إلى عقيدة دينية على امتداد العالم. من دهة ثانية يستخدم تعبير الدولة والنظام هنا للتمييز بين الدولة كمؤســـسة معقدة تشــمل أيضاً الحكومة ووكالاتها وقوانينها وتنظيماتها و بين نظام الحكم بما فيه أنماط إستخدام التنظيم الرسمي للدولة و مؤســـتـاتها . وأخيرا هناك تعابير تتكرر دائما مثل القبلية والمدينية والتي استخدمها للدلالة على تصنيفات محلية متعارف عليها. وبالرغم من إدراكي للأهمية السياسية لهذه التصنيفات فإنني لا أحاول استخدامها أبعد من تعبيرها عن الهويات. إن التمييز بين القبلي و عير القبلي أو بين القروي والمديني مثالان واضحان على ذلك. ففي الحالة الأخيرة يمكن القول إنه و في بلد مثل البحرين لا تزيد مساحته على 700 كلم مربع وحيث المسافة بين أي قرية والمدينة لا تزيد عن بضعة كيلومترات وحيث لا تشكل الزراعة والنشاطات المتعلقة بها أكثر من 1 % من الناتج القومي العام فإن صفة مديني أو قروي وسيلة لتعريف الذات أكثر من كونه تصنيفا اجتماعيا.
يلاحظ الدارسون العرب لمنطقة الخليج (النقيب 1983 والأيوبي 1995 وبدران 1993) بأن العائلات الحاكمة إستكاعت من خلال تحكمها في مؤسـسـات الدولة أن تصبح الموزع الرئيسي للدخل. و لقد مكنت الفورة النفطية الدولة من إدخال تعديلات على دورها التقليدي الي تم تعميقها لاحقاً و إعطائها صوراً تحديثية لاحقاً. يلاحظ بدران (85 – 1993) بأنه من خلال التدخلات والاستثمارات المباشرة فقد أحدثت هذه البنية التحتية تغييرا في النسيج الاجتماعي للمجتمع. من ناحية أخرى فقد سعت العائلات الحاكمة إلى موازنة هذه التغييرات المحافظة على الروابط السياسية مع بنى تقليدية مختارة وفي بعض الأحيان تنشيطها سواء أكانت هذه البنى قبلية أو اثنية أو دينية. إن أحد النتائج المباشرة لهذه السياسة المزدوجة في البحرين هو تمكين الأسرة الحاكمة باستخدامها للدولة، لربط البنى الاقتصادية الحديثة مع البنى السياسية القديمة وبالتالي تلطيف تناقضاتها المتأصلة لاحقاً. و لقد تكرس خلال مرحلة ما بعد 1973 ما يعرف بمرحلة التحديث المحافظ الذي أدى إذا ما إسـتعرنا تعبير بايرات 1993 إلى تغيير كل شـــئ بهدف أن يبقى كل شيء على حاله . أي إن الإجراءات التحديثية إنما تســـعى لإبقاء كل نشاط منفرد للدولة نشـــاطاً هادفاً لتدعيم سلطة الأسرة الحاكمة ونواتها القيادية.
يركز هذا البحث على العملية المتعثرة لبناء الدولة و يتعاطى مع القوى الاجتماعية المنغمسة في مختلف مراحل عملية البناء المتعثرة هذه. وهنا أيضاً أتناول بعض الأمثلة من كل المراحل المختلفة للتاريخ القريب لسياسة التجاذب البريطانية في البحرين.
وبالرغم من أن العرض الذي أقدمه يتجاهل تفصيلات تاريخية قد يكون لها أهميتها في هذا الإطار إلا إنه يكفي غرضي في التدليل على أن سياسة التجاذب البريطانية في البحرين كانت تتأرجح بين خيارين استراتيجيين وهما الأثنية والوطنية. وكما سنرى لاحقاً فإن كل الاأطراف المعنية كان ينظر إلى هاتين الستراتيجيتين , أي الأثنية والوطنية , كوسائل فعالة ومشروعة لتشكيل الهوية السياسية ووسائل التعبئة السياسية. تتخذ الهويات المتولدة جراء ذلك أشكالاً مختلفة في البحرين وتكتسب مستويات مختلفة من الأهمية تبعاً للمتغيرات في رؤية الفرص السياسية والخيارات الاستراتيجية.
يشير تعبير "العملية غير المنجزة" في عنوان هذا البحث إلى دور الأسرة الحاكمة من خلال الدولة في مواجهة المحاولات الهادفة إلى إبدال هويات اثنية متنافسة بهوية وطنية و كذلك دورها في إجهاض هذه المحاولات. وسوف أناقش في هذا البحث بعض الأمتلة المحددة علىتلك المحاولات.
وبالرغم من أن السيرورة الوطنية , بما فيها توليد هوية وطنية , هى عملية معقدة في أي مكان في العالم لإرتباطها بصراعات اجتماعية وسياسية و ثقافية شـــديدة التعقيد , إلا إنها تبدو أكثر صعوبة في البحرين. و لا تنبع هذه الصعوبات من نزق متميز لدى ممثلي المصالح الاثنية بل من الإجراءات المضادة التي تتخذها الدولة . لقد عمدت الدولة , بإعتبارها أداة في أيدي الأسرة الحاكمة، و بخاصة بعد أن توفرت لها موارد إضافية منذ 1973، إلى اتباع سياسة نشــــطة لإفشــال الجهود الهادفة لتكريس و الهوية الوطنية و تعزيزها. فبتجاهلها الدولة الحاجة إلى إعادة تأسيس شرعيتها واستعادة الإجماع الوطني الذي يرمز له دستور 1973، وبتجريمها النشاطات السياسية التي تسهم في سيرورة بناء المجتمع، فقد سدت الدولة الطريق أمام الإجماع السياسي الوطني و فرضت حصاراً على دعاة ذلك. أعتقد شخصياً أن الحركة التي بدأت في 1992 هي نتيجة إشكالية لتلك الســـياسة التي أثبتت عقمها. وهنا أســـارع لطرح فرضــيتي حول إن الحركة الدستورية هي وسيلة مركزية لتعبئة قوى متنوعة تهدف . لبناء نوع متميز من المواطنة, المواطنة الدســــتورية , التي تشكل الموحد الأساسي لمصالح اثنية ووطنية وطبقية متنوعة.
أســـتند في استنتاجاتي بشكل غير مباشر إلى فكرة "هابرماس" حول الوطنية الدستورية لوصف المسيرة التي رسمتها الحركة الدستورية في البحرين منذ 1992. وأود أن أقر هنا أن تعبير "الوطنية الدستورية" قد استنبط أصلا في إطار وضعية سياسية وثقافية أكثر تعقيداً من الوضعية التي أناقشها. رغم ذلك فإنني أميل إلى إاستخدام هذا التعبير كفكرة أكثر ملاءمة لتوصيف العملية الســياســية الإجتماعية التي تتجاوز النتائج التفتيتية للطائفية والتعبئة الطائفية في البحرين وتتخطى هشـــــاشة و عدم فاعلية الجهود الســابقة لبناء الوطنية البحرينية , وعدم ملائمة الطروحات القومية العربية التقليدية . وكما أراها فإن الوطنية الدستورية هي نتاج إجماع تتراضي عليه قوى مختلفة ترى أن هذا هو الطريق المجدي للخروج من مأزق امتد لخمسة عقود. قد تكون المهمة غير المنجزة حتى الآن قابلة للإنجاز متى ما تم إدراك أن المطلوب هو بناء مؤسسات وطنية يعترف بشرعيتها المواطنون ، وليس تأسيس هوية وطنية تقف أمامها الكثير من العقبات.
"الفتح"
يشـير المؤرخ البحريني محمد علي التاجر في كتابه "تاريخ البحرين" الصادر عام 1994 إلى الدعم الذي قدمته أجنحة شيعية متناحرة فيما بينها إلى تحالف عددٍ من القبائل الســنية بقيادة آل خليفة مما سـهل غزو البحرين في 1783 (1) و السـيطرة عليها. تمكنت العشيرة الخليفية من تشديد قبضتها على المنطقة التي غزتها وخصوصا بعد 1870من خلال مصادرة الأراضي الزراعية ومصائد الأسماك. جرى توزيع هذه الغنائم فيما بين أطراف التحالف القبلي . و أدت هذه الممارسة لاحقا ً إلى تقسيم البلاد باستثناء المدينتين الرئيسيتين إلى مجموعة إقطاعيات صغيرة (مقاطعات). من جانب آخر أُتخذت إجراءات أخرى للحفاظ على الهدوء النسبي و أهم هذه الإجراءات من الناحية التاريخية الإجتماعية هو إستخدام حكام البلاد الجدد للوجهاء المحليين الشيعة كوزراء لجمع الضرائب و إدارة التعامل المباشر مع الرعايا(2).
انعكست أقسى آثار نظام المقاطعات في كل المناطق الريفية على القرويين الشيعة. ويزخر التراث المحكي للشيعة بتفاصيل السلب والاغتصاب و أعمال السخرة وفظاعات أخرى تنسـب مكونات ذلك التراث المحكي ارتكابها إلى آل خليفة وعبيدهم ووزراؤهم. وفيما قد تصح بعض هذه القصص فإن معظمها ملون بوقائع معروفة في التاريخ الديني للشيعة بما في ذلك أحداث جرت في أماكن بعيدة وأزمنة بعيدة. تعكس بعض هذه الحكايات الفلكلورية بصيغها المختلفة بعض دلالات الإحسـاس بالهزيمة لدى متداوليها كما يعمل إستمرار تداولها على إدامة ذلك الإحسـاس. يجري استعادة هذه الحكايات وإعادة تركيبها مع ما يرافقها من تفاصيل دراماتيكية مناسبة وحذف وإضافة حيث تستخدم في التعبئة الاثنية. وبالمقابل فإن خيال الطرف الآخر قد أنتج حكايات فلكلورية تدور حول بطولات الغزاة وكيف أقاموا وجودهم وحكمهم(3).
جرى تدريجيا تخندق الاثنية كأساس طاغ للتنظيم والتنازع الاجتماعي بالرغم من أن التقسيم الاثني ليس المعيار الاجتماعي الوحيد المقبول للتمايز الاجتماعي في البلاد.
من المهم أن نسـجل هنا إن شيعة المنامة لم يتعرضوا إلى ما تعرض له اشقاؤهم الشيعة في المناطق الريفية. من جهة ثانية فهناك فئة من الشـيعة حظيت بمعاملة أفضل من غيرها. و هذه الفئة تتكون من أهل الحرف بمن فيهم الصاغة و البناءين والحياكين والحدادين والذين شجعهم الشيخ عيسى بن علي للهجرة إلى البحرين من الجزيرة العربية واستقر معظم هؤلاء في جزيرة المحرق، العاصمة حينها، بالقرب من مقر الحاكم.
وفي حين أنه يمكن فهم أسباب الحماية التي تتمتع بها شيعة المحرق و بخاصة الحرفيين منهم، فإن هناك عدة عوامل أخرى أسهمت في حماية شيعة المنامة. من أهم هذه العوامل الحماية التي قدمتها السلطات البريطانية والتي اعتبرت أنه في مواجهة احتمالات التدخلات الفارسية والوهابية فإن المحافظة على الاستقرار والسلام هو في مقدمة إهتماماتها . تقع الوكالة البريطانية على تماس مباشر مع أحياء الشيعة في المنامة. وعلى امتداد الوجود البريطاني، كان هناك شيعة ضمن الموظفين العاملين في الوكالة البريطانية(4). إضافة إلى ذلك فقد أسهم تشاور البريطانيين مع الوجهاء المحليين بمن فيهم شيعة المنامة في عودة عيسى بن علي ليكون الحاكم السابع من آل خليفة على البحرين. وهنا أيضاً تقدم الحكايات الفلكلورية دوراً لا يمكن تأكيده لوجهاء الشيعة في تشكيل الحكم الوراثي. كما تشكل الثروة مصدر الأمن للعائلات الثرية فبعض هذه العائلات كان من الغنى بحيث قدموا قروضاً إلى الحاكم ذاته و إلى بعض الشيوخ المبرزين من آل خليفة. وبدورهم قدم تجار المدينة على إختلاف إثنياتهم الحماية لجــيرانهم و شـركائهم.
من جهتهم تمتع الشـيوخ الاقطاعيون بالكثير من الامتيازات والحقوق. يمارس الإقطاعي (الشيخ) من الناحية العملية سلطته باستقلال عن الحاكم و هي سـلطة تكاد أن تكون مطلقة في إقطاعيته والتي تشمل العديد من القرى والعشـش والبساتين المحيطة . (خوري1980 – ص 45). يحكم الشيخ الإقطاعي مقاطعته كسـيد حيث يجمع الضرائب ويفصل في النـزاعات ويستخدم رعيته في إقطاعيته في أعمال السخرة (المرجع السابق ص47). وفي هذه الإقطاعيات فإن البحارنة المهزوميـن هم أقرب ما يكونون إلى العبيد كما يقول ( فرح 12:1985):
"كانوا يوفرون قوة العمل الزراعية للشيخ وأتباعه، ولهم حق الإقامة على أراضيهم و فلاحتها مقابل العمل و تقديم الخدمات بدون أجر (السخرة). ويتحدد المقدار المطلوب من كل منهم حسـب قيمة ممتلكاتهم ( أي ما يملكونه من قوارب و ماشــية على سـبيل المثال). لذلك لم يكن لديهم الحافز لتحسين الأراضي و رعايتها فقد كانوا في خوف دائم في أن يقدم المتنفذون بمن فيهم شيوخ آل خليفة بضمها إلى ممتلكاتهم، إضافة إلى ذلك فإنه إذا قام أحد البدو بسرقة ممتلكات شخص بحراني(5) فليس باستطاعة هذا الأخير اللجوء إلى آل خليفة للحصول على تعويض.
استطاع آل خليفة من خلال نظام المقاطعات , و أصحابها ووزرائهم, إقامة شبكة من الوسطاء في أوساط الطائفتين. و تعتمد رفاهية هؤلاء الوسطاء على استمرار ولائهم وخضوعهم. لم يكن الشيوخ الإقطاعيون يقومون بأعمال زراعة أراضيهم أو رعاية مصائدهم بل عهدوا بذلك و بمهمات إدارة إقطاعياتهم إلى الزعماء الشيعة (الوزراء) الذين تولوا السهر على الأراضي والمصائد وجمع الضرائب وتحصيل الإيجارات ( أنظر خوري 1980، و سيرجنت 1993). يلعب هؤلاء دور الوسيط المزدوج فقد كانوا من جهة أولى وكلاء الإقطاعيين"لغرباء" وكانوا من الجهة الثانية أسياد الفلاحين من "السكان الأصليين". وانطلاقاً من دورهم الثاني فقد كانوا يتوسطون نيابة عن الفلاحين الراغبين في إسـتئجار (ضمان) أراضي لزرعها أو لتسـهيل وصولهم إلى عيون الماء من أجل ري أراضيهم. علاوة على كل ذلك كان الفلاحون المهزومون تحت رحمة الشيوخ الإقطاعيين ووكلائهم الذين يستخدمونهم كعمالة مجانية، سـخرة، ويفرضون عليهم , إعتباطاً , مختلف الضرائب .
لم يطل الزمن بنظام الإقطاعيات هذا، فقد تم إلغلئه بعد سلسلة من الإصلاحات التي فرضها ا البريطانيون (1914-1932). و بالرغم من قصر الفترة الزمنية التي جري تطبيق ذلك النظام فيها و على الرغم من عدم شـــمول تطبيقه جميع فئات الســـكان , فلقد ترك نظام الإقطاعيات تركة لا زالت حية إلى اليوم بما في ذلك أنماط التعامل بين الســـكان في البحرين على إختلاف إنتمائاتهم الإثنية .
بشــكل عام يمكن الفول إننا لآ نســـــتطيع تجاهل نتيجتين من نتائج الغزو ما زالتا تفعلان فعلهما. الأولى هي أن إســـتقرار الغرو قد شجع المزيد من آل خــليفة وغيرهم من العشائر على الهجرة من الجزيرة العربية والاستقرار في البحرين . بعض هؤلاء إضطر في أوقات لاحقةإلى مغادرة البحرين إما طوعاً أو بالقوة،. و ربما ســـاعدت هذه الهجرات المضادة إلى تشــــجيع مجئ عشائر أخرى بمن فيها سنة من الجانب الفارسي للخليج للحلول محلهم. إن الخلفية الاثنية لهؤلاء المهاجرين من السأأأحلين العربي و الفارســي, وظروف استقرارهم في الخليج قد أسهمت في جعل الغزو دائماً. والنتيجة الثانية هي أن الغزو أسهم في تمييز قبائل معينة و في صياغة الخيارات الإثنية لآل خليفة وكذلك تحديد إطار تحالفاتهم المســـتقبلية.
اعترفت بريطانيا المهيمنة على الخليج بعد عقود قليلة من الغزو بنظام آل خليفة القبلي. ونشرت قواتها فيما بعد لقمع أي اضطرابات محلية ولصد أي قوة خارجية معادية لآل خليفة. واســتمر ذلك الدعم البريطاني وخصوصا منذ عام 1869 ليشكل مصدر قوة للنظام وحمايته واستقراره وازدهاره. بالمقابل، وكما هو حال الزعماء القبليين في المناطق الأخرى من الشاطئ العربي للخليج، فقد وقع آل خليفة في بداية Pax Brittanica القرن التاسع عشر سـلسـلة من الاتفاقيات مع بريطانيا. لقد اعترفت هذه الاتفاقيات بالهيمنة البريطانية على الخليج
من ناحية كما دشــنت ¸ من ناحية أخرى ¸ إقامة تشـكيلات سـياســية و أنظمة حكم قبلية في أغلب مناطق الخليج. إلا إنه وعلى خلاف الأنظمة القبلية التي رعتها بريطانيا(6) فقد فشل آل خليفة بالاندماج مع السـكان الرعية وهو ما حدث لآل الصباح في الكويت وآل ثاني في قطر والقواسـم في رأس الخيمة والشارقة. وعلى الضد من هذه التشـكيلات الســياسـية فلم تتطور البحرين إلى كيان سـياسي موحد ولم يتطور البحرينيون ليشــكلوا شـعباً واحدًا. كما أن آل خليفة على خلاف التشكيلات السـياســية في المنطقة اسـتمروا في المحافظة على هويتهم وصورتهم كحكام غزاة. رغم هذه الجهود فإن الخلفية القبلية للعشــيرة الحاكمة ليســت ســاكنة.
من جهتها فإن يتم إخضاع روايات آل خليفة عن تاريخها , مثلها في ذلك مثل كل الروايات, إلى إعادة نظر بما في ذلك الإضافة والحذف لتتلاؤم مع متطلبات الســياسـات المحلية والإقليمية و تقلباتها. , مثلما يحدث في كثير من الحالات المشـابهة فإن عمليات إعادة النظر لا تعكس دائماً رغبة حقيقية في تدقييق التأريخ و تصويب الروايات. أضحى غزو 1783 موضع الاحتفاء به في الكتب المدرســية والتاريخ الرســمي ويتم الاحتفاء بما يتعلق بالغزو من أشخاص وأحداث في وضع أسمائها على المباني العامة والشوارع ويحتفى بها في برامج الإذاعة والتلفزيون، ومن خلال القصائد ومسابقات الأغاني وكذلك الاحتفالات والأعياد الرســمية. احتفل آل خليفة في 1983 بمرور قرنين على غزوهم فيما أدانت جميع فصائل المعارضة هذه الاحتفالات المسخرة التي قاطعها الشيعة. اقتفت إحتفالات آل خليفة بالذكرى المئوية الثانية لغزوهم البحرين أثر احتفالات الولايات المتحدة الأميركية بقرنين من قيامها. كانت الاحتفالات كبيرة وباذخة وشــملت مهرجانات وندوات أكاديمية (7). أكدت هذه الاحتفالات الخرقاء للكثيرين بعضاً من أسوأ الاتهامات الموجهة إلى الأسرة الحاكمة. ومن أكثرها دلالة الاتهامات لهم بأنهم لا يزالون يتصرفون كغزاة مستندين في شرعيتهم على مكتســبات الغزو.
إنني على إقتناع بأن القبلية والغزو القبلي ليسا في حد ذاتهما معيقان لعملية بناء الدولة. فهناك أمثلة من منطقة الخليج و خارجها تظهر أنه بالرغم من العداوات القبلية السابقة فقد تمكن الناس المعنيون من تشكيل تحالف قبلي وتأمين الولاء له بحيث أمكن تخطي الحزازات القبلية الســابقة , مما أسهم بدوره في التحرك في اتجاه بناء الدولة. إن العقبة الرئيسية التي واجهتها البحرين في رأيي هي عدم رغبة آل خليفة بالاندماج مع رعيتهم، وأنتج ذلك سياسات وإجراءات وسلوك أحبط على الدوام الجهود التي كان بإمكانها الإسهام في بناء الدولة والمجتمع.
كما هو معروف في حالات شــبيهة لا يستند حكم من يروا أنفســـهم غزاة و مســـتوطنين على الدعم المالي والسياسي أو غيره من قبل رعاياهم و ذلك لأنهم يستندون على القوة لانتزاع الثروة . لذا تزداد أهمية الدور الذي يلعبه التفاخر بكون حكمهم يمستنداعلى شرعية الغزو. و كما أشــرت فإن هذا هو فرق أساسي بين آل خليفة وغيرهم من الأنظمة القبلية في المنطقة. شقت أسرة آل الصباح الحاكمة في الكويت مثلاً طريقاً آخر في علاقاتها مع رعاياها، فمنذ تسلمها الحكم ، فقد كانت أسرة آل الصباح تعتمد على العائلات التجارية التي كانت تقدم الدعم المالي والسياسي للإمارة مقابل دور لهم في شؤون الدولة (هيكس والنجار 1995 ) أما الوضع في البحرين فكان مختلفاً تماما. فحتى قبل اكتشاف النفط فقد كانت العائلات التجارية في البحرين والوجهاء القبليون والمحليون معتمدين على إرادة آل خليفة، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر فقد تدخل الإنجليز عسكرياً في مناسبات عدة وبشكل غير مباشر من أجل تأمين علاقة التبعية هذه وضمان بقاء النظام كما هو .
تبدو هذه الملامح المتميزة بين الأســــرة الحاكمة في البحرين وأتباعها من الوسطاء عدم اضطرارها إلى مشــاركتهم في السلطة والثروة ولا حتى محاولة استرضائهم ســـــياســـياً أكثر وضوحاً حين نلاحظ انه وفي منتصف الخمسينيات فقد أبرمت صفقة بين العائلة الحاكمة في الكويت وكبار العائلات التجارية أما عناصر الصفقة فقد كانت بسيطة كما يشرحها هيكس و النجار (1995).
"فمقابل التنازل للأسرة الحاكمة عن السيطرة الفعالة على المراكز الحساسة في الدولة تحصل العائلات التجارية في البداية ثم الكويتيين بشكل عام على مردود مالي. و بهذا أضحى التجار مستفيدين من الإتفاق مع الدولة على التنمية المحلية و على قوانين لإسـتبعاد المنافسة الأجنبية أوالتي تشترط على الطرف الأجنبي أن يكون له شريك كويتي وكذلك التفاهم الذي بحد من تدخل الأسرة الحاكمة في التجارة في الكويت (هيكس و النجار ص 7-186).
أما في البحرين فلقد بقي الوسطاء والوجهاء قوة سياسية مهمشة. وعلى الضد من شريحة الوجهاء التي يصفها "ويـبر" لم تتمكن فئة الوسطاء والوجهاء في البحرين من الحصول على أي موقع مؤثر على سلطة الحكم أو يجعلها قادرة على الصمود أمام الانتكاسات المتكررة (جيرت و ميلز 1991) . وحيث أنهم قوة هامشية ، فلم تتطور لديهم القدرة على المشاركة في الشؤون العامة ولم تتطور لديهم العادات و أنماط الســلوك التي كانت من الممكن أن تتوفر عن طريق ممارســـة تمثيل قواعد إجتماعية أو التعبير عن مصالح جمهور ثابت . كان يجري اختيار الوسطاء والوجهاء لوظيفة محددة ألا و هي تقديم الدعم والنصيحة وليس لكي يكونوا ممثلين عن فئة أو شـريحة أو طبقة بعينها . و مع لهؤاء الوسطاء والوجهاء , أو على الأصح لبعضهم , سلطة قوية أو تأثير على شبكة محلية من العوائل أو قرية أو حي أو مجموعة قرى أو أحياء إلا إنه لم يكن من المســـموح لهم بالتحدث باسم المواطنين ككل. وبالرغم من هذه الدرجة من الهامشـية فلقد كانت لهم مصلحة في بقاء الوضع على حاله , مســـتقراً بل و راكداً , حيث أن بقاء النظام كما هو يمكنهم من البقاء هم أيضاً في مواقعهم كأسياد محليين لشبكات متنافسة يستندون إليها.
حافظت الأسرة الحاكمة على نظام الوسـاطة فيما عمدت إلى تغيير وتدوير الوسطاء. تكمن معضلة الوجهاء في هشـاشة الأرض التي يقفون عليها. صحيحٌ إن الأسرة الحاكمة بحاجة إليهم لتأمين إسـتقرار حكمها , إلا إنها ظلت على الدوام تحتفظ بقدرتها على الاستغناء عنهم. فعلى الرغم من أهمية دورهم السـياسي من وجهة نظر الأسرة الحاكمة لم تسمح لهم بالانضمام إلى الطبقة السياسية أو حتى أن يكونوا من الساعين إليها (ولمزيد من التفاصيل والمناقشة العامة انظر تيلي 1978).
بقي ميزان القوى محليا على حاله بالرغم من التحسينات المهمة من خلال سلسلة من الاصلاحات التي أدخلتها بريطانيا في الفترة ما بين 1904-و 1932 . ولفد إسـتمرت جهود تعزيز بعض هذه الاصلاحات العميقة التي جرت خلال العقد الأول لهذا القرن . فبالرغم من المقاومة النشطة والقوى القبلية ورجال الدين والوجهاء والعائلات التجارية عمد البريطانيون من أجل تهيئة الطريق أمام هذه الاصلاحات في البحرين، والتي لم تكن سوى محمية، إلى اتخاذ إجراءات حاســـمة لم تكن تقوم بها عادة ا إلا في المستعمرات. فلقد قام البريطانيون , مثلاً , في 1923 بإستخدام القوة لإزاحة حاكم البلاد وقتها , عيسى بن علي, وإحلال ابنه حمد محله. وقد أسـفر الأمر عن إجلاء بعض القبائل من البحرين إلى الجزيرة العربية كما جرى نفي بعض الزعماء الدينيين فيما أضطر بعض التجار البارزين وبعض وجهاء عائلات مهمة الذهاب إلى القبول بالنفى القسري.
انعكست نتائج إصلاحات 1904-1932 على العلاقة ما بين التجار والأسرة الحاكمة. شجع البريطانيون في إطار مســاعي وضع اللبنات الأولى للدولة إقامة تشــكيلات رسمية بما فيها مجالس متصة بشـئون الغوص و التجارة , تتمثل فيها مصالح التجار ويجري التفاوض مه السـلطة الســياسية عبرها. وقد أسهم في النجاح النسبي لما يعرف بإصلاحات الميجر ديلي في إعادة تشـكيل تركيبة المجتمع التجاري والذي يستمد قوته من جذور التجار الدينية والاثنية المتعددة كما يسـتمدها من علاقات بعض هؤلاء التجار التي تتجاوز الحدود السياسية للدولة الوليدة. جرى خلال عقدين من حكم الشيخ حمد بن عيسى (1923-1942) إدماج أفراد المجتمع التجاري المحليين والأجانب (العرب والإيرانيين والهنود) في البنية السياسية النامية. قاوم رجال الدين والوجهاء من الطائفتين معظم هذه الاصلاحات مثل وضع الأوقاف تحت إشراف الحكومة. رغم ذلك فقد عبـّر قطاع واسع من الســكان و بخاصة الشيعة عن دعم إصلاحات الميجور ديلي من خلال توقيع العرائض. أهال المتحدثون باسم الشيعة في عرائضهم المديح للجهود البريطانية الهادفة إلى "رفع الظلم" وإقامة بنية تحتية إدارية للدولة بما في ذلك المحاكم وقوة الشرطة. ولذات الأسباب فقد عبر كثير من الوجهاء السنة في عرائضهم إلى البريطانيين بأن هذه "الاصلاحات المزعومة" تتم بالقوة و على حساب مصالحهم.
وهناك أمثلة عدة توضح ذلك. من بينها إن البريطانيين قاموا وبالرغم من احتجاجات ممثلي الأسرة الحاكمة ووجهاء الطائفة السنية بتعيين مواطنين شيعة من أصل إيراني في قيادة قوات الشرطة حديثة النشـــأة . و ظلت سياسة ا البريطانيين الحريصة على تعيين شيعة في مناصب قيادية في قوات الشرطة قائمة حتى الاستقلال عام 1971.
وضعت إصلاحات الميجور ديلي البلاد على طريق مهمة , لنم تنجز بعد, ألا و هي المهمة التاريخية ذات الطبيعة المزدوجة : عملية بناء والدولة وتحويل سـكان البلاد من رعايا ليصبحوا شـعباً . لا يمكننا الآن إلا الإعتماد على الظن لتفســـــير حماس البريطانيين لتك الإصلاحات . وعلى هذا الظن يمكن الإشـارة إلى توقعات قرب إكتشاف النفط و إلى التوجس البريطاني من الأطماع الوهابية ـ الإيرانية وراء تصديهم لاقامة النظام السياسي الجديد في البحرين و وتدعيمه . ولقد تصدى الإداريون الاستعماريون البريطانيون لمهمة إصلاحات دولة مستقرة وحديثة إلى حد ما في البحرين, و كان آخر هؤلاء تشارلز بلجريف والذي بقي في منصبه من 1926 حتى 1957 . و لقد سمي بجريف ما بناه بـ" النظام الجديد" (بلجريف 1960)
لقد كان عدم الاستقرار الداخلي المزمن في البحرين عاملاً مهماً في دفع البريطانيين إلى الإهتمام بإدخال الاصلاحات. و من المصادر الرئيســية لعدم الاستقرار تمكن الإشــارة إلى أنواع المقاومة المختلفة وتشمل هذه الأعمال العنيفة للفلاحين وصيادي اللؤلؤ المعدمين وهم ضحايا تسلط إقطاعيي آل خليفة ووكلائهم المحـليين. وكما نبه إلى ذلك (جيمس سكوت 1986) فكل يوم من أيام حياة أمثال هؤلاء هو يومٌ ملئ بأعمال مقاومة. ويتعلق الأمر بعدد من الأعمال المباشرة وغير المباشرة بما في ذلك التخريب والخداع والإهانات والشغب والتباطؤ في العمل وعدم الانصياع للأوامر. بالطبع فإن أعمال المقاومة اليومية هذه هي ردود أفعال متفرقة ومؤقتة ومحدودة وغير متواصلة. وفي حين أن مثل هذه الأعمال لا تؤدي غالباً إلى تغيير أساسي، فإنها, من منظورين تاريخي و إجتماعي, عوامل محفزة للتغيير. وتلاحظ ايكستين (1989: 8):
"بأن هذه الأعمال المقاومة تؤدي , بعض الحالات , إلى إعاقة إستقرار النظام و فقدانه شــرعيته , بل و إلىصعوبة إعاة إنتاجه, مما يقود النخبة الحاكمة إلى التشعور بالحاجة إلىإدخال إصلاحات يعتد بها"(8)
من أهم الاصلاحات العميقة التي قام البريطانيون بإعتمادها هو إلغاء نوعين من العمل الإجباري وهما السخرة والعمل لقاء الديون المتوارثة. وقد قاومت الأسرة الحاكمة وحلفاؤها في الطائفتين هذين الاصلاحين. لقد أدى هذا الإلغاء , إلى جانب إزالة قيود فرضتها تقاليد ظالمة ، إلى توفير العمالة المتحررة من القيود القادرة على الإنخراط في المشاريع الاقتصادية الجديدة والمتنامية إثر اكتشاف النفط. لقد وجد صيادو اللؤلؤ والفلاحين والعبيد وغيرهم من بؤســـاء البلاد أنفسهم لأسباب عديدة خارج إطار مهنهم التقليدية، لكن المحظوظين منهم والقادرين جسمانيا شقوا طريقهم للعمل في شركة النفط أو في مؤسسات الأعمال الجديدة.
نتج عن التغييرات التي شــــهدتها البلاد في هذه المرحلة تطورات ذات طبيعة مستديمة. لقد كان البريطانيون مهتمون بوضع أسس الإدارة المحلية اللازمة لقيامها بالواجبات الأولية للدولة مثل المحافظة على النظام العام وجمع الضرائب وتوزيع عوائد النفط المرتقبة والرسوم الجمركية.
أدى التوسع في بنية الإدارة الحكومية إلى أن تتحول تدريجياً إلى منافسة شركة النفط، وما تفرع عنها، على العمالة المتعلمة وشبه المتعلمة محدودة العدد. و رغم هذا التنافس بقيَ ســوق العمل ولعقود طويلة يعاني من الإستقطاب الإثني. وجد العبيد والفلاحون المعدمون وصيادو اللؤلؤ السابقون أنفسهم يعملون جنبا إلى جنب. ومن أجل مواجهة الاحتياجات الخاصة لكبار المستخدمين، فقد جرى افتتاح المدارس. وكما ارتأى الإنجليز حينئذ فقد كانت هذه المدارس مختلطة من أبناء الطائفتين رغم احتجاجات الأسرة الحاكمة ورجال الدين الشيعة والسنة المتنفذين. جرى التعاقد مع مدرسين من مصر ولبنان وسورية ، وباعتبارهم متحررين من الحساسيات الإثنية المحلية ، فقد شكل هؤاء المعلمون عامل اندماج مجتمعي لنظام التعليم.
التطور الآخر الذي كان له تأثيراته بعيدة المدى , فهو إدخال الإنجليز لترتيبات إدارية يتم بموجبها رصد موارد مالية مجزية للأمير ومن خلاله للعائلة الحاكمة. وأهم هذه الموارد تخصيص رصد ثلث واردات النفط للحاكم و عائلته. إضافة إلى ذلك فقد جرى وضع نظام السجل العقاري فإن أي أرض أو غير مسجلة تصبح "أراضاً أميرية"(9) . يصف النقيب (1990: 103) النمط العام لتأثير النفط على الأنظمة العشائرية على الشاطئ العربي للخليج قائلاً: "إنه في حين أسـهم توزيع عوائد النفط في إنشاء الدولة ومؤسساتها التي تسهم بالتالي في توزيع تلك العائدات على السكان عن طريق الإنفاق الحكومي , إلا إن أولى تأثيراته هي تعزيز الأسرة الحاكمة وتحويلها إلى مؤسسة سياسية تمتلك الدولة"
أما التطور الثالث فهو بروز شريحة من رجال الأعمال والوسطاء والبيروقراطيين والحكومة من أوساط تجار اللؤلؤ والعائلات المرموقة في المدينتين الرئيسيتين المنامة والمحرق. وبمرور سنوات أضحى ابناء (وإلى حد بنات ) الوجهاء والعائلات التجارية يحتلون الوظائف العليا والمتوسطة في قطاعات الحكومة. تلقى الكثير من هؤلاء تعليمه في الخارج وخصوصا في معاهد التعليم و الجامعات في بغداد وبيروت ودمشق والقاهرة. وإلى جانب مؤثرات أخرى فقد اكتسب الخريجون البحرينيون وهم بالآلاف من خلال اقامتهم أو زيارتهم للحواضر العربية الأفكار القومية واليسارية وانضمت أعدادٌ منهم إلى منظمات سـياسية تتبنى تلك الأفكار, التي تشـمل إدانة الطائفية وغيرها من الأفكار التقليدية التي تهدد الوحدة الوطنية.
يتمثل التطور الرابع في ظهور تشققات في الجدار الذي يفصل بين مكونات المجتمع في البلاد. فلأول مرة منذ 1783 تمكنت الشرائح الفقيرة من الطائفتين ان تعمل جنبا إلى جنب و في ظل ظـروف عمل متشــابهة. لقد وفرت اماكن العمل الحديثة واوضاع العمل في صناعة النفط والنشاطات الاخرى المترتبة عليها، ما سـيشكل لاحقاً أرضية مشـتركة لنضال العمال الذين اندمجوا مع بعضهم البعض.(10)
إنني أرى مسيرة التجاذب الجارية في التاريخ القريب للبحرين كإحدى نتائج عملية اجتماعية سياسية شـكلتها تلك التطورات التي لخصتها أعلاه. و هي عملية اجتماعية سياسية ما تزال تؤثر في تشكيل خيارات العمل السـياسي الهادف, رغمن تعثراته , إلى إزالة المكونات الإثنية من بناء الدولة والأمة. فبالرغم من تعرجات التاريخ الواضحة فإن أبرز تجلياته هو إسـتمرار التنازع ما بين التعبئة الاثنية والتعبئة الوطنية. وفي الوقت الذي أشعر فيه بغموض تعبير الاثنية الذي أستخدمه هنا فإنني أعني بالاثنية في إطار البحرين المجتمع القائم على التضامن والذي تستثيره القرابة والقبلية والخلفية الدينية. أما تعبير الوطنية فهو أكثر إشكالية حيث أنه يشير في إطار البحرين إلى مستويين من الهوية وهما البحريني والعربي. وبكلمات أخرى فإنني أرى التنازع قائماً بين القوى الاجتماعية السياسية السـاعية للحفاظ على الوضع الراهن (زيادة أو نقصانا ) والقوى الاجتماعية السياسية المدافعة عن التقدم و التنوير (زيادة أو نقصانا). يعني "التنوير" في البحرين حسب ما يطرحه خوري (1980- 198) " رفض السياسة الطائفية ومعارضة الحكم الاستعماري والنظام القبلي والدفاع عن قضية الطبقة العاملة" أما قوى الرجعية فإنها، ومع لجوئنا للتبسيط، تتمثل في الأسرة الحاكمة والوجهاء والمؤسسة الدينية (زيادة أو نقصانا). في حين أن قوى التنوير تتمثل في المجتمع التجاري الناشئ والموظفين المدنيين والعمال.
أدوات الحكم
حافظ آل خليفة على حكمهم بالقوة و بفضل الدعم البريطاني بما في ذلك عدة مناسبات للتدخل العسكري المباشر. إلا إن هذا ليس إلا جانباً من الصورة. فمن ناحية أخرى فإننى أرى إن إسـتمرار حكم آل خليفة , رغم المقاومة المسـتمرة و الدؤوبة, يعود بدرجة أكبر إلى إسـتخدام العائلة الحاكمة و بفاعلية كبيرة للتشطير العمودي للمجتمع , وهو إسـتخدام جرى التوسع فيه وإحكامه بحيث أضحى أداة فعالة لإسـتفرار السلطة ولإضفاء مسـوح الشرعية عليها. وأعني بالتشطير العمودي الإبقاء على إنقسام المجتمع والمؤسسات الاجتماعية في متوازيات مفصولة عن بعضها البعض من خلال العزل السياسي أساسـاً. جرى الإبقاء على العزل السياسي في البحرين من خلال التعبئة من قبيل استخدام الحكايا والأساطير والروايات الطائفية والاثنية . و لقد تثبتت بعض هذه الحكايا والأساطير والروايات الطائفية عبر إلصاقها بأجزاء منتقاة من تاريخ البلاد , ومن خلال توظيف دلالاتها. و كما الحال في مجتمات أخرى, فرض المتنفذون ضمن كل شطر عمودي في البحرين الانضباط ضمن مجال نفوذهم ولكن ليس إلى الحد الذي يمنع تدخلات النظام المباشرة وغير المباشرة حيثما دعت الحاجة.
يجد المراقب في الطرف الأول من النظام التشطيري الأسرة الحاكمة وحلفاؤها من زعماء العشائر السنية من ناحية وفي الطرف الاخر سـكان القرى من الشيعة المعدمين. وبالرغم من أن الأجانب يشكلون حاليا ثلث سكان البلاد، فإنهم مستبعدون من هذا النظام. إلا إن من المفارقة أن الأجانب الذين يعيشـون بأذونات إقامة مؤقتة وليس لهم من الحقوق سوى حق العمل فإنهم يلعبون أدوارا مهمة تقود فإلى تمكين النظام من إبقاء قبضته على المجتمع.
بداهة فإن الانشطار العمودي بين الشيعة والسنة هو الإنشطار الأوضح، لكنه ليس الوحيد في تركيبة النظام، فهناك عوامل أخرى في التراتب الاجتماعي والتي تفعل فعلها باستقلالية أو إلى جانب الانتماءات الطائفي. أعني بالتحديد هنا عوامل النسب والخلفية القبلية والخلفية المدينية ـ الريفية التي تُستنفز ويمكن اسـتنفارها لتعزيز تشطير النظام الاجتماعي السياسي. يصف حنا بطاطو (1978) في عمله الموسوعي عن العراق وضعا أكثر تعقيدا في حاضرة إقليمية. وهنا يجد الباحث عدد من التراتبيات تفعل فعلها بالتناوب فيما بينها حيث المرتبة الدينية ومرتبة الثروة ومرتبة المجموعة الاثنية والوضع الاجتماعي والسلطة. يقول بطاطو: "هناك بالطبع توافق بين جميع هذه التراتبيات أي أن الذين يقفون في قمة مرتبة السلطة هم عادة ممن يقفون في قمة مرتبة الثروة أو في قمة التراتبيات الدينية والطائفية والمكانة الاجتماعية".
يلعب التشـطير الإثني أي الثنائية الشيعة ـ السنية نقطة انطلاق في نظام التصنيف الاجتماعي المستقر. فهو يوفر علامة اثنية فارقة , ومن السـهل التعرف عليها , يسـتخدمها الناس لتمييز بنيتهم الاجتماعية و لتحديد أسـاليب تعاطيهم مع الآخرين (ايكبستين 1978) . لكن لإستخدام التشــطير الإثني حدود بالطبع و لهذا ســأسـعى هنا لتحاشي المبالغة في أهمية التشــطير الإثني. و مع ذلك و حتى لو تجاهلنا وظيفة الثنائية الشيعية ـ السنية كآلية للتحليل فإنه يتوجب ملاحظة التباين الشديد في معناها الاجتماعي ومغزاها السياسي.
إن تصنيف الجماعات في البحرين استنادا على معيار اثني منذ بداية هذا القرن يخفي عدداً آخر من التصنيفات المتولدة عن إسـتخدام المعيار الإثني . و من بين التصنيفات المضمورة : الشيعة والسنة، السنة العرب والسنة غير العرب، السنة المالكية والسنة الشافعية، الشيعة العرب والشيعة غير العرب، الشيعة الأصولية والشيعة الأخبارية، السنة القبائل (مع او بدون آل خليفة ) والسنة الخضيرية والسنة الهولة، وشيعة المدن وشيعة الريف(11).
أظهرت البحوث المعاصرة (خوري 1983 ولاوسن 1989 ) أن هناك انقسامات فقهية ضمن الشيعة وضمن السنة سواء بسواء.(12) كما أوضح باحثون آخرون (التاجر 1982 وهولز 1987) التباينات اللغوية في البلاد(13) . ويمكن لقوائم التصنيف الاثني أن تطول إذا ما أضفنا معايير أخرى مثل المعيار الاجتماعي الاقتصادي ومصادر الثروة والوضع الاجتماعي والتعليم والمهنة والتي تخترق معظم المجموعات الاثنية وتقسـمها الى تجار ووجهاء وعبيد سـابقين وسـادة وغير ذلك. من جهة أخرى قـســّم التعريف الحكومي للجنسية في مرحلة الاستقلال السكان إلى مواطنين وبدون وأجانب. يحتاج التصنيفين الأولين الى مزيد من الشرح. والأخذ بالاعتبار عوامل اقتصادية وسياسية فإن المواطنين مقسمون الى فئات في نظام مراتبي. ويضيف قانون الجنسية لعام 1974 كل مجموعة فرعية على حدة كما يلي :
1) المواطنون المولودون في البحرين من أبوين بحرينيين .
2) المواطنون المجنسون سواء ولدوا في البحرين أو خارجها .
3) المواطنون الذين يثبتون أن أصولهم بحرينية .
أما البدون فيجري تعريفهم بأنهم غير محددي الجنسية من سكنة البحرين. وبموجب ما جاء في الكتاب الصادر عن هيومن راتيس ووج "البحرين انتهاكات روتيينة و نفي روتيني"، نقلا عن تقرير الخارجية الأمريكية لعام 1996 فإن عدد البدون يقدر بعشرة آلآف. "والكثير منهم من سكنة البحرين لعدة أجيال، وغالبية هؤلاء الشـيعة من أصل إيراني، ولكن هناك أقلية من السـنة العرب" (هيومن رايتس ووج 1997:12). و على العموم يمكن القول "إن فئة البدون هم الأقل تمتعا بحماية القانون من بين سكان البلاد و أكثرهم تضرراً من عدم التزام الدولة بمسؤولياتها الدولية تجاه سكانها".
وفي ظل مجتمع جرت فيه تمايزات حادة خلال العقود الثمانية أو التسعة الماضية كالمجتمع البحريني فإن الصراع الاثني سواء أكان مستترا أو واضحا هو تجربة يومية وتكتسب أي ثنائية منها او تضافر عدد من هذه الثنائيات أهمية خاصة في تحديد أبعاد النـزاع الجاري. تتراجع أو تتصاعد أهمية وحضور الثنائية الشيعية ـ السنية تبعا لتفاعل ثنائية أخرى أو مجموعة ثنائيات.
سأحاول في الصفحات التالية أن أتعوض ببعض التفصيل إلى مختلف القواعد التي تستند إليها فرضـيتي بأن جميع التصنيفات والتصنيفات الفرعية غير الرسمية بما في ذلك تلك التي ذكرتها سابقا أو التي لها علاقة بتقرير بالهوية الاجتماعية والسياسية تشكل الأساس الذي تستند عليه أية محاولة جدية لفهم الصراعات الدائرة في البلاد أو لصياغة حلول لهذه الصراعات. و كما يظهر من متابعة تاريخ التجاذب السياسي في البحرين ان هذه الهويات عرضة للمساومة والتأقلم مع ظروف متغيرة ونظرا لطبيعة مكونات هذه الهوية الغامضة والمتغيرة فإن الباحث لا يستطيع أن يتنبأ مسبقا بأهمية أو عدم أهمية هذه العوامل تجاه قضية معينة في زمن معين.
تمكن آل خليفة من خلال استخدامهم للتراتبيات القائمة التي حافظت على التشطير العمودي وعلى تلك المحبطة لفرص التفاعل العمودي للمجتمع، و كذلك عن طريق الدعم الإستراتيجي الخارجي ـ أن يحافظوا على حكمهم و إضفاء شرعية محلية عليه . وحتى قبل سيطرتهم عائدات النفط و غيرها من المصادر الحديثة لتجميع الريع وتكديس الثروة بزمن طويل، فقد استطاع آل خليفة احتكار استخدام القوة في البلاد و إحتكار آليات التوسط فيما بين المراتبيات القبلية والطائفية في البلاد مما مكنهم من فرض التعايش في مجتمع مشطر و من الإسـتفادة القصوى من ذلك التشـطير. شـكل احتكار آل خليفة لاسـتخدام القوة جزءً من أسس السلم البريطاني (Pax Britannica) في الخليج منذ بداية القرن التاسع عشر. أما من يتمرد أحيانا من القبائل المحلية على زعامة آل خليفة فقد تعاملت معهم السـلطات العسكرية البريطانية بقسـوة. و سـيشكل هذا الركون الى قوة خارجية جاهزة, إلى اليم , مصدراً أسـاسـياً لشرعية حكمهم مما يفسر رفض آل خليفة الحازم لكل المحاولات الداعية لتشـجيعهم على السعي وراء مصدر داخلي لشرعية حكمهم.
في معرض الإجابة على سؤاله حول كيفية تحكم هذه الأســر الحاكمة في إمارات الخليج، يقول النقيب (1990 : 105-107) ما تلخيصه إنها تحكم من خلال المجموعات التضامنية غير الرسمية وعن طريق إستخدام تقســيم محكم للعمل و الأدوار بين هذه التضامنيات . وتعني المجموعات التضامنية , أو التضامنيات , هنا مجموع القوى الاجتماعية المسموح لها بالتعبير عن نفسها أمام ممثلي المؤسـسـة الحاكمة , وذلك من خلال زعماء العشـائر والعائلات أو المكلفين من قبل هؤلاء. و رغم إن التضـامنيات هي تنظيم غير رســمي , إذ ليس هناك جسـم رسـمي لتمثيل هذه القوى الاجتماعية, . فإن لها تواجد ملحوظ في مختلف مؤسـسـات الدولة: الحكومة والمجالس البلدية والمحلية والشرطة والجيش. وحسب تحليل النقيب فإن هناك ست مجموعات تضامنية غير رسمية إضافة الى الأسرة الحاكمة كما يلي:
1- المؤسسة القبلية: الشيوخ القبليون والذين تتعامل معهم الحكومة على المستوى المحلي.
2- التجار: كبار التجار وزعماء العائلات التجارية وهم منضوون في إطار الغرف التجارية والصناعية.
3- المؤسسة الطائفية: زعماء الطوائف مثل الشيعة والاباضية والسنة والزيدية.
4- المؤسسات الدينية: قادة الحركة الدينية والمطاوعة وغيرهم.
5- الطبقة الوسطى: من أجل الحؤول دون قيام نقابات لأصحاب المهن التخصصية فإن الحكومة تتعامل معهم من خلال عائلاتهم.
6- العمالة: حيث يوجد عمال مواطنون والعمال المنتمون لمنظمات نقابية. (ص 106)
يجب التنبه هنا الى ان الأهمية النسبية لمختلف المجموعات تتباين كثيرا من دولة خليجية الى أخرى بل ومن وفت آخر في ذات الدولة. وبالرغم من التشـابه الكبير في العديد من مظاهر الحياة فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع تتفاوت كثيرا في بلدان هذه المنطقة . وبغض النظر عن تعريف المجموعات التضامنية , أو التضامنيات ( أو التعاضديات) , و وبغض النظر عن الظروف التاريخية لتشـكلها و بروزها . فإن هذه أو التضامنيات لا تعمل باستقلالية عن الحاكم أو العائلة الحاكمة او فعاليات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولم يكن باستطاعة أي منها البقاء دون موافقة الحاكم والفعاليات الأخرى , إن لم نقل الدعم النشط منهم . و يوفر تاريخ حركة الإخوان في السعودية نموذجاً ساطعاً على ذلك. يناقش الأيوبي (1995) صفتين مهمتين للتضامنية حيث يلاحظ , استنادا على أطروحات جوليمو اودنيل, إن التضامنيات تتصف بصفتيين , الأولى هي ثنائية الواجهةBifrontal و الثانية هي التشطيرية Segmentary . "التضامنية ثنائية الواجهة بمعنى أنها تنحو من جهة نحو التتركيز على الدولة ودورها Statism , من الجهة الأخرى تنحو نحو الخصخصة Privatisation . تتشـــكل العملية الاولى نتيجة ســـيطرة الدولة على مؤســســات المجتمع المدني . بينما تتشـــكل العملية الثانية نتيجة إنفتاح مساحات محددة في مؤسسات الدولة أمام ممثلي مجموعات المصالح في المجتمع المدني. والتضامنية هي تشطيرٌ كذلك , إذ إن وظائف التضامنية و تأثيراتها الإجتماعية تتفاوت تبعاً للتفاوت الذي يولده الوضع الطبقي " (أيوبي 1995: 189).
يظهر التقلب في المهام التي نهض بها عدد من الحلفاء القبليين الذين دعموا غزو آل خليفة للبحرين مدى هشــاشــة التحالفات القبلية و عدم ثباتها كأساس للتضامنية كما يبين الطابع المؤقت لكل ما يتحقق عبرها من مكاسب(14). و يمكن من متابعة متأنية لتطور نظام آل خليفة و دراســة علاقاته مع المجتمع والقوى الاجتماعية التي تشكل القواعد المحلية لسلطته أن لا يدعم القول بوجود التضامنيات كتنظيمات غير رسمية أو شبه رسمية . وسوف أتوسع في هذه النقطة.
دعني أولا أوضح معنى نظام آل خليفة المستخدم في هذا البحث. إنها تدل على نمط استبدادي من أنماط الحكم تبلور تدريجياً إثر الاصلاحات السياسية و الإاقتصـادية البريطانية خلال العقود الاولى من هذا القرن. وفيما تشكل الأسرة الخليفية الأساس الثابت للنظام وقاعدة التحكم في السلطة فيه فإن ممارسة هذه السلطة هي ممارســـة ممركزة وتنحصر في أيدي البؤرة الحاكمة. فعلى امتداد الفترة ما بين 1926 حتى 1957 فقد انحصرت البؤرة الحاكمة بالشــيخ الحاكم ومستشاره البريطاني تشارلز بلجريف. بينما تشــكلت هذه البؤرة الحاكمة منذ 1959 حتى 1971 من الترويكا التي كانت تضم الشــيخ الحاكم, عيسى بن ســلمان , وأخويه خليفة و محمد. إلا إن الأمور لم تكن على ما يرام دائماً. فلقد أدى الصراع العنيف داخل الأسرة إلى إحالة الأخ الأصغر عام 1971 على التقاعد القســري . ما تجدر الإشــارة إليه إن هناك اعتراف رسمي بوجود ما أســميه هنا بالبؤرة الحاكمة. ففي البلاغات الرسمية ووسائط الاعلام في البحرين يجري الإشـــارة إليها بـ"القيادة السياسية". و يعرف دارسو السياسة العربية المعاصرة أن هذا التعبير شائع في البلدان ذات الحزب الواحد.
منذ إزاحة العضو الأصغر في 1973 أضحت القيادة السياسية أو البؤرة الحاكمة تتمثل في الأمير عيسى بن ســلمان وأخيه خليفة , رئيس الوزراء , بالإ ضافة إلى ولي العهد حمد بن عيســى . وهناك تكهنات يحسن بي أن أتجنب التطرق إليها حول هامشـــية دور ولي العهد ضمن الترويكا الحالية حيث يبدو أنه يتم إسـتبعاده من وقت لآخر من المشـــاركة كعضو في بؤرة الحكم.
منذ العام 1932 تم تنظيم و ضبط العلاقة الرســمية بين بؤرة الحكم من جهة وبين بقية أفراد العائلة الحاكمة من خلال مجلس العائلة الخليفية . و لقد تجدد هذا التنظيم عندما قام الشــيخ عيسى بن حمد , عشـــية أول انتخابات نيابية في البلاد عام 1973 , إلى اصدار مرسوم أميري لتكريس الصفة الرســمية لمجلس العائلة الخـــليفية. وبموجب هذا المرسوم فقد أضحى المجلس جهازا رسميا في الدولة وله جهاز تنفيذي ومكاتب إدارية و موظفين متفرغين . ويرأس الجهاز أحد أفراد آل خليفة برتبة وزير. أما لجهة عضوية مجلس العائلة الخليفية فإنها تتم عن طريق تعيين أفراده من قبل الامير كممثلين معترف بهم لمختلف فروع وأجنحـة العائلة. يعالج المجلس في اجتماعاته الرسمية الشـــئون الداخلية في االعائلة وخصوصا تلك المتعلقة بالأراضي المخصصة لأفرادها و بيع العقارات وغيرها من الممتلكات علاوة على معالجة ما قد يبرز من إختلافات و قضايا و نزاعات. وبغض النظر عن مكانتهم فإن من غير المسـموح لأي فرد من أفراد الأسرة الحاكمة إحالة هذه القضايا على المحاكم الإعتيادية رغم إن أغلب المناصب العليا في الجهاز القضائي يكترها أبناء الغائلة نفســها. /ن جهة أخرى من أفراد الأسرة الحاكمة ممنوعون كذلك من الدخول في عمليات بيع كبرى وخصوصا للعقارات بدون موافقة مسبقة من قبل المجلس.
بالإسـتناد إلى ما ســبق يمكن القول إن استقرار النظام و فاعليته يعتمدان على تعبئة ما يطلق عليه ستينجكومب (1968) " المخزون الإحتياطي لمصادر القوة". و سـواءٌ أكانت العائلة الحاكمة تقوم بتعبئة المكونات الداخلية أو الخارجية من هذا المخزون الإحتياطي , فلقد عن طريق إسـتخدامها الفعال لهذه المكونات من إخضاع المجتمع و تطبيق محكم لإســتراتيجيات ثلاث هي إسـتراتيجيات الإختراق والتشـطير والتهـميش. و بها أصبح من الواجب أن يحظى أي نشاط ذي قيمة في المجـتمع على رضا النظام. وبهذا المعنى يمكن القول إن نظام آل خليفة ينتمي الى من يمكن تصنيفه على, رأي توماس مان (1986: 114) بنظام "النخبة الحاكمة فوق الدولة" . فعن طريق إسـتخدام مزيج من المصادر الخارجية والداخلية يستطيع النظام الخليفي , و في وقت واحد, أن يمارس "السـلطات الإستبدادية" لدولة ما قبل الحداثة و سـلطات البنى التحتية للدولة الحديثة، حسب تعابير توماس مان. يمكن ملاحظة السلطة الاستبدادية لنخبة الدولة في عدد واسـع من الإجراءات التي تتخذها دون الدخول المقنن و المنـتظم ضمن إطار مؤسـسـاتي في مفاوضات و مساومات مع مجموعات أخرى في المجتمع. كما يمكن ملاحظة سلطة البنية التحتية في القدرة الفعلية للدولة على اختراق المجتمع المدني و فرض التنفيذ الفعلي للقرارات السياسية في عموم البلاد. ( المصدر السابق ص 113).
إن الاعتماد على عوائد النفط وغيرها من المداخيل ه الذي تتراكم مما تحصل عليه الدولة من الدول الخارخية الراعية لها أعطى للبحرين صفاة الدولة الريعية. إن الضخامة النسبية لهذه المداخيل في البحرين , منا في غيرها من دول الخليج , جعلت لنظام في غير حاجة إلى استيفاء الضرائب المباشـرة من المواطنين . كما مكنت عوائد النفط وغيرها من المداخيل النظام من إعاة توزيع بعض هذه المداخيل عن طريق التوظيف في أجهزة الدولة و عن طريق الخدمات الاجتماعية ( أيوبي 1995: 228). يعرض نزيه الأيوبي (1995 :224) نتائج سياسية أخرى تتولد جراء نمو الدولة الريعية . إذ تصبح أجهزة الدولة بمثابة القاطرة الرئيســـية المحركة سـواء ً لجهة تســهيل الدوران الإقتصادي في البلاد أو لجهة وتخصيص الموارد اللازمة لتغطية إحتياجات مختلف القطاعات الاقتصادية والمجموعات الاجتماعية . ويقترح الأيوبي عدداً من الإستنتاجات الهامة بالنسبة لدول الخليج ( ص 228 ) نلخصها فيما يلي:
أ) حيث أن الريع يؤخذ يعتمد على السوق الخارجية فإن الدولة تصبح وسيطاً بين النظام الرأسمالي العالمي و بين الاقتصاد والمجتمع المحلي .
ب) تصبح الفعاليات الاقتصادية شديدة الإنشـغال بمحاولاتها الهادفة للوصول الى دورة الريع بدلاً من الإهتمام بإقامة قاعدة إنتاجية فعالة.
ج) تشجع الدولة بروز مسـتويات معينة من إتكالية المواطنين عليها , أي الدولة , وعلى ما توفره من تسـهيلات و خدمات إجتماعية. . وضمن علاقة الاتكاليـة هذه يصبح المواطن "غير ميالاً إلى أن يمارس و بشـكل مسـتقل أي فعالية سـياسـية أو إفتصادية , ناهيك عن توجيه التقد الجدي للدولة".
د) يوفر إسـتقلالها المالي للدولة "درجة عالية من الإستقلالية النسبية عن المصالح المحددة لمختلف طبقات المجتمع" . ونتيجة لذلك تستطيع النخبة الحاكمة بمرونة نسبية تغيير السياسات العامة. بل و التراجع عنها و عكسها , كما تسـتطيع إنتقاء الحلفاء, بل تغيير ولاءاتها السياسية و تعهداتها.
هـ) عن طريق هذه الدرجة العالية من الإستقلالية النسبية التي تتمتع بها الدولة فإنها قد تكون قادرة في بعض الحالات من خلق فئات و طبقات إجتماعية جديدة , وكذلك تدمير أو إعادة تشــكيل فئات و طبقات قائمة.
ان أحد النتائج المباشرة لسيطرة العائلة الخليفية على الريع وقنوات تدويره هو تحويل الولاء للنظام على أن يكون شـــرطاً مقبولاً من الإشتراطات الاجتماعية الســائدة . ويتم تأمين هذا الولاء للنظام من قبل قوى متفرقة ومتنافسة في المجتمع عن طريق نظام معقد يسـتند إلى التشـطير الإجتماعي كما يعتمد على هرم من الوسطاء من وجهاء البلاد. يقف الأمير على قمة الهرم التشطيري للسـادة الوجهاء بإعتباره السيد المطلق. وكما ذكرنا سابقا فهو يدين بمركزه إلى موروث السـياسة البريطانية إبان خضوع البلاد لسـيطرتها . و لقد تضمنت هذه السـياسة تخصيص ثلث عائدات النفط إلى حاكم البحرين و عائلته. من جهته لعب نظام السجل العقاري لعام 1920 , وهو أحد الإصلاحات اتي أدخلها البريطانيون , دوراً هاماً في هذا الجانب. فحسـب ذلك النظام تم تحويل جميع الأراضي غير المملوكة و غير المسجلة الى "أراض أمـيرية" , كما تم تحويل بعض الأراضي غير المملوكة إلى وقف لمجلس العائلة الحاكمة. أدت عوائد النفط والإيجارات والعقارات و الإستثمارات الأخرى إلى توفير أموال تغطي الإلتزامات المالية المترتبة على تخصـيص مخصصات شهرية لكل فرد من بين 2500-3000 فرداً ينتمون للعائلة الخليفية .
يمارس الأمير دوراً مزدوجاً , من جهة يقف كشـيخ قبيلة على قمة هرم قبلي و من جهة أخرى يقف كرئيس على قمة نظام سـياسي في دولة حديثة. بممارسـته المتزامنة لهذين الدورين , بالإضافة إلى عضوية بؤرة الحكم , فإن الأمير يتمتع بسلطة كبيرة للتصرف بالثلثين الباقيين من عوائد النفط , علاوة على ما يتوفـر من الموارد العامة الأخرى. تتمتع بؤرة الحكم بسلطة مطلقة تمكنها من تدعيم نفوذ السادة الوسطاء أو إضعاف ذلك النفوذ. وتتمكن بؤرة الحكم عن طريق إسـتخداما للموارد المتاحة لها من توزيع الهبات والمكرمات في هيئة وظائف أو تسهيلات مالية أو هبات عقارية. وتعمد وسائل الإعلام الرسـمية ، منذ حل المجـلس الوطني، إلى تصــوير أي مشروع جديد سواء أكان ذلك مشروعاً كبـيراً للبنية التحتية أو مجرد زيارة مدرسة بأنه مكرمة أميرية. وشملت قائمة ما يســميه الإعلام الرسـمي بالمكرمات الأميرية في الآونة الأخيرة إطلاق سـراح عدد من المعتقلين السياسيين. وإذ يتطلب الأمر تدخل وسيط من الوسـطاء الوجهاء في بعض هذه المكرمات فإن هناك أصناف أخرى من المكرمات لا تتطلب هذا التدخل. وسواء تم ذلك من خلال الوسطاء أو بدونهم فإن بؤرة الحكم تمكنت من تحويل تقديم المكرمات أو الحرمان من المكرمات إلى فن من الفنون , ناهيك عن تحويل المكرمات إلى أداة فعالة من أدوات الحكم.
ترتب على الاستراتيجيات التي تبناها النظام إعاقة قيام هيئات جماعية تســتطيع الإسـتناد إلى تاريخها او مكوناتها لدعم مطالبتها بحصة في النظام. في حدها الأقصى يمكننا أن نتصور هذه المطالبات في المطالبة بالمشاركة في السلطة السياسية مع بؤرة الحكم . و في حدها الأدنى فقد لا يزيد عن مطالبتها بؤرة الحكم بأن تشـملها برعايتها و مكرماتها. من المهم ملاحظة إفتقاد الوسطاء في البحرين الى الثقل السياسي والعددي الذي توصف به شريحة الوسطاء في البحوث والدراسات المتعلقة بالمجتمع العربي المعاصر (أنظر على سبيل المثال : أيوبي 1995:176 –177).
تتواتر الإشـارات التي تؤكد الإقتناع بأن النظام يفضل التعامل مع المجتمع من خلال وسطاء مختارين ولكن على بشـكل مؤقت. وكنتيجة لذلك فإن الوسطاء الوجهاء متفرقون ويفتقدون الى التماسك و التجانس في نظرتهم ومطالبهم وتطلعاتهم الثقافية والسياسية. لا يترتب على التكليف بمهمة الوسيط أي منصب او مكانة او دور. إلا إن هذا التكليف يوحي بححصول الوجيه الي تم إصطفائه على ترخيص بالقيام بدور سياسي غير محدد المعالم وبصلاحيات محدودة و خلال فترة زمنية محدودة وضمن حيز جغرافي – إجتماعي محدود أيضاً. و تتقرر هذه الحدود جميعها حسـب تصورات بؤرة الحكم لإحتياجاتها الظرفية و إحتمالات قيام الوسـيط المختار بالمسـاهمة في تلبية هذه الإحتياجات . يمكن أن يكون الوسيط فردا أو مجموعة, ما يمكن أن يكون عصرياً – حداثياً أو محافظاً – تقليدياً . بل و يمكن ملاحطة إنه وفي بعض الحالات يقوم أفراد من الأسرة الحاكمة نفسـها بأدوار الوسـاطة. في الإجمال, إذن, يمكن القول إن مفتاح الدخول إلى فئة الوسطاء هو في أيدي بؤرة الحكم فهي التي تتحكم في معايير إنتقاء من ترتضيهم وجهاءً ملائمين لهذا الظرف أو ذاك , لهذه الفئة الإجتماعية أو تلك .و بهذا فقد تتشـكل شـريحة الوجهاء المقبولين , في لحظة ما, من خليط غير متناســق يضم وجهاءً و تجاراً وكبار عشيائر و عائلات إو أفراداً لا عزوة تقليية لهم ســوى إنتمائها إلى شبكة من شـبكات أصحاب الكفاءات أو تصدرهم مجالس إدارة أندية إجتماعية وغيرها. إلا إن ثمة قاسـمين مشـتركين بين كل إفراد هذا الخليط المتنافر من الوسطاء, أولهما هو إعترافهم المعلن بقبول الخضوع للنظام و ثانيهما هو قبولهم بأن أياً منهم, وحتى لو حافظ على دوره الوسيط لففترة طويلة , فلن يسـعى لتوسـيع إطار ممارسة وســاطته, كأن يسـعى مثلاً لتمثيل مواطنين خارج إطار الحيز الجغرافي – الإجتماعي المخصص له للتوسط من أجله. من جهة ثانية عمدت نواة الحكم باستمرار وبحزم الى منع تحويل أي من هؤلاء الوسطاء لدوره و موقعه إلى ترتيب دائم ورسمي. كما أنها إتخذت كل ما يلزم من إجراءات إسـتباقية و حازمة لإحباط كل محاولة للتعاون بين الوسطاء عبر الحدود الأفقية التي تفصلهم.
كان الوسطاء ولا يزالون احد المكونات الرئيسية في نظام الحكم الخليفي. فهؤاء الوسـطاء يشـكلون جزءً اساسياً من المخزون الإحتياطي المحلي لمصادر السلطة. و بهذه الصفة يتم إسـتبقائهم في حظيرة النظام بحيث يكونون على أهبة الاستعداد متى ما شعرت بؤرة الحكم بالحاجة الى دعمهم للتغلب على أمر من الأمور بما في ذلك تحرك أطراف معارضة للنظام أو لإحباط نموهذه المعارضة. وفي ذات الوقت يتم إعادة تذكير الوسـطاء من حين إلى آخر بأن فإن من المحرمات عليهم , مهما علا فدرهم , محاولة السـعي لتشكيل مركز قوة. كما يتم تحذيرهم من حين لآخر من مغبة إقامة تحالفات لا ترتضيها بؤرة الحكم أو تقديم مطالب جماعية اليها. و بالمقابل يجري تشـجيعهم على التدخل لصالح الأفراد الذين يمكن إعتبارهم , ضمن ظروف التشطير المجتمعي , بمثابة تابعين لهم ( انظر ايوبي 1995: 183 لمزيد من التفاصيل حول هذه الاطروحة). من ناحيتهم لا ُيشـجَع الأفراد من عامة المواطنين على الإعتماد على وسيط واحد بل يتم تشجيعهم على توسيط وسطاء مختلفين لقضاء حاجاتهم الممختلفة و تســهيل إنجاز قضاياهم. و يلعب هذا دوراً ســياسـياً أكبر من نظام التدوير المعتاد الذي يعتمده النظام لإسـتبدال وسـطائه.
أكدت الخبرات التاريخية مدى أهمية الفوائد المترتبة عن المحافظة على نظام التشطير العمودي للمجتمع كأسـاس من أسس التنظيم الإجتماعي كما أكدت الخبرات مدى فاعلية ذلك التشــطير كأداة فعالة من أدوات الحكم. وكما رأينا خلال سنوات الطفرة النفطية فقد استخدم النظام بفعالية كبيرة الموارد التي وضعتها الطفرة تحت تصرفه لخلق وسطاء جدد ودفع القدماء منهم للتقاعد وإحياء آخرين كان من المظنون إنتهاء أدوارهم الســياسية في خدمة النظام . كما أشـرت ســابقاً يتم إنتقاء أعضاء فئة الوسطاء عموديا من بين المجموعات القبلية والدينية والطائفية وكذلك استنادا الى الثروة والقرابة ومحل السكن . حيث أن هؤلاء الوسطاء , رغم تنافسـهم , يعترفون بدورهم السـياسي كمصدر احتياط محلي لشرعية السلطة فإنهم ينشـطون بحماس في دعم سياسات النظام في تشطير المجتمع و إدامة ذلك التـشطير. يمكن دائما استبدال وسيط بوسيط وأحيانا يمكن الاستغناء عن هذا الوسيط الفرد أو ذاك , إلا إنهم كمؤسسة يضعون بعض القيود على ممارسـة بؤرة الحكم لسلطاتها. وهم يقومون بذلك التقييد ليس استنادا على قوتهم ولكن على حد تعبير سـتينجكومب لأن ممارسة السلطة , مهما كانت مطلقة , فإنها تبقى في حاجة إلى الاسـناد الذي تقدمه قواعدها لها. و لا يحتاج النظام إلى إخفاء حاجته إلى قواعده, بل على العكس. إذ إن الظهور بمظهر المدعوم من قبل مصادر قوة محلية يعتد بها، يخدم النظام من خلال تشجيعه لمصادر القوة الخارجية والداخلية الأخرى لتقديم دعمهم ومساندتهم له.
وبالرغم من القيمة المعترف بها للوسطاء كمصدر من مصادر السلطة و أسس شرعيتها فإن تأثيرهم يبقى محدوداً على كيفية ممارسـة بؤرة الحكم لسلطاتها. فلقد وفر جهاز الامن الداخلي القوي للنظام ضمانات أكبر و أكثر مباشرة. كما أن التطورات الأخيرة منذ 1992 قد كشفت أن النظام سيظل يحافظ على هامشية الوسطاء وسيظل يعتمد بقوة على المصادر الخارجية. و يجب في هذا الصدد الإشـارة إلى العلاقات الخاصة بين النظام و بريطانيا منذ 1869 كانت مصدراً حاسماً لشرعيته . وقد تكون دوافع بريطانيا في ذلك الوقت لدعمها المطلق لآل خليفة هو تخوفها من النتائج الجغرافية السياسية للمطامع الوهابية، والمطالب الايرانية وكجزء من اجراءات أوسع نطاقا لاحتواء حركة التحرر العربية لاحقا. لذا فقد صدت بريطانيا الأخطار الخارجية طوال المئة سـنة الأخيرة لوجودها في الخليج, كما ساعدت النظام في قمع المعارضة الداخلية. وعلى امتداد ذلك القرن وخصوصا منذ اكتشاف النفط، وظلت القوة البريطانية وخصوصا العسكرية منها جاهزة لانقاذ آل خليفة من هجمات خصومهم سواء أكانوا قبليين أو دينيين أو قوميين.
ظلت المخاطر الخارجية المهددة للشـرعية تطغى على المخاطر المحلية حتى بعد أن حصلت البحرين على اسـتقلالها وأنهت العلاقات الخاصة مع بريطانيا في 1971. بعدها تم إسـتبدال الدور البريطاني بدور أميركي حيث يوجد مقر قيادة الأسطول الخامس في البحرين (15). كما أضيف في وفت لاحق مصدر قوة احتياطي خارجي لشرعية السلطة هو الأنظمة الشقيقة في مجلس التعاون الخليجي.
تمكنت بؤرة الحكم إسـتناداً إلى تماسكها النسبي علاوة على توا فر مصادر القوة الداخلية والخارجية من المحافظة على نظام التشطير العمودي للمجتمع وكذلك من المحافظة على نظام الحكم و تعزيز قدر ة بؤرة الحكم على الاحتفاظ باحتكارها للسلطة السياسية والاقتصادية وحماية دورها المتعدد كمشرّع ومنفذ للقانون وكطرف في الصراع الســياسي و التجاذب الإجتماعي و حكماً , في الوقت نفسـه , في هذه الصراعات و التجاذبات.
بناء الوطن: عملية غير منجزة ـ 1
شــكّل قيام هيئة الاتحاد الوطني أقدم تحدٍ جدي للسياسةالمعتمدة على تكريس التفرقة الأثنية في البحرين. وقد تم تشكيل هيئة الاتحاد الوطني عام 1954 بعد سلسلة من الاضطرابات الطائفية والتي ترتب عليها خسائر في الجانبين الشيعي والسني . و قام بالتشـكيل قبل شباب وطنيون تحركوا لمواجهة شرور الوضع الراهن آنذاك . رأى هؤلاء أن الطائفية هي العقبة الرئيسية في النضال من أجل حياة أفضل. وكما هو حال نظرائهم في البلاد العربية الأخرى فقد اعتبر الوطنيون البحرينيون وحدة جميع البحرينيين شرطاً مسبقاً لتحررهم وخطوة نحو تحرير الأمة العربية. يستند مشروع التنوير ـ هذا حسب تعبير خوري (1980) ـ على تعبئة القوى الوطنية بغرض تحدي و مواجهة تحالف القوى المدافعة عن الوضع القائم. وقد وجهت هذه القوى هجومها على مجموعة واسعة من القوى المدافعة عن إســتمرار السياسة الطائفية و بقاء الدور الاستعماري والنظام القبلي. استخدمت هيئة الاتحاد الوطني الصحافة مختلف الشبكات الاجتماعية من أجل تعبئة الجمهور حول برنامج سياسي وطني. حددت الهيئة مطالبها في بيانها الأول. و تضمنت هذه المطالب تشــكيل مجلس تشريعي منتخب و إصدار قوانين جنائية ومدنية حديثة، وإصلاح القضاء تشـكيل محكمة دستورية، والســماح بتأسيس الاتحادات العمالية والجمعيات المهنية . (للرجوع الى النص الكامل انظر الباكر 1960) . إضافة الى ذلك فقد كانت جهود التعبئة الســياسية التي قامت بها الهيئة حول الوحدة الوطنية ضد الاستعمار وحلفائه الرجعيين المحليين كانت منسـجمة مع روح العصر الســئدة في المنطقة العربية برمتها في ذلك الوقت. وكانت التعبئة التي اتبعتها الهيئة تتم في أجواء التفاؤل الثوري الذي لف المنطقة العربية بأسرها من المغرب الى عمان. يؤكد التفاؤل الثوري حينها ما كانت الأخبار تتناقله من نجاحات ضد الهيمنة الاستعمارية في البلدان العربية بما في ذلك مصر والتي كانت اذاعاتها تبث الرسائل الثورية دون توقف. وتحولت هيئة الاتحاد الوطني بعد بضعة أشهر من تشكيلها الى ما يبدو انها قوة يعتد بها وقادرة على تحدي الانجليز والأسرة الحاكمة وحلفائها المحليين في أوساط الطائفتين.
وبالرغم من الوجود الرمزي لرجل دين شـيعي في اللجنة التنفيذية فقد فشلت هيئة الاتحاد الوطني في اسـتقطاب رجال الدين في أوسـاط الطائفتين. ومن ناحية اخرى فقد نجحت الهيئة في تحدي السيطرة التامة لرجال الدين الشيعة والسنة على المساجد والأماكن الدينية الاخرى حيث أقامت اجتماعاتها السياسية وقد عكست هذه الاجتماعات روح العصر بطابعها و مضمونها و حضورها غيرالطائفي.
يعود رفض كل من رجال الدين الشيعة والسنة للمشاركة في المواجهات السياسية ضد النظام أسـاساً الى خاصية محددة في السياسة المحلية. حسب ما يطرحه ادكتور فؤاد خوري فإن القبلية كشكل للتنظيم الاجتماعي والتدين كقوة سياسية يدعمان بعضهما البعض في البحرين (ص24). ومن أجل شق الاجماع الوطني فقد عمد النظام الى تشجيع بعض وجهاء الشيعة وتجارهم وقادتهم الدينيين الى تشكيل منظمة شيعية خالصة هي هيئة الإتفاق الوطني في عام 1955 و لها فرعان الأول للشيعة العرب والثاني للشيعة الايرانيين. قاطع المواطنون بأوامر من هيئة الاتحاد الوطني المراكز الدينية التي يشرف عليها قادة المنظمة الانشقاقية. وحتى بعد مرور أربعة عقود على تلك الأحداث فلا تزال تلك المراكز توصف بأنها "أوكار الخيانة" وتتعرض للمقاطعة.
ظل نزع الاثنية من سياسة التجاذب هدفا أساسيا لمشروع التنوير كما تصورته هيئة الاتحاد الوطني في منتصف الخمسينيات ويبقى ذلك واحداً من أهم تركة الهيئة. تشمل استراتيجية هيئة الاتحاد الوطني لنـزع الاثنية، التشهير بالطائفية كظاهرة تخلف وتحلل معنوي، وأداة تفرقة بيد الاستعماريين الانجليز وحلفائهم المحليين كما تتضمن الاستراتيجية تقديم السياسة الوطنية العلمانية كمشروع حي لإقامة شرعية استنادا الى ربطه بتيارات التحديث والتفاؤل الثوري الذي اجتاح المنطقة العربية حينها. وفيما لم يحظ مشروع نزع الاثنية بدعم قوى اجتماعية قوية بحيث تكون قادرة على انفاذه فإن له أهمية تاريخية. ذلك أنه بالرغم من نفوذ هذا المشروع المتزايد فإن القوى الناهضة المؤيدة للمشروع التنويري هي الفئات الدنيا بينما جاءت مقاومة نزع الاثنية من مختلف القوى المستفيدة من الوضع القائم. يمثل هؤلاء مساوئ الوضع القائم وأعداء الشعب والحكم القبلي والامتيازات الاقطاعية ورجال الدين ذوي الأطماع. جاءت المقاومة العنيفة من الأسرة الحاكمة والوجهاء ورجال الدين من الطائفتين. وعلى امتداد العقود الخمسة الماضية فإن المؤيدين للتوجه السياسي المعادي للطائفية، ظلوا عرضة للاتهامات الواسعة التي تبدأ باتهامهم بأنهم ملاحدة لا يقيمون وزنا لقيم المجتمع وتقاليده وانتهاء بكونهم عملاء لقوى خارجية. رغم ذلك بقيت المعارضة البحرينية تردد منذ 1954 كليشيهات سادت الخطاب الوطني والعلماني. احتضنت المعارضة معظم الاتجاهات القومية واليسارية على امتداد العقود الثلاثة الماضية. استمرت هيئة الاتحاد الوطني كحركة سنتين فقط. قرر الانجليز إثر أعمال شغب لدعم مصر في دفاعها ضد العدوان الثلاثي عام 1956 ان يضعوا حدا لهيئة الاتحاد الوطني في البحرين. وأعلن الإنجليز عدم شرعية هيئة الاتحاد الوطني والمنظمات المتفرعة عنها وجرى اعتقال قادتها ومحاكمتهم والحكم عليهم بالسجن. وقد فر بعض القادة خارج البلاد فيما جرى نفي البعض الآخر. أكد الوجود العسكري البريطاني المكثف على امتداد البلاد خطورة الوضع حيث اختبر الناس لأول مرة أحكام الطوارئ والتي ستستمر طوال العقدين القادمين. و بالرغم من تاريخها القصير فقد تركت هيئة الاتحاد الوطني إرثا باقيا الى أيامنا هذه.
إن نجاح هيئة الاتحاد الوطني في تعبئة الجماهير قد أدخل تغييرين تنظيميين بارزين وأثبتا لاحقا أنهما شكلا تحديا لسلطة هيئة الاتحاد الوطني واستمرا بعد زوالها. جلبت التطورات السياسية خلال 53-1956 ابداعين تاريخيين مهمين هو تشكيل اتحاد العمل العام والثاني هو بروز جناح راديكالي داخل الحركة التي تقودها هيئة الاتحاد الوطني.
جاء الانضمام الى عضوية اتحاد العمل العام كاسحا معبرا عن المزاج العام السائد حينها. وقد ذكر عبد الرحمن الباكر ( 1956 : 478-8) الذي عمل كسكرتير عام لهيئة الاتحاد الوطني بأن عضويته بلغت 14 ألف عامل بحريني خلال الثلاثة أشهر الأولى. و يمثل ذلك عملا فذا بكل المقاييس "جرى اختبار قوة الاتحاد خلال الانتخابات لاختيار ممثلي العمال في اللجنة المناط بها وضع قانون العمل حيث فاز مرشحو هيئة الاتحاد الوطني / اتحاد العمل العام ، فيما حصل خصومهم المدعومون من قبل الحكومة على 600 صوت فقط من بين 18 ألف صوت مشارك" ( الباكر 1960). قد يكون قادة اتحاد العمل العام قد رأوا في النقابية العمالية وسيلة أخرى للتعبئة الوطنية واللاطائفية. لكن بذور النضالية العمالية اللاطائفية والتي تم زرعها كما هي تستثمر بحيث اصبحت احد معالم سياسة التجاذب خلال العقود القادمة. نجحت هيئة الاتحاد الوطني في اقامة مشاريع بمشاركة أناس من الطائفتين. فقد عمدت هيئة الاتحاد الوطني اثر اضراب سائقي التاكسي الى تشكيل صندوق التعويضات التعاوني كهيئة تأمين تعاونية لسواق التاكسي والباصات. وقد أسهم الصندوق في كسر احتكار شركات التأمين البريطانية. وظل الصندوق حتى حله قبل ثلاث سنوات كجزء من برنامج قدمه البنك الدولي لإعادة الهيكلة، إحدى شركات التأمين المهمة في البلاد.
هناك تطور آخر مهم وهو بروز اتجاه راديكالي منبثق من هيئة الاتحاد الوطني و هذا الاتجاه عبارة عن خلايا سرية من النشطاء الراديكاليين يعملون ضمن هيئة الاتحاد الوطني والذين اعتبروا تكتيكات الهيئة مدجنة وليست ثورية في أهدافها بما فيه الكفاية. إن بروز جناح راديكالي داخل هيئة الاتحاد الوطني يفسر سرعة إقامة اتحاد العمل العام (الفلكي 1955)(16) كما يمكن ان يكون ذلك بتأثير الثوريين العراقيين والإيرانيين الذين لجأوا الى البحرين في الخمسينيات. تمتلك معظم هذه الكوادر خبرات واسعة في العمل السري في بيئة سياسية وثقافية أكثر تعقيدا بكثير من البيئة السائدة في البحرين حينها. كان هؤلاء من الكوادر السياسية المتمرسين بالنضال السري في ظروف أكثر قساوة من تلك السائدة حينها في البحرين. وبمساعدة محسوسة من قبل هؤلاء اللاجئين فقد شكلت مجموعة ممن سيصبحون شيوعيين وقوميين عرب، خلاياهم الأولى في ظل هيئة الاتحاد الوطني. سوف تتبنى هذه التنظيمات خلال العقدين القادمين ليس البرنامج التنويري فقط ولكن ستمضي قدما الى الأمام، وفيما ستعاني هذه التنظيمات الراديكالية من العديد من المعوقات بسبب الاضطرار للعمل السري فإنها ستتمتع بإيجابيات أخرى. لقد كانوا متحررين من العبء الثقيل الناجم عن مراعاة هيئة الاتحاد الوطني للاعتبارات الاثنية او الالتزام بالتوازن الاثني في تركيبتها القيادية.
وبالرغم من معاناتها للمعوقات نتيجة العمل السري فقد تمتعت المجموعات الراديكالية الناشئة ببعض الامتيازات. بادئ ذي بدء فقد كانت متحررة من اتباع نهج هيئة الاتحاد الوطني في مراعاة الاتكيت الاثني او بالأحرى التوازن الاثني في تركيبتها وقيادتها بكل صرامة(17) كما أنها استطاعت ان تبدأ من حيث انتهت الية هيئة الاتحاد الوطني من حيث الاجماع الوطني. في الواقع فإن مشروع التنوير الذي طرح في الخمسينيات قد دفع الى الأمام ليشمل قضايا أخرى أكثر راديكالية مما ارتآه مؤسسو هيئة الاتحاد الوطني. ومع مرور الوقت فقد مرت بتحولات تحت تأثير الرؤية الثورية لحركة التحرر العربية. اضافة الى ذلك فقد جنبت الشرطة السرية فقدان هذه المنظمات الكادر نتيجة القمع السياسي والبوليسي او بسبب الاستنزاف الاجتماعي.
يجري تجديد كوادر المنظمات السرية بشكل مستمر من خلال تجنيد الشباب البحرينيين المنخرطين في الجامعات في الخارج وخصوصا في البلدان العربية اضافة الى الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الاخرى منذ 1961. وظل المئات من الطلبة البحرينيين الشباب عرضة للافكار الجديدة والمناقشات السياسية التي سادت في المنطقة العربية حينها. اما بالنسبة لفروع الاتحاد الوطني لطلبة البحرين فقد قادها الشيوعيون والبعثيون والجبهة الشعبية او بتحالف من الاطراف الثلاثة. أضحى الاتحاد الوطني لطلبة البحرين امتداداً للتنظيمات السرية والتزم بالتالي بتوجهاتها في نهجها بعدم مراعاة الاتكيت الطائفي بوضوح. ولم تكن الصراعات والمجادلات بين داخل الاتحاد وفروعه مدفوعة بالمحافظة على التوازن الاثني. قد يفسر هذا بأنه بالرغم من تلاوين المنظمات السرية فقد فشلت في مد نشاطها الطلابي في أوساط طلاب الجامعات الدينية مثل الأزهر والنجف. وهكذا فإن طلبة المعاهد الدينية مثل من هم أكبر منهم تملصوا من جميع المحاولات لجرهم الى نشاطات لا طائفية ومعادية للاستعمار.
استمرت أعمال الشغب المتفرقة في البحرين طوال العقد التالي لكنه لم يجر تحدي الحظر على النشاط السياسي بشكل جدي حتى 1965. اندلعت حينها ما عرف بانتفاضة مارس اثر تسريح مئات العمال من قبل شركة النفط. تصدت الخلايا السرية لجبهة التحرير الوطني وحركة القوميين العرب لقيادة النضال ضد الحكم البريطاني ومن أجل نظام اجتماعي اكثر عدلاً (على 1980: 46-47، الشهابي 1996: 266 – 276)(18).
يظهر استمرار الانتفاضة وعنفها الهوة الواسعة بين مختلف قطاعات السكان الاساسية من ناحية والبريطانيين والأسرة الحاكمة من ناحية اخرى. اكدت قدرة المنظمات المعارضة السرية في شن عدد من الاضطرابات العمالية والطلابية من مارس حتى يونيو قدرات التعبئة العمالية وكذلك عمقت التذمر في البلاد والتمايزات الطبقية اضافة الى ذلك فقد اكدت قدرة المعارضة بشن عدد من الاضطرابات العمالية والطلابية على امتداد البلاد لتبنيها مطالب راديكالية وقومية.(19)
بعد ثلاثة اشهر من الاحتجاجات في البلاد، قمعت انتفاضة مارس 1965 لكنها لم تذهب هباء. كتب نخلة 1976 ما يلي:
"اضطر العمال الى الرجوع الى أعمالهم وجرى اعتقال قادة الاضراب والمعارضة حيث سجن البعض ونفي البعض الآخر دون توجيه اتهامات او محاكمة. وبالرغم من فرض حالة الطوارئ على البلاد مرة اخرى فقد استجابت الحكومة الى بعض هذه المطالب وإن بحذر شديد. صدر قانون الصحافة ومنحت اول صحيفة عربية "الأضواء" ترخيصا بالصدور."
استمرت الحركة العمالية وخصوصا الاضرابات والتي وصلت قمتها في 1968 حيث تأثر معظم المؤسسات الكبيرة والمتوسطة لكن الاعلان عن رحيل بريطانيا المرتقب عن المنطقة في 1968 ساهم في تدعيم الهدوء لبعض الوقت. وبالرغم من عدم حدوث أحداث دراماتيكية خلال السنوات الثلاث الفاصلة ما بين الاعلان البريطاني بالانسحاب من شرق السويس وإنهاء العلاقات الخاصة بين بريطانيا والبحرين فقد كانت حافلة.
سرع النظام خلال الفترة 1968-1971 من وتيرة تحديث الجهاز الاداري لمواجهة المهام المترتبة عليه في الدولة المنتظرة. ومن أهم هذه الجهود تشكيل قوة دفاع البحرين وتبين لاحقا انه سيناط بهذه القوة مهام عديدة إلى جانب النهوض بمهمة الدفاع فإلى جانب مساندتها للشرطة في الحفاظ على النظام والقانون، فإن قوة دفاع البحرين تحافظ على توازن القوى داخل الاسرة الحاكمة. كما أنها تتيح للنظام هامشاً اضافياً لمكافأة الحلفاء المخلصين من خلال التوظيف والمكانة وقد استفاد الوسطاء من كلا الطائفتين من هذه الفرص الجديدة(20).
شملت الاستعدادات للانسحاب البريطاني ايجاد حل لادعاءات ايران بالبحرين. أضحت الأسرة الحاكمة خلال هذه الفترة الحرجة مهتمة بالمحافظة على الطبيعة الوطنية المتماسكة لشعب البحرين والتعلم من الماضي من أجل بناء المستقبل بما يتجاوز الانقسامات الطائفية. قدمت النخبة الحاكمة تعهدات ووعود مختلفة الى ممثلي مختلف المجموعات والمصالح؛ ومن أجل تشجيعهم لمواجهة الادعاءات الايرانية فقد قدمت تعهدات سخية ومتناقضة الى مختلف المجموعات بدءا برجال الدين والوجهاء والمحافظين من السنة والشيعة وانتهاء بالمثقفين البارزين والمعروفين بتحمسهم للمشروع التنويري بمن فيهم قيادات هيئة الاتحاد الوطني السابقين.
جرت تطورات موازية تؤكد الخط التوفيقي لسياسة التجاذب في البحرين فقد شجعت بريطانيا محميات الخليج بمن فيها البحرين لاقامة اتحاد فيدرالي لكن المفاوضات فشلت بسبب اصرار وفد البحرين للتوصل الى اتفاقية تشترط ان تعكس مؤسسات الاتحاد الارادة الشعبية. اقترحت البحرين نظام التمثيل النسبي كأفضل آلية لايصال صوت الشعب الى المشيخات الاتحادية . كذلك أصرت البحرين أن يتم التوصل الى التمثيل النسبي من خلال انتخابات مباشرة(21) وبعد فشلها في إقناع شركائها المتوقعين بهذه المبادئ أو بنواياها المحلية بقيت البحرين خارج خطة الاتحاد الخليجي.
تجلى، ولفترة قصيرة في تاريخ البحرين المعاصر، الاجماع الوطني فلأول مرة ومنذ 1783 يبرز أساس معقول لمثل هذه الاجماع بين النظام وحلفائه من ناحية ومعظم المعارضين من ناحية أخرى. أظهر الرفض الشعبي للادعاءات الايرانية وطرح الدور الشعبي في الخطط الاتحادية امتنانا لدور الشعب كرصيد سياسي للنظام وكان المطلوب في الحالتين مستوى يعتد به من الاجماع الشعبي.
اما خلف الاضواء فقد كان النظام يسير على خطين استراتيجيين متوازيين. تستند الاستراتيجية الاولى على الإبقاء على الوضع القائم فيما يجري ادخال اصلاحات بدون تهديد الامتيازات للمستفيدين التقليديين، وتستند الاستراتيجية الثانية على بناء الدولة والامة استنادا على المشروع التنويري من خلال ادخال تغييرات سياسية واقتصادية جدية. تعكس هاتان الاستراتيجيتان المتناقضتان جزئيا حالة عدم الحسم للخلافات في اوساط الأسرة الحاكمة ذاتها ما بين الجناحين المحافظ والمعتدل قد يكون ذلك انعكاسا للتعهدات المتناقضة لمكونات المجتمع الذي جرت تعبئة لمواجهة الادعاءات الايرانية.
سمح لقيادات هيئة الاتحاد الوطني الذين كانوا يعيشون في المنفى منذ 1956 بالرجوع الى البلاد وجرى ارخاء القبضة البوليسية نسبيا فيما شهد الاقتصاد مرحلة من الازدهار بفضل الهبات القادمة من دول الخليج وخصوصا الكويت وأبو ظبي والقطاع العام من توفير فرص عمل وفرص للترقي.
عكست أرقام 1971 هذه الاستثمارات حيث ارتفع عدد مستخدمي الحكومي بنسبة 50 % مقارنة بعام 1965 مما جعل الحكومة أكبر مستخدم في البلاد. مكن ذلك النخبة الحاكمة من ادماج المزيد من الوسطاء معززة دورها كسيد أعلى وتوسيع قاعدتها الدائمة. شملت أجواء الكرم و الامتنان من قبل النظام منح الجنسية لأشخاص تتم تزكيتهم من قبل مجموعات المصالح القبلية والتجارية والدينية(22) . شُجع رجال الدين السنة والشيعة بتعزيز دورهم العام من خلال مشاركتهم في البرامج التلفزيونية والاذاعية بانتظام. بدأ الدينيون بلعب دور فعال في المؤسسات الشعبية القائمة وإقامة مؤسسات خاصة بهم أو تنشيط الخامل منها. ومن الامتيازات البارزة التي قدمها النظام الترخيص للدينيين الشيعة والسنة بإقامة مؤسسات خيرية خاصة بكل منهما. وستوفر هذه المؤسسات الخيرية خلال الخمس عشرة سنة القادمة لرجال الدين الشباب والراديكاليين منابر فعالة ومفيدة للوصول الى الجمهور الأوسع.
وبمثل ذلك من الأهمية اعطاء المؤسسة الدينية الشيعية امتيازات اضافية وشملت حظر المنظمات النسائية في الريف(23). جرى كذلك اعطاء ترخيص للجناح الديني الشيعي الموالي للنظام امتياز مجلة أسبوعية "المواقف"(24) فيما جرى رفض طلبات متكررة لمجموعات أخرى.
التجربة الدستورية
أعلن استقلال البحرين في 15 اغسطس (آب) 1971 وبدا المستقبل واعداً. وفي ضوء التصريحات الرسمية وبعض الوعود غير المعلنة فقد كان أمل البحرينيين في ظل الاستقلال أنه سيجري الارتفاع بمشروع بناء الوطن من ساحة التنافس الى أن يصبح قضية الدولة. قوبل اعلان الاستقلال بترحاب عام ـ باستثناء احتجاجات المنظمات السرية ـ باعتباره بداية المشروع التنويري. كانت هناك مؤشرات عديدة بأن النظام مقبل على المصالحة مع خصومه التنويريين وخصوصا رؤيتهم للاندماج الوطني وبناء الدولة.
سمح لمن تبقى من قيادات هيئة الاتحاد الوطني في المنفى بالرجوع الى البلاد وجرى الترحيب بهم علنا من قبل الأمير وكبار أفراد الأسرة الحاكمة وبالرغم من أن البريطانيين هم من وضع النشيد الوطني وبقي العلم الذي صممه البريطانيون صامدا أمام التحول التاريخي للاستقلال فقد أدخلت رموز جديدة للدولة وسط احتفاء مناسب. الأهم من كل ذلك أن اسم البلاد اكتسب صفة دولة البحرين. اضافة الى ذلك فقد ارتقى البحرينيون بموجب الجوازات الجديدة من رعايا الى مواطنين.
"تصاعدت الآمال الشعبية الى قمتها بسبب النظام ذاته. لم يمض سوى أربعة أشهر على الاستقلال حتى قدم الحاكم الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة بمناسبة العيد الوطني وعوداً الى شعبه الذي يستحق قائداً منتصراً في النضال ضد الاستعمار من أجل التحرير". (نخلة 1976: 117)
و كما ذكر الحاكم :
" فيما يخص بالحاجة الماسة الى الدستور فقد أكد أن الدستور الحديث شرط مسبق للتنظيم السياسي للدولة. إن مثل هذا الدستور سيحمي وحدة المجتمع وتماسكه وسيضمن للمجتمع حقوق افراده في التعليم والعمل و الضمان الاجتماعي والصحة وحرية التعبير" كما أنه سيوفر للشعب المشاركة في إدارة شؤون بلادهم في إطار الشرعية والدستورية"
كانت البلاد على أعتاب تحول من تشكيلة الاثنية الى أمة. إن مثل هذه التحول يحمل مضمونا كما وصفه أنتوني سميث ( 1996 ) "بأنه تحريك عجلة العمليات والحركات". تشمل هذه حراك المجموعات الاثنية الهامشية من وضعهم الدوني وسلبيتهم باتجاه المشاركة النشطة والثابتة في مجتمع مسيس واعتراف دولي بالدولة والذي يمكن تعزيزه بتحول أفراد المجموعات الاثنية الى مواطنين شرعيين والانكباب على كل حق من الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية العامة والاندماج الاقتصادي لأبناء الوطن وكذلك باعادة تثقيفهم بيما يخص القيم الوطنية والخرافات والذكريات".
وبالرغم من أصوات المعارضة المتشككة فقد أكدت التصريحات الرسمية الرسالة التي وجهها الأمير في خطابه بتاريخ 16 ديسمبر (كانون أول ) 1971 . تعتبر الرسالة التزاما من الأسرة الحاكمة، بالتمدين وتحديث الحكم القبلي وبالتالي محاولة إقامة أساس شرعي للحكومة بدلا من النظام القبلي الاوتوقراطي للحكومة" ( نخلة 1976: 117).
لكنه سرعان ما سارت الأمور باتجاه آخر حيث بدأ النظام في المماطلة. وكما أكدت التطورات اللاحقة فقد كان النظام وحلفاؤه مؤمنين بأنه يمكن إنجاز الاندماج السياسي وبناء الدولة بدون المخاطرة باستئصال التضامنيات التقليدية ونظام الكفالة. فبالرغم من أن مثل هذه الآمال قد تكون محاولة للهروب من التاريخ، "فإنه يمكن النظر إليها كخيارات استراتيجية تستند على منطق أن الاندماج والبناء قد يستدعي عمليات مثل الوصاية والاحتواء والتحكم المؤسساتي والتحكم في اختبار الأعضاء الجدد وكذلك التسوية وكما ذكر (نزيه أيوبي 1995:183):
"يمكن وجود أنماط عديدة من العلاقات فيما بين مجموعات الدولة وهو ما يمكن تحقيقه بالتنازل عن العلاقات التقليدية (علاقات الدم أو المصاهرة) ولكن باستخدامها. إن قدرا محتملا من المجتمعية "التعددية التشطيرية" والزبونية والرعائية إضافة الى الشعبوية قد تسهم كأدوات للاندماج".
أحبطت التوقعات المفرطة في تفاؤلها نتيجة فشل النخبة الحاكمة بالوفاء بالتزاماتها سوى تقديم المزيد من الوعود الخطابية. لم يمض سوى تسـعة أشـهر على الاسـتقلال حتى غرقت البلاد في انتفاضة مارس أخرى. مثلت انتفــاضة مـارس 1972 تتويـجا لأعمال متفـرقة نظمها تحالف من المنظـمات السـرية والذين شـكلوا اللجنة التأسـيسية لاتحـاد عمال ومستخدمي وأصحاب المهن الحرة في البحرين ( ل. ت.ا .ع. م. ب.) وشملت مطالبها تعديل قوانين العمل وحرية التنظيم وادخال تشريعات حول التنظيمات النقابية واطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.
وبروح ما بعد الاستقلال فقد سعى النظام الى التفاوض. وعلى إثر انهيار المفاوضات عمدت اللجنة التأسيسية لعمال ومستخدمي البحرين الى تنظيم احتجاجات جماهيرية شملت مسيرات ومظاهرات، ولكن تحركاً حاسماً لقوات مكافحة الشغب وقوة دفاع البحرين وضع حداً للانتفاضة، وجرى اعتقال معظم قادة المعارضة البارزين (لمزيد من المعلومات انظر اللجنة التأسيسية 1973 وخوري 1980 وخالد 1983 ولوسن 1987 وموسى 1987).
خرج النظام من المواجهة منتصراً، ورغم ذلك فقد بدأ بتنفيذ بعض الوعود التصالحية السابقة. ومن الخطوات التي اتخذها هو التأكيد العلني لتسريع الخطوات اصدار اول دستور للبلاد مما يضمن حرية التنظيم. اتخذ النظام خلال أشهر بعض الخطوات لتنفيذ هذه التعهدات وغيرها. واذا تفحصنا بعض التفاصيل والسوابق فإنه يبدو أن النخبة الحاكمة مقتنعة انها تجاوزت جميع العقبات باتجاه مزيج من السلطة الاستبدادية لما قبل الاستقلال وسلطة البنية التحتية للدولة الحديثة.
ناقش المجلس التأسيسي المؤلف كلية من الرجال مشروع الدستور وأقره في النهاية. مثـّل دستور 1973 التسوية المطلوبة، ولبّى متطلبات الاستراتيجيتين المتوازيتين داخل النظام. هاتان الاستراتيجيتان هما استراتيجية تعبئة السلطة الاستبدادية للمحافظة على الوضع القائم مع بعض الاصلاحات والأخرى استراتيجية تعبئة سلطة البنية التحتية للنظام والتي تسعى لادخال مبادئ التنوير باستثناء بعض الاصلاحات. واذا أخذنا بعين الاعتبار الضمانات التي يقدمها فيما يخص بالحقوق الانسانية والمدنية فإن دستور 1973 يشكل وثيقة رائعة (انظر المواد 4- 29)(25). و في حين ان الدستور يضمن حقوق وحريات المواطنين فإنه يضع ضوابط على ممارسة هذه الحقوق حيث يربطها بنص "حسب ما يقرره القانون". إن هذه يفسر التعريف الرائع للمواطن الذكر والأنثى وبالتالي إعطائهما حقوقا متساوية ولكن "حسب ما يقرره القانون" يمنح النظام سلطة يعتد بها للتمييز مما حرم المرأة من المشاركة في التجربة الديموقراطية الوليدة. أعاد قانون اجراءات الانتخابات تعريف المواطن وحصره بالذكور البالغين من العمر أكبر من 21 عاما للناخبين وأكبر من 30 عاما للمرشحين. جرت احتجاجات عديدة بما فيها احتجاجات منظمات نسائية لخلخلة الاجماع المضاد للنساء.
أما فيما يتعلق بخيارات أعمدة النـظام ومنها الأسرة الحاكمة ذاتها فقد أفصحت عنها كما لاحظ خوري ( 1983 : 342 –3 ) بالفعل فإن اللاعبين الأكثر أهمية وهما الأسرة الحاكمة ورجال الدين الشيعة لم يشاركا في السياسة الانتخابية(26). و على حد استنتاج خوري فإن كليهما يعتبران سلطتهما فوق السياسة لذا فإن كليهما لم يرد ان يضع سلطتهما محل اختبار من خلال الانتخابات او حتى تأكيد هذه السلطة من خلال الانتخابات. وعلى أية حال فقد دعمت كل من الأسرة الحاكمة والمؤسسة الدينية مرشحيها. وحصل بعض هؤلاء المرشحين على دعم مشترك من الطرفين. وقد يكون السبب الاضافي لرفضهما لسياسة الانتخابات فهمهما لمغزى هذه السياسة. إن الخاسر الأكبر في عملية التحول من نظام اجتماعي منقسم اثنيا الى أمة مدنية هما الأسرة الحاكمة والمؤسسة الدينية فإلى جانب أنهما الأكثر استفادة من بين سائر الأطراف من استمرار الوضع القائم فإن شرعيتهما تستند جزئيا الى بقاء هذه النظام. لقد كان لكليهما أسباب جدية للقلق ففي أسوأ الأحوال فإنهما يريان في النظام الانتخابي جزءا أوليا في عملية تحول لدى أفراد المجموعات والاثنيات والنساء الخاضعات الى مواطنين شرعيين يتمسكون بالحقوق والالتزامات المدنية والاجتماعية والسياسية. إن هذا يفسر الرفض الحازم للاسرة الحاكمة و المؤسسة الدينية لادماج المرأة في عملية الدمقرطة المحدودة.(27)
شاركت مختلف القوى السياسية في الانتخابات اللاحقة للمجلس الوطني بمن فيهم الشيوعيون والدينيون وقد تنافست المجموعتان بشدة في بعض الدوائر وفيما تمتع الدينيون بميزة واضحة في استخدامهم لمجلتهم الاسبوعية فإن جميع المرشحين استخدموا بشكل واسع الأماكن الدينية والمناسبات الدينية، لكن الاثنية والتعصب الطائفي لم يكونا موضوعا مهما في الحملة الانتخابية. وفي الواقع فإنه بالرغم من الاتهامات بالإلحاد وإنكار الذات الالهية والتشويه فقد نجح المرشحون اليساريون والمستقلون في هزيمة المرشحين الدينيين في عدة دوائر انتخابية.(28)
اضافة الى ذلك فقد رسمت نتائج الانتخابات خطاً اجتماعياً آخر سيكون له مغزاه في السنوات القادمة. فقد فاز اليساريون في المناطق المدنية في حين فاز الدينيون الشيعة بالمناطق القروية. أما المستقلون والذين سيعرفون لاحقا بكتلة الوسط فقد فازوا بأصوات الناخبين في المناطق المدنية والريفية ملحقين الهزيمة باليساريين والدينيين.
مثل أعضاء المجلس الوطني لعام 1973 الثلاثون من الذكور مختلف الاتجاهات السياسية في أوساط من يحق لهم الانتخاب من الذكور في البلاد حينها(29). أكد الابتهاج الذي تلا اعلان نتائج الانتخابات بأنها مثلت انتصارا كبيرا للمعارضة السياسية البحرينية من مختلف الاتجاهات وكانت الكتلتان اليسارية والدينية مميزتان(30). وكان واضحاً منذ اليوم من حياتهما " كممثلين عن الشعب" أنه لا يمكن التوفيق بين الدينيين واليساريين. وقد عمد المستقلون الى الاستفادة لأقصى حد من الوضع من خلال التوافق مع النظام ومع زملائهم الدينيين واليساريين. وكان أعضاء هذه الكتلة يتبادلون تجيير الاصوات فيما بينهم ومع الحكومة ومع الكتلتين الدينية واليسارية. أما النتيجة فيبدو ان النظام سعيد بها. وبغض النظر عن الابتهاج الذي تلا الانتخابات فقد كان ميزان القوى الفعلي داخل البرلمان لصالح النظام ويعود ذلك جزئيا الى ما نص عليه الدستور كون جميع الوزراء الاربعة عشر اعضاء بالضرورة في البرلمان. وكان من الواضح انه لا يمكن اختراق هذه الكتلة المتماسكة، اضافة الى ذلك فقد وظفت الحكومة النـزاع الديني اليساري ورغبة اعضاء كتلة الوسط بتقديم انفسهم كوسطاء. كما بدا واضحاً ان هذه الترتيب يلائم استراتيجية النظام المزدوجة. كما بدا واضحا منذ اليوم الاول لحياة المجلس الوطني توازن القوى البرلمانية وكذلك استراتيجية الحكومة في تنافس الدينيين واليساريين على منصب سكرتير المجلس حيث صوت اربعة عشر وزيرا وستة دينيين وستة مستقلين لصالح المرشح الديني فيما حصل المرشح اليساري على باقي الأصوات الثمانية عشرة. وبالرغم من اطراء التجربة في بدايتها فإنني لا أصف التشكيلة بأنها نظام ديمقراطي. كان هناك غياب للعديد من عناصر الحكم الدستوري الهامة. كانت السلطة مركزة في يد الترويكا الحاكمة. أما القضاء فإنه خاضع لوزارة العدل في حين ظلت أعمال الحكومة بمثابة أسرار دولة. أضحى الموظفون والبيروقراطيون المتوسطون والذين كانوا منفتحين على من هم خارج سلك الحكومة أكثر تحفظا وتجنبا للاتصالات غير المرخص بها. أضحى واضحا أن الوزراء واعون لمخاطر المحاسبة حتى ولو كانت شكلية، ولو اقتصرت على بعض نشاطات وزاراتهم. ومع ذلك اتخذت مراجعة البرلمان والصحافة لهذه النشاطات منحى خطرا. لا شك ان ذلك كان مزعجاً خصوصا للوزراء من آل خليفة. وفي حين استمر الوزراء بالسلوك ذاته كونهم معنيين من قبل الحاكم وخاضعين لأخيه رئيس الوزراء فقد حاول البرلمانيون والصحافة محاسبتهم على قرارات سياسية لم يتخذوها. وفيما كان الجميع مدركا لمكمن القوة الحقيقية وان القرار الاخير هو بيد الترويكا الحاكمة، فلم يحاول أحد تجاوز الخط الأحمر بمن فيهم اعضاء البرلمان المنتخبين والذين كان بإمكانهم التصدي لمهامهم لإثبات جدارتهم بتمثيلهم لدوائرهم الانتخابية. وقد أكدت المناقشات خلال 1972 من حياة المجل التأسيسي والسنة الأولى من حياة المجلس الوطني وجود تفاهم مشترك حتى ولو لم يكن مكتوبا وهو وجود حدود لعملية المشاركة السياسية الجارية حينها. اما أطراف هذه التفاهم غير الرسمي، بالاضافة الى النخبة الحاكمة، فانهم يشملون المؤسسة الدينية الشيعية ووجهاء العائلات والمتقاعدين من نشطاء هيئة الاتحاد الوطني السابقين وبعد فترة وجيزة تبين للنواب اليساريين انه يتعين عليهم احترام هذه التفاهم المشترك. وكما حدث فإنه قدر لعملية المشاركة السياسية والحماس المحلي للديمقراطية بأن تتحول الى حماية "تعددية التفتيت" كأساس ثابت وقابل للحياة لبناء الدولة وتطوير الدولة.
نقل مؤلفو كتاب "انتهاكات روتينية ونفي روتيني" (هيومن رايتس ووج 1997: 23) على لسان احد المحامين الاصلاحيين قوله "مثل دستور 1973 تسوية وعقدا" فقد اعطى الشرعية لآل خليفة حيث أراد المحافظون أن يكون المجلس الوطني معيناً في حين أراد الليبراليون ان يكون جميع اعضائه منتخبين. اما النتيجة التي توصلا اليها فكانت تسوية مثالية في الحقيقة. لقد وضعت ضوابط على الامير في حين احتفظ بكثير من صلاحياته. كان ذلك مناسبا للخليط البحريني.
لكن الامور لم تسر كما أمـّل كثير من المشاركين في التجربة فمنذ اللحظة الاولى لانطلاق المجلس الوطني فقد كان واضحا ان الاعضاء اليساريين وتبعهم في ذلك آخرون غير حريصين على احترام التفاهم غير الرسمي حول سقف المناقشات المسموح بها وفيما واجهت مختلف الكتل بعضهم بعضا وتوصلت الى تسويات ودعمت بعضها بعضا في القضايا السياسية والقضايا الاجرائية فقد شعر الأعضاء بالحاجة الى تجاوز محدودية تفويضهم وتحدي الضوابط الاجرائية وغير الرسمية المفروضة على مؤسستهم. لكن ما هو اكثر اهمية من هذا كان عدد من العوامل من خارج البرلمان والتي اسهمت في تقارب اعضاء الكتلتين الدينية والسياسية وبعض اعضاء كتلة الوسط. يتعلق الاول منها بنفاذ صبر الترويكا من التطورات المتلاحقة وخوفها من نتائجها، ومع توقعاتها المفرطة مع بداية الطفرة النفطية فقد أضحت متضايقة من الدور الحشري للبرلمان. فبالرغم من كون العوائد النفطية ضئيلة في 1974 فإن الطفرة النفطية تعد بتحرير النظام من بعض التزاماته وخصوصا الحاجة الى تلبية احتياجات القوى الناهضة الممثلة في البرلمان. ففي أقل من ستة اشهر من حياة البرلمان كممثل للشعب وجد البرلمانيون انفسهم يعاملون بصلف حتى من طرف المراتب الوسطى في الدولة. وبسرعة تلاشت الفروقات بين البرلمانيين من رجال الدين المنضبطين ذاتيا وزملائهم العلمانيين الذين عركت بعضهم السجون.
يرتبط العامل الثاني بردود فعل المجلس الوطني تجاه نشاطات العلمانيين خارج البرلمان. فبالرغم من خلافاتهم الايديولوجية المستعصية فإن الدينيين واليساريين يمثلون ذات المجموعات الانتخابية الاجتماعية من العمال والشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة وأصحاب الاختصاصات والمهن الجديدة. وتصل نشاطات هذه المجموعات المتمثل بالاضرابات والعرائض والوفود والمظاهرات الى ممثلي المجموعتين البرلمانيتين. أظهرت مناقشات البرلمان وجود مساحة متزايدة للتعاون بين أعضاء الكتلتين، وكذلك الأمر مع العديد من المستقلين. وبالرغم من توجههم المتزايد للبراجماتية وإرادة تبادل الدعم أثناء التصويت فلم يتمكن الدينيون واليساريون التوافق على عدد من القضايا "المقدسة". شمل ذلك مبادرة اليساريين باعتبار الاول من مايو كعطلة رسمية. ومبادرة الدينيين لفصل الجنسين في الأماكن العامة(31). عكست المجادلات أثناء نقاش القضيتين جزءا من الجدل السائد في المنطقة العربية بين التحديثيين والتقليديين حيث كشف كلا منهما عن ترسانة أسلحته. وعكست المجادلات الحيوية والساخنة أحيانا الوعي بمحدودية "التعددية التفتيتية" وأن الخيارات الأخرى ممكنة وقابلة للتنفيذ.
أما النتيجة ذات المدى الأبقى والأهم من التجربة البرلمانية فيمكن تلخيصها باتساع الفضاء السياسي وتسليط الأضواء على حقوق المواطنين كقضية للتنازع السياسي. بدأت النساء المحرومات من حقوقهن بتنظيم أنفسهن في المدينة والريف وتحدي النظام وحلفائه الدينيين. نظمت النساء الناشطات عددا من العرائض وقدمنها الى المجلس الوطني يطالبن فيها بعدد من المطالب تتراوح بين حق التصويت والحقوق السياسية الأخرى مثل تشريع حق إيجاد مراكز لرعاية الطفولة خلال ساعات العمل. كما عمدت المجموعات الاخرى المتضررة مثل البدون والنقابيين والعاطلين عن العمل وغيرهم من المهمشين الى الاستفادة من الفرصة المحدودة وغير المسبوقة لطرح مطالبهم. أضحى معتادا كل أسبوع طرح قضايا جديدة عبر عريضة مطلبية لمجموعة جديدة استشعرت الشجاعة لطرح شكاواها. ونظر النظام الى ذلك كشيء ينذر بالخطر والخروج عن السيطرة. ولم يمض وقت طويل حتى أحس مستشارو النظام بضرورة التذكير بالمادة (29) من الدستور والتي تؤكد حق المواطنين الأفراد وليس الجماعات في مخاطبة السلطات.
ناقشت في بحث آخر (خلف 1985) تأثير النجاح الانتخابي على معنويات النشطاء العماليين الذين وسعوا شبكة تحريضهم وأعمالهم: "انعكس ذلك على بروز موجة جديدة من الاعمال العمالية فقد حدث ستة وثلاثون اضرابا خلال الأشهر الستة الاولى من عام 1974 أثرت على المؤسسات الكبرى في البلاد واستغرق ذلك كلا من الأربعة والعشرين منها عشرة أيام أو أكثر. أما أطول إضراب فقد جرى في الحوض الجاف وشارك فيه أكثر من 400 عامل واستمر 26 يوما".
طرحت هذه الاضرابات مطلب تحسين مستوى الاجور وأوضاع العمل، الى جانب كونها تذكيرا بالتصاعد المستمر في النضالية العمالية التي اخترقت الحدود التي أحدثتها السياسات البرلمانية الوليدة. وتأكد ذلك من خلال إقامة نقابات عمالية في أربعة مواقع. التقى ممثلو هذه النقابات مع وزير العمل و الشؤون الاجتماعية ووزير العدل ووزير الصحة لمناقشة مشروع مسودة اللوائح الداخلية لنقاباتهم وخطواتهم المستقبلية. وفيما توسعت اعداد المشاركين في عضوية هذه النقابات الأربع بما يتجاوز كل التوقعات فقد بادر العمال الاخرون الى تشكيل نقاباتهم (لمزيد من المعلومات انظر لجنة التنسيق 1987). جرى اختبار حدود هذا الفضاء السياسي المفتوح خلال وقت قصير عبر وسائل أخرى، فقد جرى تنظيم اجتماعات عامة بترخيص مسبق من قبل وزارة الداخلية من قبل المجموعات السياسية كما عمدت مجموعات تثقيف مختلفة بتوعية الجمهور بقضايا مثل تنظيم الاضرابات العمالية وتشكيل النقابات. تطور الوعي تدريجيا للمشاركين في هذه النشاطات بأنهم يتنافسون ضمن فضاء سياسي وطني مشترك وأنهم يتشاركون في عدد من الاهتمامات. ومرة أخرى تحولت سياسة التنازع السياسي باتجاه وطني او على الاقل بعيدا عن الفئوية. بدا حينها أن فرصة واقعية قد لاحت للقيام بما أطلق عليه (باليبار 1996): "بعملية صبغ المجتمع بوطنية مؤجلة" وإقامة إجماع وطني بما يتجاوز المصالح الاثنية والوصاية الفئوية. أما على الجانب الاخر وهو جانب النظام فإن هذه الخطوات المتواضعة للتعاون بين الدينيين واليساريين مقدمة لمرحلة قادمة يتوقع فيها ان تضعف قبضة الدينيين على معظم أتباعها من الشباب ومن أعضاء البرلمان الدينيين في المجلس الوطني.
حدث شرخ خطير بين المؤسسة الدينية من ناحية وممثليها في البرلمان وأنصارها الراديكاليين من ناحية، وسيضحي ذلك أكثر وضوحا إثر حدوث عدد من المساومات والمبادرات المشتركة من قبل مجموعتها البرلمانية مع الكتل الاخرى. ومن هذه المبادرات تلك التي أدت الى رفض جماعي لقانون بمرسوم تدابير أمن الدولة لعام 1974 ذلك القانون التي استهدفت إجراءاته الشيوعيين والنشاطات التي يحركها الشيوعيون حيث صيغت المادة الاولى منه بكل خبث لتستهوي المحافظين الدينيين ومن ذلك استخدام تعبير "المبادئ الإلحادية" (32)
تعرض نواب المجلس الوطني طوال 8 أشهر من اللا قرار الى ضغوط كبيرة من مختلف المجموعات والمصالح أما حالة اللا قرار بالنسبة لبعض النواب فهي نابعة من عدم رغبتهم في مواجهة الحكومة في قضية لا تستهدف إلا احتواء التأثير اليساري المتنامي. وكما حدث فقد نجحت الضغوط المنظمة جيدا لمعارضي القانون داخل البرلمان وخارجه في تمكين اعضاء الكتل الثلاث من التوصل الى موقف مشترك.
شعر ممثلو الكتلتين الدينية واليسارية بالقوة بما يكفي لاصدار إنذار الى الحكومة لإلغاء القانون، أو تقديمه الى المجلس الوطني للتصويت عليه. وحيث أن الحكومة لم تكن راغبة في أي من الاقتراحين فقد وعدت بمراجعته في فترة زمنية أقصاها نهاية يوليو (تموز) 1975.(33)
اعتبرت الحكومة من ناحيتها بأنها خذلت من قبل المؤسسة الدينية التي فشلت في إقناع كتلتها البرلمانية للوقوف الى جانب الحكومة. لكن الاكثر خطورة في نظرها هو فشلها في