مسجد الخميسمن سير الفقهاء: توثيق سيرة قاضي الشرع الجعفري في القطيف والبحرين الشيخ علي بن حسن آل موسى.
الكثير من الشخصيات الفذة في تاريخ البحرين الحديث غيبها «الإهمال»، فطواها النسيان ولم يعد أحد يذكرها أو يتذكرها إلا ما شذّ وندر ممن نالت حظاً من الدراسة والتوثيق في وقت مبكر، أما أكثرها فمازالت مطمورة تحت «الركام»، ومدفونة في طيّات الذاكرة أو بين أكوام الوثائق والتقارير المتناثرة هنا وهناك في الأضابير، وهي تحتاج إلى من ينبش فيها بجد ومثابرة حتى يتم توثيقها في كتاب أو دراسة ليطلع عليها الناس في الحاضر وفي المستقبل.

تعتبر الشخصيات التاريخية – أياً كان موقعها وفي أي بلد – جزءًا من الموروث الشعبي لذلك البلد، وبعض المؤرخين في علم الرجال يعتبر فترة خمس سنوات لأية شخصية فاعلة تعيش في بلد ما كافية لأن تحسب على تاريخ ذلك البلد حتى لو كانت في الأصل من بلد آخر مادامت الذاكرة الشعبية تختزن الكثير من المرويات لهذه الشخصية أو تلك. وحيث أن «الأدب الشعبي» ينقسم إلى نوعين رئيسيين: نثر مرسل وشعر منظوم، فإن سير وتراجم الرجال تدخل ضمن النوع الأول بما يتناوله من جوانب عدة في الحياة الشعبية للمترجم لهم كالأخبار والمصنفات والوثائق والتقارير والقصص والحوادث… الخ. لذلك ينبغي تسجيل وتوثيق هذه الشخصيات وما جرى لها وعليها من أحداث وقصص حتى لا تتعرض للتشويه أو التهميش فيما بعد من السنين، فربما تكشف حادثة عابرة أو قصة لطيفة عن وقائع كبيرة في التاريخ. فإذا كانت الشخصية ليست ذات قيمة كبيرة في نظرنا في الوقت الراهن فسيأتي عليها وقت تكون لها قيمة كبيرة، فما بالك إذا كانت هذه الشخصية تبوأت مراتب عالية ومناصب مهمة كالقضاء. يقول الإمام علي (ع) لشريح القاضي: قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي.
ومن هذه الشخصيات الفذة التي تناساها أو كاد ينساها الناس شخصية قاضي الشرع الجعفري فضيلة الشيخ علي بن حسن آل موسى الذي تولى القضاء الشرعي في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وهي فترة تحولات مهمة في تاريخ البحرين الحديث لأسباب عدة أهمها فترة الحرب العالمية الثانية التي ألقت بثقلها على الناس وكذلك توجه الحكومة آنذاك بإجراءات عملية للتطوير الإداري الذي شمل جميع مرافق الحكومة ومنها القضاء لاسيما بعد تدفق النفط وتحسن الأحوال في البلاد، فكان النفط في تلك الفترة بالذات بمثابة خشبة خلاص للبحرين لمعالجة آثار الحرب العالمية من جهة، وتراجع تجارة اللؤلؤ الطبيعي بسبب غزو اللؤلؤ الصناعي للأسواق من جهة أخرى، فلله الحمد من قبل ومن بعد على هذه النعمة وانكشاف الغمة.
في هذه الفترة من الزمن جاء الشيخ علي بن حسن آل موسى من «تاروت» بمنطقة القطيف لتولي القضاء الشرعي في البحرين بقرية السنابس أولاً ثم في مدينة المنامة، واستمر يمارس هذه الوظيفة حوالي ثلاث عشرة سنة كانت مليئة بالحوادث والقضايا والمفاجآت، وبعدها قدم استقالته عندما تقدم به العمر وتخطى عتبة المئة عام فعاد أدراجه الى مسقط رأسه ليوارى في مثواه الأخير بعد أربع سنوات من عودته إلى القطيف.
نسبه
هو قاضي الشرع الجعفري فضيلة الشيخ علي بن حسن بن الشيخ عبدالعزيز بن موسى التاروتي، ولقب بهذا اللقب نسبة إلى مسقط رأسه (جزيرة تاروت) من قرى القطيف التي ولد وترعرع فيها، وعندما جاء إلى البحرين وتولى القضاء الشرعي كان يوقع اسمه في الوثائق والعقود الرسمية بلقب (آل موسى) كما يتضح من إحدى الوثائق (…) نسبة إلى جده الأكبر (موسى) الذي كان من علية القوم وقد أعقب سبعة أبناء تفرعوا إلى سبع عائلات اشتهر كل منهم بلقب لعائلته فمنهم عائلة آل قمبر وعائلة آل حماد وعائلة عبدالهادي وعائلة آل موسى. وينتمي أجداده كما تذكر إحدى الروايات إلى قبيلة بني عامر من عبدالقيس من ربيعة وهي من القبائل المعروفة التي كانت تستوطن شرق الجزيرة العربية ولكن لم نقف على أي دليل يؤكد هذا النسب، فهي لا تعدو كونها رواية شفاهية قد تكون صحيحة وقد لا تكون صحيحة.
مولده
نظراً لعدم توفر قيد المواليد في عصره فلم يسجل تاريخ ولادته بدقة في ذلك الوقت ولذلك فقد بالغ أصحاب التراجم في تحديد عمر الشيخ علي بن حسن فمثلاً الشيخ فرج العمران صاحب «الأزهار الارجية» ذكر أنه ولد سنة (1227هـ – 1812ميلادي) وبذلك يكون عمره عند وفاته بحسب هذه الرواية 135 سنة، كما نقل عنه صاحب «الفهرست المفيد في تراجم أعلام الخليج»، هو قد عاش طويلاً فعلاً ولكن هذه مبالغة واضحة لا تستند إلى دليل على الإطلاق، فقد أخطأ في تاريخ الولادة لكنه أصاب في تاريخ الوفاة ويرجع ذلك لعدم وجود سجل لقيد المواليد في عصره ولكن بالتتبع لمراحل حياته المختلفة والاستقراء التاريخي لسيرة المترجم له فقد توصلنا إلى تحديد تاريخ ولادته في العام 1257هـ الموافق 1841م على الأرجح وبذلك يكون عمره عند وفاته 105 سنة بحسب التقويم الهجري وذلك بالاستناد إلى التسلسل الزمني.
ولد وعاش الشيخ علي بن حسن آل موسى في عهد إمارة آل سعود. وفي أثناء أو بعد حرب القطيف بفترة وجيزة احتلها حاكم البحرين فترة قصيرة من الزمن «في العام 1249هـ تجدد الخلاف بين الشيخ عبدالله حاكم البحرين وبين تركي بن عبدالله أمير نجد فجهز الأول جيشاً بحرياً وسار به إلى «دارين» ففتحها ثم تقدم إلى «تاروت» فاحتلها أيضاً ثم سار بسفنه إلى بلدة «سيهات» وهي بلدة من ملحقات القطيف – وكان أهالي سيهات دعوا حاكم البحرين لذلك – فحاصرها فجهز تركي بن عبدالله جيشاً تحت قيادة ابنه فيصل فسار به حتى نزل «المريقيب» وهو موضع غربي سيهات وبدأ القتال بين الفريقين فصار جيش البحرين ينزلون إلى البر نهاراً للقتال ويعودون إلى سفنهم ليلاً… وتسمى هذه الحرب «وقعة سيهات» ويسميها أهل نجد «حرب القطيف» ولكن «وقعة الحويلة» في قطر اضطرت حاكم البحرين للانسحاب من القطيف وهي كانت السبب في تقهقر الشيخ عبدالله عن الزحف نحو القطيف وآل الأمر إلى ضياع سيهات. (التحفة النبهانية ص 105)
وتضم واحة القطيف عدة مدن وقرى بعضها قد اندثر مثل (الجرها أو الجرعاء) عند خليج القطيف قرب ميناء العقير وإليها ينتسب (الجرهائيون) ومنها (لبانا أو بيلانا) التي تطل على ساحل الخليج العربي ومدينة (الزارة) التي أحرقها القرامطة عندما فتحوها ثم نشأت في مكانها قرية «العوامية» التي بناها وعمرّها (أبوالبهلول). وذكرها صاحب «تقويم البلدان»: والقطيف بلدة بناحية الأحساء وهي على شط بحر ولها مغاص وهي في شرق الأحساء بشمال على نحو مرحلتين منها ولها نخيل دون نخيل الاحساء. كما ذكرها سليمان الدخيل في كتابه «تحفة الألباء»: أهالي القطيف أغنى من أهالي الاحساء وذلك بسبب قرب مغاص اللؤلؤ منها.
وهواؤها رديء والحميات فيها كثيرة… لأن طقسها حار شديد الحرارة قريباً من هواء البحر وأرضها سبخة إلا جزيرة دارين فإنها على مقربة منها وهي بالجملة أحسن منها نظافة ومسكناً وهواء وماء وهي مسكن المترفين منهم وفيها كبار أغنياء اللؤلؤ وتجاره ويجتمع فيها (أي دارين كثير من التجار في أيام الغوص من الإحساء والبحرين وغيرهما). أما أشهر قرى القطيف في الوقت الحاضر: القلعة – سيهات – العوامية – القديح – الشويكة – التوبي – الجش – سنابس – الدبابية – صفوى – عنك – دارين – تاروت… بالإضافة إلى المدن الحديثة كالظهران والدمام والخبر وهي من أهم المدن في المنطقة الشرقية للسعودية وتتميز القطيف بكثرة بساتينها التي كان يزرع فيها الكثير من أنواع الحبوب والخضار والفواكه لاسيما التمور لخصوبة تربتها وكثرة عيون المياه العذبة فيها التي من أشهرها: الرواسية، صفواء – داروش، الديسمية، الوسطى، أم جدير، طيبة… وقد اندثر معظمها وغار ماؤها في الوقت الحاضر.
وبعد سنوات قليلة سيكون الذهاب إلى القطيف والجزر التابعة لها أسهل وأسرع نظراً للشوارع التي أنشأتها المملكة ومازالت وخصوصاً طريق الكورنيش السريع الذي يمتد عشرات الكيلومترات على طول البحر من مدينة الخبر إلى مفترق دارين – تاروت، وقد زرعته البلدية وهيأته للناس هناك بحيث يجدون فيه ملاذاً ومتنفساً لهم ولأطفالهم في الأمسيات وفي أيام الإجازات وهذا الكورنيش يتصل بطريق الخليج وكذلك يتصل بشارع الرياض الذي يربط مدينة الدمام بالجزر بعدة جسور بحرية، والعمل جار في الوقت الراهن على قدم وساق في الشارع الدائري الداخلي. إن الزائر لتاروت يجد أن مساحتها قد زادت عن السابق زيادة كبيرة نتيجة عمليات دفان البحر وقد قامت الحكومة بتوزيع الأراضي والقروض على الأهالي المستحقين مجاناً، ولذلك فإن كثيراً من أهالي تاروت القديمة قد نزحوا إلى المناطق الجديدة حتى أن بعض الأحياء الشعبية تكاد تكون خالية من الناس بسبب حصول الأهالي على قسائم سكنية في المناطق المدفونة. ولاشك في أن معالم تاروت بعد عقد أو عقدين من الزمن ستكون مختلفة تماماً عن تاروت اليوم.
هيئته وصفاته
كان الشيخ علي بن حسن معتدل الجسم، حنطي اللون، وعندما تقدّم به العمر هزل بدنه وضعف بصره ففقد إحدى عينيه (كريم العين) وقد أشار (تشارلز بلجريف) في عموده الشخصي إلى هذه الصفة ولكنه لم يذكره بالاسم وكان يستعين بأحد الأفراد عندما كان يسير من بيته إلى مسجد خميس بالمنامة القريب حيث كان يؤم صلاة الجماعة. أو عندما كان يذهب إلى مأتم العجم حيث كان يستمع الى الملا حسن بن الشيخ – كاتبه في المحكمة – عصراً باللغة العربية وكان لهذا المأتم مجلس آخر صباحا باللغة الفارسية. وقد ابتلي في السنوات الأخيرة من حياته بمرض الرعاش – وقيل بالفالج – وقد عالجه ابنه الشيخ عيسى ولكن ظلت الرعشة تلازمه إلى حين وفاته وعندما نقل القضاء إلى مبنى المحكمة الجديد عيّنت له الحكومة سيّارة خاصة لنقله من والى المحكمة وكان سائقه المرحوم (السيّد أمين العلوي). وكان يلبس الجبّة والعباءة (البشت) ويعتم بعمامة.
لقد كان النجف الأشرف آنذاك ولا يزال مقصد طلاب العلم والعلماء والفقهاء من مدن وقرى العراق ومن البلاد الإسلامية ولاسيما بلدان الخليج باعتبارها جامعة علمية عريقة. «ولما انبلج فجر القرن الثاني عشر ازدلف الى النجف جمع غفير من سائر الناس وجعلوا يحثون الركاب إليها من كلّ فج وصوب… وطفقوا يتسابقون في مضمار الجد والاجتهاد؛ لينالوا الشهادة من تلك الكلية الكبرى فإذا بلغ الطالب الغاية وحاز قصب السبق آبَ الى وطنه وهو حامل تلك الجائزة (الإجازة) العالمية الثمينة فإذا حلّ بين ظهراني قومه نشر فيهم معارفه ولمعت في ربوعهم أنواره».
وأمّا عن نظام الدراسة في النجف الأشرف « للنجف نظام خاص في التدريس إذ لم تكن لمدارسها صفوف مرتبة يندرج فيها الطالب ولا كتب مخصوصة مقررة للتدريس يلزم التلميذ بقراءتها بل هناك كتب قديمة وحديثة من كل فن يقرأها الطالب بحسب ما يراه الأساتذة البارعون وترغب إليه طباعه وطباعهم من حيث الاتقان والتدرج من السهل إلى الصعب وربما تكون حلقة تعد بالعشرات من التلاميذ تجمعهم جامعة واحدة وهي كتاب واحد يتلقون الدرس به من الأعلام وهي شبيهة بالصف الذي يكون في معاهد العلم الحاضرة وإن لم تكن منه حيث أنها مجتمعة من أفراد مختلفة في سني الدراسة وقراءة الكتب التي قرأها حتى وصل إلى هذا الكتاب وهذا ما يطلق عليه في مصطلحهم درس (السطح) أو (السطوح). وهناك حلقة أخرى ومحفل أوسع من تلك تضم المئات والألوف من التلاميذ بحسب مقدرة الأستاذ وتمكنه من اقتناص الحقائق وهذه أوسع من تلك في الدراسة حيث لا يلتزم الأستاذ بكتاب واحد بل يلقي المطالب المتعددة التي قد استخرجها من موضوعات كثيرة قد أتعب فكره في تحصيلها وسهر ليله في تمحيصها حتى أماط عن غامضها الحجاب وميّز القشور عن اللباب وبهذا يعرف مقدار علم الأستاذ وتضلعه في الاستنباط ومن حازها حاز الزعامة العامّة في التدريس والفتيا، وهو الذي يصطلحون عليه بالدرس الخارج، وهذه الحلقة وإن اختلط فيها الحابل بالنابل والجاهل بالفاضل ولكن يتميّز الطالب النابغ عن غيره ولا يبخس حقه؛ لأنه هو ذلك الذي يعترف له ذوو الفضل بالفضيلة بعد الاختبار بالمذاكرة والتدريس والتأليف حتى إذا سبر مقدار نبوغه في العلم وملكته الاستنباطية حاز من تلك الكلية الكبرى الشهادة (الإجازة) التي هي عنده أغلى من كلّ نفيس ولا يكون فيها تمويه ولا تدليس ولا يحوز الشهادة منها بغير الكفاءة الحقيقية والأهلية الثابتة لا كسائر المعاهد الحاضرة فإنه قد يحوز الشهادة منها بعض مَنْ ليس له الأهلية فيحوزها بالمركزية وبالدرهم والدينار وبالوجاهة والاعتبار… ويدرس في هذه المدارس جميع العلوم المهمة وخصوصاً الفقه والأصول والحديث والتفسير ومقدّماتها من النحو والصرف والمعاني والبيان وبعض العلوم الرياضية واللغة والتاريخ والأخلاق والأدب وليس لهذه المدارس صفوف منظمة ولا كتب مقررة ولا أساتذة معينون لها بل للطالب أنْ يقرأ أيّ كتاب شاء عند أي أستاذ يختاره وفي أيّ مكان يريده من مسجد أو دار أو مدرسة. وكان على هذه الوتيرة سيْر الدراسة في النجف منذ الزمن الأوّل حتى اليوم وقد تخرج منها جمْع غفير من العلماء الأعلام الذين كانوا ولا يزالون غرّة في جبين الدهر. (ماضي النجف وحاضرها)
وقد عقد العزم الشيخ علي بن حسن آل موسى للهجرة إلى النجف للدراسة في حوزاتها العلمية.
2 – مرحلة طلب العلم في النجف الأشرف
لم تكن المرحلة السابقة بالنسبة إلى صاحب الترجمة سوى محطة إعداد واستعداد للانطلاق إلى المحطة التي تليها بعد أنْ تهيأت له الظروف المناسبة.
أخذ الشيخ علي بن حسن آل موسى بنصيحة العلاّمة الشيخ أحمد الطعان فهاجر الى النجف الأشرف العام 1297ه لطلب العلم على أيدي كبار العلماء فيها باعتبارها مقراً للمرجعية الإسلامية حيث تزخر بالمراجع الكبار على مر العصور وذلك بعدما تقدّم به العمر نسبيا فقد طوى أربعين صفحة من سجل حياته، وقد مكث فيها لمدة اثنتي عشرة سنة متواصلة بحسب ما تذكر بعض المصادر الشفوية الموثوقة المصدر: (البنت الكبرى للمترجم له) وذلك بين عامي 1297هـ – 1309هـ على الأرجح فدرس في حوزاتها العلمية على يد كبار العلماء فقرأ جملة من المتون الفقهية والأصولية التي كان يدرسها طلاب العلوم الدينية في تلك الفترة مثل البحار والكافي والشرائع والمسائل واللمعة والقوانين والمكاسب والرسائل والمعالم والحدائق وكنز العرفان وهدية الأنام وغيرها وكان قبلها قد درس المقدّمات كالنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق في القطيف وأكملها في النجف وكان يتنقل بين حلقات الدرس التي كانت تعقد في الصحن الشريف المدرسة الغروية وموقعها في الجهة الشمالية) فأكّب على التحصيل ينهل من نهر المعرفة دون كلل أو ملل وكان حب العلم يدفعه لذلك دفعاً فقد ترك الأهل والمال والوطن من أجل اكتساب هذه الفضيلة ولما فرغ من مرح
3 – مرحلة العودة إلى القطيف
وتوليه القضاء 1309 – 1346هـ / 1891 – 1927م
بعد عودته من النجف إلى مسقط رأسه اختاره الأهالي؛ ليكون قاضيا شرعيا في تاروت فقد وجدوا فيه الرجل المناسب في المكان المناسب لما يتمتع به من العلم والحلم والعدل بالإضافة الى انه كان – يرحمه الله – دمث الأخلاق، نقي السريرة، لطيف المعشر، محبوبا بين الناس، وهذا الذي كان يطلق عليه القاضي الأهلي، بينما كان زميله فضيلة الشيخ عبدالله بن معتوق هو القاضي الرسمي في تاروت حتى وفاته العام 1362 هـ. والفرق بينهما أنّ القاضي الأهلي يختاره الناس فينظر في القضايا التي ترفع إليه من الأهالي مباشرة بينما القاضي الرسمي فيتم تعيينه من قبل الحكومة فينظر في القضايا التي ترفع إليه من الجهات الرسمية.
وظل الشيخ علي بن حسن آل موسى يتولى منصب القضاء في تاروت قرابة 36 عاما وتعد هذه المرحلة أكثر فترات حياته خصوبة وثراء وهي مدة طويلة اكتسب خلالها بلا ريب خبرة كبيرة فقد مارس جميع مهام القضاء الشرعي المتعلقة بالأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والنفقة والميراث وفض المنازعات والخصومات وكان يتخذ من بيته مجلسا للقضاء أو في براحة قريبة من بيته قد اشتراها لهذا الغرض – وقد بنى عليها مسجدا فيما بعد فأطلق الناس عليه مسجد الشيخ علي ولا يزال هذا المسجد يحمل اسم المؤسس إلى اليوم) وفي خلال هذه المرحلة من حياته تزوج بعدد من زوجاته وأعقب عددا كبيرا من الأبناء والبنات، كما أنه قام بتوسيع ممتلكاته فاشترى عددا من البساتين والحظور وضمها إلى ما كان قد ورثه من أبيه ومن أشهرها نخل الخطيب) ونخل حيالة) وفي القطيف نخل عمامرة، وهو بستان كبير جدا… وقد بيعت هذه البساتين بعضها عندما رجع الشيخ من البحرين وبعضها بعد وفاته وبعضها استملكته الحكومة لإقامة مشروعات البنية التحتية في القطيف المصدر: حفيدة المترجم له.
وكان في خلال هذه الفترة يتردد على البحرين وله فيها أصدقاء ومعارف كثر منهم المرحوم الحاج أحمد بن خميس مؤسس مأتم بن خميس في السنابس وهو من كبار تجّار اللؤلؤ المعروفين وقد أشار إليه البعض أن يتزوّج من البحرين فتزوج – صاحب الترجمة – من قرية باربار وبعد فترة تزوّج بأخرى من قرية السنابس واشترى فيها قطعة أرض كبيرة تطل على البحر وبنى لها بيتاّ وسكن فيه مع جميع أفراد عائلته بعد قدومهم إلى البحرين ولاتزال عائلة الشيخ من العوائل المعروفة في السنابس منهم الحاج حميد والحاج سلمان ابني الشيخ نسبة إلى مكانة والدهما الدينية.
ويُشار أن بعض الزيجات – كما تذكر إحدى بنات المترجم له – كانت عبارة عن زواج بركة فيطلب أحد الرجال المقربين المريدين- من الشيخ أن يزوجه بإحدى بناته قد تكون مطلقة أو أرملة) وذلك طلبا للتبرك والنسب بمهر رمزي، لكن المصدر لم يذكر أيّ من هذه الزيجات كانت من هذا النوع.
ومع أنّ سنوات هذه المرحلة من حياته طويلة إذا قورنت بالمرحلة السابقة أو التي بعدها إلا أننا لم نقف على أي ّمصنفات قام بتأليفها خلال هذه الفترة من العمر والأرجح أنه قام بتأليف كتاب واحد ظل عليه عاكفا – ولم يذكر المصدر عنوان الكتاب ولا موضوعه إلا كلمة جامع…!) ويبدو أنّ هذا الكتاب فقد مع ما فقد من الوثائق حتى أنّ مكتبته العامرة بالكتب والمراجع قد اهملت – بعد وفاته – بوضعها في صناديق خشبية في حجرة قديمة في منزل أحد أبنائه في السنابس وقد سقط سقف الحجرة عليها حتى تلفت وقد يكون من بينها هذا الكتاب وقد شاهدها كاتب هذه السطور في الستينيات على هذه الحالة المذكورة. كما أنّ جزءا آخر من كتبه أهداها الورثة إلى أخيهم المرحوم الشيخ عيسى بن الشيخ علي آل موسى وبعد وفاة هذا الأخير العام 1971 م بيعت كتبه مع كتب والده – ومن ضمنها بعض المخطوطات – في مأتم السنابس ولايزال كاتب هذه السطور يحتفظ ببعضها إلى اليوم.
نبذة عن القضاء في البحرين:
في الماضي كان قضاة الشرع ينظرون في مختلف أنواع القضايا التي كانت تحال إليهم من قبل الأهالي من مختلف مناطق البلاد، فكان لكل قرية أو مجموعة قرى متقاربة قاضٍ يختاره الأهالي – من دون علم الحاكم – على سبيل المثال العلامة السيدهاشم التوبلاني (المتوفى العام 1109 هـ) في توبلي وقراها والعلامة الشيخ حسين العصفور (المتوفي 1216هـ) في الشاخورة والعلامة الشيخ محمد بن ماجد (المتوفى العام 1105) في البلاد القديم والعلامة السيدعبدالرؤوف العلوي الموسوي (المتوفى العام 1060 هـ) في جدحفص وقراها والشيخ محمد بن راشد الحسيني في المنامة والشيخ شرف اليماني في المحرق.
وممن تقلد منصب (شيخ الإسلام) ويعني قاضي القضاة في البلد كل من السيدعبدالرؤوف الموسوي والشيخ سليمان الماحوزي (المتوفى العام 1121هـ) والشيخ عبدلله السماهيجي (المتوفى العام 1135 ه) والشيخ يوسف البحراني (المتوفى العام 1186ه
مرحلة توليه القضاء في البحرين (1927 – 1940م):
لنسلط شيئاً من الضوء على البحرين في السنوات الأولى من قدوم الشيخ علي بن حسن آل موسى إلى البحرين.
يقال إن مصر هبة النيل
وهذا هو الرحالة الفرنسي البير لوندر الذي زار البحرين العام 1930م يطلق عبارة «البحرين هبة اللؤلؤ» في كتابه الشهير «صائدو اللؤلؤ» وذلك عندما وجد أن اللؤلؤ الطبيعي يمثل الرئة التي كانت البحرين تتنفس بها فيقول: «إن البحرين هبة اللؤلؤ، فلا تصنع السفن، ولا تخاط الأشرعة، ولا تفتح المتاجر، ولا أحد يسعى، ولا أحد يركب البحر، ولا أحد يعود إلى البر، ولا أحد يدخل يديه في جيوبه، ولا يخرجهما منها، ولا يعيد إدخالهما فيها إلا من أجل اللؤلؤ، إنه الملك، والجميع في خدمته. وعليه يعيش الشيخ ومن دون اللؤلؤ لا يوجد مال، ولا توجد واردات، ولا توجد رسوم جمركية، المورد الوحيد للخزانة، ومن دونه لا توجد تجارة، ولا توجد مضاربات، ولا يوجد استهلاك، ولا يوجد رز للغواصين، ولا توجد أكياس من الروبيات للأفندية، ولا توجد كلاب صيد سلوقية للسلطان، خمسمئة سفينة مسجلة… وخمسة عشر ألف غواص معدودين، فجميع الذكور في هذه البلاد يضعون الملقاط على أنوفهم أو يحملون لفائف القماش القطنية الحمر الصغيرة في أيديهم… هاهم المشترون (الطواويش) وقد جاءوا من جزيرة العرب وفارس والهند، كل واحد منهم يرتدي زيه الوطني… وهناك أربعة من كبار تجار باريس يسيطرون على السوق… نحو 380 مليون فرنك استخرجت من قاع الخليج العام الماضي وأجمل لؤلؤة اصطيدت في موسم العام 1929 بيعت لأحد التجار الكبار الأربعة». (ص 131)
ويعلق مترجم الكتاب منذر الخور على ذلك بقوله: «ومن المدهش أن زيارة البير لوندر للبحرين جاءت قبل سنتين فقط من اكتشاف أول بئر للنفط فيها وذلك العام 1932م حيث بدأت صناعة النفط الجديدة تستوعب أعداداً كبيرة من العاملين في صناعة الغوص بعد تدهور هذه الصناعة نتيجة كساد تجارة اللؤلؤ الطبيعي جراء مزاحمة اللؤلؤ المستزرع». (ص 10)
في هذه الفترة التاريخية بالذات جاء الشيخ علي بن حسن آل موسى إلى البحرين تلبية لدعوة خاصة من تاجر اللؤلؤ المرحوم أحمد بن خميس ويشير المصدر (المرحومة زهراء بنت الشيخ علي بن حسن آل موسى) إلى أن المستشار بلغريف الذي وصل إلى البحرين حديثاً قد طلب من الحاج أحمد بن خميس أن يرشح أحد القضاة الذين يتناقل الناس عنهم السيرة الحسنة والسمعة الطيبة لتولي القضاء في قرية السنابس ضمن إطار مطالبة الأهالي بإصلاح القضاء الشرعي في البلاد الذي اكتنفه الكثير من الاضطراب فأشار إليه بأنه قد عثر على ضالته المنشودة فأذن له فدعا (بن خميس) الشيخ علي بن حسن الذي تربطه به صداقة قديمة للحضور إلى البحرين فقد اختاره الأهالي لتولي هذا المركز لسمعته الطيبة بين الناس. يروى عن الأمام الصادق (ع) أنه قال: «ينظر إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً». وهكذا لبى المترجم له هذه الدعوة الكريمة فقدم إلى البحرين في العام 1927م وجلس للقضاء في بيته الكائن في السنابس وقد أحسن بن خميس هذا الاختيار فقام آل موسى بوظيفته خير قيام وأدى خدمات جليلة لأهالي السنابس وبقية القرى المجاورة ثم بعد مدة أرسل في طلب عائلته وممن جاء إلى البحرين اثنتان من زوجاته (آمنة وعلوية) وبعض أبنائه وبناته بالإضافة إلى باقة من أحفاده وحفيداته كلهم جاءوا في سفينة خاصة (جالبوت) إلى السنابس. وتذكر إحدى حفيداته قصة لطيفة عندما أرادوا الانتقال من تاروت إلى البحرين وكان عمرها آنذاك سبع سنوات أحضروا لهم الأتن (الحمير) للانتقال إلى مرسى دارين فقد كان البحر في حالة الجزر فرفضت والدتها (زهراء) وإحدى خالاتها (فهيمة) ركوب الحمير عبر المخاضة (المقطع) وفضلتا الذهاب سيراً على الأقدام بينما ذهب بقية أفراد العائلة على ظهور الحمير، ومن مرفأ دارين ركبوا سفينة (جالبوت) إلى البحرين وقد استغرقت الرحلة أكثر من يوم وسكنوا جميعاً في قرية السنابس في البيت الكبير الذي بناه جدها على ساحل البحر، وظل في قضاء السنابس مدة ثماني سنوات قبل نقله إلى قضاء المنامة.
وعندما عزلت الحكومة الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد صالح عن القضاء الشرعي بالمنامة بسبب مطالبة الأهالي قامت الحكومة في العام 1935م بإصدار قرار بنقل الشيخ علي بن حسن آل موسى من قضاء السنابس وتعيينه قاضياً رسمياً بالمنامة كما عينت معه للقضاء الشيخ علي بن جعفر أبو المكارم (القديحي) ويكون الحضور مدة أربعة أيام في الأسبوع ويخصص لكل منهما راتباً شهرياً مقداره مئة روبية، وكان مجلس القضاء يعقد أحياناً في المسجد وأحياناً في بيت المترجم له بقرب مسجد خميس بفريق الحمام وهذا البيت مبني على الطراز العراقي القديم وقد ذكره المستشار بلغريف في عموده الشخصي
القصص التي ذكرها الرواة عنه
الذي يكشف عن شخصية الإنسان الحقيقية ليست الصفات والألقاب التي تطلق جزافاً على هذه الشخصية أو تلك وإنما المواقف والقصص الواقعية التي تروى عنها، فالقصة في حياة الإنسان عبارة عن وثيقة محكية تغني عن كثير من النعوت والصفات المعلبة والجاهزة. وقد ذكر الرواة عن حياة هذه الشخصية التي نحن بصدد ترجمتها الكثير من المواقف والقصص الظريفة، وهذه القصص قام الباحث بكتابتها في (مدوّنة) منذ أن سمعها قبل أكثر من أربعين عاماً لكيلا يطويها النسيان حتى إذا حان وقت النشر نشرها. ونختار منها بعضها كالآتي:
القصة الأولى
كثيرا ما كان الشيخ علي بن حسن يحل الخلافات بين الزوجين ويصلح ذات البين بين الخصوم من دون حكم قضائي وهذا يرجع إلى بعد نظره ومعرفته بطبائع المتقاضين عنده، فذات مرة جاءت إليه في مجلس القضاء امرأة غريبة ليست من البلد وكان معها زوجها، فسألها الشيخ عن حاجتها فطلبت تطليق زوجها فسألها: لماذا تريدين تطليق زوجك وأنتِ لديك أولاد وبنات منه ويقوم بجميع شئونك؟ فأجابت أمام الملأ بكلّ جرأة: زوجي كثير النكاح ولا يشبع وأني مستعدة للتنازل عن النفقة أذا طلقني. فسألها الشيخ: ومَنْ يستقيم بك إذا طلقك؟ قالت: يستقيم بي ربي. فقال لها: وكان يقصد إيقاع الصلح بينهما: يا امراة أفصحي الكلام يعني أنّ الله يلقي إليك ما تحتاجين إليه من مال ومأكل وملبس في الطريق بل قولي يستقيم بيك….ي ! – قالها بالدارجة – فضحك من كان حاضراً، فخجلت المرأة فأمسكت بيد زوجها وخرجت معه إلى البيت.
القصة الثانية
بينما كان الشيخ علي بن حسن يتناول طعام العشاء إذ تناهى إلى سمعه تغاريد فرح وصوت طبول في الحي.. فسأل مَنْ كان حاضرا عن الفرح، فقيل له يُوجد عرس في بيت فلان هذه الليلة فقال اذهبوا إليهم بسرعة واخبروهم بأن هذه الليلة نحس لا يحسن فيها الزواج. فذهبت زوجة الشيخ وأخبرت أصحاب العرس بمقالة الشيخ بتأجيل العرس إلى ليلة أخرى ولكنهم أعرضوا عن هذا القول فتم الزواج في تلك الليلة. قال الراوي: وكانت ليلة نحس عليهم فعلاً إذ إنه لا يعيش لهم ولد فما يكاد يبلغ السنتين حتى يموت.
القصة الثالثة
في ليلة واحدة ماتت للشيخ علي بن حسن صبية من إحدى زوجاته فاسترجع ثم قام بدفنها ورجع فما كاد يستقر في البيت حتى أخبروه بولادة بنت له من زوجة أخرى فحمد الله تعالى. وفي الصباح جاء الناس يعزونه في وفاة ابنته وما كان أحد منهم يعلم بالمولود الجديد، فقال لهم الشيخ لم نخسر شيئاً، فقالوا وكيف؟! قال البارحة خرجت من الدنيا واحدة وفي الصباح جاءت إلى الدنيا واحدة. فاحتار الناس في الأمر أيعزون الشيخ أم يهنئونه.
القصة الرابعة
عندما عرض على الشيخ علي بن حسن منصب القضاء في البحرين وافق وعزم على ذلك ولكن ابنه (عبدالرحيم) وهو الولد البكر من إحدى زوجاته وعمره آنذاك عشرون عاما عارض سفر والده معارضة شديدة وحاول جاهداً أنْ يقنع والده بعدم السفر إلى البحرين ولكن من دون جدوى وعندما سافر الشيخ إلى البحرين اغتم ابنه كثيرا وحزن لفراق والده ومكث على هذه الحال فترة ثم مات، وكان الشيخ قبل سفره كتب وصيته وسلمها إلى ابنه هذا وجعله هو الوصي، فلما مات بكى عليه أهل تاروت وحزنوا عليه وأغلقت الأسواق – بحسب الرواية – حدادا عليه لأنه كان يمتاز بالأخلاق الحميدة ويعمل المعروف وأعمال الخير لجميع الناس. وبعد فترة الحداد سافر جماعة من أهل تاروت إلى البحرين؛ ليخبروا الشيخ بوفاة ابنه ويعزونه ومكثوا في ضيافة الشيخ نصف شهر من دون أن يتجرأ أحدٌ منهم ليخبره بوفاة ولده، ولكنهم بعد ذلك قالوا له ألم تعرف ولم تسألنا عن سبب مجيئنا الى البحرين، فقال يمكن عبدالرحيم أصبح ضريراً – لأنه كان دائما يشتكي من ألم في عينيه – فقالوا أكبر من هذا الشيء قال يمكن سجن لعدم دفع الميري (ضريبة على النخل يدفعها المالك سنويا للحكومة) فقالوا أكبر من هذا الشيء. فقال وما ذاك الشيء؟ فقالوا له عظم الله أجرك في عبدالرحيم فقد انتقل الى جوار ربه. فحزن عليه الشيخ حزناً شديداً وأقام لروحه الفاتحة ثلاثة أيام. وبعد مدة سافر إلى تاروت وزار تربته وقام بتغيير الوصية والوصي ثم رجع إلى البحرين.
القصة الخامسة
اشتكت امرأة على زوجها عند القاضيين الشيخ علي بن حسن التاروتي والشيخ علي بن جعفر القديحي بعد إنشاء المحكمة الشرعية المتعددة القضاة العام 1935م فلما حضرت مع زوجها الى المحكمة سألها القاضي الشيخ علي بن حسن عن مشكلتها فادعت أنّ زوجها يتغشاها من الدبر من غير رضاها وأن هذا حرام شرعاً وطلبت منهما تطليقها بدعوى وقوع الضرر الفعلي، وقد استندت إلى الآية الكريمة « ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنّ حتى يطهرنَ فإذا تطهرّن فأتوهنّ من حيث أمركم الله، إنّ الله يحب ا
تأسيس إدارة خاصة للأوقاف الجعفرية
في التقرير السنوي لحكومة البحرين للعام 1946م جاء فيه ما يلي: في العام 1927م كانت كل أملاك الأوقاف لاتزال بيد القضاة أو أنها تدار بواسطة أفراد لديهم النفوذ الكافي للسيطرة عليها والتصرف فيها كيفما يريدون من دون حسيب أو رقيب.
وقد لقيت أول خطوة اتخذتها الحكومة لمعالجة هذا الوضع التأييد من قبل المواطنين فعندما عيّن عالم الدين سيدعدنان الموسوي قاضياً للشرع في العام 1927م بدلاً من الشيخ خلف العصفور شرع بإعداد سجل يتضمن جميع أملاك الأوقاف الجعفرية وأسس نظاماً حديثاً لقيد الإيجارات. وعلى رغم أن هذا القاضي توفي بعد سنة واحدة فإنه أنجز عملاً مفيداً جداً يعتبر الأساس لإنشاء دائرة الأوقاف الجعفرية وتولى الشيخ محمد علي المدني إدارتها من بعده ثم عيّن بدلاً منه قاضيان جديدان هما الشيخ علي بن حسن آل موسى – صاحب هذه الترجمة – والشيخ عبدالله بن محمد صالح، وقد رفض الشيخ علي بن حسن التعامل في أملاك الأوقاف في الوقت الذي وافق الشيخ عبدالله على ذلك إلا أنه عزل من منصبه بعد سنوات قليلة، فتقدمت جماعة من الأهالي بطلب إلى الحكومة بأن تتولى جهة أخرى غير القضاة إدارة الأوقاف فتم تشكيل لجنة من كبار الشخصيات تكونت من ستة أعضاء من القرى (من بينهم الحاج أحمد بن خميس) وأربعة أعضاء من المدن (من بينهم الشيخ محمد علي التاجر) وأوكلت إلى هذه اللجنة مسئولية الأوقاف.
2 – تعيينات قضائية
في أحد تقاريره كتب مستشار حكومة البحرين تشارلز بلغريف العام 1947عن تطور القضاء في البحرين ومما جاء في هذا التقرير ما يلي: لقد حدثت تغييرات كثيرة في هيكل المحاكم الشرعية منذ منتصف العشرينات وحتى منتصف الأربعينات، فعندما تقاعد الشيخ قاسم المهزع عن منصبه بسبب تقدم سنه وفقدانه البصر، كان حاكم البحرين قد عيّن ثلاثة قضاة من علماء البحرين هم: الشيخ عبداللطيف بن سعد، والشيخ عبداللطيف الجودر، والشيخ عبداللطيف المحمود. وقد تولى هؤلاء الشيوخ القضاء الشرعي لسنوات كثيرة.
أما بالنسبة لقضاة المحاكم الجعفرية فقد تم تعيين السيدعدنان الموسوي من جدحفص قاضياً شرعياً (في العام 1927م) وهو أحد علماء الدين الأكفاء الذي ينتمي الى عائلة أنجبت الكثير من القضاة في الماضي… ويعود الفضل إليه في تأسيس إدارة الأوقاف الجعفرية، لكن الرجل لسوء الحظ توفي في العام 1928م. وبعد مضي فترة من الوقت عينت الحكومة قاضيين أحدهما للمنامة وهو الشيخ عبدالله بن محمد صالح الذي تمتع بشعبية واسعة في العاصمة والثاني هو العالم الشيخ علي بن حسن (صاحب هذه الترجمة) ليكون قاضياً مسئولاً عن القرى حيث يحظى باحترام كبير في أوساط الريف وكان عمره عند تعيينه يتراوح ما بين السبعين والثمانين عاماً – وقد أخطأ المستشار في تقدير عمر الشيخ علي بن حسن ففي تلك الفترة كان عمره قد جاوز تسعين عاماً -. وفي العام 1935م تم عزل الشيخ عبدالله عن القضاء في العاصمة فقامت الحكومة بنقل الشيخ علي بن حسن آل موسى من قضاء القرى لتولي منصب القضاء بالمنامة وعينّت قاضيين آخرين لمساعدته (وهما الشيخ علي بن جعفر والشيخ باقر العصفور) ووردت إلى الحكومة شكاوى كثيرة عن سلوك هؤلاء القضاة وإزاء ذلك تم عزل الشيخ علي بن جعفر (وقد رجع إلى مسقط رأسه في القطيف) وقامت الحكومة بتعيين الشيخ محمد علي حميدان مكانه.
وفي الوقت نفسه (1939) استقدمت أحد علماء الدين الأكفاء من العراق وهو (الشيخ عبدالحسين الحلي وقلدته منصب القاضي الأول الذي تقدم إليه قضايا الاستئناف المرفوعة من المحاكم الشرعية).
وفي العام التالي 1940م استقال الشيخ علي بن حسن آل موسى بسبب العجز لكبر سنه فخصصت له الحكومة مرتباً تقاعدياً حتى وفاته.
3 – الإعلان عن افتتاح مبنى المحاكم الشرعية
في العام 1938م قامت الحكومة بنشر إعلان عام تخبر الجمهور فيه أنه اعتباراً من يوم 8 رمضان 1357هـ ستفتح المحكمة الشرعية الجعفرية، ولقد صدر القرار بتعيين الأسماء الآتية قضاة للمحكمة الشرعية الجعفرية وهم: الشيخ باقر العصفور، الشيخ علي بن حسن آل موسى المترجم له الشيخ محمد علي القاري، وإن هؤلاء سيبقون في القضاء تحت الاختبار تسعة أشهر لأجل الاطلاع على حسن إدارتهم وقضائهم بالحق ثم يثبتون بعد ذلك بأمر حاكم البحرين.
وعلى اثر ذلك قام وفد مكون من: منصور العريض، السيدسعيد السيد خلف، محسن التاجر، محمد علي التاجر، وآخرين بزيارة المستشار ودار بينهم حديث طويل لقد كان واضحاً من حديثهم ارتياحهم من الإجراءات الأخيرة بخصوص تعيين القضاة الجدد.
4 – اعتراض القضاة على الإجراءات الجديدة لإدارة التركات
بتاريخ 26 ديسمبر/ كانون الأول 1931م صدر إعلان من الحكومة للمواطنين ينص على ضرورة تسجيل جميع وصيات الأموات لدى الحكومة قبل تنفيذها
لقد تزوّج الشيخ علي بن حسن بعدد من الزوجات من القطيف والعراق والبحرين فمنهنّ من لم تنجب ومنهنّ من أنجبت وتوفاهم الله صغاراً ومنهنّ من أنجبت البنين والبنات (ثمانية أولاد وأربع عشرة بنتا فقط من ست زوجات منجبات) فعاشوا وتزوجوا وهؤلاء هم الجيل الأوّل وهم أبناؤه وبناته ثم أنّ هؤلاء أنجبوا الجيل الثاني في حياته أو بعد مماته بقليل وهؤلاء أحفاده وحفيداته، ثم أنّ أبناء وبنات هذا الجيل تزوجوا وتناسلوا فأنجبوا الجيل الثالث وقد انتشروا في البلدان كالبحرين والقطيف والكويت وغيرها، ثم أنّ هؤلاء تزوّجوا وتكاثروا فأنجبوا الجيل الرابع الحالي وهم أسر كثيرة العدد متفرقون في شتى البلدان فلا يمكن حصْرهم بعدد معيّن فهم عوائل متعددة حتى أنّ بعضهم لا يرى البعض الآخر إلاّ في المناسبات لكثرتهم وتباعد أماكن سكناهم، فلو قدرنا عدد الأحياء من ذريته في الوقت الراهن فربما يتجاوز خمسة آلاف نسمة ينتشرون في دول الخليج العربي.
يذكر أنّ جميع بناته قد انتقلنَ إلى الرفيق الأعلى وكانت آخرهنّ ابنته (فهيمة) التي انتقلت إلى جوار ربها العام 2007، أمّا الأبناء فلم يبق منهم على قيد الحياة إلاّ ثلاثة هم: حميد وسلمان وهما يعيشانِ في البحرين ومحسن يعيش في المملكة العربية السعودية أطال الله في أعمارهم.
ويوضح الجدول التالي عدد أبناء وبنات الشيخ علي بن حسن ولنسلّط الآن شيئا من الضوء على بعض أبنائه وأحفاده:
1 – نصر: جاء بأسرته (والدته علوية مع إخوته وأخواته) للسكن في البحرين بعد مجيء والده بفترة وسكنوا جميعاً في السنابس على ساحل البحر، وبعدما تولى والده القضاء في المنامة بقي هو في السنابس مدّة من الزمن ثم استأجر لأسرته منزلا بقرب (مأتم بن زبر) وبعد مدة استأجر منزلا آخر بقرب (مسجد مؤمن) في الأربعينيات والخمسينيات وبعد عودة والده إلى القطيف بقى هو في البحرين عدّة سنوات وكان يعمل سائقا في شركة بابكو منذ تأسيسها ثم ترك البحرين العام 1955 ورجع إلى القطيف حيث كان هو الوصي من قبل والده بعد وفاة شقيقه عبدالرحيم وقد شاهد – كاتب هذه السطور الوصية (الملحق) في الثمانينيات بحوزة أحد أبنائه – وكانت لنصر شخصية قوية وجذابة، وقد تزوّج بعدد من الزوجات (عددهنّ ست زوجات كلهنّ أنجبن ما عدا واحدة وكانت مطلقة) وأنجب منهنّ حوالي عشرين ولدا وبنتا من بينهم طبيب الأطفال (نادر)، وعندما رجع إلى القطيف قام بإدارة الأملاك التي بين يديه والتصرّف فيها ومن ضمنها (الأراضي الزراعية والحظور والبيوت وكان أحد هذه البيوت في تاروت قد استأجرته الحكومة لمدرسة لكبر مساحته وتعدد غرفه وكانت المملكة قد بدأت بافتتاح المدارس الرسمية ابتداء من العام 1367هـ، كما أنّ كثيراً من هذه الأراضي قد استملكتها الحكومة من مالكها للمنفعة العامّة لشق الشوارع الجديدة أو توسعة القديمة وغير ذلك من مشروعات البنى التحتية للمنطقة الشرقية. وكان (نصر) يتردد على البحرين لزيارة إخوانه وأخواته بين الفينة والأخرى حتى وفاته المنية يرحمه الله العام 1980 م ودفن في مقبرة القطيف.
2 – الشيخ عيسى: كان الشيخ علي بن حسن يتردد على البحرين لزيارة بعض أصحابه وهم كثر فأقترح عليه أحدهم أن تكون له زوجة يسكن إليها عندما يزور البحرين. وهكذا كان، فاقترن بامرأة من قرية باربار (مريم) وأعقب ثلاث بنات وولداً واحداً هو الشيخ عيسى الذي كان يسكن قرية السنابس فهو من الجيل الأوّل، وهو رجل دين درس في النجف الأشرف فترة طويلة ثم رجع إلى البحرين وهو أشهر من نار على علم يعرفه أهل البحرين خصوصاً السنابس والقرى المجاورة وقد اكتسب شهرة واسعة لمعرفته بالطب الشعبي والعلاج بالأعشاب والرقى الشرعية، حتى أنه كانت تشد إليه الرحال من القطيف والأحساء للاستشفاء من الأمراض التي كان يعجز الطب الحديث عن علاجها! وكان قد درس بالإضافة إلى علوم الشريعة الطب الشعبي وعلم الفلك في النجف، ويُقال – والعهدة على الراوي – أنه في أثناء وجوده في العراق للدراسة تعلم العلوم الخمسة المجموعة في حروف الكلمتين (كله سر) ويقصد بها كيمياء، ليمياء، هيمياء، سيمياء، ريمياء وهي من العلوم الروحانية، فكان يقرأ العلة من (ليمونة) يمسكها المريض بيده! ومن القصص العجيبة التي سمعتها عنه من أحد معاصريه المرحوم (الحاج… شرار) من قرية كرزكان قال: «إنّ المحكمة الجعفرية الشرعية طلبت منه أنْ يكون قاضيا لديها بعد عودته من النجف الأشرف فامتنع فأصروا عليه وهو يمتنع ومازالوا يلحون عليه بأنّ وجوده في القضاء لازم لزوم الملح في الطعام حتى وافق ولكن بشرط أنْ يذهب إلى المحكمة على حمار فوافقوا، وفي اليوم التالي ركب الشيخ عيسى على ظهر حماره وهم معه وعلى طول المسافة بين قرية السنابس والمحكمة في المنامة كان الشيخ يحدّثهم ولما وصلوا إلى المحكمة طلبوا منه أن ينزل فلم يرد عليهم جواباً ، فحركه أحدهم فإذا بالبشت يسقط عن الحمار مع العصا (خيزران) وهو غير موجود وكأنه أصبح أثراً بعد عين. وفي الحقيقة أنّ الإنسان لا يستطيع تفسير ذلك إلاّ في حالتين إمّا انه استعمل فيها الحيلة وإمّا بسبب الغفلة من الراوي؛ ولكن ليس هذا بسحر على الإطلاق؛ لأنه لا يتعاطى السحر؛لأن السحر كفر – والعياذ بالله – قال الله تعالى
«وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر». فلما سألوه عن هذا الأمر استشهد بقول الإمام الصادق (ع): القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بالجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة «ثم قال وخوفي من الثلاثة؛ لأنها أكثر من الواحد! والأخبار والقصص المتداولة عنه كثيرة لا مجال لذكرها – وسنفرد له ترجمة خاصة إذا سمحت الظروف بإذن الله تعالى – وقد أعقب ثلاثة أبناء وبنتا واحدة – منهم الدكتور (زكريا) الذي كان يعمل مهندس اتصالات في شركة (بتلكو) ويعمل حالياً بالعمل الحر – وقد بيعت مكتبته الضخمة بما تحتويه من كتب ومراجع نادرة وقيّمة في مأتم السنابس بعد وفاته مباشرة وكانت وفاته يرحمه الله في العام 1971. وكان بيته قد اشتراه (حسن وحبيب أبناء محمود) من الورثة وبنى على قسم منه (مسجد الجوادين) حالياً.
3 – عبدالعزيز: عاش فترة من حياته في القطيف وبعد مجيء والده إلى البحرين جاء مع شقيقه (نصر) وسكنوا في قرية سنابس، يذكر الأديب تقي البحارنة في كتابه (نادي العروبة – سنة التأسيس 1939م) بأن ّعبدالعزيز بن الشيخ علي كان أحد أعضاء مجلس إدارة نادي العروبة بين العامين 1945 – 1947 المكوّن من عشرة أعضاء هم : محمد دويغر رئيساً وحسن الجشي أمينا للسر وجعفر الناصر أميناً للصندوق، والبقية أعضاء إداريون وهم: كاظم العصفور، أيوب حسين، عبدالقدير قمبر، حمد الفاضل، حميد صنقور، عبدالعزيز الشيخ علي، علوي المشقاب. وكان عبدالعزيز يكتب في الصحافة المحلية (صوت البحرين) بالذات. وقد عمل فترة من الزمن في المنطقة الشرقية في مؤسسة (الحداد التجارية) وعندما زار الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر المنطقة الشرقية في الخمسينيات خرجت مظاهرات تأييداً لمصر واحتجاجا على الأوضاع السائدة آنذاك، وكان هو ممن نظم وقاد هذه المظاهرات، فلاحقه جهاز الأمن فهرب وجاء إلى البحرين مع أخيه (موسى) وابن أختهما (عبدالكريم الحجاج) وسكنوا جميعا في بيت أختهما الكبرى (زهراء) العام 1956 لمدة أربعة أشهر، وكانت البحرين تعيش آنذاك حالة غليان من جراء العدوان الثلاثي على مصر. ومما يتذكره – كاتب هذه السطور – عن هذه الفترة أنهم كانوا يقرأون المجلات المصرية واللبنانية التي تنقل أخبار وصور الحرب كالمصور وآخر ساعة وروز اليوسف والصياد… وكان ينتظرهم بفارغ الصبر حتى إذا فرغوا منها انكب عليها كما تنكب الأكلة على قصعتها! ومما يتذكره أيضا – كاتب هذه السطور – من أحداث 1956م فقد اجتمع حشد كبير من المتظاهرين والمحتجين على العدوان الثلاثي على مصر واعتقال أعضاء الاتحاد الوطني أمام الكنيسة الكاثوليكية وعقدوا العزم على إحراق الكنيسة والمدرسة التابعة لها باعتبارها مدرسة تبشيرية وانتقاما من الانجليز! فسأل أحدهم (الحاج عباس…) مَنْ يستطيع أنْ يأتي لنا بكاز (كيروسين)؟ فأجبته في الحال: أنا! ثم ذهبت مسرعا إلى بيتنا القريب من الكنيسة وملأت قارورة (غرشة نامليت) بالكيروسين وكان يستخدم كوقود للطبخ والإضاءة ورجعت بها إليه وما هي إلا سويعة وإذا بالنار تلتهم في داخل المدرسة التبشيرية فتفرق الناس وأقفر الشارع تماما، فقلت لأحد رفاقي وهو في مثل سني: حرام تحترق الألعاب والكتب التي في المدرسة ونحن نقف تنفرج.
فقال: ماذا نفعل؟! فقلت له: تعال معي. فدخلنا إلى المدرسة من الباب وإذا بالنيران تشتعل في المكتبة وقد أتت على معظم الدمى والكتب التي فيها، فرفعت ثوبي إلى الأعلى وكذلك فعل زميلي… وطفقنا نجمع ما قدرنا على جمعه من الألعاب والكتب المصورة، ثم خرجنا من نفس الباب وإذا بقوات الجيش الإنجليزي أمامنا تنتشر في الشارع وهم يطلقون النار في الهواء، فتسمرنا في مكاننا واصطكت أرجلنا من الخوف، فنظروا إلينا ونظرنا إليهم ببراءة الأطفال وإذا بأحدهم يشير لنا ببندقيته (الكلاشنكوف) أن اذهبوا إلى البيت بسرعة قائلا: …hurry up! go away فذهبت إلى البيت وأنا أتعثر من كثرة ما حملت في ثوبي من الغنائم! فاستقبلني الخال (موسى) عند الباب فوجد الكتب الإنجليزية فأخذها منّي وكان يتكلم الإنجليزية بطلاقة؛ لأنه كان يعمل في شركة (آرامكو)
قائلا: بعد قليل سيأتي الإنجليز فإذا وجدوا هذه الكتب عندك فسوف يأخذونك إلى السجن! وهكذا انطلت علىّ (حيلة الخال) ثم أنّ (موسى) رجع إلى القطيف بعد فترة فِألقي القبض عليه وزج به في غياهب السجن بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي! أمّا عبدالعزيز فذهب إلى الكويت وعمل فيها فترة طويلة من الزمن وكان يتردد على البحرين لزيارة أهله وأصدقائه وينشر بعض نتاجه الأدبي في الصحافة المحلية حتى وفاته يرحمه الله بتاريخ 4 فبراير/ شباط 1995 وقد كتب شيئا من مذكراته في مجلة (بانوراما) قبل وفاته بفترة وجيزة. أتذكّر عندما كان في إحدى زياراته إلى البحرين التقيته صدفة في إحدى الدوائر الحكومية فسألته عن رأيه الشخصي في الشعر الحر؟ – وكان يكتب شيئاً منه وينشره في إحدى الصحف المحلية – فقال: يسمى الشعر الحر بهذا الاسم؛ لأن الشاعر ينطلق بحرية من دون أنّ يتقيّد بروٍ أو عمود أو قافية كالطائر الذي ينطلق في الفضاء من دون حدود أو قيود. ثم سألني السؤال نفسه وكان يعرف أني أنشر الشعر في مجلة (المواقف): وأنت ما رأيك في الشعر الحر؟ قلت: إذا قلت ما تزعل؟! قال: قل… ولماذا أزعل؟ قلت مازحاً:
إن هؤلاء الشعراء – يا خال – بعدما عجزوا عن كتابة الشعر العمودي الموزون لجأوا إلى الشعر الحر؛ لأنهم وجدوه سهلا فاستسهلوه، فمثلهم في ذلك كمثل الذي لا يستطيع أنْ يمتطي الحصان المطهم الأصيل فيلجأ إلى ركوب الحمار الأعرج أو كمثل الذي لا يستطيع السباحة في النهر فيلجأ للسباحة في الترعة أو الساب (الجدول) فهذا النوع من الشعر أعرج وضحل، فضحك ولم يزعل. وبعد وفاته يرحمه الله عندما نقل جثمانه من الكويت ليدفن في القطيف قال عنه رجال الحدود باستغراب «ما رأينا هذا من قبل لديه جواز بحريني ويعيش في الكويت ويُدفن في السعودية!». أمّا ابن أخته (كريم حجاج) وهو حفيد صاحب هذه الترجمة والذي يمثل بحق الجيل الثاني وهو من مواليد العام 1936 فقد عمل في البحرين في إدارة الإعلام (العلاقات العامّة) التي كان يرأسها ابن المستشار (جيمس بلغريف) لمدة ثلاث سنوات من 1956 حتى 1959 كما كان يعمل في الفترة المسائية في إذاعة البحرين كمقدّم برامج ومنها برنامج (من كل بستان زهرة)،
بالإضافة إلى أنه كان يقوم بتأليف المسرحيات والمشاركة في التمثيل، ومن التمثليات التي شارك فيها تمثيلية (مشكلات بوعلّوي) المشهورة آنذاك والتي تعالج المشكلات الاجتماعية بأسلوب كوميدي وذلك بعد انقسام (الفرقة التمثيلية المتنقلة) إلى فرقتين الأولى (أسرة هواة الفن) والثانية انخرطت في العمل بإذاعة البحرين وكان ممن يعمل معهم في الإذاعة إبراهيم علي كانو وحسين منديل وأحمد يتيم وعتيق سعيد يرحمهم الله. وقد روى الأخ (منذر الخور) أنّ ابن خالته المرحوم كريم حجّاج كان يزوره في منزله الكثير من الأصدقاء في العمل والنادي، وذات يوم كان من ضمن زوّاره المذيع الشهير المرحوم إبراهيم كانو وكان جالساً يتصفح إحدى الجرائد فشاهد (عبدالكريم) بعض الصبية في المجلس ومن بينهم (منذر) يتهامسون بكلام وهم يضحكون فسألهم عن السبب، فقالوا: رأينا (إبراهيم كانو) يسعل وهو يقرأ نشرة الأخبار في إذاعة البحرين «فذهب كريم إليه وقال له مازحا: أبوخليل… هل صحيح كنت تسعل وأنت تقرأ نشرة الأخبار؟ – بالمناسبة لم يكن يُوجد آنذاك جهاز (فلتر) يكتم كحة المذيع – فقال إبراهيم: لا… مَنْ يقول؟!
قال كريم: هؤلاء الصبية يقولون. فهز إبراهيم رأسه مجيباً بنعم وهو ينظر إليهم بطرف خفي وقد فغر فاه بابتسامة عريضة وكأنّ لسان حاله يقول: يعني لازم تقولون! وفي الإذاعة تعرّف (كريم) على المذيعة المتألقة (نزيهة رضوي) وهي أوّل مذيعة في البحرين حيث تزوجها وأنجب منها أربع بنات. وكان له نشاط سياسي في البحرين فكان يتكلّم في النادي ويخطب في المساجد في المناسبات الوطنية فلاحقه جهاز الأمن آنذاك ونفي إلى الكويت العام 1959 فذهب إلى خاله (عبدالعزيز) وهناك عمل في المنطقة المحايدة (الخفجي) سنوات عديدة، وكلمة حق يجب أن تقال كان (كريم) رجلا مثقفاً بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى فقد ترك في البحرين مكتبة عامرة بشتى أنواع الكتب لم يتسنّ له أن يأخذها معه وظلت هذه المكتبة في بيت خالته (زهراء) فترة طويلة، وقد وجدها كاتب هذه السطور في ذلك الوقت – الستينيات – فرصة فلم يترك فيها كتابا إلاّ قرأه أو تصفحه أو استولى عليه! وبعد تقاعده لزم الفراش لمرض عضال أصابه حتى وفاته يرحمه الله بتاريخ 25 يناير/ كانون الثاني 2008 ودفن في الكويت وقد أقام له أخوه (محمد حجّاج) مجلس عزاء في بيته الكائن في منطقة عالي.
أما بناته فقد بقي منهنّ قسم في القطيف وهنّ المتزوجات – ولن نأتي على ذكرهنّ – فأما الأرامل وغير المتزوجات فقد جئنَ بعد فترة إلى البحرين – بعد أن استقر بوالدهنَ المقام – وهن باختصار:
1. زهراء: (جدة الباحث من جهة الأم) وهي الراوي الأساسي لسيرة والدها المترجَم له – عندما جاءت إلى البحرين كانت أرملة وزوجها (الحاج علي بن إبراهيم العُماني) وهو من القطيف وقد لقب بهذا اللقب؛ لأنه كثير الترحال الى عُمان بسبب تجارته في التتن (التبغ) العُماني ولديها منه (أحمد) و (هاجر) وفي البحرين تزوّجت الثاني (السيد هاشم بن السيد شبر) من بلاد القديم وقد توفي بعد فترة قصيرة، ثم تزوّجت الثالث (السيد ماجد بن السيد حسن المختار) من المنامة وأعقب منها بنتا واحدة (شريفة) وكانت زهراء وهي كبرى بنات الشيخ قد عاشت بعد وفاة والدها فترة طويلة من الزمن، وهي سيّدة لها مكانة رفيعة عند النساء وكانت تعلّم القرآن الكريم والفخري (معلّمة) لأبناء وبنات ونساء فريق المخارقة وفريق الحمام وفريق الحطب مدة طويلة من السنين ومازال هؤلاء يذكرونها بالخير وصدق الرسول الأكرم (ص): إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وابن صالح يدعو له «ومن الذكريات التي يتذكرها كاتب هذه السطور أنه في شهر رمضان الفضيل كان هؤلاء الذين يتعلمون القرآن لديها يجلبون لها قبل أذان المغرب – كعادة الناس في هذا الشهر – أطباق الأكلات التي تطبخ عادة في شهر رمضان الكريم كالهريس والخبيص والساقو والبلاليط واللقيمات والمهلبية… الخ فيمتلأ البيت منها فنقوم بتوزيعها على بيوت الجيران؛ لأنه زائد عن الحاجة وكثيرا ما يصادف أن نعيد بعض هذه الأطباق بما فيها من الطعام إلى أصحابها من دون أن ندري أنهم أصحابها فتكون هذه المواقف الظريفة محل تعليقات النسوة اللائي كن يجتمعنَ كل ليلة في مجلسها وكنَ يقرأن – خصوصاً في شهر رمضان الكريم – الأدعية والأذكار المأثورة كدعاء الافتتاح ودعاء كميل بالإضافة إلى قصص حلال المشاكل، وقصص الأنبياء، والسير والموالد والإسراء والمعراج وأحيانا كن يقرأنَ قصص التراث العربي مثل: الحمال والسبع بنات وقصة قمر الزمان وقصة حسن البصري وتودد الجارية… الخ وهكذا كانت مجالس النساء سابقا. وقد انتقلت إلى جوار ربها يرحمها الله بواسع رحمته العام 1990م ودفنت في مقبرة الحورة، ومن أحفادها (منذر الخور) الذي يمثل بحق الجيل الثالث وهو باحث ومترجم فقد ترجم كتاب (أرض النخيل) من اللغة الإنجليزية وترجم كتاب (صائدو اللؤلؤ) من اللغة الفرنسية وهو عضو بارز في الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان.
2. صفية: زوجها المرحوم (الحاج منصور بن حسن النايم) من المحرّق وكان متزوجا من قبل وله أبناء وبنات وقد أنجب منها عدداً من الأبناء والبنات منهم (أحمد) و(جعفر)
و(حسين) توفيت العام 1998 ودفنت في مقبرة المحرّق.
3. خاتون: زوجها المرحوم الحاج محمد بن منصور النايم (أحد أبناء زوج أختها من إحدى زوجاته السابقات) من المحرّق، وقد أنجبت عدداً من الأبناء والبنات منهم عادل وعباس.
4. زكية: زوجها المرحوم الحاج حسن بن منصور النايم (أحد أبناء زوج أختها من إحدى زوجاته السابقات) من المحرّق، وقد أنجب عدداً من الأبناء والبنات منهم منصور ومصطفى وعزيز وعلي. توفيت العام 2006م.
5- فهيمة: زوجها المرحوم (الحاج عيسى النخلاوي) وقد أنجبت عددا من الأبناء والبنات منهم عبدالمنعم وعبدالاله، وعزيز وجميل، لها شخصية قوية وكانت تقوم بنقل وتوصيل الكتب الدينية الى أهالي القطيف كالأدعية وسير أئمة أهل البيت (ع) ثم حظروا عليها ذلك. توفيت العام 2007م وهي آخر من توفاهنّ الله من بنات صاحب هذه الترجمة.
6. مريم: زوجها من جدحفص، وقد أنجبت عددا من الأبناء والبنات منهم محمد. توفيت العام 2005م.
7. زينب: زوجها (الحاج حسن بن حماد) من القطيف وتربطها به صلة قرابة وقد أنجبت بنتين توفيتا في الصغر، لها هيبة وحظوة عند النساء وكانت تقرأ مصائب أهل البيت (ع) في مأتمها المستأجر من الأوقاف بقرب مسجد مؤمن (خطيبة حسينية) كما أوقفت بيتها الكائن في السقية للمأتم الذي بنته في نفس المنطقة، وكانت تعلم القرآن الكريم معلمة) في فريق المخارقة، وقد انتقلت إلى جوار ربها العام 1997م ودفنت في مقبرة أبوعمبرة بوصيّة منها.
أوراق متناثرة
– كان الشيخ علي بن حسن يحرص على الذهاب إلى مأتم العجم عصرا للاستماع الى الملا حسن بن الشيخ – كاتبه في المحكمة – وكانت القراءة عصرا باللغة العربية وفي الصباح كانت القراءة في هذا المأتم باللغة الفارسية. وكان يعتمد على أحد الأشخاص للانتقال من مكان الى آخر بسبب تقدمه في العمر. كما كان يستمع صباحا الى المآتم القريبة من بيته في أيام الإجازات الرسمية مثل مأتم بن خلف الذي انتقلت منه القراءة – آنذاك – إلى مسجد خميس فترة من الزمن ومأتم الحاج عباس وكذلك مأتم بن زبر وكان يقرأ فيه الخطيب الحسيني الشهير الملا عطية الجمري.
– كان يؤم المصلين جماعة في مسجد الشيخ خميس القريب من منزله وأحيانا كان يصلي بأهل بيته في منزله، عندما لا يكون قادرا على ذلك.
– كان يبعث لعائلته مبلغا من المال شهريا للمعيشة بالإضافة إلى معاشه التقاعدي الذي يستلمه أحد أبنائه بالوكالة.
– كان المستشار (بلجريف) يزور القضاة في بيوتهم أيام الأعياد، وفي أحد الأعياد زار الشيخ علي بن حسن في بيته الكائن بفريق المخارقة للتهنئة بالعيد. ومن واجبات الضيافة صب القهوة العربية للضيف، إلا أنّ المستشار كما يذكر في يومياته شعر بأنّ أصحاب البيت يرمون الفنجان الذي شرب فيه في الزبالة بعد خروجه من البيت. وبالتحري عن ذلك تبين أنهم لا يرمون الفنجان في الزبالة كما ذكر المستشار ولكنهم كانوا يغسلونه عدّة مرات منها مرة واحدة بالتراب!
– يذكر المستشار في عموده الشخصي أنّ الحاج أحمد بن خميس قد التجأ إليه ذات ليلة في منزله طالبا منه حمايته من أحد الأشخاص الذين لهم سطوة ونفوذ بسبب مطالبات مالية وديون، وكان قد استشار الشيخ علي في الأمر – وهذا مما لم يذكره المستشار – فأشار إليه بذلك لأن المحكمة لن تستطيع أن توفر له الحماية كما يوفرها المستشار!
بيته ومسجده
بعدما رجع الشيخ علي إلى القطيف سكن في بيته الذي يقع خلف قلعة تاروت مباشرة – يبعد عنها مئة متر تقريبا – وهو في طريق يسمى عندهم (الرفعة) لأنّ الأرض ترتفع تدريجياً عن مستوى الشارع بمقدار عشرة أقدام تقريبا، ولهذا السبب بنيت القلعة في هذا الحي حي القلعة) وفي هذه المنطقة لأنها مرتفعة عن سطح البحر. وكان الأهالي يسمونها (القصر) وتذكر حفيدة المترجم له نقلا عن والدتها – عندما كانت صغيرة – انّ جزءا كبيرا من هذه القلعة التاريخية يقع قريبا من السوق القديم، وكان متهالكا فسقط على مساكن بعض الأهالي الذين كانوا يبنون هذا النوع من المساكن (برستجات) تحت أسوار هذه القلعة (نحو العام 1902م) وقد قضى كل من كان في هذه البيوت ما عدا طفلة صغيرة، قد أخرجوها وهي على قيد الحياة من تحت الأنقاض فقد كتب الله لها النجاة فعاشت وتزوجت وأنجبت. أما البيت فيتكون من دورين وهو مبني بالحجارة والجص وجذوع النخل على الطراز العربي القديم، ويوجد في أحد جوانبه (حوش) متوسط الحجم ومبانيه الداخلية كالليوان والغرف بنيت بأقواس وأعمدة وتيجان وزخارف ورواشن، أما أبوابه ونوافذه فمصنوعة من الخشب الساج.
– وعندما شاهدت هذا البيت أول مرة – بعد وفاة الشيخ علي بأربعة عقود – كان قد أصبح أطلالا (خربة) كما هو واضح في الصورة، أما حاليا فقد أزيل قسم كبير منه ولم يتبق إلا جزء منه بجدرانه الأساسية. وبالقرب من هذا البيت بنى مسجد صغير كان يتخذه الشيخ علي بن حسن صومعة يتعبد فيها وهو صغير الحجم ولكن من يصلي فيه يكتسي بالخشوع التام ربما بسبب طابعه القديم.
وكم شاهدنا مساجد كانت بالأمس صغيرة أصبحت اليوم كبيرة المساحة كمسجد الشيخ علي الحساني القريب من القلعة من الجهة الأخرى (تأسس العام 1200هـ) فإن الله يقيّض لمساجده من يوسعها ومن يعمرها.
وهنا – والشيء بالشيء يذكر كما يقال – ينبغي التنويه بضرورة الاهتمام بالذاكرة الشفوية للمعمرين وكبار السن وتحويلها إلى ذاكرة مدوّنة وصوتية سواء ما يتعلق منها بالأزمنة كالحوادث والمناسبات والمهن والعادات والتقاليد.. أو ما يتعلّق منها بالأمكنة (ذاكرة المكان) كالأسواق والعيون والمساجد والمآتم والمدارس والبيوت والقلاع والشوارع والمقاهي الشعبية… الخ فكل يوم نتأخر فيه يضيع علينا من التراث شيئا لا يقدر بثمن فلا يمكن تعويضه فيما بعد، فعلى سبيل المثال هل الأسواق في البحرين الآنَ هي الأسواق نفسها التي كانت في الخمسينات؟ أين سوق الصفافير وسوق الحدادة وسوق الأربعاء وسوق الخميس وسوق العجم وسوق الطواويش… الخ؟ كلّها تغيّرت وتآكلت أو اندثرت تماما بفعل التحوّلات الكبيرة في جميع المجالات، هل قام أحد من الباحثين بتوثيقها للأجيال القادمة بالكلمة والصورة والصوت…؟ وقليل ما هم، وممن أدرك هذه الحقيقة الباحث عبدالله سيف عندما قام بجهد مشكور في توثيق مآتم البحرين (الحسينيات) في كتابه المتميز (المأتم) الذي أصدره في جزءين، وياليته فعل هو أو غيره للمساجد أيضاً. ربما يرجع السبب في عدم اهتمام الناس بذلك الى الاعتقاد بأنهم ما داموا يرون هذه الأمكنة كل يوم وليلة بصورة عادية ومتكررة فلا حاجة الى تسجيل تاريخها وتوثيقها، وكأنها بحسب هذه النظرة ثابتة على مر الزمن، مع أنّ الزمن يتحرك ويتغيّر يوما بعد يوم , فكم من (مكان) تمر به ليلا وما أن يطلع عليه النهار فإذا به قد أصبح أثراً بعد عين.
توفى الشيخ علي بن حسن آل موسى في يوم الأربعاء السادس والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1362 هـ الموافق 1943م، ودفن في مقبرة تاروت وقد ناهز 105 سنوات من العمر.
ومن الجدير ذكره أنه توفي معه في السنة نفسها بعض المشايخ من القطيف وهم:
الشيخ عبدالله بن معتوق التاروتي، الشيخ علي بن جعفر القديحي،الشيخ علي بن حسن الخنيزي القطيفي؛الشيخ منصور بن عبدالله آل سيف التاروتي.
وكان هؤلاء الخمسة – معهم صاحب هذه الترجمة – من كبار العلماء في منطقة القطيف في ذلك الوقت فكان الرزء كبيراً على أهالي القطيف في تلك السنة وقد رثاهم الشعراء والأدباء.
ومن الغريب أن قبر الشيخ عبدالله بن معتوق قد بني بعد وفاته وهو لا يرى ذلك جائزا، بينما ظل قبر الشيخ علي بن حسن من دون بناء فترة طويلة من الزمن وهو لا يرى حرمة في ذلك – لأن بعض أولاده لا يرى ضرورة في بناء القبر – ولكن قد بنى أهالي القطيف قبره في السنوات الأخيرة (من دون قبة). وقد ترك من وراءه ذرية صالحة كثيرة منتشرة في بلدان الخليج كالبحرين والمملكة العربية السعودية والكويت تعد الآنَ بالألوف.
وتجدر الإشارة إلى أنّ صاحب (أنوار البدرين) الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي البحراني (المتوفى العام 1340 هـ الموافق 1921م) لم يذكر الشيخ علي بن حسن آل موسى التاروتي لا من قريب ولا من بعيد في كتابه المزبور مع أنهما عاشا في القطيف في زمن واحد وطلبا العلم في وقت واحد، إلا أنّ الثاني قد ولد قبل الأوّل ومات بعده، ولا نعرف السبب في ذلك. وهو يذكر ما نصه: أما الكلام في ذكر علماء وأدباء وفقهاء القطيف فاعلم أنه لم يصل إلينا منهم إلا الشاذ اليسير وما خفى علينا الجم الكثير ص 280 – هذا عن الأموات – أمّا عن الأحياء فيقول: وقد سمعنا بعلماء كثيرين وأدباء بالغين إلا أني لم أعلم بحقائق أحوالهم ولم أقف على شيء من مؤلفاتهم وآدابهم وكمالهم حتى أنقل أسماءهم وأترجم أعيانهم! ص 375
وعلى كلّ حال فالله هو العالم بحقائق الأمور ويرحمنا جميعا مع من هم في القبور.
الوصية
في الحقيقة والحق يُقال لقد ترددتُ كثيراً في مسألة التطرق إلى الوصية، ذلك أنّ هذا الجانب من حياة المترجم له حساسيه شديدة من جهة ولأنّ هذا الجانب يعتبر بمثابة (المنطقة الرمادية) في حياته من جهة أخرى – من دون أن يكون هو السبب – فهي ليست بيضاء ناصعة أو وردية زاهية وفي الوقت نفسه ليست سوداء معتمة، لكنها منطقة ضبابية يلتبس على المرء الدخول فيها، وتقفز في ذهن الداخل إليها الأسئلة التي لا يستطيع أن يقطع بإجابة صحيحة عليها، حيث يقال إن الشيخ علي يرحمه الله قد حرم بناته من الميراث وخص به الذكور، فكيف يستقيم ذلك وهو العالم بشرع الله والعامل به؟! والآية الكريمة «وللذكر مثل حظ الأنثيين» يعرفها الصغير والكبير. وفي الواقع انه لايمكن إغفال هذا الجانب؛ لأنه سيؤدي بالتأكيد إلى تضييع جزء من تراث هذه الشخصية لذلك فإن إلقاء الضوء على هذا الجانب سيفتح الباب على هذه المنطقة الرمادية ولو بشكل موارب.
باختصار عندما توفي ابنه (عبدالرحيم) سافر الشيخ علي إلى القطيف وقام بتجديد الوصية والشهود بسبب موت ابنه المفاجئ لكونه هو الوصي فجعل ابنه الأكبر (نصر) الذي يعيش في البحرين هو الوصي ثم عاد الشيخ إلى البحرين وبعد فترة عقد العزم على العودة نهائياً إلى القطيف فعاد ثم استعلم بعد فترة قصيرة بأنّ زوجته الأخيرة التي في السنابس قد حملت، وحيث انه لا يعلم نوع الجنين أذكر هو أم أنثى، فقد أوصى قبل وفاته في ملحق خاص بالوصية له «وللذي في بطن أمه» وهنا يقفز السؤال إذا كان الشيخ علي قد حرم بناته من الميراث – كما يُقال – فلماذا يُوصي للذي في بطن أمّه وهو لا يعلم أذكر هو أم أنثى؟! ثم أليست تلك الوصية كافية؟ مع العلم أنّ التركة ليست بالشيء القليل حتى يغض الورثة الطرف عنها ولكنها الكثير الذي لا يعد ولا يحصى تكفي الجميع من الذكور والإناث ولذلك فإنّ بعض بناته عشنَ طوال حياتهنّ ولم يحصلنَ حتى ولو على جزء يسير من حقهنّ ومتنَ وهنّ كذلك، ولكن للأمانة التاريخية فإن الشيخ علي قد خص النخل الكبير المسمّى (بنخل العمامرة) للذكور دون الإناث – وهذا باعتراف الإناث أنفسهنّ – ولكن هذا التخصيص دليل آخر؛ لأنه يدل على التبعيض ولا يدل على الإطلاق، كما لم تشاهد بناته الوصية المذكورة – ولا نقول المزعومة – التي تذكر بأن كل التركة يجب أن تكون من نصيب الذكور وليس للإناث فيها حق ولا مستحق. والله أعلم.
لقد رثاه حفيده الفقير إلى ربه بهذه الأبيات:
قم ننعى عالم الدين ياصاح .. بالدمع الهتون
رزء قد أصاب البحرين يا حسرة في القلب الحزين
ومثله في أهـل القطيف كأختها تبكيه كل حين
كل رزء يتقاصر دونه إذا افتقدنا رجل الدين
فلا يخفف مصابنا إلا مصاب أبي عبدالله الحسين
إذا ثلم الدين ثلمة بقت آثارها إلى يوم الدين
سهم أصاب قلب الهدى فغاب النور في الطين
الدمع جرى في مقلتي بفقدك يا أبا حسين
تمر ذكراك في خاطري فتفوح كعطر الياسمين
قد كنت للشرع خادما تقضي بالحق المستبين
تحكم بين الناس بالعدل على نهْج أمير المؤمنين…
كتبت اسمك في الورى كالنور يسطع في الجبين
ما طار الفطا لذكراك إلا وقد طار على اليمين!
(إنما المرء حديث بعده) نذكره بخير كل حين
طلق المحيا بطيب معشر ومن صفاته حسن اليقين
سخي اليد هامي الغيث تجود نفسـه بماء معين
إذا جلس بدست القضاء ذكر مولاه القوي المكين
سل المنامة وسل عنه السنابس وسل الفرقدين
بلل الندى تراب قبره فأزهر الورد على الغصون
وسرى برق بجانب الحمى فإذا بالمزن يجود بمعين
قد أزهر بنور الأقاحي مذ بكت السماء على الدفين
وقد عبق بريح الخزامى وزها بالنرجس والنسرين
هذي قطيف لها السقيا قـد عجت بكثرة البساتين
وتلك قراها… بها النعمى وريحها قد عبقت بالرياحين
يا ثاويا في ثرى تاروت ألم يسعك ثرى البحرين
نعاك الناعي في غفلة وذلك من طبع المنون
أين الرجال من ربيعة هل تبخروا في طرفة عين؟!
تغمد المولى برحمة منه روحك يا فخر الأساطين
رزقت في جنة الخلد ممن تشاء بحور العين
فكل من يعمل الصالحات (له أجر غير ممنون)
ألف عذر – ياسيدي – فأني تأخرت كل هذه السنين
هذه الثمار قد أينعت فنم يا جد قرير العين
كنت للشرع خير خادم فأرخ (أنت خير أمين)

 

إعداد الباحث: فؤاد جعفر عيسى