من المواريث الشعبية في قرية المعامير

قرى ومناطق البحرين تربطها الكثير من العادات والتقاليد والمواريث الشعبية، ولو عدنا للماضي سنجد إن أغلب العادات الشعبية في البحرين تكاد تكون نسخة متشابهة لنفس العادات في الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، عدى بعض التفاصيل المرتبطة بالمكان أو اللهجة او العرف، وأما قرية المعامير في جزيرة البحرين فكانت كغيرها من القرى البحرانية الأصيلة، وتعيش نفس الأجواء والعادات ويمارس اهلها نفس الموروث والطقوس الدينية والاجتماعية منذ القدم.
ميراث حرق صفر عادة من العادات القديمة التي توارثتها الأجيال السابقة عن من قبلها، والهدف من هذا العادة هو إحراق الحزن والمصائب ومواريث النحس التي خيمت على المسلمين الشيعة لمدة شهرين متتاليين وهما (محرم وصفر)، وإشعال النار هو علامة لنهاية الأحزان والكآبة وإعلان لبداية دخول الفرح والبهجة في النفوس، لذا كانت كل النساء تنزع الثياب السوداء وتستبدلها بثياب بيضاء ذات ألوان جميلة ومطرزة، وكانت هناك بعض العادات التي تقوم بها النساء في ذلك اليوم، ومنها قيام النساء بكسر بعض الأواني الفخارية وإلقائها في البحر في حركة شبيهة بإلقاء الضحايا في البحر في يوم عيد الأضحى المبارك، ومنها قيام النساء بإشعال البخور والطيب في مختلف أنحاء البيوت، وأما (الشبّه) فتقوم النساء بإشعالها وتمريرها في جميع الغرف والحوش وغيرها من مرافق المنزل، وتقوم بتمرير الشبه على رؤوس الأطفال والرجال، وكانت في المعامير بعض الممارسات الجزئية المختلفة عن باقي القرى.
هذه العادة كانت تقام في اليوم الثامن والعشرون من شهر صفر، وهو اليوم الذي توفى فيه النبي (ص).
قبل هذا اليوم بشهر أو أكثر، كانت تتشكل مجموعات من أبناء القرية من الشباب والأطفال وأحيانا من النساء ثم ينتشرون في البراري القريبة ويجمعون الاخشاب وجريد النخل والجذوع والإطارات وكل شيء قابل للاشتعال ويجمعونه في مكان معين، وهذا الأمر يستمر لمدة شهر أو أسابيع حتى يتم تجميع كومات كبيرة من المحروقات تمهيدا لإشعالها في ذلك المهرجان الشعبي الذي يسمى (حرقناك يا صفر) في يوم وفاة النبي (ص) يتجمع المأتم وهم ينتظرون انتهاء الخطيب من قراءة مجلس العزاء لينطلق المهرجان، وهنا يذكر الحاج علي بن الحاج محمد بن دسمال إن الكثير من الشباب والأطفال كانوا يتجمعون قبل أسابيع لجمع الحطب ويخرجون إلى منطقة شباثة الواقعة جنوب القرية، وكانت هذه المنطقة تتميز بحشائشها الكثيفة فيقومون بجمع اليابس منها ويجمعون الخشب والجريد ثم يحملونه إلى وسط أو خارج القرية، الجميع كانوا يتسابقون لجمع أكبر كمية من الخشب لتكون نارهم أكبر وأعلى من نيران غيرهم، وكلما كانت النار تعلوا وتشتعل كان الجميع يركضون حولها ويقفزون بسرور وبهجة لا توصف فهم اليوم سيودعون الأحزان وسيخلعون الثياب السوداء ذات الحزن والكآبة.

ويقول الحاج علي بن الحاج حسن بن تركي إن المعامير في بداية الستينات كانت تحوي اكثر من أربع او خمس مجموعات تقوم بحرق صفر وكل مجموعة كان لها موقع معين، وعلى سبيل المثال نذكر بعض المجموعات ومواقعهم في ازمنة مختلفة وهم كالتالي:

مجموعة فريق سريو (الجنوبي)
هذه المجموعة كانت في مطلع الستينات ناشطة وفيهم بعض الشباب والرجال، وكانوا يستخدمون الأرض الشمالية المحاذية لساحة نادي المعامير لاقامة مهرجان صفر ومن أبرز الذين كانوا يتزعمون هذه المجموعة هم:

الحاج هلال بن الحاج صالح بن هلال.
عبد المصطفى اللطيف.
الحاج علي بن الحاج حسن بن تركي.
الحاج علي بن الحاج حسن بن دهوم.
وكان معهم الكثير من الرجال والشباب والأطفال.

فريق (العالي)
كان أغلب المشاركين فيها من أبناء الحي الشمالي القريب من مسجد الشيخ أحمد، وكان موقع الحرق قريب من مسجد الشيخ أحمد وأحيانا ينتقلون الى المقطع الوسطي (جزيرة المقطع) ومن أبرز المشاركين المنتمين لهذه المجموعة هم:

المرحوم الحاج علي بن الحاج حسن بن يعقوب.
الحاج مهدي بن الحاج أحمد بن جاسم آل عباس.
الحاج يعقوب بن الحاج حسن بن يعقوب.
أستاذ عبد الهادي بن الحاج عيسى آل سعيد.
الحاج علي بن الحاج أحمد بن علي بن آدم.
الشيخ سعود بن الحاج محمد آل سعيد.
الحاج جعفر بن الحاج أحمد بن آدم (يسكن خارج القرية).
أستاذ نوح بن الحاج عيسى آل سعيد.
الحاج يوسف بن الحاج رضي العجوز.
الحاج علي بن الحاج رضي بن حمود.

الفريق الشمالي
هذه المجموعة كان أغلبهم من أبناء الفريق القريب من مأتم الزهراء وهؤلاء كانوا نشطوا منذ مطلع الستينات، وأما موقعهم فكان في جزيرة المقطع، ومنهم ابرز المنتمين للمجموعة هم:
المرحوم إبراهيم حسين عاشور.
الحاج عباس علي متروك.
الحاج محمد حسن آل سعيد(الغني).
عبد الحسين محمد تقي محسن.
علي حسن آل سعيد (الغني).
الحاج حميد مهدي عاشور.

مجموعة فريق الفارسية
هذه المجموعة نشطت في الستينات والسبعينات وأغلب المشاركين فيها هم قاطني حي الفارسية، وكانوا يستخدمون الأرض الواقعة غرب المعامير التي كان يطلق عليه (الرملية) والمقصود بها اليوم (المنطقة الصناعية) وتحديدا موقع مصنع أوال للطابوق سابقا الذي حلت مكانه شركة سفنكس لفرز النفايات حاليا، وكان أبرز المنتمين لهذه المجموعة هم:

أستاذ عبد الرضا حسين العريبي.
الشيخ محمد محسن العصفور.
الحاج عبد الله جعفر عتيق.
الحاج احمد بن حسن حرم.
أستاذ علي حسن حرم.
أستاذ عبد علي حسن آل أحمد.
الحاج مهدي محسن العصفور.
السيد أحمد بن السيد علي.
وغيرهم من الشباب من نفس الجيل.

مجموعة عبد الجليل رضي
هذه المجموعة كان أغلب القائمين عليها هم من الفريق الشمالي (العالي) وقد تشكلت في السبعينات، وموقعهم في الجهة الشمالية الغربية من بيت الحاج رضي العجوز، ومن أبرز المشاركين فيها هم:
عبد الجليل رضي حمود.
علي محمد باقر آل عباس.
عبد الله رضي حمود.
والكثير من الشباب.

مجموعة الفريق الشرقي
هذه المجموعة نشطت في السبعينات، وموقعهم في المقطع، ومن أبرز المشاركين فيها هم:
إبراهيم علي محمد إبراهيم.
علي حسن آل سعيد (الغني).
إبراهيم علي مقداد.
علي الساري.
إبراهيم مرزوق.
حسن علي محمد إبراهيم.
وغيرهم من الشباب من نفس الجيل.

مجموعة منصور مقداد
هذه المجموعة نشطت منذ مطلع الثمانينات حتى العام 1989م ثم توقفت، وشخصيا ما زلت اذكر الكثير من التفاصيل حيث كان عمري في الثالثة عشر وقد شاركت في العديد من مناسبات حرق صفر مع هذه المجموعة، وفي ذلك الوقت كانت هذه العادة تتلاشى شيئا فشيء وتقل من مكان الى اخر ولكن هذه الجماعة استمرت وبقت الى العام 1979م، وموقع الحرق كان قرب الشاطئ الشرقي ثم انتقلوا الى جزيرة المقطع الوسطي، وما زالت ذاكرتي تحتفظ بتلك الحرائق الكبيرة الناشئة عن حرق الاطارات الكبيرة التي توضع على بعضها ويعلوها عمود خشبي رفيع، وكانت اجمل اللحظات التي نقضيها في تلك المناسبة هي تلك التي تشتعل فيها النار بالاطارات ليعلوا عمود الدخان الكبير ليغطي سماء القرية فيجتمع الناس بقرب الساحل ليشاهدوننا في المقطع ونحن نركض فرحا وكل شخص يقفز بقرب النار ثم يركض ويلقي بنفسه في البحر وكانت النيران تشتعل حتى تخمد دون ان يطفئها احد، وكان أبرز المشاركين فيها هم

منصور محمد مقداد.
عبدالهادي أحمد صليل.
محمد أحمد العريبي.
علي أحمد صليل.
عبدالامير محمد سعيد.
والكثير من الشباب والاطفال.

وأما والدتي التي سألتها عن حرق صفر فتقول أنها شاهدت وشاركت في الكثير من هذه المناسبات مع بقية اصدقائها في فترة الطفولة، وتضيف كان الرجال والأطفال يحرقون صفر قرب مسجد الشيخ أحمد القريب من الساحل، وأما النساء فكانوا يحرقون صفر قرب مسجد الفارسية -الشيخ حسين- وأغلب نساء القرية كنا يشاركن في المناسبة، وهذه المناسبة كنا نعتبرها كعيد الفطر لانها اعلان نهاية الاحزان ودخول الافراح والمناسبات السعيدة، وتقول بعد أن يتم إشعال النار تأخذ كل البنات والنساء قطعة من الجريد وتقوم بحرقها وتدويرها في الهواء، وكان يطلق على جريدة النخل حينها أسم كنبارة.

انتقال الحرق للمقطع
وفي مطلع الثمانينات كان أطفال القرية يجمعون الأقمشة القديمة والقطن والعصي والاطارات واحيانا جذزع النخيل ويقومون بصناعة دمية أو فزاعة مضحكة وقبيحة المنظر ويشبهونها بالنحس والمصائب التي مرت على أهل البيت (ع)، فيتم صلبها وسط النار ثم يتم اشعالها بالنار الأطفال يركضون حولها ويرددون الأناشيد والصلوات على النبي (ص)، ومن ابرز تلك الاناشيد الجميلة هي نشيدة حرقناك يا صفر التي يحفظها اغلب اهالي قرى جزيرة البحرين وهذا نصها:

حرقناك يا صفر يا بو المصايب والكدر
حرقناك يا صفر على اطوير واعتفر
حرقناك يا صفر على ديك واعتفر
حرقناك يا صفر على أعريس واحترق
حرقناك يا صفر يا بو المصايب والكدر

وأما النساء فكنا يرددن هذان البيتان وهما:

طلع صفر واميمتي سالمه سالمه
عدوة أمي في القبر نايمه نايمه

نعم تلك الايام كانت أجمل الايام، رغم بساطة الناس وقلة الوعي ولكنها ايام ما زال الجميع يحن اليها رغم ما تحويه من فقر ومصاعب، ورغم ما قيل ويقال عن هذه المناسبة ولكني هنا أسلط الضوء على ايام عشناها وعشنا افول نجمها، ولا أبالغ ان قلت انها أجمل او من أجمل الايام.

بقلم: جاسم حسين ابراهيم آل عباس.
البحرين- المعامير

16/8/2008م