9c0de6770aأخطر ما توجهه الذاكرة التاريخية هو اختراقها وتخريب طرق الوصول إليها ومنع الوصول إلى ما تختزنه من حوادث وقضايا ويزيد الأمر خطورة عندما تعمد الجهات الناكرة للذاكرة التاريخية إلي احتكار المعرفة ومصادرة أوجه الحقيقة. بالنظر  إلى تاريخ القرية البحرانية يمكن التأكيد على أن تاريخها كان متعدد الأوجه شمل تاريخا سياسيا وتاريخا علميا وثقافيا وتاريخا عمرانيا واجتماعي، إلا أن سمة التعددية وبسبب غلبة الطابع الحربي الذي فرض عليها، اختزلت في القرنين الماضين إلى وجه صراع شبه دائم بين القرية والبداوة كأساس لبقية الصراعات اللاحقة. وكانت

غلطة بعض الأخوة أنهم توقفوا كثيرا عند ظاهرة الشتات وتداعياتها من دون النظر إلى خلفية الشتات نفسه وتطور الصراع الأساسي بين القرية والبداوة إلى صراع بين الدولة والقبيلة وهذا ما جعل من تاريخ القرية ودورها في بناء الدولة تاريخا مجهولا لدى الكثيرين ليس عند المثقفين فقط بل عند ورثة تاريخ القرية أنفسهم.
لقد عانت القرية البحرانية من ظلم الأقلية الوافدة ومن اضطهاد لا حصر له من أطراف لا تعرف أي معنى للتعايش والشراكة لتبدو الأمور وكأنها مركبة وقائمة على معادلة القوى والضعيف وأن على الضعيف أن يعطي طاعته وخدماته وتاريخ للقوي. خلافا لهذه المعادلة كانت القرية البحرانية تمتلك مقومات المقاومة والصمود بل إنها مارست المقاومة بطريقة حفظت فيها ما يمكن الحفاظ عليه، مقاومة أرست ركائز بناء الدولة الحديثة ودولة القانون والمواطنية متقدمة بذلك على المدينة التي أخذت نظرية المقاومة من القرية ومارستها بعد ذلك.
فالقرية البحرانية رغم طابعها الحضاري وبعدها عن البداوة إلا أن لها تجربة طويلة مع الحروب والغزوات ولذا فإن كثيرا من مساجدها وبالأخص في المراكز العلمية الرئيسية مثل بلاد القديم، كانت تحتوي على سراديب تستخدم في أغراض الحرب وفي أغراض السلم كما إن بعض القرى مثل قرية جدحفص كانت هي الأخرى تبني لها سراديب تستخدم في حالة الحرب كملاجئ للأهالي من النساء والأطفال. في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أحد أهم الأنفاق التي كانت تستخدم كملجأ هو النفق الرابط بين مقبرة المشهد " مسجد الخميس" ومقبرة أبو عنبرة وهو نفق تاريخي تحتوي جدرانه على أدعية التوسل بأهل البيت وقد تدميره وردمه بالاسمنت. وعندما تعرضت القرية البحرانية للاستيلاء قبل 200 سنة قضى على الكثير من تلك التحصينات وتم تدميرها وهذا ما تسبب في أن تكون الهجمات العدائية ضد الأهالي هجمات موجعة ومؤلمة تطال النساء والأطفال قبل أن تطال الرجال وقد شرحت بعض التقارير البريطانية جزء يسيرا من تلك الحوادث.أما الحوادث التاريخية التي تناقله أهالي القرى فهي تؤكد على مثل هذا الدور بل إن مقاوما وطنيا مثل أحمد بن خميس كان يحصن القرى ضد هجمات الأعراب عليها وكان بن خميس تجارا وهب جزءا كبيرا من أمواله لتوفير أدوات الدفاع المناسبة. وكتب أحد البريطانيين في بداية العشرينات أن هناك تخوفا جديا من انفلات الأمور وانقلاب الأوضاع ضد العائلة الحاكمة نظرا لانتشار السلاح عند البحارنة الذين يتعرضون لكثير من المظالم. وقد فهم المقيم السياسي الكولونيل أي . بي تريفور هذا الوضع جيدا في تعليقه على العريضة التي رفعها أهالي القرى ضد نظام الحكم وتصرفاته بقوله " أشار الوفد ، إن الرعايا البحرانيين خائفون من أن يأخذوا القانون بأيديهم لأن الشيخ كانت تحت حمايتنا ، ويؤكدون ، بمنطق معين ، بأن علنيا اتخاذ خطوات لمنع الشيخ من إساءة استعمال سلطته" فالذي يمنع أهالي القرى من فعل ذلك هو الحماية البريطانية لنظام وبعد أقل من سنتين من هذا التعليق تم تذكير الحاكم عيسى بن علي من قبل المقيم البريطاني نوكس بما فعلته بريطانيا اتجاه الحاكم الشيخ عيسى بن علي وقال له" ومن الذي استولى على البحرين لك وطلب منك ، وأنت يتيم هارب ، أن تحتل مقعدك كحاكم للبحرين ؟ ومن الذي حافظ عليك وحماك خلال خمسة وخمسين عاما ً ضد القوات التركية ومحاولات الفرس والأعداء الداخليين والخارجيين"
و تعتبر بداية العشرينات في القرن الماضي بداية للمقاومة السلمية وبداية المقاومة الدبلوماسية بامتياز وهي الفترة التي نشطت فيها القرية البحرانية ففي ديسمبر 1921 قام أهالي القرى بكتابة أول عريضة احتجاجية لتسليمها للمقيم السياسي البريطاني و يصف محمد شريف رئيس الجالية الإيرانية المشهد بأن عدة آلاف من مواطني البحرين جاؤوا من القرى المجاورة والمزارع ، وأن خطتهم هي المجيء في مجموعة كبيرة إلى المعتمدية وتقديم العريضة للمقيم السياسي الكولونيل أي . بي تريفور . إلا أن محمد شريف اجتمع مع رؤساء البحارنة لمنع حضورهم الحاشد وتعهد لهم برتيب مقابلة لوفد كبير منهم مع المقيم وقبل الأهالي ذلك.و جاء في العريضة التي رفعت بأسم كل الشيعة في البحرين " نود أن نعرض لصاحب الحكمة الكبيرة والمزاج الطيب رئيس الخليج ، بأن الجالية الشيعية في حالة إذلال كبير وتتعرض لمجازر علنية . وليس لهم ملجأ ولا تقبل شهادة أحد منهم ، وممتلكاتهم معرضة للنهب وهم معرضون لسوء المعاملة في كل لحظة . والظلم يزداد كل يوم . وإذا أردنا أن نحصي المظالم ، نستطيع ذلك ولكن مراعاة لاحترام الرئيس لا نفعل ذلك ولكن نشير إلى واحد من ألف منها.. إننا نتقدم إليك باسم الله أن تساعدنا وإذا لم تعطنا حقوقنا ولم تساعدنا فإنك تساعد الظالمين على الاستمرار في ظلمهم . فقد نفذ صبرنا وطاقتنا "
انتفاضة البحارنه فبراير 1922م :
حدثت في شهر فبراير عام 1922 حادثة كانت بمثابة شرارة أشعلت حريقا ً كبيرا ً لم يكن الحاكم يتوقعه . فينما كان أحد الفداوية ( وهم عبارة عن فرق إرهابية يستعملها أفراد آل خليفة لبث الرعب في قلوب الناس ) يقتاد مواطنا ً بحرانيا ً من إحدى القرى كان تحت الإعتقال في المنامة ، قامت مجموعة من المواطنين بمهاجمة الفداوي وتمكنت من تخليص المواطن . وباعتراف المعتمد السياسي فإن اعتقال ذلك المواطن كان بدون سبب ، وأنه تعرض أيضا ً لضرب شديد . أدت هذه الحادثة إلى إضراب عام في سوق المنامة وبقي المواطنون في بيوتهم بينما تظاهر البعض ضد التعسف السلطوي ، بعثت هذه الحادثة قشعريرة شديدة في أوصال حكومة الشيخ عيسى بن علي الذي لجأ إلى المعتمد يستشيره فيما يفعل ، وقد أصابه الذعر بعد أن كان يتجاهل الإنذارات المتعددة بأن انفجارا ً ما سوف يحدث ضده .
أشار المعتمد على الشيخ حمد بأن يتحدث مباشرة إلى مواطنيه ، وحذره من خطورة الإقدام على عمل يتسم بالعنف وتصعيد الموقف . وكانت النتيجة أن قام عبد العزيز القصيبي ويوسف كانوا ومحمد شريف باصطحاب وفد من البحارنه لمقابلة الشيوخ .
وخلال الاجتماع قدم البحارنه عددا ً من المطالب التي حاول الشيخ تغيير بعضها لكي لا يظهر بمظهر المتنازل تحت الضغط ، وبعد يومين من تقديم المطالب وبعد اجتماع العائلة الخليفية تمت الموافقة على معظمها في ما عاد مطلب واحد يتعلق بالضريبة الدينية المفروضة على الشيعة .
أما المطالب التي قدمها الوفد فكانت كالتالي :
1- ليس لأحد سوى الحاكم وابنه الشيخ حمد الحق في النظر في القضايا ( في المحكمة ) أو في معاقبة الناس بأي شكل من الأشكال .
2- القضايا التي لا يستطيع الشيخ حمد البت فيها بما يرضي الطرفين يجب أن يرفعها إلى المحكمة الشرعية أو المجلس العرفي أو مجلس السليفة ( المتعلق بالغوص ) حسب نوعية القضية .
3- عدم سحب أي إنسان إلى محكمة الشيخ بدون علم مسبق ، ويجب توجيه ( إحضارية ) له من قبل الشيخ حمد .
4- يجب أن تكون الوثائق المتعلقة بتأجير المزارع التابعة للعائلة الحاكمة للمواطنين تكون نسختين ، نسخة لكل طرف ، وأن يشهد عليها شهود مستقلون .. ويجب عدم فرض شروط أخرى ما عاد ما هو موجود في الوثيقة .
5- يجب القيام بخطوات لمنع جمال الشيخ من الدخول والرعي في مزارع الناس .
6- يجب إيقاف عمل " السخرة " أي العمل المفروض على البحارنه دون مقابل أو اقتياد الحمير .
7- يجب إيقاف العادة المتبعة بترك قطعان الماشية عند الخبازين لترعى وتأكل مجانا ً .
8- الاعتناء بالسجون ( من الناحية الصحية والإنسانية ) .
تلى تلك فترة الاتصالات الداخلية في ما بين أفراد العائلة الحاكمة ورؤساء القبائل الذين فوجئوا بالتطورات الأخيرة ، لأنها كما يبدو كانت بداية لنهاية عهد مليء بالظلم والإجحاف بالبحارنه . وكان الإنذار الذي وجهه المقيم السياسي للحاكم وابنه الشيخ عبد الله خلال زيارته في شهر مارس من ذلك العام ذا أثر كبير في وضع حد للاستهتار الذي كان يمارسه الشيخ عبد الله . فمنذ شهر فبراير أبدى عبد الله استعدادا ً للكف عما كان يقوم به ضد الناس" ويعلق الميجر ديلي على هذه الانتفاضة بأنها كانت نتيجة لافكار الديمقراطية التي انتشرت عند أهالي القرى والبحارنة عموما وكتب في تقريره أن أهالي القرى" ونتيجة للظلم ، فقد أصبحوا أكثر مقاومة، لقد حاول الشيخ حمد وعبد الله أن يسكتا البحارنه ولكن مع الأسف فإن أفراد العائلة الأقل مرتبة والشيخ خالد استمروا في أعمال الظلم . وما تزال مجموعات من البحارنه تأتي إلى المعتمدية بشكاواها وأحيانا ً ترفض المغادرة وتفضل قضاء الليلة في المبنى . وهذه الأوضاع لا تخلو من مصاعب . وفي قضية حدثت مؤخرا ً ارتكب أحد أبناء الشيخ خالد عملا ً من أعمال الظلم تسبب في مجيء حوالي 1500 شخص إلى المعتمدية . ورفضوا مغادرة المكان وتقديم قضيتهم للحاكم حسب اقتراحي وحيث أن أعدادهم كانت تتصاعد بسبب مجيء المزيد من الناس"
وعلى ضوء التحركات الشيعية الواسعة ، وجد الإنجليز ضرورة إحداث تغييرات إدارية لوضع حد لظلم الحاكم وأقربائه وحلفائه الدواسر ، فكانت الإصلاحات الإدارية التي تبناها المعتمد السياسي آنذاك ، الميجر ديلي بموافقة حكومة الهند ، والتي وجد الإنجليز أنه لا يمكن تنفيذها إلا بإزالة الحاكم ( عيسى بن علي ) الذي تربع على كرسي الحكم حوالي 55 عاما ً وأصبح عاجزا ً عن فهم تطورات الأمور سواء داخل البلاد أو خارجها . وهكذا عزل عيسى بن علي عام 1923م وعين ابنه الأكبر حمد بن عيسى الذي تولى الحكم حتى وفاته عام 1942م.
بقلم: عباس المرشد