2القرى المختفية … رحلة في ذاكرة الهجرة والألم النظام السياسي والإداري للقرية البحرانية
ظل تاريخ القرية في البحرين مهملا وممنوعا عن الحديث عن نفسه. وهذا ما يطلق عليه في العلوم الاجتماعية بقوة "سلطة الإخراس" فهناك قوة تسعى إلى أن تسكت الآخرين وتمنعهم عن الإفصاح عن أنفسهم، أما الأدوات المستخدمة فهي غير قابلة للحصر إلا بمقدار تشدد سلطة الإخراس وقوة إرادتها في محو الطرف الآخر وتحويله من فرد منفصل إلى فرد تابع. تبدأ سلطة

الإخراس بتحديد مجال عملها عبر استخدام تقنية التسمية لصنع حقيقة جديدة مختلفة عن الحقيقة السائدة والتي تدل عليها التسميات المعروفة. فالجلاد لا ينادي ضحيته باسمه وإنما يذهب إلى إطلاق الشتائم والأوصاف الأخرى لخلق واقع جديد يجب أن تعيشه الضحية، وهكذا يتحول السكان الأصليون في القرى إلى مجموعات هامشية تابعة يطلق عليهم "حلايل" وهي التسمية التي أطلقها تحالف العتوب على سكان البحرين بعد الاستيلاء عليها سنة 1783 . إذ تشير الكلمة إلى أن هؤلاء السكان هم جزء من الحلال التابع للمالك أو أن التصرف معهم بأي سلوك عدواني أو غيره جائز لأنهم محللون من الرابطة القبلية ولا يملكون القدرة على الانفصال والتفرد. ما تسعى إليه هذه المقالة هو إعادة الاعتبار للقرية البحرانية والسماح لتاريخ بالنطق والحديث، بعد سنوات طويلة من الإخراس وسنوات قادمة من التحريف والتخريف في قضايا التاريخ.
النظام السياسي والإداري للقرية في البحرين
خلافا لمناطق جغرافية مجاورة فإن البحرين بالتحديد هي الأقدم من ناحية السكان حيث يمكن تقدير فترة العيش المستمر فيها بأكثر من ثلاثة آلاف سنة لم تنقطع فيها الحياة أو تنعدم كما في غيرها من المناطق التي إما انقطع عنها الناس أو إنها حديثة التوطن.
استمرار العيش في البحرين كان قائما على وجود القرية كوحدة أساسية للمجتمع البحراني، وعلى وجود نظام إداري وسياسي متميز استمر في العمل لعدة قرون من الزمن، ومع الأسف الشديد بقي هذا النظام مجهولا وغير مطروق من قبل المؤرخين نظرا لاعتمادهم مناهج بحثية جاهزة تم تطبيقها على مناطق أخرى وحاولوا تطبيقها على البحرين من دون البحث عن الاختلافات والتمايزات. والباحث الجاد يستطيع أن يخرج بمعلومات مهمة من كتب تراجم العلماء ومن الآثار التاريخية التي تم اكتشاف بعضها حديثا مثل القنوات المائية، والمساجات المستخدمة في القبور وصكوك الملكيات وعقود البيع. ومن خلال البحث في تراجم الفقهاء والعلماء الذي عاشوا حتى القرن الثامن عشر يمكن رسم ملامح أولية للنظام السياسي والإداري في البحرين، وهي ملامح فريدة من نوعها، لم يحدث أن تكررت في المناطق المجاورة بما فيها المجتمعات الشيعية الأخرى. ولعل انحصار السكان في مذهب التشيع وخلو الجزيرة من مذاهب أخرى حتى نهاية القرن الثامن عشر قد ساهم كثيرا في بلورة النظام السياسي والإداري للقرية البحرانية، يضاف إلى ذلك أن أغلب الدول التي حكمت البحرين كانت تنتمي للتشيع أيضا بل إن دولة العيونين قد صكت نقودا كتب عليها شعار التشيع " علي ولي" وعندما جاءت دولة بني جيروان و دولة العصفورين ساهمت بدور كبير في تعزيز الجانب الديني وفي عهدها بني مسجد الخميس ليكون أكبر مركز ثقافي إسلامي في المنطقة وقد أسهم هذا المسجد في نهضة علمية وثقافية تميزت بها البحرين على مدى أربعة قرون[1]. وتقودنا مراسلات العلامة الشيخ ميثم البحراني مع نصير الدين الطوسي إلى بدايات سعى الفقهاء في القرن الثامن الهجري لتشكيل النظام الإداري في القرى البحرانية حيث يطلب الشيخ ميثم من الطوسي الدعم المالي لبناء الجسور وشق الطرق وتأسيس المدارس والحوزات والصرف على الجوانب الدينية والعلمية ويشرح له في رسالته الأوضاع الاقتصادية التي يعشيها السكان في البحرين.
إلا أن تبلور النظام السياسي والإداري للقرية البحرانية قد أخذ شكله النهائي مع بداية القرن السابع عشر الميلادي بعد طرد الاحتلال البرتغالي من البحرين سنة 1602. فمن بعد هذا التاريخ أسست القرية نفسها سياسيا وإداريا على التسليم بزعامة الفقيه الجامع للشرائط أو ممثله في القرية[2]. ونظرا للدور الكبير الذي يمارسه الفقيه في القرية تطور النظام الإداري بشكل سريع جدا فوجد نظام أكثر تفصيلا إذ تشير التراجم العلمائية إلى أن النظام الإداري للقرية كان يخضع لزعامة لفقيه المحلي للقرية أو مجموعة القرى[3]، وبجانبه يوجد حاكم ديني أعلى تسند إليه رئاسة البلاد و يمثل البحرين كافة وهو منصب يعادل منصب شيخ الإسلام في الدولة العثمانية والدولة الصفوية، ومن صلاحيته ممارسة الأمور الحسبية وتعيين الأمراء على الأسواق والقضاء بين الناس وتوزيع الموارد الاقتصادية وشق الطرق وتعبيدها، أي أن دوره كان يتجاوز الدور الديني وكان يمارس صلاحيات المجالس البلدية حاليا[4]. ويعد السيد عبد الرؤف الموسوي واحدا من الفقهاء الذين أسهموا في تأصيل النظام الإداري والسياسي للقرية البحرانية فقد كان يشرف على شرطة السوق ويدير الأوقاف المالية للصرف على المشروعات العامة كشق الترع وبناء الجسور والطرق وإصلاح المساجد وغيرها من الأعمال التي تقوم بها البلديات حاليا ومن أشهر حكام البحرين المحليين من الفقهاء الشيخ محمد بن ماجد الماحوزي الذي حكم البحرين حتى سنة 1693 وكان مسجد الخميس مكانا لعقد دروسه الدينية ومكانا لممارسة دوره الإداري وكان الحاكم من قبل شاه إيران " ماجد بن محمد " يحضر دروس الشيخ الماحوزي بل أن الحاكم كان ينفذ قرارات الشيخ الفقيه. ويصف الشيخ علي البلادي جزءا من النظام الإداري بقوله" وكان الأكثر إذا انتهت الرياسة لأحد من العلماء من غير أهل البلاد القديم ينقله أهل البلاد إليها لأنها في ذلك الزمان هي عمدة البحرين ومسكن الملوك والتجار والعلماء وذوي الأقدار" وتبلغ قوة هذا النظام في احتوائه للخلاف الفقهي القائم بين الأصوليين والإخباريين وقدرته على امتصاص الخلاف من دون آثار على بنية النظام الإداري للقرية والمجتمع البحراني. فقد تولى رئاسة البلاد وإدارة الأمور الحسبية السيد هاشم التوبلاني وهو إخباري صرف ثم عادت الزعامة إلى الأصوليين مرة ثانية عندما نصب الشيخ سليمان الماحوزي رئيسا للبلاد بعد وفاة التوبلاني وهكذا من دون أن تتفكك البنية الأساسية للنظام السياسي والإداري.
ازدهار القرية البحرانية وتوسعها
كانت نتائج تطبيق هذا النظام الإداري والسياسي نتائج إيجابية على أكثر من مستوى خصوصا في الجانب الاقتصادي الذي حقق قفزة هائلة في عدد سفن الغوص حيث بلغت أكثر من ثلاثة آلاف سفينة[5] وألفت في الفترة ما بين القرن الحادي عشر إلى الرابع عشر الميلادي أكثر من 400 كتاب كبير في مئات المجلدات[6] ومئات الآثار الأدبية الشعرية كما تطورت الفنون الأخرى مثل الخط والنقش والزخرفة والعمارة وبزرت منذ منتصف القرن الرابع عشر النقش على المساجات ووضعها على القبور وتحتوي العديد من تلك النقوش على وقفيات لبساتين لصرفها على المساجد والخدمات العامة. وأدى تطبيق هذا النظام إلى بروز فئات غنية وواسعة الثراء في القرى وتنوع الصناعات وتطور الثروة الزراعية لسكان القرية البحرانية، وهذا ما يفسر ارتفاع ضريبة بيع الأراضي وإصدار الصكوك لها.
إلا أن الأثر الأكثر أهمية بالنسبة لتاريخ القرية البحرانية هو التوسع العمراني الذي لحق بالمجتمع البحراني وبالأخص بناء الأنفاق الأرضية ويعد النفق الذي يربط مقبرة أبو عنبرة بمقبرة مسجد الخميس الذي كشفت عنه بعثة الآثار الفرنسية من أهم الأنفاق التاريخية، إلا أن الحكومة قامت بردمه وتحطيمه لأن جدرانه كانت مزينة بعبارات التوسل بأهل البيت(ع) ،وظهور العدد الهائل من القرى الذي وصل إلى أكثر من 300 قرية في نهاية القرن السادس عشر. ففي الوثيقة العثمانية الصادرة سنة 1573 إن "في البحرين أكثر من ثلاثمائة قرية وان ريعها السنوي أربعون ألف فلوري( عملة ذهبية تستخدم في البندقية) خاصة من صيد اللؤلؤ" وهذا يعني وجود كثافة سكانية عالية تقدر بأكثر من 60 ألف نسمة إذا ما كان معدل سكان القرية الواحد بين 150 و200 نسمة وفق معايير الانثروبولوجيا. وقد أكد الرحالة بن ماجد في الفترة نفسها أن عدد قرى البحرين يقدر بحوالي 350 قرية.
بعد سنة 1783 تبدأ القرية البحرانية بصفحة تاريخ مختلف تاريخ الاندثار والتهجير وبعثرة النظام لتبدأ رحلة الألم والعذاب.وهذا ما سنتناوله في الجزء الثاني.

الرقم
الفقيه الحاكم
ملاحظات
  1.  
الشيخ محمد بن رجب المقابي
أول من أقام الجمعة بعد تحرير البحرين من الاحتلال البرتغالي
  1.  
السيد عبد الرؤف بن الحسين بن عبد الرؤف بن أحمد الموسوي المتوفي سنة 1060
كان شيخ الإسلام أي قاضي القضاة في البحرين،
  1.  
الشيخ علي بن سليمان البحراني
انتهت إليه رئاسة الإمامية في البحرين وما والاها
  1.  
الشيخ محمد بن ماجد البحراني الماحوزي البلادي
 
  1.  
السيد هاشم ابن السيد سليمان التوبلاني الكتكاني
انتهت رئاسة البلد بعد وفاة الشيخ محمد بن ماجد الماحوزي
  1.  
العلامة الشيخ سليمان الماحوزي
المتوفي سنة1121 ألت إليه الرئاسة بعد السيد هاشم التوبلاني
  1.  
الشيخ ياسين البلادي
كان قائدا سياسيا وعسكريا أصيب بجراحات عديدة أثناء مقاومته للاحتلال العماني
  1.  
الشيخ محمد بن عبدالله بن ماجد
تصدى لهجوم العتوب سنة 1700 وتحالف مع الهولة لمنع العتوب من الاستيلاء على البحرين
جدول بأسماء بعض الفقهاء الذين حكموا البحرين حكما محليا.
[1] اعتقد أنه حان الوقت لإعادة الاعتبار لهذا المركز الإسلامي وإعادة افتتاحه لمباشرة دوره العلمي والديني والتصدي لمحاولة تهميشه وتحريف تاريخه.
[2] جرت العادة أن تكون القرية تابعة للفقيه المحلي وفي حالة عدم تواجده يقوم أحد لفقهاء بتعين ممثل له من احد العلماء في القرية
[3] مثال ذلك الشيخ محمد الفاراني حيث كان فقيها لقرية القرية والقرى المجاورة لها وبنى مدرسة خاصة له.
[4] عبد الكريم العريض، مدينة المنامة خلال خمسة قرون ص16.
[5] كان هذا العدد في حدود سنة 1665 ميلادي الغريب أن الصورة انقلبت وصارت أغلب هذه السفن مملكة للقبائل التي هاجرت إلى البحرين بعد سنة 1783، وتقلصت ملكية السكان الأصلين لسفن الغوص
[6] تبلغ مجلدات كتاب العوالم للشيخ عبدالله نور تلميذ العلامة المجلسي أكثر من 600 مجلد لا يزال كثير منها مخطوط ومفقودا
بقلم الباحث: عباس المرشد