النخيل في البحرين

بدأت الزراعة في البحرين منذ آلاف السنين وقد تم توارث تلك المهنة والمناطق الزراعية من قبل الشعوب التي توارثت الأرض منذ ذلك الحين. كانت البدايات بسيطة جدا فمجرد أن يبدأ أحد بزراعة منطقة معينة يبدأ باستملاكها ولكن كل ما زاد عدد السكان تعقدت الأمور أكثر وكان لزاما إيجاد قوانين منظمة سواء لاستملاك الأراضي أو استخدام المياه العذبة في الري. وبمرور الزمن تبلورت حزمة من القوانين المنظمة والتي توارثها شعب البحرين. كانت القوانين تتناقل من جيل لآخر شفاهية ولكن


مع تعقد الأمور أكثر وأكثر وإنشاء محاكم ووجود قضاء كان لا بد لتلك القوانين أن توثق وأن يتم العمل بها. لقد كان أهالي القرى هم العاملون بهذه القوانين وقد تم جمع القوانين من القرى الواقعة في شمال غرب مملكة البحرين وقد تم طبعها في العام 1960م وقد عرفت تلك القوانين باسم «قانون مياه النخيل» والتي تشمل قوانين تنظيم ضمان الأراضي الزراعية وقوانين تنظيم الري.

 

تنظيم الأراضي الزراعية وحق المرور
لقد كانت الأراضي الزراعية متلاصقة دون طرقات تفصلها في الغالب, وقد ارتبطت بمسارات جداول المياه فكان ملاك هذه الأراضي يمرون عبر مسارات محاذية لتلك الجداول للوصول إلى بساتينهم ومزارعهم وحمل الثمار عند الحصاد؛ ما يغنيهم عن إحداث الطرق الواسعة ويسمح لهم بإصلاح تلك القنوات وضمان مرور الماء فيها. وبالنظر للصور الجوية القديمة للمناطق الزراعية في البحرين نلاحظ القنوات المائية وهي تبدو في غالبها خطوطا مستقيمة, وقد استخدمت هذه الخطوط فيما بعد لتحديد الملكيات.
وفي حال نظرت لصورة جوية لمناطق معينة في البحرين قديما كجزيرة سترة أو جزيرة النبيه صالح فإنك ترى غابات من أشجار النخيل تغطيها, أما الآن فقد اختفت غالبية تلك النخيل, وتم تحويل قنوات المياه لخطوط فعلية ترسم حدود الأراضي التي بنيت عليها العقارات.

 

تضمين الأراضي الزراعية
الأراضي الزراعية إما أن تكون تكون ملكا لشخص أو مجموعة أشخاص تعمل بها أو تضمنها أي تؤجرها على فلاح أو قد تكون وقفا حيث تقوم الجهة المنظمة للأوقاف بتضمين الأرض. وقد يحسب البعض أن الضامن يعمل في غير أرضه فلذلك سيأخذ ما يأخذ ويهمل الأرض فهي ليست ملكه ولكن هذا لا يحدث وذلك بسبب وجود حزمة من القوانين تم التعارف عليها في حالة تضمين الأراضي وغالبية تلك القوانين جاءت من أجل حماية الأرض من الإهمال وكذلك تشجع الضامن على التطوير منها حيث ورد ضمن قوانين مياه النخيل:
«توجد قاعدة معمول بها على أن مالك الزراعة لا يضمن إلا بتثمين الزرع عند دخول الضامن الجديد يبقى عليه كدين للمالك فإذا انتهت مدة الضمان فللضامن الحق في تثمين الزرع فإذا زاد ثمنه عن الأول فله الزيادة وإن نقص فهو مسئول عن النقص يدفعه حالا قبل خروجه وأما إذا اتفق المالك والضامن حلاف ذلك فشأنهما».
وتم التأكيد على هذه النقطة في قانون آخر أيضا حيث ورد:
«نخيل تشتمل على أشجار من جميع الأصناف كالأترج والرمان واللوز وغيره فإذا دخل الضامن على هذه النخيل بتثمين الأشجار فله الحق عند خروجه في تثمين ثمره».
ومن الشروط التي تحمي الأرض من الإهمال هي تلك التي تلزم الضامن بإصلاح الأرض منها هذا القانون:
«شروط الضمان وما يتعلق من إصلاح النخيل أو الزراعة ضمن أي شخص من أحد ملاك النخيل أو زراعة والتزم على أن يكسح النخيل أو الزراعة في كل سنة مرتين ويضرب السواقي الداخلية والخارجية والمنجيات التي تتعلق بها كل سنة مرتين كما ذكر أو أكثر بموجب الشروط المقررة في ورقة الضمان وكذلك الحظران التي تحفظ النخيل أو الزراعة فإذا أخل بشيء من ذلك فعليه إكمال أو تثمين ما تركه وبموجب تثمين أهل المعرفة فهو ملزوم به».
كذلك هناك شروط لحماية النخيل من الإهمال والالتزام بالاهتمام بها منها:
«شروط التلقيح وهو قطع الكرب اليابس على الضامن قطعه في أحد وقتين الأول بعد جمار النخيل بعد النبات ويجب على الضامن أن يترك دورا واحدا يابسا عن ضرر النخيل وفي الوقت الثاني في أول بشرة الرطب على أن يترك دورين أو ثلاثة وإذا ترك الضامن التلقيح في الوقتين المذكورين فللمالك الحق أن يؤجر على التقليح وقطع الكرب اليابس من النخيل ويحسب المصرف على الضامن لأنه ملزوم به كشرط أساسي إلا إذا سمح عنه المالك».

 

وكذلك القانون التالي:
«شروط قطع السعف اليابس يكون في أول طلوع الثريّا أي وقت ابتداء موسم البارح وإذا سمح المالك بقطعه قبل ذلك فلا بأس على أن يقطع اليابس فقط ويترك الأخضر والوقت الثاني في نفاض إثمار النخيل فللضامن الحق في قطع السعف اليابس فقط وإذا تعدى وقطع سعفا أخضر يعاقب الضامن على قدر جرمه إما بحبس أو غرامة حسب ما تراه المحكمة».
وقد امتدت تلك القوانين للتحقيق في أي حادث يؤدي إلى تلف نخلة, فنقرأ في قائمة قانون مياه النخيل القانون:
«النخلة الساقطة والميتة ليس للضامن فيها حق التصرف إلا بعد كشف المالك أو من يقوم مقامه وإذا عمل بخلاف ذلك فهو مسئول للمالك عن ثمن النخلة في ما لو كانت حية تثمر وإذا تعمد المالك عدم الحضور فللضامن حق التصرف».

 

طرق الري وأنواع الأراضي الزراعية
يتم اختيار طريقة الري بحسب مساحة الأرض الزراعية المراد سقيها, وعلى هذا الأساس تم تقسيم الأراضي الزراعية إلى عشرة أقسام هي: جوبار, سطر, عكرة, صرمة, دالية, دولاب, رفض, نخل, برية, زراعة. ويضاف لهذه الأقسام الأراضي الغير مزروعة وهي المضعن والبر.
تعتبر الأنواع الثلاثة الأولى (جوبار, سطر, عكرة) ذات أشكال غريبة ومساحات مختلفة وقليلة القيمة الزراعية وتتداخل بين قطع وبساتين كبيرة. ويمكننا إجمال صفات الأراضي الزراعية كالتالي:
1 – العكرة فهي قطعة صغيرة جدا تترك عادة دون زراعة لأنها تقع ضمن ممتلكات الغير.
2 – الجوبار والسطر عبارة عن شريط ضيق من الأرض يقع على مجرى مياه الري أو بين قطعتين كبيرتين.
3 – الصرمة أو القطعة هي بستان صغير عرضه 9 متر – 15 متر وطوله بين 15 – 30 متر, ويقع عادة بالقرب من القرية, وكثيرا ما يستخدم لزراعة الخضراوات.
4 – الدالية وهي بستان من النخيل مربع الشكل أكبر من الصرمة طوله بين 18 و30 مترا, والاسم مشتق من الدلو وهو الوعاء المستخدم في الري, حيث تسقى الدالية باليد باستخدام الدلو.
5 – الدولاب وهو بستان كبير للنخيل طوله بين 60 و122 مترا وعرضه بين 30 و60 مترا, وهو يسقى بالزاجرة.
6 – الرفض أو المغارس وهي قطعة صغيرة مزروعة لكنها غير مروية لارتفاعها عن مستوى المياه المحيطة بها, ويزرع النخيل في حفرة عميقة قريبة من منسوب المياه الجوفية, ويُعتنى بالنخيل سنة بعد سنة حتى يصل إلى سطح التربة. ويتأخر النخيل المزروع بهذه الطريقة ولكنه لا يحتاج إلى الري متى اكتمل نموه.
7 – البرية هي قطعة أرض كالرفض غير مروية ولكنها واسعة الأرجاء وأشجار نخيلها أكثر تفرقا وانتشارا من أشجار الرفض.
8 – الزراعة وهي القطعة المخصصة لزراعة الخضراوات وعلف المواشي يتراوح طولها بين 183 و213 مترا وعرضها نحو 183 مترا. وتزرع أحيانا بها أشجار النخيل التي ما أن تبلغ نضجها حتى تسمى الأرض حينها «نخل».
9 – النخل وهي الأنواع الأكثر انتشارا, وهي عبارة عن أرض يتراوح طولها بين 300 و1524 مترا وعرضها بين 60 و153 مترا, وقد تكون مربعة الشكل أو مستطيلة أو دائرية أو نصف دائرية. ويوجد نوعان من النخل:
أ – نخل السيح وهو النخل الذي يروى عن طريق «الساقية» أو «السيبان» أي القنوات المائية العميقة التي تنقل المياه من أقرب الينابيع العذبة.
ب – نخل الغرافة وهو النخل الذي يسقى بالغرافة, وسنأتي على تفاصيل الغرافة لاحقا.
ويلاحظ أن كل قطعة من بساتين النخيل أي «النخل» تعطى اسما يبين حجمها وموقعها أو يدل على الانتماء الديني أو الأصل العائلي لصاحبها.

 

طرق الري وقوانينه
وضعت قوانين للري؛ لأن الأراضي لم تكن مستقلة عن بعضها بل كانت كل مجموعة من الأراضي لها عين مشتركة وعليه وجب وجود تشريعات تنظم عملية ري كل أرض بحسب مساحتها واحتياجاتها على أن يتكفل كل من يستخدم العين بصيانتها ودفع رسوم للقائم عليها. ويتم تقسيم وقت العين اللازم لري أرض معينة بوحدة زمنية تسمى «وضح» وهو مسمى قديم ربما تكون له جذور عربية أو سامية لكنه دخل في العربية، فالوضح في اللغة هو الضوء واستخدم في تحديد أوقات معينة، ففي حديث عن الرسول (ص) جاء فيه «صوموا من الوضح إلى الوضح» أي من الضوء إلى الضوء. وتقصد العامة بالوضح نصف يوم إما من طلوع الشمس حتى غروبها أو من غروب الشمس حتى نصف الليل الأول, ويكون لكل عين وضحان في اليوم أي أربعة عشر وضحا في الأسبوع. وقد وصلتنا تفاصيل الوضح من خلال كتاب قوانين ري النخيل حيث جاء فيه:
«العين تشتمل على أربعة عشر وضحا إذا كانت لها ساقية واحدة أو أكثر، والوضح من طلوع الشمس إلى غروبها إن كان صيفا أو شتاء ونصف الوضح من طلوع الشمس إلى وقت الزوال ليكون نصف اليوم إذا كان نهارا وكذلك من وقت الزوال إلى غروب الشمس وليلا من غروب الشمس إلى نصف الليل الأول أو من نصف الليل الأخير إلى طلوع الشمس، وثلث الوضح ثلث النهار أو ثلث الليل، وكذلك ربع الوضح ربع النهار أو ربع الليل».
ويكون لكل أرض زراعية معينة عدد من الأوضاح في الأسبوع, ولو حدث أن احتاجت العين لإصلاح أو صيانة تكون الكلفة على جميع أصحاب الأراضي المنتفعة وتكون نسبة مساهمة كل مالك من ملاك الأراضي تتناسب مع عدد الأوضاح تسقى بها أرضه أو بنسبة محصول الأرض بحسب ما ينص القانون:
«العين التي يسقى منها نخلان أو ثلاثة وأوضاحها محصورة للنخيل المذكورة فيكون مصرف إصلاحها بالوضح، وأما العين العمومية التي تتوزع أوضاحها على نخيل كثيرة فيكون مصرف إصلاحها على الحاصل من أثمار النخيل التي تسقى منها».

 

أما في حال جفاف العين فيوجد قانون آخر:
«عين طبيعية قد جف ماؤها وهي مشتركة بين عدة نخيل لها أوضاح فإذا اتفق أهل الملك على وضع مضخة على العين بينهم بالشراكة على أن يعطى كل واحد منهم ما يخصه من الماء فلا بأس، وإذا لم يتفقوا على ذلك فلكل واحد منهم الحق أن يضع مضخة لاستعمالها لأوضاحه الخاصة».
وكذلك القانون التالي يوضح إجبارية أن يدفع كل شخص ما عليه ليستحق الماء:
«كذلك إذا دعت الحاجة لضرابة العين الطبيعية فهي على الجميع فإذا أحد المشتركين أبى أن يدفع ما ينوبه من المصرف فللمشتركين الحق في أخذ الماء الذي يخص شريكهم حتى يدفع ما عليه».
الغريب في هذه القوانين أنها لم تترك نقطة ماء لم تبين من حق من, فأحيانا يكون فائض في الري فبعد عملية الري تبقى بعض المياه في الساقية أو الساب وهي تسمى ذوب أو هدة الساقية أو المشاخيل وهذه إما أن تكون لشخص بعينه أو تكون شراكة ولا يحق لأحد التصرف فيها, هذا ما نص عليه أحد القوانين من قوانين الري:
«إذا كان نخيل يسقى من الذوب خاصا له فليس لأحد أن يتعدى عليه إلا إذا كان له شراكة فيه وكيفيته إذا كان الماء في وقت معين إلى نخل معين في أي يوم من الأسبوع فبعد انتهاء سقي النخيل وصار الماء إلى غيره فيكون فاضل الماء يسمى ذوب أو هدة الساقية، كذلك الشواخل التي من وراء سكار النخيل والمياه التي تأتي من المنجَّيات كل ذلك يسمى ذوب ويمكن أن يكون النخل واحدا أو أكثر بالشراكة فيها بين النخيل».
المنامة – حسين محمد حسين