OLYMPUS DIGITAL CAMERA         ظلمت وغيبت وهمشت تاريخياً على حساب غيرها من الأسماء المستحدثة. 
قد يستغرب البعض تسمية العنوان للمقدمة ويتسائل هل كانت قرية سماهيج غير ذلك وغير الذي نعرفه عنها ؟ وهل الذي لدى الدولة من المعلومات عنها غير الذي موجود في بطون الكتب التاريخية ؟
بالتأكيد سوف تكون الإجابة حاضرة بنعم , وكما أن أرخبيل البحرين التاريخي بأصل طبيعته الجغرافية قد تغير جراء جشع وطمع الحكومات المتعاقبة ووصل الى ماوصل اليه

بالصورة الحالية من استحواذ على السواحل والجزر وتغيير الملامح الثقافية والأثرية للأرخبيل كذلك كانت سماهيج التاريخية قد نسف وغيب تاريخها عن الحقيقة مما أضربحقها الطبيعي لاحقاً .
التغييب التاريخي :
والحديث عن قرية سماهيج لايندرج في خانة الحديث عن العصبية القومية والمناطقية أو من حيث المنطق الايديولوجي والمذهبي وإنما حديث عن تاريخ وكشف عن حقيقة ضائعة بين الأسوار, و يعتقد الكثير ممن لديهم المتابعة التاريخية أنها علامة ومثال للدلالة والتهميش والتغييب الذي يعاني منه أرخبيل البحرين تاريخياً , وسماهيج إن قيست في ذلك فهي عينه واضحه من أمثله متكرره لأكثر قرى البحرين ولكننا وجدنا من جانب البحث أن هذه المنطقة ظلمت وغيبت وهمشت تاريخياً على حساب غيرها من الأسماء المستحدثه حديثاً حيث غيب اسمها جغرافياً ليكون اسماً آخر بديلاً عنها كما هو الحال لبعض مناطق الأم .
سماهيج التاريخية :
تنقل المصادر التاريخية القديمة أن كلمة سماهيج كانت تطلق على جزيرة المحرق الحالية حيث لم يكن معروفاً ولايوجد على الإطلاق شيئ اسمه محرق في الأزمنة التي عرفتها أرض أوال وعاشها البحارنة والقبائل العربية الآخرى التي قطنتها لاحقاً, و كانَ اسمها معروفاَ منذ العهد الجاهلي وكانت القبيلة التي تسكنها قبيلة عبد قيس , وقد وردت كلمة سماهيج في بعض المصادر والتراجم العربية والاوربية والسريانية والخرائط الجغرافية في عدت مسميات (مسماهيج ,سماهوي , سماهي, مسمهيج , مسمهج ,سماهي )وقد لوحظت في بعض الخرائط للمؤرخين والرحالة الأوربيين أن ذلك المعنى يشير الى الجزيرة ذاتها وهي سماهيج .
وهناك جملة من الشعراء قديماً تغنوا ببساتين سماهيج وجملة من المؤرخين تحدثوا عنها وعن رجالاتها في كتبهم مثل العلامة الشيخ يوسف العصفور البحراني في كتابه لؤلؤة البحرين , ومن الباحثين حديثاً من لديهم آراء حول سماهيج التاريخية الباحث البحريني د.علي أكبر بوشهري (1) ويمكن الاطلاع على شخصية المحدث السماهيجي الشيخ عبدالله بن صالح السماهيجي البحراني في كتاب أعلام الثقافة الاسلامية للباحث البحريني د.سالم النويدري تدلك على وجود سماهيج التاريخية آنذاك , والموقف الوطني للمحدث السماهيجي تجاه شعبه ووطنه وجهاده ضد الخوارج واليعاربة في منفاه ببهبهان (2) .
تعرضت جزيرة سماهيج قديماً للعديد من الضربات والهجمات من قبل الخوارج والغزاة أهمها هجمة العمانيون في عام 1737م وأطلق على هذه الحادثة ( عبيد الصلاح ) وراح ضحيتها العشرات من الشهداء لأهالي سماهيج (3) , الى أن جائت أسرة آل خليفة وبنوا لهم قصور في شمال سماهيج وبعد ذلك تم اطلاق اسم المحرق على الجزيرة في عام 1225هـ \ 1810 مـ وأصبحت تسمى جزيرة المحرق (4) , وهناك الكثير من الأدلة التاريخية التي تؤكد تاريخية تسمية سماهيج على جزيرة المحرق الحالية .ومما يأسف له حقاً أن الجهات الرسمية لاتزال تمارس التجاهل والتغييب لهذا التراث الوطني البحريني, والذي يزيد الطين بلة ذلك الترف الزائد في التحدث عن الاسم المستحدث دونما أي اعتبار للمناطق المجاورة كعراد والحد وقلالي والدير وكأنما هذه المنطقة الوحيدة في الجزيرة ولايجب التحدث عن أي اسماً آخرمغاير لها .
سماهيج اليوم :
قرية سماهيج يحدها في الشمال الغربي قرية الدير ومن الجنوب قرية قلالي ومن الغرب مطار البحرين الدولي , ولسماهيج في الشمال الشرقي طبيعة جغرافية ساحرة وواجهه رائعة وفي منتى الجمال بلونها الأخظر الذي كان يميزها بكثرة البساتين والعيون والينابيع العذبة , وذلك المنظر المهيب يكاد لايخلوا من البحارة وهواة الصيد من الصباح والمساء على سواحلها ولكن بعد ماذا ؟.
تتمتع الواجهة الشرقية لمياه سماهيج بمعالم حضارية ورموز بحرية قديمة اعتاد عليها البحارة منذ العصور المتأخرة وورثها الأجيال , وتعد هذه المعالم الحضارية بالنسبة للأهالي مصدر حياة وكفاح لما فيها من مصائد الأسماك والمحميات الطبيعية الا أن لمشروع جزر أمواج آثاره الضارة والسلبية على المنطقة فقد حجمت سماهيج وأصبحت أسيرت الجزر الصناعية ولم تعد سواحلها كما السابق مما أدى الى قطع أرزاق الأهالي الذين يمتهنون مهنة الصيد وذلك بتعرض الساحل الى الدفن والردم وتخريب البيئة البحرية من مصائد ومحميات بالكامل مما ادى الى هجرة الأسماك والحيوانات البحرية الى العمق , علاوة على تغيير الصورة بالكامل لذلك المشهد البحري الجميل من المساكر والحظور والمصائد البحرية الى صحراء قاحلة .
امتداد أم نهاية :
قرية سماهيج يبدو حالها كبقية أخواتها من قرى البحرين تم اهمالها عمرانياً و تحجيمها , والصورة واضحة ولاتحتاج الى دليل آخر فجزر أمواج قد ألغت سماهيج جغرافياً في امتدادها ودمرت بيئتها الطبيعية البرية منها والبحرية ولم يعد هناك بالامكان امتداد للمنطقة سوى بناء الأراضي المدفونه بحراً وتهيئتها للسكن لأهالي المنطقة , أما الجهات الثلاث الأخرى فيستحيل الامتداد منها .
انتزع حق سماهيج في التوسع والتمدد الطبيعي وحرم أهلها الملكية العامة , وأما تحجيم القرية العريقة بهذا الشكل أصبح في خلاف الأخلاق والحس الوطني والذي بدوره قضى على حق الأهالي والأجيال القادمة من موروثات الآباء والاجداد والنتيجة يقال عنها نهايات القرى وليست امتدادات القرى التي يتحدث عنها المسؤولون بالدولة .
حتى لا تضيع الحقيقة:
أسبانيا بلد غربي غير مسلم فتحها المسلمون الاوائل سنة 92 هـ , وقد سميت بعض مدنه ومناطقه باسماء عربية من قبيل الاندلس , مرسية و طليلطلة الخ وعرَب المسلمون الكثير من المسميات الأسبانية ولاتزال التسميات باقية الى يومنا هذا تستخدم ويعتز بها وهي أسماء أعجميه بالنسبة لساكني شبه جزيرة أيبيريا, وفي البحرين هناك من المرضى والمألهين للذات الانسانية لازالوا ينادون بمسح وتغيير أسماء القرى العريقة , هنا تجد المفارقة العجيبة بين الانتماء للوطن والاعتزاز به وبين المنفعة والولاء المطلق للحاكم ؟ .
المواطن الشريف والوطني المنصف يعتز بتاريخ وطنه ويكون متششداً بالحفاظ على التراث الثقافي لوطنه ولعل أبلغ حديث عن ذلك يمكن قرائته من خلال ماطرحه سماحة العلامة الشيخ عيسى قاسم في خطبته (نعارض جداً تغيير الإسم التاريخي لأي قرية من القرى، أو مدينة من المدن في هذا الوطن، لأن ذلك يتضمّن إخفاء تاريخ مشرق لوطننا العزيز، ويؤدّي وظيفة تزوير خطير لأمجاده.) (5) .
وانت قادم من الشارع المحاذي لمنطقة العمليات للجزر السبع والمؤدي الى مرفأ رأس رية كانت هناك قبل عدت شهور لافتة كتب عليها عبارة (ديارالمحرق) على غرار ضاحية السيف وضاحية الفاتح والآن لوحظ اختفائها ولاندري هل هي تهيئة للعودة لسياسة عقلية الفتح القديم كما ألغيت تاريخية سماهيج من قبل وذلك بتبديل اسم المنطقة باسم آخر ؟؟
46 هكتار الى أين ؟
لل46 هكتار قصة ولاندري الى الآن هل القصة حقيقية تأتي من أجل اسعاد المواطن أم خيالية تأتي لتزيد المواطن حيرة وألم ,في فبراير لسنة 2005 كان هناك اهداء من جلالة الملك(6) أرضاً تقدر ب46 هكتار لاهالي المنطقة وذلك خلال لقاء خاص ضم الملك مع وفد من الأهالي لقريتي الدير وسماهيج , ولكن القاطنين بالمنطقة بعد فترة وجيزة والى الآن لم يروا شيئ على أرض الواقع فالبحر دفن والسواحل أغلقت وتضرر الصيادون كثيراً لبعدهم عن السواحل , علماً أن الصحافة تتناقل الأخباروتأكد تارة وتنفي تارة اخرى عن حقيقة الأرض المهداة وعن عدد الوحدات السكنية والأراضي التي سوف توزع على الأهالي .
و لنبض الشارع في منطقة سمادير كلام آخر ينبأ عن مخاوف وهواجس وهناك من هو متفاؤل ومن هو محبط ومن مصدق بحذر ومن مكذب للخبر حتى ان البعض لم يكترث بهذه الوعود ويسميها بالاكاذيب والخزعبلات والأحلام الوردية .
ولعل آخر فعالية أقيمت للمطالبة بمشروع اسكاني للمنطقة الإعتصام الذي نظمه الأهالي يوم الجمعة بتاريح 2ديسمبر2006 , وأخبار تفيد عن زيارات متكررة و مستمرة لأعضاء لجنة المتابعة وذلك لملاقاة المسؤولين بالحكومة للإستفسار عماوصلت اليه الامور بالنسبة للمشروع الإسكاني ولازالت الضبابية مخيمة على هذا الأمر ومما أربك خيوط القصة لصحة مصداقيتها تحول رقم الهكتار من 46 الى 38 لمساحة المخطط على عكس سعر القسيمة السكنية بالمنطقة الذي يزيد ارتفاعه في البورصة يوماً بعد يوم!
والسؤال المطروح هل الأرض المهداة لأهالي سماهيج والدير موجودة أم ابتلعها متنفذوا السواحل ؟ وإذاكانت الأرض موجودة هل ستكون لصالح الأهالي مائة بالمائة أم للحوت نصيباً منها ؟ وإذا بنيت الأرض هل ستوزع على المستحقين بانصاف ام سيكون للغرباء والمجنسين دخلاً آخر ؟ وهل سيكون تسميتها لامتدادها الطبيعي أم ستكون ( ضحية ) أخرى من ضحايا القرى ؟.
معاناة ومطالب سماهيج :
لعل هم السكن والمأوى يتصدران قائمة مطالب الاهالي(7) في سماهيج فمنذ عقود من الزمان لم تشهد منطقة سماهيج مشروع اسكاني ولم تحضى بالاهتمام والتعمير مثل بقية مناطق المحرق التي شهدت تمدد ماعدا قرية الدير التي تشابه جارتها في المحنة , كما أن الحاجة الماسة لتطوير الأحياء القديمة وبناء البيوت الآيلة للسقوط مع المحافظة على الطابع التقليدي لها أصبح أمراً ضرورياً للغاية.
هناك كم هائل من القضايا والمشاكل التي تعاني منها القرية أهما ضعف البنية التحتية وسوء التخطيط للشوارع والطرقات وسوء شبكات المجاري والصرف الصحي , وافتقارها الى المرافق العامة من مكتبة عامة ومركز اجتماعي وتفتقر سماهيج أيضاً الى حديقة عامة ومتنزه ساحلي حيث البحر والنخلة يمثلان علامة بارزة من تراث سماهيج ولهذا من الصعب بقاء قرية عريقة كسماهيج بدون ساحل يرتاده الأهالي للتنزه والراحة على الأقل تعويضاً لهم لما فقدوه من سواحل , كما أن هناك الكثير من الاحتياجات الاجتماعية والخدماتية التي تفتقر اليها القرية مما يضطرالأهالي للخروج الى المناطق المجاورة للاستفادة منها , ولايفوتنا أن نذكر معاناة صيادي الأسماك ووضعهم الصعب جراء التغيير الحاصل للسواحل وصعوبة تنقلهم من والى مراكبهم على ان تهتم بهم الدولة بتطوير مرفأ رأس رية وتقديم الاحتياجات من أمن وسلامة .
قرى تحتضر:
يقولون لاتتحدث بعاطفة جياشة تحدث بعقلانية , لكنني لاأستطيع أن أقفز وأكذب على عقلي واحساسي فالعاطفة والعقل متحدان في ذلك فالعقلانية للذاكرة والتاريخ -والعاطفة لحقيقة الواقع المتردي فمهما تحدثت عن سماهيج اليوم فالنتيجة هي أشبه بأخواتها في الأرخبيل ولهم صفات مشتركة في الهم الوطني .
والواقع التي تتحدث عنه السلطة في الخارج عن التنمية الحضرية صفر على الشمال في قبال الواقع المعاش في البحرين , ويمكن للأمين العام للأم المتحدة السيد بان كي مون أن يأتي زائراً ليرى التنمية عن كثب كيف كانت وتكون فالحالة المعيشية مزرية وقاهرة لشعب أنهكته جراحه .
قرى بنيتها التحتية قديمة أكل عليها الدهر , قرى تحتضر تستغيث وتنادي أنني مهملة مغيبة مهمشة ومنسية ! قرى كتب عليها ان لاتشهد امتدادها وان ترى نهايتها جغرافياً ! ولكن الاخطر في ذلك القيام بإخفاء وتغييب وتزييف التاريخ لأمجاد هذه القرى (أرضنا – أي أرض البحرين – كانت مليئة بعمالقة من العلماء ممن يفتخر بهم، وترتبط عناوينهم بالقرى والمدن المختلفة. تقرأ هذه العناوين في تراجم الرجال، والعلماء الكبار: المقابي، البلادي، الغريفي، الجدحفصي، الدمستاني، الماحوزي، التوبلاني، الدرازي وعناوين أخرى مماثلة، وكل هؤلاء سيذهب تاريخهم أدراج الرياح، وستضيع شخصياتهم لتبديل أسماء القرى والمدن، فبعد حين سيكونون مجهولين، وأنهم من البحرين أم ليسوا منها، وسينكر أن تاريخ البحرين كان تاريخ أفذاذ من أمثالهم.)(8)
وبهذه النتيجة من الطمر وتغييب معالم القرى من على خارطة البحرين أصبح الأرخبيل كله في خطر إزاء المشاريع والمخططات الجديدة لدفن البحر والاستحواذ على السواحل والجزر , أبعد هذا الخطر تعطى الجوائز الشرفية في الابادة الثقافية والحضارية ؟ بتغييرهوية الأوطان والشعوب ويسمى ذلك بتنمية حضرية للدولة ؟
____________________
المصادر:
1-كتاب سماهيج في التاريخ
2-لؤلؤة البحرين
3-سماهيج في التاريخ
4-مجلة الوثيقة عن مركز الوثائق التاريخية بدولة البحرين
تصريح للشيخ عبدالله بن خالدآل خليفة.
5- خطبة الجمعة رقم (296)
6- بيان أعضاء لجنة المتابعة
7- صحيفة الأيام البحرينية – 17/2/2005
8- خطبة الجمعة رقم (296)

 

بقلم الباحث: جعفر يتيم – سماهيج