شيعة البحرين أغلبية في العدد أقلية في الحقوق

المقدمةالسيد علي كمال الدين
تثير مسألة الأغلبية العددية مقابل الأقلية العديد من الإشكاليات السياسية و الاجتماعية، إلا أن أبرز تلك الإشكاليات هو ما يتعلق بتناسب الحقوق مع النسبة العددية، فالأكثرية العددية لها الحق في تشكيل الحكومة و لها الحق في السيطرة على توزيع الثروات و لكن من دون أن تهضم حقوق الأقليات الأخرى أو تستخدم أغلبيتها في نسج علاقات قوة و استبعاد exclusion للآخرين .
البحرين و دول ثلاث أخرى( العراق، لبنان، إيران) يشكل

الشيعة فيها أكثرية عددية، هي الوحيدة التي لا تزال الأكثرية فيها بعيدة و محرومة من حقوقها السياسية و الاقتصادية، إذ يشكل الشيعة الفصيل الأكبر من ضمن الفصائل الطائفية داخل النسيج البحريني الذي لا يتعدى تعداده 656,397 ألف نسمة ، حسب تقدير يوليو/تموز 2002. وبالنظر إلى التركيبة الإثنية، يمثل المواطنون البحرينيون الغالبية من سكان البحرين، بواقع 63 في المائة، يليهم الآسيويون 19 في المائة، ثم بقية العرب بنسبة 10 في المائة، ثم الإيرانيين بنسبة 8 في المائة.[1] ويشير تقرير مركز ابن خلدون حول الأقليات لسنة 1993 إلى أن سكان البحرين ينقسمون إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
العرب الشيعة ونسبتهم 45% من مجموع السكان.
والعرب السنة ونسبتهم كذلك 45% .
أما الإيرانيون فنسبتهم 8%، وثلثهم من السنة والثلثان من الشيعة.
وبذلك يصل الشيعة العرب والإيرانيون إلى حوالي 52%، أما السنة العرب والإيرانيون البلوش فنسبتهم 48%، وأشار التقرير الصادر من المركز نفسه سنة 2004 إلى أن الشيعة يمثلون ثلثي سكان البحرين[2]، ليتفق بذلك مع كثير من الدراسات الإثنية التي تقدر نسبة الطائفة الشيعية في البحرين نحو 70 في المائة من عدد السكان، فيما يمثل المسلمون السنّة نحو 30 في المائة[3]. و كانت آخر الدراسات الصادرة عن الشيعة في منطقة الخليج قد قدرت أن حوالي 70% من البحرينيين هم من الشيعة[4]
بالرجوع إلى الكتابات التاريخية، خصوصا تلك المتعلقة بالتاريخ السياسي للبحرين، ثمة إجماع على أن الشيعة كانوا يشكلون الأكثرية[5] وما زالوا ذلك، وهذا لا يلغي الطابع التعددي الذي هي عليه البحرين . فيذكر صاحبة التحفة النبهانية أن سكان البحرين قبل استيلاء ال خليفة عليها عام 1783 كانوا من الشيعة[6] ، بدورها كانت هذه النسبة( العددية) تقف خلف العديد من المشاكل السياسية بين الشيعة ونظام الحكم.
ما تحاوله هذه الدراسة هو تسليط الضوء على عدة محاور:
المحور الأول الموروث التاريخي للمظالم
المحور الثاني : الأغلبية و الأقلية كأدوات سياسية.
حيث سنعالج في المحور الأول الواقع التاريخي للمظالم و الحرمان الذي ترتب على واقع أن الشيعة أكثرية وفي المحور الثاني سنرى أن هناك محاولات عديدة لإبطال أكثرية الشيعة و بالتالي إسقاط المطالب السياسية الوطنية التي يناضلون من أجلها.
المحور الأول: الموروث التاريخي للمظالم
يختلف المجتمع الشيعي عن نظيره المجتمع السني من حيث علاقته بالدولة. فالأخير يعتبر الدولة حاضنة له و لها حق الإشراف على تكويناته الثقافية و الاجتماعية، في حين أن المجتمع الشيعي لا يزال ينظر إلى الدولة على أنها تشكل خطرا و تهديدا لهويته و خصوصياته العقائدية و الثقافية بل و الاجتماعية.
انعكس ذلك محليا في جوانب مختلفة إلا أن أبرزها هو تحالف النخبة الحاكمة مع طبقة التجار من أهل السنة وهو تحالف منع آل خليفة من التدخل المباشر في اقتصاد اللؤلؤ حيث ينخرط فيه أغلبية زعماء القبائل السنية مقابل التدخل المباشر في اقتصاد الزراعة و الصيد الذي يشكل قطاعا خاصا بالسكان الشيعة[7]. وكان من الطبيعي أن تؤثر تلك التحالفات في الاقتصاد الحديث سواء في شكله الكلي المتعلق باقتصاد الدولة و كمية الخيرات العامة فيه، أو في شكله الجزئي القائم على الوكالات التجارية و قطاع الإنشاءات. إذ تشير المعلومات المتوفرة إلى قيام النخبة الحاكمة باحتكار توزيع تلك المنافع على فئة واحدة هي الفئة المتحالفة معها تاريخيا و سياسيا. ففي العشرينات كان قطاع التعليم الرسمي لا يسمح باختلاط السكان الشيعة مع أقرانهم من أهل السنة[8] كما لم يسمح لهم بالانخراط في جهاز الشرطة، وفي الثلاثينات كانت هناك مطالب شيعية تقدم بها الزعماء الشيعة للحاكم من ضمنها إلغاء التمييز في توظيف عمال شركة النفظ " بابكو"[9]. ومع تطور أجهزة الدولة البيروقراطية و الإدارية و تشكيل الدولة المعنية بتقديم خدمات عامة للمواطنين تبين أن مستوى الخدمات غير متكافئ بين المناطق فظلت القرى مستبعدة من الخدمات الصحية و التعليمية و الإنشائية. أما على مستوى الوكالات التجارية و الإنشاءات التي كانت تمثل عصب الاقتصاد الجزئي فإن أكثر تلك الوكالات آلت إلى شخصيات مرتبطة بالنخبة الحاكمة و كثيرا ما كانت مناقصات الإنشاءات ترسو على شركات و مؤسسات محددة و معروفة سلفا.
الموروث التاريخي للمظالم
تاريخيا كان الشيعة في البحرين، محل ضغوط هائلة أجبرتهم إما على الهجرة من بلادهم الأصلية إلى أمكنة مجاورة أو القبول بواقعهم المتدني و التعامل معهم كمجاميع بشرية من الدرجة الثانية. وعلى طوال أكثر من ثلاثة قرون كانت البحرين مسرحا لعمليات حربية و غزوات و حروب متبادلة تدور في غالبها بين أطراف لا تنتمي في الأساس للمجتمع الأصلي[10]، إلا أن ضحيتها و آثارها المدمرة تطال السكان الأصليين بالدرجة الأولى. وهذا ما ركز في الوعي الجمعي شعورا انعكس بدوره على الهوية السياسية للسكان الأصليين وهو شعور سلبي اتجاه الدور السياسي، الأمر الذي عزز جانبا من جوانب العزلة لدى المجتمع الشيعي اتجاه الدول القائمة و المسيطرة.
وإذا ما صرفنا النظر عن الأدبيات الشيعية الخاصة فإن كثير من التقارير الإدارة البريطانية كانت تؤكد على وجود اضطهاد و إقصاء بحق الشيعة من قبل العائلة الحاكمة. و كان جي .ج. لوريمر قد استند إلى بعض تلك التقارير في كتابه دليل الخليج في توثيق تلك الحالة حيث بدأت بالظهور بشكل فج بعد الحرب الأهلية التي دارت بين أفراد عائلة آل خليفة سنة 1867[11] أي بعد مرور ما يقارب من ثمانين سنة على استيلاء آل خليفة على جزيرة البحرين. و ربما أمكن تفسير ذلك بسيطرة آل خليفة المطلق على الأراضي و توحيد حكمهم تحت شخص واحد. كما يمكن التوصل إلى تفسير أكثر معقولية عند القبول بأن الفترة التي تلت الحرب الأهلية كانت بداية في الوقت نفسه لنشوء حكم مركزي حاول أن يخضع الأطراف و المناطق الأخرى لسيطرته عبر طرق الإكراه و الضغط السياسي، و كان من ضمن أدواته العنف و السخرة و مصادرة الأراضي وفرض ضرائب محددة على السكان الشيعة[12].
ربما أمكننا السؤال عن البدائل السياسية التي تحرك من خلال الشيعة في وقت تشكلت علاقتهم مع الدولة على أرضية الشك و التوجس من قبل الشيعة و على أرضية الإقصاء و التهميش من قبل الدولة القائمة؟
لقد دفعت الحالة السياسية تلك الشيعة إلى الانعزال عن الدولة و الاتجاه باتجاه تعزيز الولاء للطائفة كبديل للولاء السياسي للدولة من دون التنازل عن الولاء للأرض و الوطن، ومن ثم كان على الشيعة البحث و التأسيس لقاعدة ارتباط قوية تكفل حماية هذا الولاء و تحافظ عليه. استنادا لكثير من الدراسيين[13] فإن علاقة الشيعة بالمرجعيات الدينية و اهتمامهم بالمراكز العلمية و الحوزات الدينية يعتبر بديلا سياسيا بالدرجة الأولى. فقد لعبت هذه العلاقة المتفردة دورا كبيرا في الحفاظ على بنية المجتمعات الشيعية في كثير من المناطق الجغرافية التي يتواجد فيها الشيعة. و ربما أمكن القول أن تدهور مؤسسة المرجعية الدينية المحلية في البحرين منتصف القرن التاسع عشر كان سببا رئيسيا في زيادة المخاطر و تعرضهم لمزيد من الاضطهاد و مصادرة الأراضي و غيرها من المظالم التي لحقت بالمجتمع الشيعي من بعد تلك الفترة.
و عندما قامت الإدارة البريطانية بالتعاون مع الحكومة المحلية بمسح الأراضي و تحديدها في سنة 1924 كان الكثير من الشيعة لا يمتلكون وثائق ملكية للأراضي التابعة لهم و خشية من تحويلها إلى أراضي دولة أو السيطرة عليها من قبل أفراد العائلة الحاكمة لجأ العديد منهم إلى تحويل أراضيهم إلى أوقاف دينية تخص شعائر دينية خاصة بالشيعة و انتقلت مساحات أخرى إلى ما يعرف بالمآتم أو الحسينيات.
لكن ذلك لم يمنع الشيعة من تشكيل أنفسهم تحت لواءات سياسية و قيامهم بالانحياز السياسي و تطوير نظرتهم لمسائل السياسة و أمور الدولة، إما عبر حركات احتجاجية أو سعيهم المكثف ناحية المطالبة بحقهم السياسي كما حدث في العام 1894 عندما شكل رجل الدين السيد شبر الستري حركة سياسية حاول من خلالها السيطرة على نظام الحكم في البحرين و طرد آل خليفة منها[14]، أوكما حدث في السنوات اللاحقة على بداية إدخال الإصلاحات البيروقراطية و الإدارية في البحرين سنة 1923[15].
الدور البريطاني في تعزيز التهميش
لا شك أن عملية ضخمة مثل احتلال جزيرة بأكملها و استبدال أنظمتها السياسية و الاجتماعية كانت تستدعي الكثير من الجهد في عزل السكان الأصلين و استخدامهم في أعمال سخرة، لذا كان الشيعة يتعرضون لكافة أنواع التمييز و الاضطهاد حتى مطلع العشرينات من القرن الماضي ،حيث بدأ الشيعة برفع عرائض تظلم و كتابة الشكاوي احتجاجا على أوضاعهم السيئة. ففي عام 1921 تقدمت 50 شيعية شخصية بارزة برفع عريضة للمعتمد البريطاني تطالبه بتطبيق الإصلاحات ويتكرر المشهد نفسه في ديسمبر من العام نفسه مع المطالبة بالحماية البريطانية لتلك القوى وفي يناير 1922 وقع الشيعة عريضة تؤكد على وجود تمييز واضح ضدهم، حيث كانوا محرومين من التمثيل في القضاء و في المجلس العرفي و سائر إدارات الدولة آنذاك. لهذا وقف الشيعة بجانب الإصلاحات الإدارية التي أدخلتها الإدارة البريطانية بشكل متعسف بعد أن رفض حكام البحرين تعديل أوضاعهم السياسية وفضلوا البقاء في المجال القبلي و التعامل مع الشيعة بمنظور العبيد الذين يجب عليهم أن يظهروا السمع و الطاعة للأسياد القادمين من خارج الجزيرة.
كان أداء الإدارة البريطانية كسلطة احتلال يعزز من واقع تهميش الشيعة و مصادر حقهم السياسي و كان واضحا إصرار الإدارة البريطانية على إبقاء أوضاع التراتيبية السياسية و ضمان تفوق آل خليفة و بالتالي تفوق أهل السنة . فبعد أن عزلت الإدارة البريطانية حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي على خلفيات عديدة منها تهميشه للشيعة و تعرضهم للاضطهاد، تبين أن الإدارة البريطانية استغلت تلك الأوضاع السيئة لترتيب أوضاعا سياسية أخرى تتناسب و المصالح البريطانية المتطورة في المنطقة. وقد أعلن المقيم البريطاني كوكس ذلك صراحة في الاجتماع الذي عقد لتنصيب الشيخ حمد بن عيسى حاكما على البحرين بعد عزل أبيه الشيخ عيسى وكانت هذه الصيغة هي التي وجهها الكابتن نوكس knox في تاريخ 26مايو 1923 إلى الطائفة الشيعية إذ قال"إن معظم التوتر الذي شهدته البلاد مؤخرا كان مصطنعا ..يجب ألا تتوقعوا مساواتكم بالسنة بشكل تام". في نفس المضمار ويعلق الميجر ديلي على ذلك بقوله "خابت الآمال التي علقها الشيعة على الإصلاحات"[16]، عندها فهم الشيعة أن آمالهم التي علقوها على الإصلاحات الإدارية قد خابت و أن أوضاعهم المهمشة سوف تبقى وهو ما دفع بزعماء الشيعة إلى البحث عن استراتيجيات جديدة في العمل السياسي، تضمن له حصة من التمثيل السياسي و الإداري داخل الدولة الفتية.
وفي مقابل الموقف الشيعي الباحث عن أطر دستورية و سلمية للعمل السياسي و أطر قائمة على الاحترام المتبادل و أسس المواطنة، كان الموقف السني لا يقل شأنا عنه حيث اعتبروا التشيع نوعا من الهرطقة وبالتالي فلم يألوا جهدا في ظلم واحتقار الشيعة سكان الجزر الأصليين ولم تكن الحوادث التي تجرى على الشيعة من الظلم والتعسف من قبل الحكم القبلي تحرك فيهم الرغبة للتعاطف او المساندة فقد فرضت ضرائب خاصة على الشيعة وحدهم مثل ضريبة الرقبة وبساتين النخيل وضريبة السمك وبدأ للكثيرين من السنة في عام 1923 أن فكرة المساواة في جباية الضرائب تدخل بريطاني في الشؤون الداخلية [17]"
رغم قناعة البريطانيين بوقوع التمييز ضد الشيعة و أن الأمور التي تجرى عليها السياسة في البحرين غير مقبولة دوليا إلا أنهم تعهدوا سرا و علانية بالحفاظ على تفوق العائلة الحاكمة و من خلفها الوجود السني في البحرين فقبل عزل حاكم البحرين عيسى بن علي سنة 1923 أرسل الملك سعود بن عبد العزيز إلى المقيم البريطاني ترنفور رسالة يسأل فيها عن حقيقة الإصلاحات ما ستؤول إليه أوضاع الشيعة في البحرين و انعكاس ذلك على الشيعة في القطيف و الإحساء وكان الجواب حاسما جدا من قبل ترنفور حيث أكد أن الإصلاحات الإدارية سوف تحافظ على الوجود السني و تفوق العائلة الحاكمة على سائر الفئات الاجتماعية. وعندما تم عزل الحاكم بحضور ممثلين عن الطوائف و الأعيان سنة 1923 توجه المقيم البريطاني إلى الأعيان الشيعة و حذرهم من الخروج على الحاكم الجديد أو المطالبة بأية إصلاحات أخرى خصوصا فيما يتعلق بمعاملتهم سواسية مع أفراد العائلة الحاكمة. منذ ذالك الحين و الشيعة يبحثون لهم عن مؤطي قدم في مؤسسات الدولة المغلقة على من دخلها يوم أن دخل آل خليفة البحرين سنة 1782.
الدور السياسي المقاوم
استمر الدور السياسي الشيعي متوقدا منذ العشرينات و ظهر بشكل واضح و قوي في مرحلة الخمسينات إبان تشكيل الهيئة العليا [18] سنة 1953 حيث كان الشيعة يشكلون أكثر من نصف أعضاءها 120 شخصا و يمتلكون نصف عدد الهيئة التنفيذية فيها المكونة من ثمانية أشخاص.
وقد سبق مشروع الهيئة العليا مشروع حركة 1938 الذي جاء في خندق الانقسام الطائفي ففي الوقت الذي لم يتحرك القطاع السني لكونه صاحب الامتياز تحرك القطاع الشيعي مطالبا بالتمثيل النسبي في مجلس التجارة والبلدي وتوفير المدارس التعليمية للبحارنة الذين حرموا منها.فقد وقع الشيعة رسالة بتاريخ30/12/1934 تتناول هذه المطالب، وفي صيف 1938 صاغ البحرانة مطالبا جاء فيها "تتألف الهيئة التشريعية من ثلاثة أعضاء من السنة وثلاثة من الشيعة وان تكون برئاسة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة"وبينما كانت حركة الإصلاح تأخذ حجمها الشعبي أقدمت السلطة على مغازلة الشيعة ومنع تكوين تحالف شيعي /سني يتقدم بمطالب مشتركة للحكومة[19]. يؤكد اسحاق الخوري في دراسته الرائدة عن البحرين أن انخراط الشيعة في أجهزة الدولة واجه عقبات عديدة على رأسها موقف النخبة الحاكمة من الطائفة الشيعية و يبين أن الدولة التي تأسست منذ العشرينات لم تستطيع أن تكون دولة حاضنة لجميع الفئات التي يتكون منها المجتمع البحريني و بالأخص الفئات الشيعية التي ظلت محرومة من التوظيف في المراكز الحساسة و المناصب العليا داخل الدولة.[20]
لقد بدأت طائفة الشيعة بعد إصلاحات العشرينيات تدرك مدى القوة السياسية التي يمكن أن تكون لها لو تجمعت كلمتها وكان هذا الأمر ينطبق بصورة خاصة على طبقة التجار من الشيعة والتي بدأت تنمو في المنامة إلا أن موقف البريطانيين من مطالب 1934 أفهم الشيعة بأن حلفاء الأمس لن يستمروا في دعم مطالبهم. ومنذ ذلك الحين أصبح لزاما عليهم البحث عن حلفاء جدد يقاسمونهم مطامحهم فساعد ذلك على تقريب الهوة بين الشيعة والسنة الدين وحدوا قواهم فيما بعد ليعززوا من ثقل مطالبهم السياسية[21].
لقد تمخض من مشروع 1938 عدة أمور أصبحت بمثابة الارتكاز للعمل السياسي المنظم والمقاوم لآليات التفعيل الانقسامي السلطوي ومن أهم تلك الأمور:
1- التوازن الطائفي انطلاقا من انقسام المجتمع طائفيا.
2- الرهان على الطبقة المتوسطة الناشئة خصوصا العمال والطلاب بعد ان اتضح إن انسحاب الثقل الأكبر "فئة التجار"كان السبب في فشل تحرك 1938.
3- التوحد في طرح القضايا المصيرية المشتركة وأهم ذلك المجلس التشريعي و إصلاح القانون الإداري.
4- العمل من خلال الالتزام بشرعية السلطة للعائلة الحاكمة وفض الشراكة بين الأخيرة والاستعمار البريطاني المتمثلة في شخصية المستشار بلجريف.
عندما برزت الاتجاهات السياسية الراديكالية في المنطقة و في البحرين كان كثير من أعضاء تلك التيارات السياسية من الشيعة بحكم النسبة العددية التي يمتلكونها و انطلاقا من التهميش الاجتماعي و السياسي الذي لحق بهم طوال عقود.
المحور الثاني: الأغلبية الشيعية واقع تاريخي يصعب تجاهله
رغم أن العديد من الدراسات تؤكد أن الشيعة في البحرين يمثلون الأغلبية المطلقة ( 60 إلى 70 %) حاليا و قديما، إلا أن الحكومة لا تزال تصر على أن الشيعة يمثلون أقلية عددية. وجهة نظر الحكومة تقوم على أن الشيعة يمثلون ما نسبته 20% تقريبا و لهذا فهم يشغلون هذه النسبة في المؤسسات الرسمية و المناصب العليا، فمجلس الشورى و مجلس النواب يمثل الشيعة فيهما حوالي 20% إلى 35% على التوالي و نسبة تمثيل الشيعة في الحكومة تقترب من حاجز 20% أيضا، أكثر من ذلك فإن قانون توزيع الدوائر الانتخابية المعمول به حاليا صمم على أساس أن يكون تمثيل الشيعة في مجلس النواب قريبا من النسبة الرسمية بحيث لا يصل تمثيل الشيعة أكثر من 40% حتى ولو كانت الكتلة الانتخابية تعادل ما نسبته 70% من الشيعة.
بناءا على ذلك يمكن لنا أن نفهم خطورة مسألة الأغلبية و الأقلية، كأدوات سياسية تستخدم من أجل تمرير مجموعة كبيرة من الأغراض السياسية على رأس تلك الأغراض مسألة شرعية نظام الحكم و مشروعية السياسة المتبعة في التعامل مع المواطنين من حيث درجة المشاركة السياسية و نسبة الحقوق مقابل الواجبات السياسية و فيما يتعلق بتوزيع الثروة الاقتصادية و تقديم الخدمات الإنمائية و التنموية للمناطق السكانية. بل إن لها دور خطير في صياغة الذاكرة التاريخية و الهوية الجماعية كما سنرى في القسم الثالث من هذه الدراسة. وفي الواقع فإن العديد من المشاكل السياسية ظلت عالقة لكونها مسائل تتطلب وضع حلول عملية وواقعية لمسألة الأكثرية و الأقلية و تلبية استحقاقات مترتبة عليها.
ما تواجهه حكومة البحرين هو أن حكاية الأقلية الشيعية لا تلقى رواجا كبيرا عند مراكز الأبحاث و لا عند مراكز صناعة القرار، حيث تشكل حقيقة الأغلبية الشيعية مأزقا سياسيا و اجتماعيا للنظام السياسي، فالعديد من الضغوط الخارجية تأخذ بهذه الحقيقة و تطالب الدولة بعدة أمور منها ضمان حقوق الأكثرية الشيعية السياسية و الاجتماعية و احترام خياراتهم الاجتماعية و السياسية.
لكي يتخلص النظام السياسي من تلك الضغوط لجأ إلى إتباع استراتيجيات مختلفة طوال العقود السابقة، لكنها تصب في مصب واحد، هو إلغاء أي أثر للأكثرية الشيعية، في محاولة للتخلص من تلك الضغوط و محاولة للتهرب من الاستحقاقات المترتبة عليها، مثل أن الشيعة مرتبطون بإيران، أو أن الشيعة أقلية غير مؤهلة لتسلم مناصب عليا بحكم أنهم من أهل القرى أو الأرياف، أو أن الشيعة لا يعانون من أي تمييز أو اضطهاد سياسي..إلخ.
تقوم الإستراتيجية الحديثة على إحداث ثغرة في التاريخ الاجتماعي و الديمغرافي بهدف إعادة كتابة التاريخ و إعادة مواضع التشكيلات السياسية و الاجتماعية في البحرين. و بالتالي فنحن أمام مهمة يراد لها أن تأخذ عمرا زمنيا غير قصير مهمة تأخذ على عاتقها تكوين ذاكرة جديدة و تطويع الذاكرة التاريخية لخدمة أغراض سياسية محددة .
و يمكن هنا إبراز ثلاث آليات رئيسية تعمل من خلالها الإستراتيجية الأحدث لمواجهة استحقاق الأغلبية الشيعية وهذه الآليات كالأتي:
1- التشكيك في النسبة العددية التي شكلها الشيعة في البحرين تاريخيا.
2- العمل على إحداث تغيير صناعي في التركيبة السكانية و إلغاء الأكثرية العددية.
3- رفع شعار المواطنة المفتوحة، كإطار مناقض للتقسيم الطائفي.
الخطوتين الثانية و الثالثة هي خطوات عملية تمت مباشرة العمل بهما منذ فترة طويلة و قد كشف تقرير البندر جزء من تلك الخطوات سواء في التجنيس السياسي أو في مواجهة المعارضة الشيعية ووصمها بالطائفية أو غيرها من الأوصاف السلبية عند محاولة المعارضة طرح ملفات التمييز و الحقوق السياسية، وما سوف نركز عليه هنا هو الآلية الأولى في تلك الإستراتيجية.
منذ فترة بدأت بعض الدعايات و الأقلام تدعو إلى إعادة النظر في تاريخ التركيبة الاجتماعية للبحرين و تقوم تلك الدعاية على أن الشيعة ( ربما ) يمثلون الأكثرية حاليا، لكنهم كانوا أقلية طوال الفترات الماضية. أما كيف شكلوا الأغلبية الحالية فيعود إلى جملة من الأسباب تتمحور حول زيادة نسب الولادة و ارتفاع عدد الزوجات عند الشيعة. وهي أسباب لا تخلو من توجيه قدح للطائفة الشيعية في البحرين فارتفاع نسب الولادة أو عدد الزوجات يرتبط نسبيا بثقافة تقليدية و معايير غير إنمائية، و بالتالي فإن الطائفة الشيعية في البحرين بعيدة عن معايير التحضر و التنمية البشرية، وهي طائفة تقترب من التخلف الحضاري و الأساليب البدائية في التعامل مع المنجزات التنموية. و من جانب آخر لا يمكن التغافل عن جهود مضنية تبذل من قبل بعض الكتاب و بعض المؤسسات الإعلامية و الجمعيات السياسية لتأكيد هذا المنحى، و العمل على إحداث فصل بين الشيعة و مرجعيتهم الدينية و السياسية تحت عنوانين مستهلكة و ركيكة من قبيل الصفوية و التأثير الفارسي . ومؤخرا لجأ البعض إلى كتاب دليل الخليج لمؤلفه جي.ج. لوريمر لإثبات أن الشيعة كانوا أقلية في بداية القرن العشرين و تحديدا في سنة 1905، في خطوة لا تعتبر ذكية تماما لتأكيد أن تلك المقولات تمتلك شواهد و أدلة شبه موثقة.
قبل أن نستعرض مقالة لوريمر بالنقد يجب توضيح نقطتين، الأولى أنه لا يوجد خلاف حول أكثرية الشيعة في البحرين قبل أن تستولي عليها قبيلة آل خليفة سنة 1783 ، و أن الوجود السني في هذه الجزيرة بالتحديد لم يكن ليحصل إلا بعد هجرة القبائل المتحالفة مع قبيلة آل خليفة و القبائل السنية الأخرى مثل قبيلة الدواسر التي نزلت في البحرين بعد 1845. و قد أكد هذه الحقيقة العديد من الباحثين و المؤرخين منهم خليفة النبهاني في كتابه التحفة النبهانية ص 85 حيث قال أن البحرين قبل احتلال آل خليفة لها لا يسكنها إلا الشيعة ، و أكد ذلك كل من بلجريف في ذكرياته و تبعه كل من كتب عن تاريخ البحرين مثل أميل نخلة و اسحاق الخوري و محمد الرميحي و أبراهيم العبيدي و عبد البني العكري وحتى مي آل خليفة لا تنكر هذه الحقيقة في الكتب التاريخية المنسوبة إليها.
النقطة الثانية أن الإحصاءات شبه الدقيقة لم تكن متوفرة قبل الإحصاء الرسمي الأول سنة 1945. و لعل الإحصائية التي كتبت سنة 1875 و نشرت ضمن سجلات البحرين records of Bahrain 1820-1960 تعتبر هي الأقدم في هذا الشأن، و نتيجة لغياب أية إحصائية دقيقة للسكان و تصنيفهم مذهبيا أو قبائليا، كان عدد سكان البحرين في بداية القرن العشرين محل تعارض، فأمين الريحاني الذي زار البحرين سنة 1923 قدر عدد السكان بحوالي 200 ألف، أما عباس فروغي فيحدد عد السكان ب 120 ألف في عام 1930، في حين أن طه الهاشمي قدر عدد السكان ب 150 ألف و يؤكد تقرير سجلات البحرين لسنوات 1926-1937 العدد نفسه، وهو عدد يرتفع كثيرا عن العدد الذي قدرته الإدارة البريطانية سنة 1920 و البالغ حوالي 100 ألف.
وهنا نشير إلى عدة مصادر تؤكد أن الشيعة كانوا هم الأكثرية في البحرين و ما زالوا و من هذه المصادر:
1- سجلات البحرين سنة 1875
بالعودة إلى أول إحصاء غير رسمي يعود لسنة 1875 يبلغ عدد إجمالي أفراد القبائل القاطنة في البحرين وهي قبائل سنية في الغالب حوالي 5730 فردا موزعين على مناطق مختلفة من البحرين و إذا ما أضيف إليهم قبيلة آل خليفة فلن يكون العدد متجاوزا لعشرة آلاف من مجموع السكان الذين يصفهم التقرير نفسه بالبحارنة و يقدر هذا التقرير عدد سكان البحرين بحوالي 60 ألفا.
2- مخطوط ناصر الخيري سنة 1926
يعتبر ناصر الخيري من ضمن المؤرخين المحايدين و قد كتب كتابا عن تاريخ البحرين أسماه قلائد النحرين في تاريخ البحرين من عدة أجزاء. في الجزء الثاني من المخطوط يتعرض الخيري لعدد سكان البحرين بناء على تقسيم البحرين إلى مناطق أربع تحوطها مجموعة من القرى يقول عن سكان القرى " مجموع سكان هذه الجهات بوجه التقريب من 23 ألف إلى 35 ألف نسمة فإذا أضفنا إلى ذلك مجموع سكان البلديات الأربع و مدينة المنامة كان مجموع سكان هذا القسم ( جزيرة البحرين ) بالتقريب هكذا:

المنامة
25 ألف
جدحفص
أربعة آلاف
بلاد القديم
خمسة آلاف
الرفاع
رابعة آلاف
البديع
أربعة آلاف
مجموع سكان القرى
35 ألفا
المجموع
ثمانون ألفا
و إذا ما فرضنا أن نصف سكان مدينة المنامة هم من الشيعة( وهم أكثر من النصف) فيكون عدد الشيعة حوالي 56 ألف من ما مجموعه 80 ألف أي ما يعادل 70% من عدد سكان جزيرة البحرين.
ثم يعلق قائلا " مجموع سكان هذا القسم 79 إلى 80 ألف نسمة مقسمين إلى قسمين سنيين و شيعيين و الغالب من الناس الشيعيين" ومع الأسف فإن المخطوط المنشور يقف عند هذا الحد و لا يمكن معرفة ما أورده الخيري عن سكان المحرق التي قال عنها أنها " مدينة واحدة و بلدة كبيرة ومقدار أحد عشر قرية كبيرة مهمة" إلا أن محمد علي التاجر يأخذ عنه أن سكان المحرق كان يبلغ حوالي 40 ألفا.
3- مذكرات " يوميات" المستشار البريطاني بلجريف غير المنشورة بتاريخ " 28-يناير 1935.
الشيعة " إنهم قرابة ثلثي السكان و لكنهم فقراء فكبار التجار من العرب ( أي أهل السنة) وليسوا من البحارنة.
4- عريضة الشيعة المرفوعة للحاكم بتاريخ 20-12-1934
في هذا التاريخ رفع ثمانية من أعيان الشيعة مؤيدين من أهل القرى عريضة للحاكم الشيخ حمد بن عيسى، تضمن العريضة مجموعة من المطالب منها:
1- نظرا لأننا نشكل غالبية السكان فان من العدل ان يكون تمثيلنا في مجلس البلدية و المجلس العرفي بما يتناسب مع ذلك.
2- نطالبكم بإعادة حقنا في عضوية مجلس التعليم و الذي حرمنا منه لسنوات عديدة و تمت معاملتنا و كأننا أجانب"
و لم يكن هناك رد على فكرة الأغلبية من قبل الحاكم الذي كان رده أن مجلس التجار يتطلب مهارات معينة فان وجدنا من الشيعة من هو مؤهل لمثل هذا المجلس فسيسرنا تعيينه. في حين أن بلجريف كان أكثر وضوحا و دبلوماسية حيث اعتبر المطالب معقولة إلا إن خطورة العريضة تكمن في الإشارة إلى قضية التمثيل النسبي وهي قضية تثار لأول مرة في البحرين.
5- مجموعة من المصادر الأجنبية التي أوردت أن الشيعة في البحرين يشكلون أكثرية تقترب من ما نسبته 60 إلى 70% من السكان المواطنين
v Gall, Timothy L. (ed). Worldmark Encyclopedia of Culture & Daily Life: Vol. 3 – Asia & Oceania. Cleveland, OH: Eastword Publications Development (1998); pg. 67-68.
v Goring, Rosemary (ed). Larousse Dictionary of Beliefs & Religions (Larousse: 1994); pg. 581-
v Fluehr-Lobban, Carolyn. Islamic Society in Practice; Gainesville, FL: University Press of Florida (1994); pg. 21.
v 1997 Britannica Book of the Year; pg. 781-783.
v CIA World Factbook web site (viewed Aug. 1998)
v Russell, Malcom B. The Middle East and South Asia 1997 (The World Today Series). Harpers Ferry, West Virginia: Stryker-Post Publications (1997); pg. 42.
مع ذلك فإن ما أورده لوريمر يكون غريبا و يحتاج إلى تعمن أكثر حول ما ذكره من تعداد السكان و تصنيفهم مذهبيا. و النص الذي قد يلجأ إليه البعض في محاولة كسر قاعدة الأغلبية الشيعية في البحرين هو الأتي " لم يجر إحصاء من قبل لسكان البحرين ولكن نذكر هنا تقديراً تقريباً على أساس تقارير عن عدد المنازل، وقد حسب العدد الكلي للسكان على أساس خمسة أشخاص كمتوسط للمنزل الواحد كما أنه ليس مستبعداً أن يكون هذا الرقم المفترض منخفضاً جداً في المدن مما يجعل العدد الإجمالي للسكان أعلى من تقديراتنا هذه.

الجزيرة
المدن
سكان المدن
قرى سنية
عدد سكان القرى السنية
قرى شيعية
عدد سكان القرى الشيعية
السنة
الشيعة
البحرين
المنامة
9800
15.000
10
6275[22]
73
19.450
البديع
8000[23]
المحرق
المحرق
19.000
1000
8
7775
3
2750
الحِدّ
8000
أم النعسان
النبيه صالح
2
375
سترة
1
150
7
1500
المجموع
44.800
16.000
19
14.200
85
24.075
تحتوي الإمارة حينئذ على هذا الأساس على 4 مدن جملة سكانها 60.800 نسمة و 104 قرى يبلغ سكانها 38.275 نسمة، ويجب أن يضاف إلى هؤلاء حوالي 200 من غير المسلمين في المنامة مما يجعل عدد السكان إجمالاً 99.275 كسكان مقيمين. ومن مجموع السكان الذي يبلغ حوالي 100.000 نسمة نجد حوالي 60.000 نسمة من سكان المدن بصفة أساسية من السنة وحوالي 40.000 نسمة معظمهم من القرى من الشيعة. تحتوي الإمارة حينئذ على هذا الأساس على 4 مدن[24] جملة سكانها 60.800 نسمة و 104 قرى يبلغ سكانها 38.275 نسمة، ويجب أن يضاف إلى هؤلاء حوالي 200 من غير المسلمين في المنامة مما يجعل عدد السكان إجمالاً 99.275 كسكان مقيمين. ويؤلف البحرانيون أو البحارنة[25] مجتمع الشيعة في المدينة وأكثر من ثلاثة أخماس السكان الريفيين، أما باقي السكان ( باستثناء قليل من الأجانب كالإيرانيين، وسكان البصرة العرب والهندوس واليهود.. إلخ)، فهم ينتمون إلى طبقات أو قبائل سنية…. وإلى جانب من ذكر أعلاه هناك 69 نسمة من الهندوس في البحرين لا تصحبهم عائلاتهم ويزداد عددهم في فصل صيد اللؤلؤ إلى حوالي 175 نسمة.
و في الواقع فإن النص أعلاه يصطدم بما يقوله لوريمر في نهاية حديثه عن سكان البحرين" الإمارة" إذ يقول " ومع أن البحارنة من حيث العدد هم أقوى طبقة إلا أنهم لم يكونوا مهمين من الناحية السياسية، وفي الواقع كان وضعهم أحسن قليلاً من وضع العبودية، وفي أيديهم معظم زراعة النخيل والزراعة في الجزر، ولكنهم أيضاً يعتمدون أقل من إخوانهم السنة على صيد اللؤلؤ وعلى أعمال ملاحية أخرى" و لا يمكن مطابقة نصه مع ما يورده عن سكان مدينة المنامة حيث يقول " يقدر عدد سكان المنامة (بما في ذلك الضاحيتان اللتان سنأتي على ذكرهما) حوالي 25000 نسمة وثلاثة أخماسهم من الشيعة ومعظم الباقي من السنة"[26]
أما كيف وصل إلى هذه النتيجة فيقول ملخصا منهجه في تعداد سكان البحرين "لم يجر إحصاء من قبل لسكان البحرين ولكن نذكر هنا تقديراً تقريباً على أساس تقارير عن عدد المنازل، وقد حسب العدد الكلي للسكان على أساس خمسة أشخاص كمتوسط للمنزل الواحد، كما أنه ليس مستبعداً أن يكون هذا الرقم المفترض منخفضاً جداً في المدن مما يجعل العدد الإجمالي للسكان أعلى من تقديراتنا هذه." وهنا يجب تسجيل ملاحظتين مهمتين تتعلقان بالمنهج الذي اتبعه لوريمر في التعداد:
الملاحظة الأولى هي أن إن تحديد عدد سكان المنازل أو الأكواخ، بخمسة أفراد خصوصا في القرى لا يتناسب و معدل الزيادة الطبيعة للسكان في البحرين و لا مع طبيعة التركيبة الاجتماعية فيها. فهذا المعدل الذي اعتمده لوريمر يقترب من طبيعة عائلات المدن الكبيرة حيث تكون العائلة فيها نووية الشكل و صغيرة مكونة من الزوجين و أبناء قليلين، أما الأرياف و طبيعة المجتمع البحريني قديما، فالسائد فيه هو نمط العوائل الممتدة، وهو نمط يعتمد على أن تكون العائلة مركبة من عدة عوائل لكنها تسكن في بيت واحد و أقل تقدير فيه أن يكون البيت الواحد مكون من عائلتين أي عشرة أشخاص بمعدل ابنين لكل عائلة. وهذا يجعل من نسبة أهل القرى ترتفع كثيرا عن العدد الذي حدده لوريمر إذا ما عرفنا أن عدد المنازل و الأكواخ التي رصدها لوريمر تقترب من 4000 منزل أو كوخ.
الملاحظة الثانية التي تتعلق بالمنهج هي مصادره التي اعتمد عليها و كيف تم التعامل مع المعلومات المجمعة عبر عمل ميداني و عمل أرشيفي فيقول " والمعلومات التي حصل عليها من مصادر كانت موجودة قبل سنة 1904 نظمت ورتبت بمعرفة الكاتب.. ، والتحريات الصحيحة بدأها الكاتب في رحلة للبحرين في بداية عام 1905 ولكنها نفذت بصفة أساسية بواسطة الفتنانت ج.هـ. غبريال الذي سافر شخصياً إلى الجزء الأكبر من الجزر وبواسطة الكابتن ف. ب بريدو المعتمد السياسي في البحرين الذي أمدنا بمعلومات كاملة فيما يختص بجميع الأمكنة التي كانت في دائرة اختصاصه. ومجموعة من مسودات المقالات المبنية على مذكرات وتقارير سنة 1905 قد أعدت حينئذ بواسطة الكاتب… وفي بداية سنة 1907 أعيد إصدار المسودات مع تعديلات وإضافات وقد قام الكابتن " بريدو" ومساعده أثناء ذلك العام بالتخلص من بعض النقاط التي بقيت غامضة أو مشكوكاً فيها…" فما هي تلك المعلومات التي تم حذفها بواسطة الكابتن بريدو المعتمد السياسي في البحرين و هل لها علاقة بمجريات السياسية في البحرين و طبيعة الانقسامات الطائفية فيها ؟ و كإجابة محتملة و قريبة من الواقع يمكن القول إن لوريمر قد يكون دقيقا جدا في أرقامه و إحصائياته إلا أن هذه الإحصاءات كانت تواجه مشكلة حقيقية في البحرين و بالأخص في التقارير البريطانية التي اعتمد عليها لوريمر. فالبحرين في تلك الفترة و في فترة متأخرة جدا كانت محل أطماع إيرانية و كثيرا ما كان حكام إيران يدعون أن البحرين تابعة لإيران بحكم الأغلبية الشيعية القاطنة فيها و كجزء من إستراتيجية دحض إدعاءات إيران في البحرين كانت الإدارة البريطانية تلجأ إلى التشكيك في حقيقة هذه الدعوى.
بقي أن نشير إلى تعدد أهل السنة و القبائل في البحرين حيث يتضح من كلام لوريمر أن الوجود السني في البحرين كان يتمركز في جزيرة المحرق حيث يشكلون الثقل الأكبر من القبائل التي تحالفت مع قبيلة آل خليفة أو من القبائل التي هاجرت بعد احتلال آل خليفة للبحرين سنة 1782. و من المعروف أن هجرة القبائل كانت تعني هجرة مجموعة واسعة من الأفراد الذين يشكلون عوائل مركبة و متداخلة و بحسب لورير فأن قبيلة آل خليفة تقدر عدد أفرادها أتذاك بحوالي خمسة ألاف شخص يسيطرون على المحرق و على الرفاعين. الملفت للنظر هنا أن عدد العبيد " الخدام" يشكلون كتلة سكانية هائلة و بحسب الأرقام يبلغ عدد منازلهم أكثر من 2000 منزل حسب الجدول التالي:

حالة العبيد (أحرار)
860
المنامة، المحرق، البديع، حالة أبو ماهر، و الرفاع الشرقي
يوجد عبيد أحرار في أمكنة أخرى أيضاً ولكنهم يعاملون في القرى كالطبقة أو القبيلة التي يعيشون معها، وينتمي حوالي 50 فقط من العبيد الأحرار في البحرين لأسيادهم الشيعة سابقاً وأصبحوا هم الآن من الشيعة
عبيد ( غير أحرار) يعيشون منفصلين عن أسيادهم[27]
1160
البديع، مدينة المحرق، حالة أبوماهر، المنامة، والرفاع الشرقي
العبيد الزنوج، وفي الأمكنة غير المذكورة هنا لم يميزوا في جداول القرى من القبيلة التي ينتمي إليها أسيادهم وعددهم حوالي 20 فقط من العبيد الزنوج في البحرين يملكهم الشيعة وهم شيعة أنفسهم
أما عن سكان مدينة المحرق فهو يورد الجدول التالي الذي يوضح عدد سكانها و طبيعة انتمائهم المذهبي و القبائلي.

آل بو عينين
100
آل بن علي
2000
العمامرة
200
عرب (مختلفين غير بدو)
150
البحارنة
900
آل ضاعن
50
الهولة
10000
آل بوكوارة
50
المناعمة
50
المعاودة
100
آل مسلم
75
زنوج (أحرار)
1000
زنوج(عبيد لا يسكنون مع أسيادهم)
الإيرانيون
100
آل بورميح
75
العتوب
50
قمارة
50
بني ياس ينتمون لقسم آل بو فلاسة
50
الزيانية
750
المجموع
20.000
أما القرى المدرجة في جزيرة المحرق فأهمها

القرية
عدد منزلها أو السكان
ملاحظات
الحد
8 ألاف شخص
سنة قبائل
البستين
400 منزل
سنة قبائل
الدير
300 منزل
شيعة حضر
عراد
100 منزل
شيعة حضر
حالة ابو ماهر
500 منزل
سنة قبائل
تحيلنا هذه المعطيات إلى مجموعة من الأمور منها أن المجتمع الشيعي لم يكن مصنفا على أساس قبائلي في حين أن المجتمع السني آنذاك باستثناء قسم الهولة منه كان مصنفا كمجتمع قبائلي وهذا له دلالة مهمة في طبيعة نشأة كلا المجتمعين و كيف صارت الأمور بعد ذلك وهو ليس محل بحثنا. الأمر الثاني وهو المهم هنا أن جزيرة المحرق رغم كبر مساحتها إلا أن الوجود الشيعي فيها يعتبر ضئيل جدا مقارنة مع الوجود السني القبائلي و إذا ما أخذنا بالاعتبار جدة القبائل السنية المهاجرة إلى البحرين منذ سنة 1782 فإن هناك ثغرة كبيرة تتعلق بسكان جزيرة المحرق قبل الهجرة إليها و ليس من المعقول أن تكون جزيرة بهذا الحجم الجغرافي ضئيلة السكان أي أن السؤال لا يزال قائما وهو من الذي كان يسكن المحرق قبل هجرة القبائل إليها و أين صاروا و لماذا أصبح عددهم ضئيلا إلى هذه الدرجة؟
ملحق:
تقرير سجلات البحرين سنة 1875 الجزء الثاني ص 513

العائلة
المذهب
المكان
العدد
الحرف
البنعلي
600
السادة
200
المنانعة
300
السلطة
150
البوفلاسة
170
المضاحكة
200
الجنانعة
100

المعاوة
150
البوكوارة
50
الجلاهمة
المحرق
80
الهولة
2000
السماهيجي
300
الحياج
المنامة و المحرق
80
البورميح
جو
300
البوعنين
عسكر
230

الدواسر
غرب المنامة
300
الذواوذة
قرب قلعة البرتغال
100
الحسينيات
الحورة
80
العمامرة
الزلاق
100
الحمادة
راس رمان
220
النعيم
100
[1] http://arabic.cnn.com/2002/bahrain/10/20/bahrain.relegion/index.html
[2] – ( هموم الأقليات) التقرير السنوي الأول لمركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية في مصر سنة 1993.( الملل والنِّحل والأعراق) التقرير السنوي السادس لمركز ابن خلدون سنة 2004.
[3] أنظر في ذلك كلا من :
[4] Vali Nasr : The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future.2006
[5] انظر النبهاني / التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية / ناصر الخيري : قلائد النحرين في تاريخ البحرين / محمد علي التاجر : تاريخ أوال / لوريمر : دليل الخليج
[6] التحفة النبهانية ، ص 86
[7] فؤاد اسحاق الخوري : القبيلة و الدولة في البحرين
[8] مي الخليفة : التعليم في مائة عام
[9] سوسن الشاعر: البحرين
[10] عباس المرشد: ضخامة التراث ووعي المفارقة
[11] جي. ج. لوريمر : دليل الخليج القسم التاريخي الجزء الثالث ص
[12] عباس المرشد : المشيخة و الميراثية
[13] انظر في ذلك : عبدالله النفيسي،
اسحاق الفياض،
[14]الشيخ علي البلادي: أنوار البدرين
[15] محمد الرميحي : التغيير الاجتماعي و السياسي في البحرين
[16]انظر نص الوثيقة في
[17] الخوري : م. س، ص
[18] عبد الرحمن الباكر : من البحرين إلى المنفي
[19] سعيد الشهابي : البحرين في الوثائق البريطانية ص 108.
[20] فؤاد اسحاق الخوري : القبيلة و الدولة في البحرين
[21] محمد الرميحي : ص 201.
[22] هذه القرى هي قرى مهملة ما عدا قرية جو و الرفاع الشرقي حيث يقدر عدد المنازل في كل منهما بحوالي 400 منزل لكل قرية و الغالب من السكان في كلا القريتين هم آل خليفة و خدمهم .
[23] يقدر ناصر الخيري عدد سكان البديع بحوالي 4 آلاف فقط. و يتضح من توصيف لوريمر أن نصف سكان البديع هم من العبيد و العبيد المعتقين من قبل أسيادهم.
[24] في توصيف المدن ثمة تجاوز فالبديع و الحد لا تعتبران مدن أصلا، و إلأ كانت جدحفص و بلاد القديم مدن أيضا
[25] هي التسمية المحلية التي تطلق على السكان الشيعة من الأصول العربية.
[26] دليل الخليج القسم الجغرافي ص 1462
[27] لم يعد توجد هذه الفئة و الكثير منهم اندمجوا مع السكان المحليين.

 

بقلم: عباس المرشد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *