الشيعةتخوض المجتمعات غالبا صراعا تاريخيا من أجل كسب الحقوق، وتدلنا التجارب التاريخية على أن مطالبات المجتمعات الناهضة عادة ما تكون مطالبتها سلمية في أساسها ومبتعدة عن العنف، إلا أن الجهات الرافضة للإصلاح وإعطاء الحقوق، تجنح ناحية العنف والقسوة ضد المطالبة الإصلاحية لتحقيق هدفين على الأقل:
الأول: كبح ومنع المجتمعات من المطالبة بحقوقها والإصرار على الاحتفاظ بمصادر الثروة واحتكار القرار السياسي لدى جهة واحدة.

الثاني: التبرير لاستخدام مقدار زائد من القوة والعنف عندما تنجح القوى المضادة في جر تلك المجتمعات إلى ممارسة العنف المضاد.
لقد واجهت حركة الوطنية التي انطلقت من القرية تحديا كبيرا عندما وثقت بأن المقاومة السلمية والمقاومة الدبلوماسية قد تأتي لها ببعض حقوقها وخيراتها وتمنع عنها أيدي الظلمة أن تصل إليها وتنال قدرا لا بأس من الاحترام السياسي. فقد كانت القرية البحرانية كانت أول من أدخل المقاومة السلمية والمقاومة الدبلوماسية إلى حيز العمل السياسي في البحرين وذلك في بداية العشرينات من القرن الماضي وبفعل هذه المقاومة استطاعت القرية أن تنجز بعضا من مطالبها التي تمثلت في رفع المظالم عنها كفرض السخرة وفرض الضرائب الطائفية وبالتالي فقد أنجزت حملة الضغط جزء من رد الاعتبار السياسي لوجودها تمثل في قبول الحاكم الشيخ عيسى بن علي انتخاب ثلاثة من الشيعة لمجلس المعارف . ولم يتم كل ذلك لولا العرائض التي رفعت إلى المعتمد البريطاني والوكيل السياسي البريطاني وإلى الحاكم الشيخ عيسى بن علي والتهديد بممارسة مزيد من الضغط السياسي والميداني كما حدث في انتفاضة 1922.
في قراءتنا لتاريخ القرية السياسي سنلحظ أن تلك الحركة السياسية تم التصدي لها بعدة طرق مختلفة، وكان واضحا أن أطرافا عديدة كانت تخشى تنامي الحركة السياسية في القرية البحرانية وتخشى من مطالبها السياسية خصوصا وأن الاتجاهات السياسية التي سادت في القرية البحرانية كانت واعية سياسيا ليس بما يجرى في البحرين فقط، بل إن الوعي شمل الاطلاع والتواصل مع حركات سياسية إقليمية ودولية، وهو ما سنراه في الحلقة القادمة.
قبل أن يتحول العنف المادي ضد القرية إلى عنف رمزي يستهدف التاريخ والذاكرة الشعبية كانت القرية البحرانية محط تصفية الحسابات الدموية، ودفعت فاتورة موقفها الداعم والمؤيد للإصلاح السياسي والإداري. فبعد أن كتبت القرى عريضتها السياسية الأولى سنة 1921 ورفعتها إلى الحاكم الشيخ عيسى بن علي جاء رد الحاكم بالموافقة على أغلب المطالب المدرجة في العريضة إلا أن تلك الموافقة لم تكن سوى موافقة شكلية باعتبار أن الأطراف المتحالفة مع الحاكم كانت أقوى منه وأشد بطشا، بل إن نظام الحكم آنذاك لم يكن مركزيا كي يمكن الاعتماد على قراراته وهو ما دفع السكان الشيعية بالمطالبة بحكم مركزي يمكن الثقة به وفي قراراته.
على إثر البدء في إدخال الإصلاحات السياسية والإدارية تحركت القوى المضادة للإصلاح السياسي وفق محورين، الأول سياسي مثلته مجموعة القبائل في المحرق بقيادة عبدالوهاب الزياني وأحمد بن لاحج والثاني ذا طابع عسكري بقيادة خالد بن خليفة وعبدالله بن عيسى آل خليفة وبعض القبائل مثل الدواسر، ورغم حالة الانفصال الظاهر بين طريقة عمل كلا المحورين إلا أن بعض الوثائق تشير إلى أن اللقاءات لم تكن تنقطع بين كلا المحورين.
كانت الإصلاحات السياسية تستهدف تحقيق عدة قضايا أهمها :
1- توحيد الضرائب والمساواة في فرضها على الجميع.
2- إنشاء قانون مدني موحد يمكن الاحتكام إليه.
3- إعادة تشكيل القضاء ومنحه عدالة أكثر.
أما مسألة عزل الشيخ عيسى بن علي فقد كانت مقدمة لفرض الإصلاحات بعد أن عارضها ووقف ضدها لأكثر من عشرين عاما. وفي الواقع لم تكن القرية البحرانية مؤيدة تماما لبقاء الشيخ عيسى بن علي حاكما وفضلت أن يتولى أبنه الشيخ حمد زمام الحكم خصوصا وأن الأخير أبدى مرونة وتعهدا بإدخال الإصلاحات ومنح القرى حقوقها، إلا أنه لا يوجد دليل معتمد يؤكد أن القرى البحرانية سعت لعزل الحاكم بشكل جدي فكل ما كان يشغلها هو تحقيق قدر من العدالة ورفع المظالم التي يواجهونها يوميا وتدفع بهم إلى الموت.
نتيجة لهذا الموقف الوطني للقرية البحرانية تحرك المحور العسكري وشن عدة هجمات استهدفت القرى البحرانية من قبل الشيخ خالد بن علي ال خليفة والشيخ عبدالله بن عيسى وقبيلة الدواسر تفكيرا منهم بأن مزيد من العنف والقتل قد يجبر القرى البحرانية على التراجع عن مطالبها أو يسحبها إلى عنف مضاد تكون ضحيته في آخر المطاف.
في هذه الفترة الممتدة ما بين 1922- 1924 وثقت الوثائق البريطانية مجموعة من الاعتداءات الإرهابية ضد القرى البحرانية، وبالأخص قرى " باربار وبني جمرة وتوبلي وعالي وسترة و المنطقة الغربية" وذكرت تلك التقارير حجم خسارة القرى في الأفراد الذين تجاوز عدد القتلى العشرات وحرق البيوت ونهبها وقد حفظ التاريخ الشعبي قصصا من المقاومة لهذه الهجمات وأساليب رائدة حققتها القرية البحرانية في الدفاع عن نفسها.
مقاومة الشهيد عبدالله العرب[1]
في مارس سنة 1922 قام الشيخ خالد بن علي خليفة بمهاجمة جزيرة سترة في أسوء حادث إرهابي تعرضت له القرى البحرانية بعد إعلان المقاومة السلمية حيث قتل أكثر من 12 شخصا من الأهالي وحرق بيوت العديد منهم واغتصبت بعض النسوة، وقد وثق التقرير الإداري البريطاني هذه الحادثة بحوالي ثلاث صفحات. وعلى إثر هذه المجزرة تحركت القرى بفعالية مطالبة الحاكم الشيخ حمد والميجر ديلي باتخاذ الإجراءات المناسبة وإيقاف الحملات الإرهابية.
وكان الشيخ (عبد الله العرب ) (رحمه الله) من ابرز علماء البحرين الذين وقفوا وتصدوا لاعتداءات الدواسر ،حيث كان الناس تستظل بآرائه وفتاويه وتستلهم منه الرؤى والتوجيهات للدفاع عن حقوقها المسلوبة. وقام الشيخ (عبد الله احمد العرب) بكتابة عريضة احتجاج دون فيها جميع الانتهاكات المقترفة من قبل (الدواسر وأعوانهم) وساعده في ذلك الشيخ (حسن رمضان) حيث رفعوا العريضة للحاكم البريطاني الممثل للمقيم السياسي البريطاني في (بوشهر) من أجل التدخل لوضع حد للانتهاكات وسعياً لمعالجة الموضوع ، وسعى شيوخ قبائل (الدواسر) وأعوانهم لتعطيل سير المحاكمة القضائية وفرض إرهابهم بالقوة وقاموا بتهديد المواطنين (الشيعة) إذا ما حاولوا تقديم إثباتات جريمة محددة ضدهم. فقام الدواسر بالتعرض للبحارنة العاملين في الغواص في منطقة خورفشت في مايو 1923. وبالرغم من هذا التهديد قدم الشيخ (العرب) والمواطنين إثباتاتهم وأدلتهم التي أدانت شيوخ قبائل (الدواسر) وأعوانهم المجرمين، الذين اعترفوا بالمسؤولية الجماعية عن الجرائم المرتكبة ضد المواطنين الشيعة في قرية (عالي) و (سترة) واُجبروا على دفع التعويضات المناسبة لأهل الذين قتلوا وجُرحوا من جراء الهجوم على قرية (عالي)، وكانت هذه أول مرة في تاريخ البحرين الذي تُقَدَم قبيلة متنفذة إلى المحكمة تحت سلطة القانون العام البريطاني! مما أوغر صدورهم واخذوا يتحينون الفرصة للانتقام من القائمين على هذا العمل. وفي 10/6/1923 ارتكب (الدواسر) وأعوانهم جريمة بشعة عندما كمنوا للشيخ (عبد الله العرب) والشيخ (حسن رمضان)، وكانا عائدين من (المنامة) فجراً ، حيث شهر (الدواسر) سيوفهم وهجموا عليهم في منطقة تسمى (ردم الصّليّب) قرب قرية (أبوصيبع) وقاموا بقتل الشيخين بقطع رأسيهما والتمثيل بهما، ثم فروا هاربين . وتم اعتقال عدد من الدواسر على أثر تلك الحادثة. وفرض على شيخهم أحمد الدوسري غرامة قدرها 15 ألف روبية دفعت فيما بعد. على أثر تلك الحادثة غادر قسم كبير من أفراد قبيلة الدواسر ومعهم أحمد الدوسري من البديع واتضح أنهم ذهبوا للجزيرة العربية وبدأ ابن سعود بتنفيذ اتفاق سابق بينه وبينهم . وهذا الاتفاق كما تظهره الوثائق يعود إلى أكثر من عام قبل البدء بتنفيذ الإصلاحات الإدارية على أثر عزل الشيخ عيسى بن علي.
مقاومة قرية بني جمرة
كان أغلب أفراد قبيلة الدواسر مسلحين فقاموا بعدة غزوات على بعض القرى المجاورة لهم مثل باربار وبني جمرة وقاموا بسلب نخيلها ومواشيها ولم يستطيعوا أهل بني جمرة مجاراتهم أو الدفاع عن أنفسهم ، وتوالت غزواتهم على بني جمرة وفي إحدى المرات تكاتف أهالي بني جمرة ووضعوا حراس ليلا يحمون مزارعهم ومواشيهم وعندما هاجم أفراد الدواسر القرية تفاجئوا بوجود حراس على مداخل القرية فعادوا مرة أخرى إلى بني جمرة و هم محملين بسلاح لينهالوا على الحراس بإطلاق الرصاص وإصابة بعضهم .
وظاهرة حماية القرى بالسلاح كانت قد انتشرت بعد أن تقاعست الحكومة والإدارة البريطانية في حماية الأهالي، ومن ضمن ما ينقل أيضا أن أفرادا من الدواسر قاموا بالهجوم على قرية كرزكان لكنهم لم يستطيعوا نهبها لوجود حوالي أربعة حراس مسلحين يحمونها كان من بينهم الحاج علي الفرساني (رحمه الله)
قرية عالي
هجوم آخر شنه أفراد من الدواسر على قرية عالي في شهر رمضان (ليلة التاسع عشر)، وكمان الهجوم مبيتأ شارك فيه جمع غفير من غير الدواسر، مهم أناس من الرفاع الشرقي والجسرة وغيرها. كان أهل القرية نيام في منازلهم وأعلوا النار في منطقة تعرف في ذلك الوقت بالمسمط، وانتبه الناس إثر اشتعال النار وكان الغرض من أشعال النار خروج الناس من منازلهم حتى يتمكن المهاجمون من قتلهم ببساطة، لكن الله سلم ولم يخرج الناس فاضطر المهاجمون لإقتحام المنازل عنوة فدخلوا عدداً من المنازل وكان أهالي القرية في ذلك الوقت يمتلكون السلاح كالبنادق والمسدسات فاشتبكوا معهم في حرب من منزل إلى منزل وكانت الحصيلة بأن قتل من أهالي عالي ثلاثة أما عدد القتلى من المهاجمين فقد بلغ المئات وقد أحرقت معظم الجثث في الدوغات ودفنت الباقون في مقابر جماعية .
الشهيد البارح في قرية شهركان
وقام الدواسر الساكنين في الزلاق بمهاجمة قرى الساحل الغربي خصوصا قرية شهركان وقتل عدة أشخاص منها منهم ما يعرف في أوساط القرية بالشهيد البارح الذي قتل بطريقة بشعة على يد أفراد من قبيلة الدواسر في الزلاق حيث كان الشهيد البارح – وهذا ليس أسمه الحقيقي بل لقب – يعمل في بيع محاصيل الزراعية في الزلاق وحدث بينه وبين أحد المشترين مشادة كلامية فقال البارح " أنشاء الله … عسى إللي طرد الدواسره يطردكم " فوصل هذا الخبر إلى كبارية الزلاق فتأمروا على قتله . وفي تلك الليلة وبينما كان أغلب رجال القرية قد ذهبوا إلى البحر بثمانية غزول ، اغتنموا الفرصة فهجموا على منزله وأخرجوه وفصلوا رأسه عن جسده فوق صخرة وغطوه ببشته وهربوا . وقد قام أهالي القرية بدفن الشهيد ووضع الصخرة شاهداً لقبره. وما تجدر الإشارة إليه هنا أن أغلب سكان شهركان قد نزحوا من قريتهم الأصلية قرية سبسب بعد الهجمات التي تعرضت لها منطقة سبسب بعد دخول العتوب إلى البحرين واتخاذ حلفائهم من الدواسر منطقة الزلاق سكنى لهم ، فقيل " في شهر كان تحول أهالي سبسب "
ملحق
قصيدة الملا عطية في مجازر الدواسرclip_image002
في وصف هجوم الدواسر على قرى الشيعة:
طب ليلة النص لبني جمرة
من بعد لقراية بليلة قمْرة
وأصبح منصور من الضرِب في سكْرة
واسهرنه على جروحٍ يداويها
وقالو كرزكان لازم يهجم عليها
وتنخوا أهل عالي ونقلوا التفقان
على الرعيان خلنه نشن غارات
في هجرة الدواسر عن البحرين سنة 1923
هذي الدواسر شايله يا هو الي راضيها
هالوجوه العفن لا مرحبا فيها
شالوا المنازل غصب خلوها
بساتين وغرف بالرغم عافوها
كم حظرة ابوسط البحر مغصوبة
وكم غرفة بعدهم تضل مخروبة
طالع ويش سوت الحوبة
طبق شالت من أولها لتاليها

[1] نعتمد هنا كثيرا على كتاب سعيد الهشابي البحرين في الوثائق البريطانية، إلا أن الاعتماد الأساسي هو الاستعانة بمواقع القرى على الانترنت وجهدها الرائد في تسجيل ذاكرتها التاريخية وهو جهد يستحق الاهتمام والشكر للقائمين عليه.

بقلم: عباس المرشد