المنامةعلى هامش تأريخ فوكارو للمنامة – المدينة كمأوى للباحثين عن مهجر بلا قيود

يورد مصطفى بن حموش في تتبعه لتاريخ المنامة أن أول إشارة لها وردت في رسالة صادرة من السلطان العثماني إلى ممثله المحلي بالمنطقة تتحدث عن حصن المنامة التي كانت تحت حكم البرتغاليين، والذين قد يكونون قد بنوا أو أعادوا بناء قلعة البحرين سنة 1521(i) . والمقصود بالقلعة

هو قلعة البحرين التي سبقت بتكوينها الحالي بناء قلعة الديوان.
وينبه الكاتب إلى أن ما كان يطلق عليه البحرين في العصور الإسلامية الأولى مشتملاً على الإقليم الشرقي الممتد على طول ساحل الخليج والذي ينحصر ما بين البصرة وعُمان، والذي يشمل الكويت والإحساء وقطر وجزر البحرين الحالية، فإن هذا الاسم يقتصر الآن على تلك الجزيرة الرئيسة والجزر المجاورة لها والتي يبلغ عددها نحو 36 جزيرة، والتي أصبحت المنامة التي تقع على الشاطئ الشمالي لأكبر هذه الجزر عاصمة لها.
وبالطبع لا تمر هذه الملاحظة عابرة، والتي تتكرر الإشارة إليها بأية حال، إلا أن ما حدث في البحرين ارتدى طبيعة مختلفة. فلم يحدث التغيير فقط من باب اقتصار الاسم الأشمل على بقعة أصغر وهو ما يحدث في بقاع كثيرة في العالم، ولكن كان للتغيير في البحرين دلالات سياسية، حيث ترافق ذلك الاختلاف وبروز تغير جوهري في دور المكان، حيث إنه مع وبداية القرن التاسع عشر، بدأت عملية استمرت لما يقرب من قرنين من الزمان تبلور فيها كيان البحرين الجديد: فما عادت البحرين عاصمة لدولة بشرق الجزيرة أو جزءاً منها. فقد تطابق الاسم والمدلول السياسي والحيز الجغرافي. كان ذلك يحدث لربما للمرة الأولى منذ بروز البحرين في التاريخ.
هذا التغير السياسي كان يتناغم مع تطور شامل يغمر مناطق أخرى بالخليج ويأخذ منحى اقتصادياً جديداً وهو بروز المدن الموانئ على الساحل الشرقي للخليج.
وذلك أمر انتبه إليه جلال الأنصاري في بحثه عن الهولة(ii)، حيث أشار إلى أن الساحل الشرقي للخليج ورغم انتمائه إلى الجزيرة العربية جغرافياً وبشرياً، إلا أنه ظل بعيداً عن أن يرى بروز موانئ جاذبة بتسهيلاتها للسفن والبحارة ونشطة بحركتها التجارية. كان الأمر ولقرنين من الزمان من نصيب الساحل الفارسي الذي امتلأ بقبائل عربية بحرية النشاط، وأصبح مقصد الحركة البحرية في الخليج. وهكذا فإن المتجه للطريق من البصرة إلى البحرين، كان يلجأ إلى الموانئ العربية على السواحل الفارسية للتزود بالماء ولتحقيق التبادل التجاري.
وتلحظ ميليندا فوكارو هذه المسألة في تتبعها لتاريخ نشوء المدن الموانئ فتشير بأنه وحتى القرن الثامن عشر لا توجد معلومات كثيرة عن مستوطنات بالساحل العربي، حيث إن المنطقة لم تكن قد نهضت لتتسنم مكانة تجارية وسياسية. ولكن وبالنظر إلى وقوع الساحل العربي وسط ثلاث قوى سياسية أساس تتحكم بالبر المحيط: الدولة العثمانية إلى الشمال وفارس إلى الشرق والجزيرة العربية إلى الغرب. وترافق ذلك مع نشاط وسط القبائل العربية من جهة التي اتجهت للساحل في الكويت والبحرين وساحل عُمان الشمالي أو ما يعرف بالإمارات حالياً متوازياً مع تواجد أجنبي لم يكن ليرغب في رؤية القوى البرية العظمى تمد تواجدها وحضورها إلى سواحل الخليج. ولم يكن الساحل الإيراني بدوره بعيداً عن فورة نشاط القبائل العربية، التي كانت قد استقرت فيه ونشطت وأثبتت حضوراً وفعالية تمتد منذ القدوم الأوروبي الأول المتمثل في البرتغاليين.
وهكذا برز ما يمكن تسميته بالانفصال القبلي، حيث شكلت المستقرات الجديدة أماكن لإمارات جديدة وأسواق لم يكن نشاطها ملحوظاً سابقاً. فظهر السلام البريطاني الذي بدأ بحملة 1819 ضد القواسم وتوقيع اتفاقيات السلم اللاحقة واستمر لقرن ونصف من الزمان. ووفر ذلك السلام بالأساس الطريق الآمن والسالك إلى الهند. وتوفرت وسائل النقل الجديدة المعتمدة على البخار لتحرك عجلة الاقتصاد بين البقاع المحيطة بالخليج وبومباي.
تزايد السكان والمساحة
وانعكس الازدهار الاقتصادي العالمي بنهاية القرن التاسع عشر على الخليج بهيئة طلب متزايد على سلعة الخليج الأولى وهي اللؤلؤ. وترصد فوكارو نتائج هذا الواقع الجديدة على المدن – الموانئ الخليجية. فبلغ سكان دبي حين سيطرة البوفلاسة عليها العام 800 ,1833 نسمة، أصبحوا 10 آلاف نسمة مع حلول القرن العشرين. وقد استفادت دبي في ذلك من استعادة عائلة القاجار الحاكمة سيطرتها على فارس وتضرر أعداد كبيرة من التجار في الموانئ الجنوبية للدولة، الذين قدموا بأعداد كبيرة لتشكيل مجموعات بشرية تجارية في الميناء الجديد.
وتضاعفت مساحة الكويت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وتجاوزت جدار المدينة الذي كان يفصلها عن الصحراء حتى أعيد بناء سور جديد العام .1922 ولم تكن المنامة بدورها بعيدة عن هذه المتغيرات، على أنها تميزت بحضور لمجتمع تعددي الأعراق والأصول.
الإمبراطورية الخفية
كان الحضور البريطاني قوياً ولكنه كان خفياً أيضاً. كانت هناك إمبراطورية غير رسمية. وسط ذلك تشكلت المدن الخليجية، خصوصاً في بواكير بروزها كموانئ تجارية بطبعة محلية. فنشأت علاقة قوية بين التجار والحكام القبليين، ضمن السيطرة على صناعة الغوص على اللؤلؤ والتجارة العابرة للسواحل. وكانت الأموال الناتجة من النشاط الاستثماري في تلك المدن والذي يعاد استثمارها بها هو الأساس الذي حقق الاستدامة للحكم المشيخي. وتعاون التجار العرب والهولة بنحو خاص لتمويل صناعة اللؤلؤ والتجارة الإقليمية والبعيدة وهما عمادا الثروة في الاقتصاد البحري القائم. وتحملت تلك الفئتان عماد النشاط الاقتصادي بالكويت منذ مجيء العتوب وبأكتاف الجماعات الواصلة معهم. والشيء نفسه كان في البحرين: فقد نزح الهولة من الكويت إلى الزبارة وانضافوا لمن سبقهم من العرب والهولة بالبحرين لينعشوا التجارة المحلية.
وتشير فوكارو فقط إلى ضرائب الجمارك التي فرضت على التجارة الداخلة كامتداد لضرائب الحماية التقليدية التي فرضتها القبائل في أيامها الأولى. ولاحظت استثناء اللؤلؤ من أية ضرائب جمركية.
على أن الحقيقة أن ضرائب الحاكم على اللؤلؤ كانت تجبى في موقع آخر، وأثناء الإنتاج. فعلى كل سفينة يحصل الحاكم على حصة تساوي حصة غواص ضمن كل رحلة سنوية أي ثلاثة أسهم(iii). وكان ذلك بمثابة مصدر دخل منتظم وكبير في أيامها بالنظر إلى عدد السفن الذاهبة للغوص سنوياً بكل ميناء.
وكان للتجار وسيلة أساسية وتكاد أن تكون وحيدة في مواجهة الوضع السياسي، إن لم تعجبهم ظروف ما، أو سياسة ما، أو ضريبة ما يقومون بمغادرة الميناء. وعلى سبيل المثال، فحين اضطربت الأوضاع السياسية في البحرين بسبب النزاعات العائلية ضمن الأسرة الحاكمة، لاذت جماعات كبيرة من التجار بالكويت طلباً لاستقرار الأوضاع بها. وبالعكس فحينما فرض حاكم الكويت مبارك الصباح ضرائب لم تلق قبولاً من بعض تجار الكويت لاذ هلال بن فجحان المطيري بالشيخ عيسى بن علي في البحرين معبراً بذلك عن احتجاجه(iv).
الحرية الاقتصادية بين الساحل والداخل
وتنافس الحكام في الإمارات الساحلية على إيجاد مناخ من الحرية، والتنافسية الاقتصادية لجذب التجار ورؤوس الأموال والسكان المهاجرين. وعلى سبيل المقارنة بينما كان ميناء العقير الواقع تحت حكم آل سعود يفرض جمارك تصل قيمتها إلى 20 على قيمة التمور الواردة بين العامين 1792 و,1818 بالكاد عرفت دبي الضرائب الجمركية طيلة حياتها بالقرن التاسع عشر.
كان وجود التجار يخلق حركة بالميناء ويتطلب أيدي عاملة قدمت من السواحل المحيطة ومن القارة الهندية، ووجدت في الموانئ الجديدة انفتاحاً ومساحة من الحرية ومن تحسن في العيش جعلتها تفضل الانتقال إليها. وتوافق ذلك مع المزاج التجاري المتحرر الذي طبع الأسر الحاكمة في سواحل الخليج والتي ربطت مستقبلها منذ نشوئها بالتجارة والملاحة وصيد اللؤلؤ. ومقارنة بالدول الثلاث المحيطة، وجدت الدول الأصغر متنفساً لها ضمن السلام البريطاني، واستفادت منه.
ولكن الدول الموانئ تلك لم تكن كلها عسلاً ولبناً. فلقد استقر نظامها الأساس على صناعة اللؤلؤ غوصاً وتجارة وتسويقاً. وقام هذا الاقتصاد على تركيز الثروة والسلطة في يد مجموعة من التجار المتخصصين في ذلك المنتوج والذين عرفوا بالطواويش. وعبر قروضهم التي يعطونها للنواخذة ينشأ نظام ربوي ينتظم ضمن الشرع الإسلامي وشروطه، ولكنه يحيل الغواصين والسيوب والعاملين اليدويين في السفينة إلى مرتبة العبيد في وضعية لا خلاص منها. ولكنها وبعيداً عن أية مقاييس إنسانية كانت الترتيب الأكثر عملية في ضوء وسائل الإنتاج التي كانت قائمة.
فرغم قسوة المعاناة، وحياة التحكم، إلا أن الوضع المعنوي للغواصين كان محترماً. ورغم المخاطر الاقتصادية التي كانت تحكم تلك الصناعة بحكم ارتباطها بعوامل طبيعية يصعب التحكم فيها، إلا أنها كانت تدر قدراً أدنى من المداخيل التي توفر مستوى للعيش والاستمرار يفوق خيارات أخرى. وكانت تلك المنطقة تنتج تلك البضاعة لآلاف من السنين فأتقنت العمل، وكان المنتوج متفرداً وذا مستوى عال. وكان الطلب عليه يرتبط خصوصاً بالازدهار العالمي، فكلما نشط الاقتصاد بالدول المتقدمة كلما أبدى المستهلكون به رغبة أكبر في اقتناء اللآلئ، والعكس صحيح.
وهكذا حافظت سواحل الخليج ومدنه على حد أدنى من مستوى العيش لم تنل منه تقلبات اقتصادية كثيرة مرت بالعالم. فقط حين تواكبت أزمة نيويورك الكبرى العامين 1929 و1930 مع بروز اللؤلؤ الصناعي، آذنت شمس الصناعة بالمغيب، وتعرت اقتصاديات دول الخليج قاطبة. على أن ذلك تزامن مع بروز النفط. ولكن قبل ذلك استمر النسيج الاجتماعي لمئات من السنين كما كان قائماً على تلك العلاقة المستقرة بين البحارة والغواصين والسيوب ونواخذتهم ومموليهم من التجار. كان مجال التغيير وسط الطبقات السفلى محدوداً حتى وإن كانت حالتهم مزرية.
وبالمقابل، وجدت القوى الأوروبية في البداية في خيار التحالف مع الحكام المحليين بمواجهة القوى الإقليمية الأقوى الخيار الأفضل، بدل محاولة تحريك أوضاع الغاصة، وهكذا تثبت تحالف سياسي واجتماعي قوي استمر لعقود من سنين فترة ما عرف بالسلم البحري.
المنامة تاريخ النشأة
تورد فوكارو بأن تاريخ المنامة يسبق تاريخ تشكل الخليج في القرن الثامن عشر. لقد كانت ميناءً قبل أن تصبح مدينة وتعتقد أن تاريخها يرتبط إلى حد كبير بقلعة البحرين. ولربما كانت آثار الاستقرار الواقعة بين المنامة الحالية والقلعة القائمة تشير إلى ازدهار الميناء قبل وصول البرتغاليين. وإن كانت تلك الآثار تشير ربما إلى ازدهار أقدم بكثير من فترة العصور الوسطى التي سبقت البرتغاليين على وجه التحديد.
وتشير فوكارو إلى أن أقدم إشارة إلى البلدة هي عندما احتل ملك هرمز توران شاه العام 1347 الجزر بعد، أن قتل ابنه شامبيه في مؤامرة ضمن الجيش وكان يعمل حاكماً محلياً هناك. وتلي ذلك إشارات في وثائق عثمانية. ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت الإشارات إلى المنامة وبهذا الاسم تحديداً، أو إلى البحرين عموماً مع إشارة إلى ميناء هناك.
على أن متابعة للخرائط التي رسمت لاحقاً تظهر رسوماً لإنشاءات متجمعة ربما أشارت إلى المدينة. ولكن وبقدر ما يستقى من الخرائط فإن المدينة تظهر ازدهاراً أيام البرتغاليين مقارنة ببلاد القديم التي كانت ستزدهر أبان الحكم الصفوي اللاحق.
وتعتقد فوكارو بأن اسم المنطقة يرتدي دلالة معينة بالنظر إلى وقوعها على الساحل، فاشتقت المنامة من نام، أو المكان الذي يشكل مكان للراحة والاستكانة، والذي يوفر ملجأً من دون حدود أو قيود يتواجد فيه سكان مقيمون بشكل دائم، وآخرون ممن يقدمون للحضور المؤقت. وعلى ذلك قامت فلسفة منامة القرن التاسع عشر حين أصبحت سوقاً تجارياً متدفقاً، ولم يعد المكان معلماً جغرافياً واقتصادياً وسياسياً حاجزاً، بل بات حداً مرناً جاذباً. وكانت العالمية هي المعلم الأساس له كمجتمع مدني والروح التجارية هي أيديولوجية رجال الأعمال الأحرار والجريئين بها. واحتضنت المدينة تشكيلة واسعة من الفرص التجارية تقدمها للوافدين الجدد عبر اقتصاد الميناء القائم. ولكن تلك الظروف كانت أيضاً بمثل سيف ذي حدين: الوعد المؤكد بالازدهار والمشجع بآن واحد للقلاقل السياسية.
هوامش
(i) حموش، مصطفى. .2009 خطط مدينة المنامة: التحولات العمرانية بالمدن الخليجية. المحرق. ص .27
(ii) الأنصاري، جلال. .2008 الهولة، نشر على حلقات في صحيفة الوقت. .2008
(iii) الحجي، يعقوب. .2007 النشاطات البحرية بالكويت، الكويت، ص .79
(iv) الحجي. .2007 ص .75

 

الوقت – أحمد العبيدلي – قسم الدراسات والتطوير: