مسجد الشيخ عبد الله - الصورة من عند السيد هاشم سلمانالشيخ صلاح الدين بن الشيخ علي القدمي
في الموضوع السابق تطرقنا إلى الفقيه العلامة الشيخ علي بن سليمان القدمي وقد لقي الموضوع استحسانا كبيرا لدى الأخوة الأعزاء وهو ما يدل على اهتمامهم بتاريخ العلماء وتمجيدهم لهذا التاريخ باعتباره أنصع فترة تمر بها القرية خصوصا وأن هؤلاء العلماء كان لهم الأثر على المستويين المحلي والإقليمي لما بلغوا إليه من درجة علمية بالإضافة إلى الورع والتقوى والشدّة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ونحن إذ نحيّي الأخوة الأعزاء، نتطرق إلى علم من أعلام البحرين وليس

القرية فحسب، بل علم من أعلام التشيع بصورة عامة، لأنه كان حاكما بعد أبيه استلم أمور القضاء والحسبة في البحرين، وينقل أنه كان أحد مؤسسي الحوزة العلمية في قم وكان إماما في الجمعة والجماعة بالإضافة إلى تميّزة في الأدب والشعر.
كان الشيخ صلاح الدين بن الشيخ علي بن سليمان القدمي شديد الذكاء وكان شاعرا لدرجة أن كل من يذكره من العلماء يعدّد الفضائل التي تميّز بها ويذكره بالتقدير والإجلال كما يذكر أبيه، حيث نقرأ عنه دائما بأنه " العلامة الفقيه الأديب والشاعر المتّصف بالذكاء الشديد".
لم يعمّر الشيخ صلاح الدين طويلا بعد أبيه فقد مات بدار العلم شيراز ودفن بها مع أخيه الشيخ إبراهيم وله ضريح هناك، ويبدو مما ورد في بعض الآراء أنه مات مسموما مع أخيه الشيخ إبراهيم ومجموعة من الصلحاء من أهل البحرين وهو أمر لم يتم التحقق منه بعد.
وكان من شدّة ذكائه أن الآخرين ينظرون إليه على أنه الأعلم والأفضل بالرغم من صغر سنّه.
إذ تروى عنه قصة مع عالم كبير هو الشيخ الفاضل الأمجد الشيخ احمد بن المرحوم الشيخ محمد بن عطية البحراني الأصبعي حين كان الشيخ صلاح الدين صغيرا يقرأ على الشيخ أحمد (المقصود يتعلم على يديه) فعاتبه جماعة بأنه الأفضل فكيف يكون تلميذا لمن هو أقل منه في العلم والفضل، فتركه ثم عاتبه الشيخ احمد برسالة طويلة فرجع إليه مرة أخرى.
ونحن إذ ننقل هذه الرسالة لا ننتقص من مكانة الشيخ احمد ذلك العالم الفاضل الورع التقي، وإنما نبيّن عظيم منزلة الشيخ صلاح الدين الذي وصفه الشيخ يوسف في الكشكول حين نقل القصة بأنه "العالم الكامل العلامة الشيخ صلاح الدين".
قال عنه صاحب اللؤلؤة : وكان فاضلاً سيّما في علم الحديث والأدب ، وله بعض الحواشي على التهذيب وتولى الأمور الحسبية بعد أبيه وجلس مجلسه في القضاء والدرس والجمعة والجماعة إلا أنه لم يبق بعد أبيه إلا مدة قليلة . وقال عنه الشيخ سليمان الماحوزي في فهرست علماء البحرين :الشيخ المحقق صلاح الدين ابن شيخنا الأفقه الشيخ علي بن سليمان، كان نادرة وقته في الذكاء وحدة الذهن رأيت له حواشي متفرقة على كتابي الشيخ _ أي الطوسي _ في الحديث مليحة ، كان منشأ شاعراً توفي شاباً بدار العلم شيراز .
كتاب المعاتبة:
ذكره الشيخ يوسف في الكشكول وقال: هذا أرسله الشيخ الفاضل الأمجد الشيخ احمد بن المرحوم الشيخ محمد بن عطية البحراني الأصبعي لجناب الشيخ الكامل العلامة الشيخ صلاح الدين ابن العلامة الشيخ علي بن سليمان القدمي، وكان الشيخ صلاح الدين المذكور في صغره يقرأ على الشيخ احمد المزبور فعذله قوم معاندون للشيخ احمد عن درسه عليه وقراءته لديه وقالوا كيف يجوز أن يتقدم المفضول على الفاضل؟ أم كيف يسود الناقص على الكامل فتأخر الشيخ صلاح الدين عن ملازمته وترك مباحثته وممارسته، فكتب له الشيخ أحمد عتابا عليه وناصحا إليه فلما وصل الكتاب للشيخ صلاح الدين رجع إلى ما كان عليه من الدرس على الشيخ أحمد المذكور، والمباحثة وترك قول العاذلين والمناقشة، وقد شرحه السيد الشريف السيد علي بن السيد الشريف الفردوسي السيد حسين العلامة المشهور بالكتكتاني التوبلي.
هذه مراسلة كتبها الشيخ أحمد بن محمد بن عطية البحراني إلى الشيخ صلاح الدين بن الشيخ علي بن سليمان القدمي البحراني وذلك بسبب ترك مباحثته وحضور درسه وقبل كان من حضّاره إلا انه عدل به قوم معادون للشيخ احمد وهي هذه:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله وان كلب الزمان وخان الأخوان، واختلف الأهواء وتشتت الآراء، والصلاة والسلام على رسوله محمد الذي صدع بالرسالة وبالغ في الدلالة وجاهد في سبيل الله حق جهاده، وأدّب نفسه في إرشاد عباده ولم يبل بشقاق مشتاق ولا خذل، ولم تأخذه في الله لومة لائم، ولا عذل عاذل، وآله الذين سقوا كؤوس الأذى، وأغضوا على أليم القذا، وشروا في نفوسهم في طاعة الجبار، واشتروا بدار الغيار دار القرار.
فقد اصطفيتك من الأخوان، وجعلتك إنسان عين الزمان، وبعجت لك بطني، وقلت قطني من الصحاب قطني، وغدوتك من لبان العلم والحكمة ما بين الأبرص والأكمه، وصيرت ودك ألصق بقلبي من الجود بحاتم، والشرف بهاشم، وانقضت ظهري في تأديبك وتهذيبك، وبذلك جهدي في تأبيرك وتشذيبك حتى ضارعت قسا وسحبان، بعد أن كنت، وباقلا رضيع لبان، واحتملت فيه كيد فلان وهو داهية، وظهيره الذي هو ادهي وأمرّ، وصبرت منهما على ضرب أخماس لأسداس، وعذت من شرهما برب الناس، وقد كان أظهر المودة ولم ادر أن الذئب يسمى أبا جعدة، حتى لقيت منهما من الأهوال ما وددت تعويض يسيره بالسمام، ورميت من الأوجال بما يزيل عشيره بين أبناء سماء، غير أن الله أخرجني بلطفه من مكائدهما، وأنقذني من حبائلهما ومصائدهما، وكان الغادر لم يع ما قاله ربهLومن يتوكل على الله فهو حسبه) من ما لقيته منك من إذلال الصبوة، وجفوة النخوة، وما زلت مع ذلك أرأف بك من والدك، وأنصر لك من ساعدك، فكان جزائي منك أن تركتني تركة ظبي ظلّه، وحملتني على شاه، اله خير حالبيك تنطحين، أبعد الوهي ترتعين وأنت مبصرة.
أما والذي له الحمد والشكر مالي ذنب صخر، ولعمري لم يزل الأخيار يجزون جزاء سنمار، وهبك أبدلتني بنظرة ذي علق ذي حنق، أسرق العلم ام فسق، أم ظهر منه بعد الوقار والطيش النزق حتى استوجب أن تشفع هجري بهجرهن وتطرح باطرائي عظيم فخره.
ألا من يشتري سهراً بنوم
ويتبع دهره دوماً بيوم
ما هذا إلا شراء الحمقا، وبيع الخرقا، أفلا تصبر على مرارة دواء اجتمع جميع الحكماء على أنه أبلغ الأدوية في الشفاء، استراح من لا عقل له لغب العالمون، وودع الجهلة، شعر:
ألا قم فاسع للعلياء لعلّك
لعلّك تحرز المجد علّك
فليس بنافع بأبيك فخر
كذا التحقيق إن لازمت جهلك
أتلبث في الجفون وأنت عضب
إذا ما سلّ يوم الروح أهلك
وتقنع بالخمول وأنت ممن
ترى من ذا الورى بالعلم أملك
لقد أمّتك أبكار المعالي
وقد طلبت غواني الفضل وصلك
وجنيك قد سفرن لك ابتهاجا
وما أسفرن للخطاب قبلك
فهل لك في معانقة الغواني
على سرر العلا والعز هل لك
وهل لك في بكارات إذا ما
فضضت ختامها أعلت محلك
هل لك أن يذل لديك قوم
تراهم حاولوا ذا اليوم ذلّك
ففي قول الأفاضل بعد درس
أدام الله للعلياء ظلك
وخلدك المليك لدى الليالي
وأعزز في أديم الأرض وبلك
وها أنا قد أدبتك بأسواطي، وكررت في الطواف بكعبة نصحك أسابيع أشواطي، شعر:
دونك كاس النصح فاشرب بها
ووجّه النفس إلى ربها
وان أبت إلا خلاف الهدى
فاكفف هداك الله من غربها
وذكرنها عرصات البلا
وموقفا تسأل عن ذنبها
وحر نار نورها ظلمة
أعوذ بالرحمن من لهبها
فكن لوصيتي من الحافظين لا من الخافظين، ولا تكن ممن يجعل العظاة عضين، وإياك أن تكون مضروب المثل إن الموصين بنو سهوان، فتتعرض لذلك عند الله للهوان، أعوذ بالله أن تكون كذلك، وأسأله إصلاح بالك، واستقامة أحوالك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
انتهت المراسلة التي جعلت الشيخ صلاح الدين يرجع إلى الدرس عند الشيخ أحمد وهي تدل على مستوى الشيخين الرفيع وأهميتهما، كما تشير الرسالة إلى منزلة الشيخ صلاح الدين على صغر سنّه.
وكما أشرنا بأن وفاة الشيخ صلاح الدين كانت بعد فترة وجيزة من وفاة أبيه إلا أن المصادر لم تذكر تاريخ وفاته بالتحديد خصوصا وأنه مات ودفن بشيراز خارج البحرين، إلا أن الشيخ فاضل الزاكي يذكر في تحقيقه على كتاب الفهرست للشيخ الماحوزي حول هذه الجملة الأخيرة في ترجمة الشيخ صلاح هذا مانصّه : لا يوجد فيما بأيدينا من المصادر أي مصدر يحدد تاريخ وفاة المترجم إلا أن بإمكاننا أن نحددها على وجه التقريب مابين سنة ( 1065 هـ ، 1655م ) إلى سنة ( 1070 هـ ، 1660 م ) حيث إن المصادر تذكر أنه توفي شاباً وأنه لم يعش بعد أبيه إلا قليلاً وحيث أن والده توفي سنة 1064 هـ فمن المفروض أن لا يتجاوز هو المدة التي حددناها ، وإن تجاوزها فلن يتجاوز سنة 1075هـ جزماً وإلا لما كان هناك معنى لقولهم : إنه لم يعش بعد أبيه إلا قليلا .
وفي كتاب مرآة البحرين المخطوط ترجمه بما نصّه : ومنهم : الشيخ المحقق الشيخ الأفقه الشيخ صلاح الدين بن الشيخ الأجل الفاضل علي بن سليمان، كان آية من آيات الله في الذكاء والحافظة وحدة الذهن، منشئ شاعراً وقد توفى شاباً في دار العلم شيراز، وكان الشيخ العلامة الشيخ محمّد بن ماجد عطر الله مرقده كثيراً ما يثني عليه ويبالغ في تعريفه وفضله، وكان بينهما مودة وصحبة عظيمة قدّس سرهما .
أقول : يستفاد من مخطوطة ( مرآة البحرين ) للجزيني العاملي أن الشيخ صلاح الدين هذا قد مات شهيداً بالسم في شيراز فقد تعرض لذكره ضمناً في ترجمة أخيه إبراهيم الآتي ذكره فقال _ عن الشيخ إبراهيم الآتي ترجمته _ : توفى مع أخيه العالم الرباني الشيخ صلاح الدين بشيراز بالسم مع جملة من صلحاء أهل أوال، كذا وجدت. ولم يذكر هذا الكلام في ترجمة الشيخ صلاح الدين المستقلة والله العالم بحقيقة الحال.
السيد هاشم السيد سلمان الموسوي

مسجد الشيخ عبد الله - الصورة من عند السيد هاشم سلمان

صورة لمسجد الشيخ عبدالله – تصوير السيد هاشم سلمان