شيعة البحرينالأكثرية الطائفية مصيرها للزوال وانتصار الأكثرية السياسية

في الرد على دراسة تقسيم البحرين طائفيا

بين الأكثرية الطائفية والأكثرية السياسية فارق كبيرا جدا ففي الوقت الذي تؤكد فيه قوى المعارضة الوطنية على أهمية وضرورة إنصاف الأكثرية السياسية تؤكد بعض القوى المدعومة بأموال ومراكز ضغط على الأكثرية الطائفية بغية إضعاف المشروع السياسي لقوى المعارضة ومن أجل استمرار الفرز الطائفي في البحرين وتفعيل أدواته

البغيضة ممثلو في التمييز والإقصاء. ما يتوسل إليه دعاة الأكثرية الطائفية هو تشويه الصورة التاريخية لمفهوم الأكثرية في

البحرين ومحاولة قلب الحقائق وهو ما يضمن لهم في النهاية – بحسب اعتقادهم- محاصرة الأكثرية السياسية من جهة وإصباغ الصيغة الشرعية على واقع التمييز والإقصاء الممارس ضد الأكثرية السياسية.
وفي هذا الصدد نشرت إحدى الصحف المحلية ملفا حول الأكثرية الطائفية وتصدر الملف دراسة حول إثبات أن الطائفة السنية في البحرين كانوا هم الأكثرية منذ 195 سنة وأن الوجود السني في البحرين سبق استيلاء آل خليفة للبحرين سنة 1783 ولكي تصدر المقولات بصورة علمية تم استحضار وثائق ومخطوطات وتقارير لا يبدو أن كاتب الدراسة قد تمعن فيها بما فيه الكفاية فجاءت تلك الوثائق مبتورة المعرفة ناقصة التفاصيل وهذا ما يجعل من إستراتجية دعاة الأكثرية الطائفية إستراتيجية مكشوفة لا يمكن لها الاختباء تحت ستار الموضوعية والعلمية.
أولا: فيما يتعلق بالوجود السني في البحرين
استند الكاتب إلى أن الوجود السني في البحرين يعود إلى سنة 1543 بناء على ما ورد في مخطوطة " الروض الزاهر المستخلص من زيجي الديلمي والنجراني الفاخر" لعالم البحار اليمني سليمان بن أحمد المهري المتوفي سنة 1553.
فأولا: لا يحتاج الوجود السني في البحرين إلى إثبات كما إن أحد لم يشكك في وجود طائفة سنية في البحرين سواء عندما كانت إقليما أو عندما اقتصرت على جزيرة أوال في القرن السادس عشر تقريبا فقد كان هناك علماء من أهل السنة كما إن بعض الحكام الذين حكموا البحرين بعد هذه الفترة كانوا من أهل السنة أيضا ولعل أول إشارة إلى وجود حاكم السني على البحرين هي ما أسسه الاحتلال البرتغالي عندما أحكموا السيطرة على البحرين سنة 1502 وعينوا حاكما سنيا فارسيا عليها.
ثانيا: إن الوثيقة التي اعتمد عليها الكاتب لا تصلح لأن تكون دليلا تاريخيا يستطيع من خلاله الباحث إثبات الوجود السني قبل استيلاء تحالف العتوب على البحرين سنة 1783 وذلك لعدة أمور منها أن صاحب الكاتب سليمان المهري لم يزر البحرين كما إنه ليس بحرانيا، فسليمان المهري من حضر موت في اليمن وعمل في علم البحار وألف عدة مؤلفات ضخمة وقيمة، وكان بإمكان الباحث أن يتوسع أكثر في نسب مؤلف المخطوطة وأن لا تكون نبذة الموسوعة في الانترنت مصدرا أساسيا للحكم على مذهب ونسب سلمان المهري. المهري لمن لا يعرفه هو سليمان بن أحمد بن سليمان المهري، بحار، فلكي، لقب بمعلم البحر، ينسب إلى مهرة بن حيدان من قضاعة، كان من سكان بلدة سقطرى، ويعد من تلاميذ ابن ماجد. له تآليف في علوم البحر وأنوائه، وأحوال النجوم والرياح، ووصف الطرق البحرية بين بلاد العرب، والهند، وجاوة، والصين منها خمس رسائل نشرها المستشرق الفرنسي جبريال فران مع رسائل لابن ماجد.
أما المخطوطة المستند إليها فهي مخطوطة منسوخة من قبل الخطاط عبدالله بن محمود المالكي البحراني وقد خلط كاتب الدراسة – ربما عمدا أو جهلا- بين تاريخ كتابة الكتاب وهو سنة 1543وبين التاريخ المجهول لنسخ المخطوطة من قبل الخطاط المالكي. وقس على ذلك اعتقاد الكاتب بتشيع سليمان المهري لوجود عبارة أمد الله ظله علما بأن سيلمان المهري ليس شيعيا وإن كان كذلك فهو من الشيعة الزيدية على أفضل التقادير.
والخلاصة في شأن هذه المخطوطة أن تاريخ نسخها لا يزال مجهولا ومن الخطأ العلمي الخلط بين تاريخ كتابة الكتاب وتاريخ نسخه وهو تاريخ مجهول لذا فلا يصح الاستناد إلى هذه المخطوطة لإثبات الوجود السني في البحرين ويجب البحث عن دلائل أخرى أشد تماسكا وأكثر إقناعا.
ثانيا: فيما يخص التركيبة السكانية وتعداد سكان البحرين
إن أي باحث لتاريخ البحرين سوف يتأكد من خلو الوثائق التاريخية من إحصاء سكاني معترف به قبل الإحصاء الأول الذي أجرى سنة 1943 وأن الأرقام التي وضعها رحالة غربيون ومؤرخين آخرين لا تعدو أن تكون تقديرات مصاغة وفق احتياجات محددة. وبالتالي فإن الاستدلال بمثل تلك الأرقام لا يمثل رأيا علميا من دون الاعتناء بظروف وطبيعة تلك التقديرات فعلى سبيل المثال تعرضت البحرين في عام 1712 لهجمة عمانية بددت كثير من الأهالي والسكان وهناك نصوص كتبها علماء البحرين الذين عاشوا في تلك الفترة مثل الشيخ ياسين البلادي والشيخ عبدالله السماهيجي توضح حجم الدمار والقتل الذي تعرض له أهالي البحرين وبتعبير السماهيجي كانت الجثث تطفو على التراب كما تطفو ألواح السف على الماء وعندما دخلت البحرين في سلسلة حروب أهلية في منتصف القرن التاسع عشر 1840-1869 وهي الفترة التي استندت إليها تقارير دراسة الكاتب كان عدد الضحايا هائلا جدا ويكفي أن مدينة المنامة قد استبيحت لمدة ستة أيام لقوات البدو المتحالفة مع بعض أطراف الحكم آنذاك. والغريب أن الكاتب حاول اللجوء إلى الظروف التاريخية وطبيعة احتياجات التقديرات عندما تعرض لهجرة الدواسر من البحرين سنة 1923 علما بأن عددهم لم يتجاوز أربعة لآلاف شخص وقد عاد حوالي الثلثين منهم بعد ثلاث سنوات من الهجرة وأعيدت لهم أغلب ممتلكاتهم التي صودرت من قبل الشيخ حمد بن عيسى. في المقابل فإن هجرة أهل القطيف وغيرهم من الشيعة إلى البحرين لم تكن بذاك الحجم الذي يسعى دعاة الأكثرية الطائفية لترويجه، بدليل أن الهجرة التي حدثت في حدود سنة 1842 وبحسب تقديرات دراسة الكاتب نفسه لم يطرأ تغيير ملحوظ على التركيبة السكانية في البحرين وعلى هذا المنوال يمكن النظر إلى الهجرة الإيرانية التي لم تكن على وتيرة واحدة بل كانت على فترات متقطعة وكان أكثرها بعد العمل بقانون الجنسية البحرينية في الثلاثنيات من القرن الماضي وقتها اتخذت الحكومة قرارا بتوقيف منح الجنسية إلا بعد توافر عدة شروط منعا لتدفق الهجرة الإيرانية إلى البحرين في حين أن تقارير تلك الفترة لم تدون سوى أعداد بسيطة من الإيرانيين المتسليين لم يتجاوز عددهم المائة شخص. ثم ماذا عن الهجرات التي هاجرها السكان الأصليون و لا يزال البعض منهم في بندر لجنة وعبدان والعراق محتفظا بوثائق ملكيات الأرضي. إن كل ذلك يتم تجاهله من أجل تضخيم هجرة قبيلة الدواسر التي ارتحل العديد من أفرادها بعد أن تورطوا في حوادث قتل لأهالي الدراز وبني جمرة والبدع قبل استيلائهم عليها، وقرية عالي وقد سجل التراث الشعبي جزء من تلك المعارك وكيف أن أهالي القرى تصدوا لأفراد قبيلة الدواسر المعتدين وهو ما سوف نتناوله في مقالات مقبلة.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن تقديرات لوريمر هي الأكثر دقة من بين كل التقديرات التي صدرت في تلك الفترة، ومع ذلك فإن طريقة لوريمر في حصر التعداد كانت مشوشة وتشوبها ملاحظات عديدة منها تحديده قاطني الأكواخ والبيوت بخمسة أفراد كمعيار يتم من خلاله تحديد عدد السكان بعد جرد عدد الأكواخ والبيوت الطينية في حين أن طبيعة المجتمع الزراعي أن العائلة المركبة هي السائدة وهي الوحدة المعيارية في التعداد الأمر الذي يجعل من الأرقام التي استند إليها لوريمر غير متوافقة وطبيعة الاجتماع الزراعي في القرى. الأمر الآخر أن لوريمر وغيره كانوا يحصون السكان كسكان من دون الالتفات إلى مسألة المواطنة وهذا يمكن اكتشافه إلى أعداد العبيد الذين ذكرهم لوريمر حيث تجاوز عدد عشرة لآلاف عبد ومنهم عبيد أحرار ومن المعلوم أن مسألة الرق كانت سائدة في البحرين ومعترف بها بل عندما وقعت اتفاقية منع الرق وتجارة الأسلحة سنة 1911 اعترض جمع هائل من الأهالي وشكلوا لجنة أهلية بإشراف الحاكم الشيخ عيسى بن علي لمناهضة تلك الاتفاقية. فإذا تم أخذ تقديرات لوريمر على محمل الجد فإن نسبة المسلمين حاليا في البحرين هي أقل من 60% بعد الزيادة القسرية في أ‘داد سكان البحرين والتي مخطط لها أن تتجاوز المليونين في العام 2020.
ثم إن هناك تقديرات أخرى معاكسة كتبها مؤرخون محليون مثل المؤرخ ناصر الخيري في كتابه قلائد النحرين حيث يظهر من تقديراته سنة 1923 أن نسبة السنة إلى الشيعة هي 30% من أهل السنة و70% من الشيعة في جزيرة البحرين ومع الأسف فإن المخطوط المنشور قد فقدت منه تقديرات الخيري لسكان جزيرة المحرق. وتقديرات الميجر ديلي الذي قدر عدد سكان البحرين سنة 1922 أي قبل رحيل الدواسر بحوالي 150 ألف غالبتهم من الشعية.
ثالثا في النتائج التي توصل إليها الباحث
كان بإمكان كاتب الدراسة أن يتريث قليلا حتى يصل إلى بعض النتائج التي عرضتها الدراسة حيث يبدو أن النتائج كانت أسبق من البحث وهو ما يعرض الدراسة إلى الخلل الموضوعي ويحرفها عن مسارها الموضوعي إلى مسارات أخرى مختلفة لذا جاءت بعض النتائج عائمة ومشوشة مثل أن التركيبة السكانية في البحرين طوال فترة الخمسمائة سنة كانت متقبلة ومتغيرة. إن الهوية الوطنية التي ننشد بناءها تحتكم في أصولها إلى مقومات تاريخية وإلى حقائق يجب استثمارها استثمارا صحيحا ويكفي أن لدينا تراثا هائلا من التلاحم بين السنة والشيعة طوال فترات وجود المذهبين والطائفتين في البحرين، مع ما قد حدث أو ما قد يحدث مستقبلا من تعكير لهذا التلاحم المذهبي والتاريخي، ولكن لا خوف على نسيج الهوية الوطنية لأبناء البحرين إذا ما تم أبعاد خطر الدواعي السياسية ودعاوي الفتنة الطائفية التي تأتي من الخارج قبل أن يكون لها نصيب في الداخل.
بقلم: عباس المرشد