مجلس حج احمد بن يوسف 1984مالقرى المختفية …تاريخ الاستيلاء وفرض الهيمنة
من مجموع القرى البالغ أكثر من 300 قرية لم يستطيع لوريمر في كتابه دليل الخليج سنة 1905 سوى أن يصل إلى حوالي 100 قرية في حين أن ناصر الخيري لم يستطيع سنة 1924 سوى أن يذكر حوالي 75 قرية فقط أما الشيخ ابراهيم المبارك فلم يتجاوز عدد القرى البحرانية لديه المائة قرية . إن غياب أكثر من نصف القرى من على خريطة البحرين يدفع بالسؤال عن الأسباب التي أدت إلى تلاشي تلك القرى وتغيب تاريخها وعن مصير أهلها وخيراتها . مع الأسف الشديد لا

تسعفنا المصادر التاريخية في تحديد أسماء كل القرى البحرانية ال 360أ، وهي مع ذلك تذكر لنا أسماء بعض القرى التي كانت موجودة في فترة زمنية معينة و لا نجد لها ذكر اليوم في جغرافيا البحرين. وهذا يقربنا من الدور الذي تلعبه بعض الأجهزة الرسمية في تغيير أسماء المناطق التاريخية أو دمج بعض المناطق في أسم واحد وتغييب أسماء المناطق الأخرى تحت حجة التنظيم المدني والبلدي.
من ضمن التفسيرات التي أعطيت لاختفاء العدد الأكبر من القرى أن العدد المشار إليه يشمل كل من البحرين و القطيف وجزء من الإحساء على اعتبار أن أسم البحرين كان يعني إقليما أوسع من الجزيرة الحالية، إلا أن الوثيقة العثمانية التي أشرنا إليها من قبل كانت صادرة من والي الإحساء وكانت تشير بالتحديد إلى الجزيرة الحالية ، وبالتالي فإن الفترة الزمنية الفاصلة بين سنة صدور الوثيقة 1573 ونهاية سنة 1867 تعتبر الفترة التي شهدت اختفاء القرى البحرانية وتضاؤل عددها إلى أقل من النصف بحلول بداية 1900. ويمكن الذهاب إلى أن العدد الكبير من القرى كان يشير إلى تعداد الأحياء الداخلية لكل قرية و أن التركيبة الجغرافية للقرية كانت مكونة من قرية كبيرة يطلق عليها أسم عام تحتوى على قرى صغيرة مثل قرية توبلي التي كانت تضم أربع قرى أو بلاد القديم التي كانت تضم مجموعة من القرى الداخلية وهي تسميات تقترب من تسميات الأحياء الداخلية في القرى المعاصرة ولهذا نادرا ما كان ينسب الفقيه أو العالم إلى هذه القرى الداخلية و يكتفي عادة بنسبته إلى القرية الأم، إلا أن الحال كما قال صاحب أنوار البدرين في شأن اختفاء القرى من على الخارطة " كم من علماء فضلاء أتقياء نبلاء في بلادنا البحرين لم تذكر أسماؤهم في البين ولإندراس الآثار وتشتت أهلها في الأمصار بما أصابها من الأغيار"

الحروب وكتابة الذاكرة
التفسير الأقرب إلى معطيات الوثائق الحالية أن العدد الكبير من تلك القرى تعرضت للتخريب والاندراس بفعل عوامل الحرب والاستيلاء. فمن ضمن الأسباب التي أدت إلى اختفاء بعض القرى هي تعرض أهلها إلى بطش الغزاة أو وقوعهم ضحية حروب ليسوا طرفا فيها كما حدث في الغزو العماني سنة 1718 حيث قام سلطان بن سيف حاكم عمان بغزو البحرين والاستيلاء عليها وتعرضت القرى البحرانية جراء هذا الغزو إلى نكسة على كافة مستوياتها خصوصا المستوى الجغرافي والسكاني فعلى إثر هذا الغزو العماني دمرت كثير من القرى وارتكبت كثير من المجازر وتمت تصفية كثير من العلماء والفقهاء وشهدت البحرين هجرة أهل البلاد الأصلين من موطنهم وإقامتهم في مناطق أخرى هرباً من المظالم الأجنبية الواقعة عليهم . ينقل صاحب البدرين الشيخ علي البلادي حوادث مريرة مرت بها القرية البحرانية فيذكر انه في سنة 1718م قام الخوراج "سلاطين مسقط"باحتلال البحرين فدمروا فيها أماكن كثيرة ويذكر انه في بعض الوقائع قتل 74 فقيها وعالما .ويكتب الشيخ يوسف البحراني عن أحوال الشيخ سليمان الماحوزي المعروف بالمحقق البحراني(1665-1709) يقول "وكتبت كثيرا من أشعاره إلا انه حالت الأقضية والأقدار بخراب بلادنا البحرين بمجيء الخوارج إليها ..وجرى ما جرى من الفساد وتفرق أهلها في أقطار كل البلاد " و ألف الشيخ عبد الله البلادي رسالة في وجوب جهاد العدو في زمن الغبية قارع فيها غزو الخوارج على البحرين من مسقط وقاد ثورة الشعب البحراني في مواجهة الهجمات المتتالية على البحرين حتى اضطر إلى الهجرة إلى شيراز لجمع العتاد وتثوير همم البحارنة الذين كانوا يعيشون في إيران فقد قدم إليها لأجل إصلاح مقدمات البحرين لما استولت عليها الأعراب و أوقعوا فيها الخراب كما يقول الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق الذي كتب أيضا ما لقيه هو وما عاصره من أحداث جسام "في هذه السنة صارت الواقعة بين الهولة و العتوب حيث أن العتوب عاثوا في البحرين الفساد ويد الحاكم قاصرة عنهم وكان الحاكم آنذاك من آل مذكور فكاتب شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبدالله بن ماجد الهولة ليأتو على العتوب ووقعت الحرب وانكسرت البلد إلى القلعة أكابر و أصاغر حتى كسر الله العتوب…وفي أول سنة وردوها لأخذها رجعوا بالخيبة ولم يتمكنوا منها- وذلك لشدة المقاومة الشيعية _ وكذلك في المرة الثانية بعد سنة ومعاضدة جميع الأعراب والنصاب لهم وفي المرة الثالثة حصروا البلاد لتسلطهم على البحر حيث إنها جزيرة ..حتى ضعف أهلها وفتحوها قهرا ..وكانت واقعة عظمى وداهية دهما ..ولما وقع من عظم القتل والسلب والنهب وسفك الدماء فهربت الناس سيما أكابر البلد منها إلى القطيف والى غيرها من الأقطار".
كما إن الحروب الأهلية التي اندلعت داخل قبيلة آل خليفة في الفترة ما بين 1829 – 1867 قد أدت إلى تدمير كثير من القرى وتشتيت أهلها وفي هذا الصدد يكتب بلجريف في كتابه ساحل القراصنة إن المنامة سنة 1841 قد دمرت بيوتها ونهبت أموال الرعايا نتيجة الحرب الأهلية بين الشيخ عبدالله بن احمد والشيخ محمد بن خليفة وعلى اثر هذا الصراع خرج شيعة البحرين في جماعات كبيرة إلى مسقط والقطيف تحاشيا للصدام الداخلي"

تدمير القرى وهجرة الأهالي
العامل الأكثر أهمية في تلاشي القرية البحرانية وتغير معالمها هو تعرض البحرين بعد سنة 1783 وبالتحديد بعد 1796 إلى تدفق القبائل المهاجرة مع تحالف العتوب بتنظيمات جديدة وبأعداد ضخمة واستيطانهم القرى وهذا التدفق الملحوظ زاد النسبة القبلية والنفوذ القبلي في المجتمع البحراني واستمرت هذه الهجرة متواصلة حتى منتصف القرن التاسع عشر ويذكر في هذا الصدد أن خلاف قبيلة الجلاهمة مع قبيلة آل خليفة كان حول توزيع مزارع النخيل والبساتين إذ اعتبر الجلاهمة أن حقهم قد هضم في توزيع الغنائم فنزحوا إلى قطرة مرة أخرى وخاضوا حروبا مع حلفائهم في الأمس . وبين السنوات 1783 و1875 ظهر نظام اجتماعي اقتصادي جديد وهو النظام الذي ضمن لتحالف العتوب مراقبة المصادر الاقتصادية الرئيسة وأيد الميول السائدة لازدواجية المجتمع بين مجتمع أصلي ومجتمع وافد.وتبدو المسألة واضحة هنا فالعدد الهائل من المهاجرين كان يحتاج إلى أراضي ليستقر فيها و يقم عليها وفي الوقت نفسه فلن تكون تلك الأراضي أراضي مهجورة أو خرابا بل يجب أن تكون أراضي معمورة ولها خيرات يمكن الاعتماد عليها وهذا ما يؤكده إسحاق الخوري عندما وصف عملية الاستيلاء على الأراضي وتشتت مراكز القوى حصلت تدريجيا عبر مرحلة زمنية طويلة المدى . بدأت من مطلع القرن التاسع عشر وانتهت في الثلاثينيات ..فقد حكم احمد الفاتح بالطريقة التي حكم فيها نصر المذكور بمعنى أنه أعتبرها منطقة محتلة تؤمن له ولأتباعه ما أمكن من الضرائب والأموال . وهذا يعني إن تسلط الشيوخ من آل خليفة على الأرض الزراعية وتشتت مراكز القوى المحلية الشيعية هي من الأمور التي حصلت بعد استيطان سلمان بن أحمد وأتباعه في جزيرة المنامة وأخيه عبد الله في المحرق . إن من عادة القبائل ان تحسم منازعاتها إما بالسيف والحرب أو الهجرة من البلاد إلى مكان آخر وتحين الفرص للعودة وتعويض الأثر السيئ لتلك الهجرة عن طريق تكوين تحالفت مع القوى القبلية الأخرى فما إن ينفك تحالف إلا ويقام تحالف جديد يضم الأطراف المعادية لأطراف أخرى .كان الرحيل الجماعي في تلك الأيام يفسر على انه إعلان حرب على الجماعة التي تم الانسلاخ عنها فلا يرحل قوم إلا ليبدوا التكتل من جديد بهدف بناء قوته لضرب التحالف الأصلي .انه مع قدوم آل خليفة إلى البحرين انخرط المجتمع القبلي في الدخول في صراعات وحسم كثير من أموره الخاصة لدرجة أن معدل المعارك الدائرة بينهم لا ينفك عن ثلاث معارك سنويا .ومن الطبيعي أن هذه المعارك كانت تستنزف القوة الاقتصادية للقبيلة المعدومة الدخل مما يضطرها إلى ممارسة الغزو والسلب لغير القبيلة المعادية ولن يكون هناك سوى المجتمع الأهلي الحضري المتقوم على اقتصاد أكثر ثباتا وأكثر مرونة من اقتصاد القبيلة وكثيرا ما تمتد آثار هذه المعارك الداخلية إلى المجتمع الأهلي وتلقى بآثارها المدمرة على كثير من مقومات المجتمع القروي. وهذا الوضع أسس بطريق غير مباشر إلى وضع نظام المقاطعات وتقسيم البحرين إلى مقاطعات يهبها الحاكم إلى أقرباءه تعطيهم الحق في ملكية الأرض ومن عليها.
نماذج من القرى المختفية
وهنا يمكن إعداد قائمة كبيرة بالقرى والمناطق التي تغيرت فيها التركيبة السكانية والجغرافية مثل البديع و جزيرة المحرق و تعتبر قرية عسكر واحدة من ضمن مجموعة قرى التي تحولت بفعل الهجرة الوافدة فهذه القرية كان يسكنها أهالي البلاد الأصليين وينسب إليها عدد من الفقهاء إلا أنها سكنت بعد ذلك من قبل قبائل مهاجرة كما إن قرية الفارسية و قرية بربوة ( تقعان شرقي منطقة الرفاع ) تعد مثلا واضحا لفعل التدمير والتهجير الذي تعرضت له القرية البحرانية فبربورة قرية ذكرها لوريمر سنة 1905 تتكون من 20 كوخا يسكنها البحارنة يعملون في الزراعة والفارسية كانت تزرع أكثر من 2000 نخلة، وكمثال على القرية المختفية يورد لوريمر قرية رزقان التي كانت تزرع أكثر من 5000 نخلة وهي قرية تقع غربي قلعة عجاج (البحرين حاليا) مكونة من 20 كوخا يسكنها بحارنة يعملون في صيد السمك والزراعة. وهذه القرى اختفت في العهد القريب فما بالك بالعهد الأسبق منه.
ونتيجة للوضع السابق من الطبيعي أن تكون استنتاجات الخوري حول مشكلة الحكم في البحرين متطابقة والواقع حيث بدأت تبرز التجمعات والتحالفات القبلية كقوة فاعلة في المجتمع السياسي فتسيطر على الحكم وتتحكم بالمصادر الطبيعية في حين أن الذين لم تربطهم رابطة عصبية القبلية كالشيعة والسنة الحضر فقد عانوا الأمرين والظلم.
القرى المختفية …الخيرات التي سلبت والمظالم الباقية
استعرضنا فيما مضى واقع القرية البحرانية التاريخي ونوعية النظام السياسي والإداري الذي كانت تدار من خلاله وتم الحديث عن أسباب تلاشي ذاك النظام المتميز وسبب تلاشي العدد الكبير من القرى من على خريطة البحرين الجغرافية. وفيما تبقى سنحاول استعراض واقع القرية البحرانية في مناهضتها ومقاومتها بعد تعرضها للكثير من المظالم وتهديم أنظمتها السياسية والاجتماعية.
تدلنا المعطيات المتوافرة حاليا إلى أن خيرات وثروات القرى كانت محل أطماع من طمع في البحرين وأن العديد من تلك الخيرات وزعت وتم تقاسمها على أساس أنها غنائم حرب، كما تدلنا بعض الحوادث التاريخية المرتبطة بحادثة 1783 أن توزيع الغنائم ومنها خيرات القرى لم تكن موضع قبول من بعض الحلفاء حيث اعتبروا نصبيهم غير متناسب وحجمهم العسكري والسياسي وعلى هذا الأساس انفصل الجلاهمة عن تحالف العتوب في وقت مبكر جدا ورحلوا عن البحرين إلى قطر ودخلوا في حروب طاحنة مع حلفاء الأمس. في المقابل كان النظام السياسي المهين يعتمد طريقة جديدة في ضم حلفاء جدد وضمان موارد عديدة ترفع عن كاهله كلفة الحروب والمعارك التي يواجهها في الداخل والخارج. تقوم الطريقة الجديدة على أساس الهبات وتقسيم الموارد على الحلفاء الجدد كما في حالة قبلية الدواسر التي التجأت إلى البحرين في منتصف القرن التاسع عشر 1846 وسكنوا في قرى البديع أو في بعض القبائل التي هاجرت في الفترة نفسها وسكنت في جو وعسكر وبعض القرى في المحرق والرفاع.
نتيجة لهذه الطريقة تمت السيطرة على مجموعة كبيرة من خيرات القرى مثل البساتين وأراضي النخيل والمزارع وفي فيما يختص بخيرات القرى في البحر تمت السيطرة على العديد من وسائل صيد الأسماك، وتم تقليص سفن الغوص التابعة لأهالي القرى إلى أعداد بسيطة مقارنة بفسح المجال أمام القادمين الجدد والحلفاء بزيادة أعداد سفنهم في الغوص وبالتالي التحكم في مصادر غوص اللؤلؤ وبحلول العشرينات لم يكن هناك ممثل للقرى أو المواطنين الأصليين في مجلس السالفة المختص بمشاكل الغوص وتنظيمه إداريا واقتصاديا.
لم تنحصر أثار الانهيار للقرية البحرانية في حدود هذا الوضع فقد وجدت أنظمة أخرى ساعدت في فرض الحصار على القرى البحرانية ومصادرة خيراتها الاقتصادية وبات من الصعب جدا على أهالي القرى التحكم والتصرف في ثرواتهم الزراعية والبحرية. فمن جانب فرضت ضرائب خاصة على البحارنة مثل الرقابية وضرائب الري " دوب" وكان كل من تخلف عن دفع الضرائب تصادر أملاكه وتضاف إلى الأملاك العامة التي كانت تقع تحت سيطرة الحكم مباشرة، ولما كانت المعاملة المتبعة في فرض الضرائب تخضع لأهواء ما كان يطلق بالفداوية وحاكم المقاطعة فقد كانت كثير من الخيرات تصادر تحت حجة التخلف عن دفع الضرائب أو عدم القدرة على دفعها.
ويعتبر نظام المقاطعات واحدا من أكثر الأنظمة التي ألحقت ضررا كبيرا بواقع القرية البحرانية وتعرضها للمظالم. وكنا قد شرحنا نظام المقاطعات في مقالات سابقة وكيف كان يعمل على أساس أن الأرض ومن عليها ملك لحاكم المقاطعة ونتيجة لهذا النظام تمت مصادرة الأراضي والسيطرة عليها والتصرف في بيعها أو تأجيرها أو تضمينها من قبل حاكم المقاطعة للملاك الأصليين أو أشخاص آخرين وهكذا قسمت بساتين النخيل إلى مقاطعات متعددة يقوم بإدارة كل منها شيخ من آل خليفة وعلى العكس من ذلك تركت مصائد اللؤلؤ حرة للقبائل التي كانت تعمل بها. وترتبت على تفعيل هذا النظام العديد من الشكاوي والحكايات المنتشرة في القرى مثل أن تلك الأرض مغصوبة أو أن ذاك البستان مغصوب. ونتيجة لغياب العقود الموثقة كانت تظهر الممارسات التعسفية وتتم المصادرات بدون وجه حق، خصوصا وأن طريقة الترافع واللجوء إلى القضاء لم تكن متوفرة ولم يكن هناك نظام قضائي واضح فكل القضايا إذا ما قرر أن ينظر فيها ترفع إلى الحاكم مباشرة ليحكم فيها وهنا يطلب من الأهالي الإثبات وهم لا يمتلكونه أصلا لانعدام العقود أو قلتها أو لعدم اعتراف النظام بعقود الفترات الماضية، والنتيجة هي انتقال الملكيات من الأهالي إلى الشيوخ أو حلفائهم. وعلى هذا الأساس يمكننا القول إذا ما قرر أحد فتح باب المناقشة والجدال في الطريقة التي تمت بها مصادرة خيرات القرى لصالح القادمين، فإن الكثير الأراضي الشاسعة المسجلة بأسماء عائلات وملاك كبار هي أراضي لا تمتلك صكوك بيع أو نقل ملكيات سوى أنها كانت تصدر كهبة من الحاكم آنذاك.
في منتصف العشرينات قاد أعيان الشيعة وأهالي القرى حملة ضغط قوية لإجبار الشيخ عيسى بن علي بقبول نظام الإصلاحات الإدارية الذي اقترحته بريطانيا وكان الهدف من ذلك الضغط هو حماية ما تبقى من خيرات القرى وحقوق الأهالي وحماية القرية البحرانية من التآكل، وبفعل حملة الضغط هذه قامت بريطانيا بعزل الشيخ عيسى بن علي وتعين أبنه حمد مكانه على شرط القبول بالإصلاحات الإدارية ومن ضمنها إلغاء السخرة والضرائب المفروضة على الشيعة.
إلا أن بريطانيا وبحكم تحالفاها والاتفاقيات التي أبرمتها مع الحكام لم تكن راغبة كثيرا في إعطاء الشيعة الجزء الكبير من حقوقهم التي طالبوا بها في حملة الضغط التي نفذوها، وعملت بريطانيا بالتعاون مع الشيوخ على أن تضمن التفوق والقوة للحكام وأن يبقى المواطنون في الدرجة الثانية، وكان هذا أسوء ما تعرضت له القرية البحرانية من غدر في القرن العشرين. جاءت الإصلاحات وأغلب خيرات القرى من بساتين وأراضي وقعت بمعظمها تحت سلطة الشيوخ، فقد كان الحاكم يمنح الأراضي وبساتين النخيل كهبات ويعطيهم الحق في تدبيرها واستغلالها فمن حقه جمع الضرائب من أهل القرى وفرض أعمال السخرة عليهم وفض المنازعات وبالتالي فرض نظام إداري وسياسي مستحدث على القرية البحرانية. وعندما تمت إجراء مسح الأراضي في أوائل العشرينات اعتمد المسح طريقة بسيطة للاستملاك إذ جعل ملكية الأرض حقا لمن عمل فيها لمدة تجاوزت عشر سنوات وإذا كانت المدة أقل فإن على المحكمة أن تنظر في الموضوع. بناء على إحصاءات الخوري فإن آل خليفة في 1923 كانوا يستحوذون على أكثر من ثلث مزارع وبساتين النخيل حوالي 23% من مجموع البساتين وعددها 3349 بستانا، لذا كان تحويل الملكيات إلى ملكيات شخصية يعني ضياع وحرمان أكثر من ثلث مساحات القرى الزراعية. وفي الواقع كان نظام المسح وقواعده نظاما جائرا وظالما أضاف إلى القرية البحرانية حرمانا وعذابا إلى حرمانها وعذابها فبموجب نظام التسجيل كان يجب على صاحب الأرض أن يبرز وثيقة بيع أو ما يدل على ملكيته للأرض وإلا تعرضت الأرض للمصادرة والمصادرة كانت تعني استملاك الشيوخ للأرض بدعوى دخولها تحت إمرة حاكم المقاطعة أو استملاكها عن طريق الهبة. و لا نتملك معلومات مفصلة حول الأجواء التي كان يتم فيها المسح ونوع الفهم الذي ساد بين أهالي القرى آنذاك، لكن الذي يبدو أن هناك أراضي كثيرة تركت بدون تسجيل وأن أراضي مثلها أوقفت للأمام الحسين خشية المصادرة أو الاحتيال من أجل مصادرتها، وهذا لا يحدث إلا في ظل أجواء غير مشجعة ووسط مخاوف تم نشرها بغرض الاستيلاء على المتبقي من أراضي القرى.
يدلنا على ذلك يوميات المستشار البريطاني بلجريف الذي يسرد فيها كمية هائلة من الحوادث والمنازعات التي حدثت بعد العشرينات حول ملكية الأراضي ويشرح فيها كيف أن بعض الشيوخ كانوا يعيشون على الكسب من هذه المنازعات ويديرون تجارة رابحة ويودر في يومياته أن بعض القبائل التي سكنت البديع حازت على أراضي مملكة لسكان لقرى بعنوان الهبة من الحاكم وأن المحاكم آنذاك حكمت للقبائل بالأرض وتركت قول الملاك الأصليين. لقد كان بلجريف مؤسسا للمحاكم في البحرين وكان مطلعا على كل القضايا وللأسف فلا يستطيع أحد اليوم الإطلاع على تلك القضايا التي حكت مظالم القرية البحرانية طوال فترة طويلة من الزمن، بل إن سجلا دونه أحد أبناء القرية البحرانية سجل فيه أراضي الوقف الشيعي في كل قرية ومن وإلى من، إن سجلا كهذا يظل مخفيا وممنوعا من النشر لا لشيء سوى أنه سجل تاريخ القرية البحرانية وأملاكها وخيراتها.
القرى البحرانية وبعد أكثر من 200 سنة لا تزال تعيش واقع الحرمان والألم فالعديد من القرى لا يزال محروما من الخدمات الأساسية والبني التحتية التي لا بد منها وكأنها قرى تقع خارج البحرين. والقرية البحرانية لا تزال تتعرض للهجرة والاستبدال فالذي ينتظر القرية البحرانية لن يكون خارج أفق الاستبدال والإحلال الذي تم في الفترات السابقة فجحافل المجنسين تغزو القرى ويتم إحلالها بصيغة قانونية ويفرضون أنفسهم وثقافتهم على ثقافة وقيم القرية البحرانية.

بقلم الباحث: عباس المرشد