1257504333المساجد .. ذاكرة وجذور: مسجد الخميس نموذجاً

تختزن ذاكرة المساجد في مملكة البحرين، تاريخاً مرتبطاً بالإسلام منذ أشعة فجره الأولى،فهذه الجزيرة التي استجابت للدعوة المحمدية سلماً وطواعيةً وبالإقتناع كان لها أن تزخر بعدد من المساجد والمراكز والحوزات العلمية التاريخية،وأن تكون مركزاً للإشعاع منها للمنطقة،ويشتهر من تلك المساجد مسجد صعصعة بن صوحان ومسجد الشيخ ابراهيم بن مالك الأشتر، ومسجد

الخميس الذي يعد من أقدم وأقواها شهادةً على وشيج إرتباط البحرين بالإسلام وقوة علماء الدين،حيث كان المسجد مركزاً للقضاء والحسبة ومحوراً لعاصمة البحرين آنذاك.

 1257504333

مشهد ومسجد ..
تقول المصادر التاريخية بأن مسجد الخميس كان يعرف بـ "المشهد ذو المنارتين" فقد شيد هذا الصرح ليكون في قلب المدينة تجاوره السوق ليكونا كمرفقين حيويين هامين يسهل الوصول إليهما للمقيم والوافد، فهما ملتقى الناس فإلى جانب ممارسة النشاط التجاري وقضاء الإحتياجات،هنالك محطة لأداء الصلوات والعبادات، كما هي مرجع ومأوى للناس لما كان يؤديه المسجد من أدوار أبرزها كونه مركزاً للتعليم ولإلتقاء العلماء والفقهاء بالقاعدة المجتمعية وهو دار القضاء ومركزاً للأفراح والأتراح وكل شؤون الأهالي.

 

قصة التشييد ..
إلى الدولة العيونية (467 – 638 هـ / 1074 – 1240م) ترجع أقوى الروايات تأسيس مسجد الخميس على يد شخصية تدعى "المبارك العظيم" عام 84هـ/703م في العهد الأموي  وأمر بإعادة بنائه أبا سنان محمد بن الفضل بن عبدالله العيوني. وقد تمكن العيونيون الذين ينتمون إلى منطقة العيون بالإحساء خلال فترة  حكمهم من توحيد أهم مناطق إقليم البحرين (الإحساء والقطيف وأوال) في عهد مؤسس الدولة العيونية عبدالله بن علي بن محمد بن إبراهيم العيوني عام 469هـ/1076م بمساعدة السلاجقة بعد تحرير هذه المنطقة من القرامطة الذين استمر حكمهم لها مدة قرنين (4). وقد تمكن الحكام العيونيون من إنشاء الكثير من المدارس في مناطق الدولة الثلاث التي اهتمت بعلوم الدين واللغة، كما أعادوا تشييد الكثير من المساجد التي طالتها يد التخريب القرمطية. ويمكن القول أن إعادة بناء مشهد الخميس تمت في عهد أبي سنان العيوني ثاني حكام الدولة العيونية (527 – 538 هـ / 1132 – 1143 م).
ويأتي اهتمام الأمير أبي سنان بإعادة تشييد مشهد الخميس عام 518هـ / 1124 – 1125 امتداداً لإهتمامه بتشجيع ودعم العلم وطلابه ومؤسساته التي يأتي المسجد الحاضن الأكبر للحركة العلمية والأدبية.
وقد تم إعادة تشييد المشهد خلال ولايته على أوال والقطيف وكتب على المنارة:
"بسم الله الرحمن الرحيم بنيت هذه المنارة أيام الملك العادل زين الدنيا والدين القائم في رضا رب العالمين أبي سنان محمد بن الفضل بن عبدالله"،وقد زينت جدران المشهد من الداخل بعدد من الآيات القرآنية المنقوشة، منها: "بسم الله الرحمن الرحيم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" كما نقشت أسماء الجلالة وأسماء الرسول (ص) وأهل البيت والأئمة المعصومون (ع).
كذلك ورد في الكتابات الخاصة بعمارة المشهد ما يلي: "أمر بعمارة هذه المنارة المباركة السيد المعظم المخدوم محمي الجهاد
سنة 724هـ / 1323 – 1324م".وقد تكون المنارة الثانية كما ورد في النقوش المدونة على جدران المشهد مما يأتي: "أمر بعمارة هذا المسجد المبارك الصاحب المعظم خواجة جمال الدين علي بن المرحوم منصور بن محمد كرد زيد تعظيمه في 27 صفر  776 هـ / 1374م"وربما يعني ذلك أن المشهد قم تم إعادة بنائه فيما بعد العيونيين.
ويمكن أن نستدل من خلال النقوش التي عثر عليها على جدران المشهد من الداخل الخاصة بالآيات القرآنية وبأسماء الجلالة والأئمة  المعصومون الإثني عشر بالإضافة إلى نقود الدولة العيونية خلال حكمهم في إقليم البحرين والتي تميزت بكتابات نقشت على هذه النقود مثلا: الوجه: "لا إله إلا الله ،محمد رسول الله، علي ولي الله،الظهر: رسول الله، جمال الدنيا والدين، الحسن بن علي.

وقد دلت النقوش الأثرية وهذه النقود التي عثر عليها في القطيف وفي أنحاء متفرقة من المنطقة الشرقية ومحفوظة في المتحف البريطاني – على استقلال الدولة العيونية وأن دينها الإسلام والمذهب الرسمي للدولة هو المذهب الجعفري (الإثني عشري) بما لا يدع مجالاً للشك، خاصة وأن النقوش الأثرية التي ضمتها جدران مشهد الخميس تكررت على جدران مساجد أخرى كمسجد رافع (الجمالة) في قرية الخميس ومسجد قرية باربار الذي شيد عام 729هـ / 1329م. ومشهد أبو زيدان قرب البلاد القديم .

 

تقليص الحرية الدينية
وفي موجز بحثه القيم يورد الباحث التاريخي حسين محمد الجمري في تعرضه لمسجد الخميس والقيادة الدينية في البحرين أن حكم بني جروان عام 1487م أنتهى على يد سيف بن زامل الجبري الذي أسس حكم بني جبر على جزيرة البحرين و شرق الجزيرة العربية. و يذكر جون كول في بحثه عن تاريخ الشيعة الامامية في البحرين أنه و على الرغم أن بني جبر لم يكونوا على المذهب الشيعي إلا أنهم تعايشوا متفاهمين مع الشعب, إلا أن الحرية المذهبية السابقة قد تقلصت, و لم يكن من السهل أن يتسلم الشيوخ الشيعة مناصب القضاة كما في السابق. و قد تسلم الحكم بعد سيف أخيه أجود بن زامل ثم خلفه أبنه من بعده محمد بن أجود و تلاه أخوه مقرن بن أجود بن زامل الذي قتل عام 1521 ميلادية على يد القوات المتحالفة البرتغالية – الهرمزية التي أحكمت سيطرتها على جزيرة البحرين فيما بعد..
أقتضت سياسة البرتغالين تعيين حاكم هرمزي سني للبحرين, و عليه تم تقليل دور العلماء الشيعة في القضاء. و من العلماء الذين عرفوا في هذه الحقبة الشيخ حسين بن مفلح الصيرمي (توفي 1526م) و الشيخ حسين الغريفي (توفي 1592م).

 

إعفاء الأوقاف ..
ويتابع الجمري : على الرغم من حدوث بعض الفتن أثناء الحكم الهرمزي للجزيرة و ذلك لتغيير الهوية المذهبية لشعب البحرين كقصة “أبو رمانة” الشهيرة, إلا أنه لا بد أنه كانت توجد صيغة تفاهم بين الشعب و الحكومة الهرمزية و خاصة في نهاية الحكم البرتغالي الهرمزي للجزيرة, فقد تم إعفاء جميع أملاك و أوقاف مسجد الخميس و الذي كان يعرف باسم (المشهد ذي المنارتين) في ذلك الوقت من جميع أنواع الضرائب, و قد كان هذا القرار في غاية الأهمية بحيث تم نقشه على صخر كبير, فقد عثر على نقش يوثق ذلك منقوش على صخرة كبيرة مقسمة لثلاثة أقسام. النقش نفسه يتكون من سطرين و هما كالتالي
(1) بسم الله الرحمن الرحيم لمثل هذا فليعمل العاملون إلى تقرب الله العظيم الحشيم طلبا لثوابه حضرة خلاصة الوزراء الأعاظم و لجنة الأواصف الأفاخم ركنا للوزارة و الايالة و الحكومة و العدالة و الاقبال محمود …. اعز (؟) ….. رب (؟) ….. حضرة …. نور للسعادة ….. الغفر …. امراء (؟) و شاهان
برفع التوزيع و الثغور و سائر خرجات الديوان عن أوقاف و أملاك المشهد الشريف ذي المنارتين الكائن ببلد أوال خرجات (؟) …. منها (؟) و عن (؟) الوبال رفعا مؤبدا على ممر الأيام …. إلى الخاص (؟) فمن ألغا و عزم شيا مما رسم في هذا الحجر من سائر العالمين فعليه لعنة الله و الملئكة و الناس أجمعين تحريرا بشهر شعبان لسنة تسعين و تسعمائة هجرية الحمد لله صلاة على محمد و آله
يعود تاريخ النص لعام 1582م, أما محمود المذكرو فيعتقد أنه ابن جلال الدين مراد محمود شاه الذي حكم البحرين من قبل الهرمزيين و رمم قلعة البحرين عام 1561م و توفي عام 1577م و عين من بعده إبنه الذي ربما يكون محمود هذا.سيطرة الصفويين (1602م – 1717م)
وفي مطلع القرن السابع عشر الميلادي (1602م) ، خضعت جزيرة البحرين للدولة الصفوية، بعد استعادتها من المستعمرين البرتغاليين، فاستعان الصفويون بالفقهاء لجهة تعزيز سلطتهم واستحدثوا مؤسسة دينية مضبوطة على نموذج المؤسسة الدينية الإيرانية، اعتمدت نفس النظام المراتبي الديني المعمول به في إيران و الذي يعتمد على وجود شيخ الإسلام بالإضافة للحاكم السياسي.
اجتذبت تلك المؤسسة كبار علماء الدين في البحرين من الخط الأصولي، الذي بدأ ينشط بالإفادة من إمكانيات وتأييد السلطة الصفوية. و قد تم تعيين العديد من علماء البحرين كقضاة في إيران. وبالإمكان تتبع بعض الأمثلة عن تولي بعض علماء البحرين الذين هاجروا إلى إيران مناصب في الدولة الصفوية وخصوصاً في سلك القضاء، كما أسهموا في رفد السلطة بتصورات سلطانية جديدة، ونذكر منهم السيد ماجد ابن السيد محمد البحراني (ت. 1022هـ)، الذي كان يقيم الجمعة في البحرين ثم هاجر إلى إيران، واجتمع بالشيخ البهائي في أصفهان، وأصبح قاضياً بشيراز ثم بأصفهان، ودرس في دار العلم بشيراز، وتخرج على يده علماء إيرانيون، ومنهم أيضاً السيد محمد بن السيد عبد الحسين آل شبانة، تقلد منصب شيخ الإسلام، واستوطنأصفهان، والشيخ صالح الكرزكاني، الذي توطن شيراز وانتهت إليه ولاية القضاء بأمر السلطان الشاه سليمان، وقد بعث إليه السلطان الصفوي الشاه سليمان خلعة القضاء (الرسمي) المرقم حكومياً، فتسلم الكرزكاني القضاء بعد لأي منه، والتماس من بعض المقربين.
أما في البحرين فقد تم تعيين علماء شيعة في منصب شيخ الإسلام ويعد الشيخ محمد الرويسي أول عالم دين أصولي يتولى القضاء في البحرين أثناء الحكم الصفوي.

 

العلاقة بشيخ الإسلام
جاء في ديوان أبو البحر الخطي تعقيبا على قصيدة رثى فيها شيخ الإسلام عبد الؤوف بن حسين الموسوي  ما نصه:
“ثم قرئت العهود و التقليدات المقررة من قبل هرموز بتقليد القضاء أبنه الشريف أبا عبد الله جعفر (قدس سره), و ولاية الأوقاف, و فوضت إليه الأمور الحسبية, و أفرغت عليه الخلع من الديوان, و ذلك بالمشهد ذي المنارتين من أوال بالبحرين ثالث عشري شهر صفر للسنة السادسة بعد الألف”.
من النص السابق يلاحظ أن حفل التأبين لشيخ الإسلام حدث في مسجد الخميس, و عملية تنصيب خليفة له بقرار مرسوم حدثت في مسجد الخميس الذي ربما كان مركز القضاء و مقرا لشيخ الإسلام.
من تقلد قاضي القضاة أو شيخ الإسلام في الحقبة الصفوية
1 – محمد الرويسي
2 – حسين بن أحمد الحسيني الموسوي
3 – عبد الرؤوف بن حسين الحسيني الموسوي (توفي 1006 هجرية)
4 – جعفر بن عبد الرؤوف الموسوي
5 – ماجد بن هاشم الصادقي, هاجر إلى شيراز وتوفي بها عام 1028 هجرية
6 – حسين بن عبد الرؤوف الموسوي (توفي 1028 هجرية)
7 – علي بن سليمان القدمي البحراني (توفي 1064هجرية / 1654م)
8 – صلاح الدين بن علي بن سليمان القدمي (توفي بعد فترة بسيطة بعد والده)
9 – محمد بن سليمان المقابي
10 -  محمد بن ماجد الماحوزي (1105هجرية / 1693م)
11 – سيد هاشم التوبلاني (توفي 1107هجرية /1695م)
12 – سليمان بن عبدالله الماحوزي (توفي 1121هجرية / 1709م)
13 – أحمد بن عبدالله البلادي (1725م)

 

مسجد الخميس يتحول إلى أطلال
يبدو أنه بنهاية القرن الثامن عشر فقد مسجد الخميس أهميته, و بدأ يتحول إلى أطلال, و يلاحظ في ما كتب عن “مسجد الخميس” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و صف المسجد بأنه مجرد أطلال, حتى و إن أستمر البعض في الصلاة فيه, فما عاد ذلك المركز الديني, بل تحول لمعلما جميلا يزوره المستشرقون يتأملون جماله و روعة بناءه, و بعض الرحالة ينتابهم الفضول لدراسة تاريخه.

1257504884

1257506764

المصدر: جمعية التوعية