القدم3

حفلت قرية القدم بكوكبة من الفقهاء والعلماء منذ أربعة قرون كان لهم الأثر الكبير على المستوى المحلي والإقليمي، حيث استلم بعضهم أمور القضاء والحسبة في البحرين وهي بمثابة الرئاسة، وكانوا على درجة كبيرة من العلم والورع والتقوى لدرجة أنهم كانوا أساتذة للكثير من العلماء والفقهاء في البحرين بالإضافة إلى كونهم أشداء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع أيدي الظلمة.
وأول من يطالعنا من هؤلاء الفقهاء هو الفقيه والأستاذ

الكبير الشيخ علي بن سليمان بن حسن بن سليمان بن درويش بن حاتم القدمي الملقب ب(زين الدين) والمشتهر( بأم الحديث) الفقيه المحدث،الذي تتلمذ على السيد ماجد الجدحفصي، والشيخ محمد بن الحسن بن رجب المقابي، والشيخ البهائي، وتتلمذ عليه عدد كبير من العلماء ، له العديد من المصنفات، تولى القضاء والأمور الحسبية في البحرين وتوفي سنة 1064هـ(1654م).
وللشيخ علي أبناء أربعة كلهم فقهاء هم الشيخ جعفر والشيخ صلاح الدين والشيخ حاتم والشيخ إبراهيم، ومن الأحفاد اثنين من الفقهاء هم الشيخ علي بن جعفر والشيخ محمد بن الشيخ علي بن جعفر، كما أن هناك علماء آخرون من غير أسرة الشيخ علي هم الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد النبي القدمي والشيخ علي بن عبد الله الأماني وهو فقيه كبير كما يبدو من الكتابات الموجودة على قبره الذي يقع أمام قبر الشيخ علي من الغرب، والشيخ عبد الله الواقع في وسط القرية بالإضافة إلى الشيخ عيسى أبو اللقا وآخرهم السيد معتوق السيد هاشم الماجد.
وبما أن حياة هؤلاء العلماء حافلة بالعطاء، فان حديثنا عنهم سوف يكون في حلقات لإلقاء الضوء على هذه الكوكبة الخيّرة التي نام لان تعود أمجادها في هذه القرية لتكون في مقدمة المناطق التي تتهيأ لنصرة صاحب الزمان (ع).
وسيكون حديثنا الأول عن الفقيه الشيخ علي بن سليمان القدمي الذي هو حديث عن علم بارز من أعلام البحرين الذين كانت لهم الآثار البارزة على أبناء هذا البلد بل على أبناء الطائفة بشكل عام، حيث كان علما في زمانه تولى أمر القضاء والحسبة وهو أول من أدخل علم الحديث إلى البحرين وشهد في حقه الشيخ البهائي وكان محدثا كبيرا أخذ عنه الكثير من العلماء سواء بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر عن طريق تلامذته وأبنائه.
القدم 1نقل علي البلادي في كتابه (أنوار البدرين:ص119) كلاما للشيخ الماحوزي في ترجمته للشيخ علي القدمي، وهذا نص كلامه:"ومنهم شيخنا المحدث العالم الرباني زين الدين الشيخ علي بن سليمان البحراني (ره) انتهت إليه رئاسة الامامية في البحرين وما والاها، كان كثير العلم مجدا ورعا زاهدا عابدا لا تأخذه في الله لومة لائم حمدت في جنب الله آثار وتلمذ على شيخنا البهائي(ره)، واستجاز منه ورأيت الإجازة بخط شيخنا البهائي، وقد أثنى عليه فيها أحسن الثناء وذكر أنه بلغ أعلى مراتب الاستنباط، وكان في أول حاله تلميذ السيد ماجد والشيخ محمد بن حسن بن رجب، ولما سافر واجتمع بشيخنا البهائي في محروسة أصفهان واستجاز منه وقابل كتابي الأخبار على نسخته ولا سيما كتاب (التهذيب) رجع إلى البحرين واجتمع علماء البحرين لاستماع الحديث منه ومعارضة كتب الحديث بنسخته، وكان ممن حضر معهم الشيخ محمد بن حسن أيضا، وكان الشيخ كثير الأسفار والإفادة بدار العلم شيراز، وله أيضا تصانيف مليحة منها رسالة في الصلاة، ورسالة في الجمعة، ورسالة في المناسك، ورسالة في جواز التقليد، وحواشي النافع وغير ذلك، وأكثر تصانيفه موجودة عندي، وتوفي (قدس سره) سنة 1064هـ).
قال عنه الشيخ علي آل عصفور"وفي دارنا رجل قد اسكت من قبله ومن بعده بفراسته وجده، وهو العلامة الجليل والحبر الأصيل، صاحب المآثر والمكارم الشيخ علي بن سليمان بن درويش بن حاتم، الملقب بزين الدين، المولود بعد الألف باثنين، صاحب المؤلفات وشيخ العلماء والسادات، تعرض لذكره من رآه في عصره، ومن تأخر عنه، كصاحب اللؤلؤة، وصاحب الأعيان وغيرهما، وذكروا بأنه صاحب الفضل في ترويج علم الحديث ونشره في البحرين، فهو أول من هذّبه وروّجه، وكتب الحواشي والقيود، على كتابي التهذيب والاستبصار، وكان شديد الملازمة للحديث والممارسة، ولذا اشتهر بأم الحديث.
كان رئيسا في البحرين يشار إليه بالأنامل والبنان، وتولى أمور الحسبة وقمع الظلام، وبسط بساط العدل، وبرزت روحانيته على رؤوس الأشهاد، تتلمذ على يد الشيخ محمد بن حسن بن رجب، ثم توجه إلى إيران ودرس علم الحديث على يد العلامة الفهامة الشيخ حسين بن عبد الصمد البهائي، وبعد رجوعه صار الشيخ محمد بن حسن بن رجب يحضر حلقات دروسه، ولما عوتب وقيل له بأنه كان الأستاذ قبلا، أجاب رحمة الله عليه قائلا:"انه قد فاق عليّ وعلى غيري بما اكتسبه من علم الحديث، ولا ينبغي نكران فضيلته.
وحين تولى الصفويون إدارة شئون البحرين بعد استعادتها من الاستعمار البرتغالي في مطلع القرن السابع عشر الميلادي (1602م) ، استعانوا بالفقهاء لجهة تعزيز سلطتهم واستحدثوا مؤسسة دينية مضبوطة على نموذج المؤسسة الدينية الإيرانية، اعتمدت نفس النظام المراتبي الديني المعمول به في إيران والذي يعتمد على وجود شيخ الإسلام بالإضافة للحاكم السياسي.
اجتذبت تلك المؤسسة كبار علماء الدين في البحرين من الخط الأصولي، الذي بدأ ينشط بالإفادة من إمكانيات وتأييد السلطة الصفوية. و قد تم تعيين العديد من علماء البحرين كقضاة في إيران. فقد تم تعيين علماء شيعة في منصب شيخ الإسلام ويعد الشيخ محمد الرويسي أول عالم دين أصولي يتولى القضاء في البحرين أثناء الحكم الصفوي.
ويلاحظ أن الشيخ علي بن سليمان هو سابع من يتولى هذا المنصب ومن بعده ابنه الشيخ صلاح الدين الذي وصف بأنه شديد الذكاء.
من تقلد قاضي القضاة أو شيخ الإسلام في الحقبة الصفوية
1- محمد الرويسي
2-حسين بن أحمد الحسيني الموسوي
1- عبد الرؤوف بن حسين الحسيني الموسوي (توفي 1006 هجرية)
4- جعفر بن عبد الرؤوف الموسوي
5-ماجد بن هاشم الصادقي, هاجر إلى شيراز وتوفي بها عام 1028 هجرية
6-حسين بن عبد الرؤوف الموسوي (توفي 1028 هجرية)
7-علي بن سليمان القدمي البحراني (توفي 1064هجرية / 1654م)
8-صلاح الدين بن علي بن سليمان القدمي (توفي بعد فترة بسيطة بعد والده)
9- محمد بن سليمان المقابي
10-محمد بن ماجد الماحوزي (1105هجرية / 1693م)
11-سيد هاشم التوبلاني (توفي 1107هجرية /1695م)
12-سليمان بن عبدالله الماحوزي (توفي 1121هجرية / 1709م)
13-أحمد بن عبدالله البلادي (1725م)
ويظهر من خلال ترجمة بعض العلماء أن الشيخ علي هذا له سلطة حتى على علماء البحرين فقد كان يعين القضاة ويقوم بعزلهم ، إضافة لما له من دور بارز في مجال القضاء ، ونقد الحكام على المستوى السياسي فقد واجه انحراف الحكام الذين حكموا البحرين من قبل السلطة القائمة على الحكم آنذاك .
ومن عظيم شانه أن الشيخ سليمان الماحوزي يروي عنه عن طريق ابنه الشيخ جعفر أي أن الشيخ الماحوزي هو أحد تلامذة الشيخ جعفر ابن الشيخ علي.
القدم 2وكان مسجد الشيخ علي مدرسة لتخريج العلماء يطلق عليها (سبعة المساجد) بسبب وجود سبع قاعات فيها، استمر وجود البناء حتى وقتنا الحاضر قبل أن تهدم المدرسة ويبنى المسجد الحالي الذي أضاع معالم المدرسة، وجرت العادة من أهالي قرية القدم منذ أيام المظاعن حتى يومنا هذا الذهاب بموكب العزاء إلى مسجد الشيخ علي في ليلتي التاسع والعاشر من محرم وكذلك ليلة الأربعين ووفاتي النبي محمد (ص) والإمام علي (ع).
شهد مسجد الشيخ علي بعد تشييده عدة أنشطة من قبل أهالي قرية القدم، فبالإضافة إلى  الصلاة التي تقام فيه بصورة دائمة، كان يشهد بعض الاحتفالات الدينية بمناسبة مواليد أهل البيت،وقد أقيمت فيه أول ندوة تجمع شخصيتين من المذهبين الشيعي والسني للتقارب والتآلف بين الطائفتين الكريمتين في شهر رمضان سنة 1989م حضر فيها من كل من الشيخ محمد محسن العصفور والشيخ عبد اللطيف المحمود بمناسبة غزوة بدر ليلة السابع عشر من شهر رمضان، وقد حضرها جمهور غفير من مختلف مناطق البحرين وكانت باكورة اللقاءات بين السنة والشيعة في البحرين، قبل أن تطلق عريضة نخبوية تطالب بإصلاحات سياسية عام 1992م شارك فيها نخبة من أبناء الطائفتين.
كما كان الشيخ عيسى قاسم يحيي الصلاة فيه سنويا ليلة عيد الفطر المبارك للاستهلال قبل أن ينتقل إلى الجنبية.
السيد هاشم السيد سلمان