فف

تمر السنين على الإنسان ولا تبقى له غير الذكريات، فإذا فقد ذاكرته فقد ماضيه، ومن لا ماض له لا حاضر له ولا مستقبل. إحياء الذكرى هو ربطٌ للماضي بالحاضر و إعداد لمستقبل يشهده تاريخ المملكة. ومن هنا جاءت فكرة مشروع إحياء العيون الطبيعية في مملكة البحرين، لما كان لها من دور أساسي في الحياة المعيشية للمواطن البحريني. والتي شهدت تدهوراً متسارعاً في العقود الماضية، نتيجة لتردي حالة مياه الخزان الجوفي الذي تستمد العيون مياهها منه، مما أدى إلى جفاف معظمها وردمها وتصحر الأراضي الزراعية حولها.

أخذت وزارة البلديات على عاتقها مشروع إحياء العيون الطبيعية، وكان أول ما قامت به هو تطوير عين عذاري والذي تم فيه إحياء العين بصورة اصطناعية وإعادة بناء ما كان موجوداً حول العين وإضافة مساحات جديدة للجلوس والاستجمام، تأتي بعدها عين أم الشعوم التي تم افتتاحها منذ فترة قريبة.
فقد قامت وزارة البلديات بتصميم وإنشاء حديقة أم الشعوم للمحافظة على ذكرى العين وإنشاء مكان للترفيه لمنطقة الماحوز والمناطق المجاورة. وذلك بوضع تصميم يناسب مع جميع الأعمار من الصغار إلى الكبار والأخذ بعين الاعتبار احتياجات سكان المنطقة.

عين أم الشعوم كانت من أهم العيون الطبيعية وذلك لموقعها المتميز فهي تتوسط منطقة الماحوز، وكانت لا تروى بمائها العذب منطقة الماحوز فحسب بل المنامة والقضيبية وأم الحصم والزنج. وهي مكونة من عينين العين الكبيرة للشرب والسياحة والعين الصغيرة التي كانت تستخدم لتنظيف الحيوانات.
الورقة سوف توضح دراسة متخصصة أفكار التصميم وطرق الإنشاء التي أتبعت لتنفيذ هذا المشروع الترفيهي ويمكن اعتبارها تجربة رائدة من حيث الناحية التصميمية والإنشائيةوالادارة المشاريعية بقيام الجهاز التنفيذي بطريقة التنفيذ المباشر بدون وضعها تحت مناقصة ومقاول. ويمكن تكرارها على العيون الأخرى في مملكة البحرين.

أحياء العيون في البحرين:
تمر السنين على الإنسان ولا تبقى له غير الذكريات، فإذا فقد ذاكرته فقد ماضيه، ومن لا ماض له لا حاضر له ولا مستقبل. إحياء الذكرى هو ربطٌ للماضي بالحاضر و إعداد لمستقبل يشهد تاريخ المملكة. ومن هنا جاءت فكرة مشروع إحياء العيون الطبيعية في مملكة البحرين، لما كان لها من دور أساسي في الحياة المعيشية للإنسان البحريني. فحضارة البحرين قامت على مياه العيون الطبيعية وجعلت منها منطقة جذب للسكان وبلداً زراعياً حملت أسماء عدة في التاريخ الحديث كلؤلؤة الخليج، وعروس الخليج وأم المليون نخلة، وذلك بسبب انتشار مظاهر الجفاف والتصحر حول الجزيرة.
عرفت البحرين بوجود عدد كبير من العيون البرية والينابيع البحرية التي تستمد مياهها من خزان جوفي كبير يسمى الدمام وهو الخزان الجوفي الرئيسي في البحرين، الذي يمثل جزءاً صغيراً من الخزان الجوفي الواسع الامتداد والمسمى بالخزان العربي الشرقي. الذي يمتد من صحراء الدهناء في وسط المملكة العربية السعودية إلى المنطقة الشرقية والبحرين (شكل 1).
clip_image002

شكل (1) قطاع هيدرولوجي لخزان الدمام الجوفي

المصدر: History and Present Conditions of Natural Springs in The State of Bahrain Hind A.Aziz Al-Gosaibi صفحة 9.

مواقع العيون الطبيعية:
تقع معظم العيون الطبيعية بالقسم الشمالي من مملكة البحرين، وتنتشر الينابيع البحرية على سواحل جزيرتي المحرق وسترة وبصورة اقل على السواحل الشمالية ( شكل 2 ). ومن أهم هذه العيون عين عذاري في منطقة السهلة الجنوبية، التي تدور حولها كثير من الأساطير. يتفرع من عين عذاري عدد من الجداول (السيبان) تروي أكثر من ثلاثة أميال طولاً من النخيل، وعرفت بأنها تسقي البعيد قبل القريب، واشتهرت عين عذاري بغزارة وقوة تدفق مياهها لدى دول منطقة الخليج. وبعدها يأتي عين قصاري، عين أم الشعوم، عين الحنينة، عين الرحى، عين السفاحية إلى آخره من العيون التي نفذ مائها أو تم ردمها مؤخراً بسبب جفافها.

شكل (2) مواقع العيون الطبيعية البرية والبحرية

 

المصدر: History and Present Conditions of Natural Springs in The State of Bahrain
Hind A.Aziz Al-Gosaibi September 1997 صفحة 38.

clip_image004

clip_image006

 
 

 

 

 

 

 

 

 

وفيما يلي صور لبعض العيون تم التقطتها في عام 1989م قبل اندثارها.

 

clip_image015

clip_image020

اندثار العيون:
شهدت العيون تدهوراً متسارعاً في العقود الثلاثة الماضية، نتيجة لتردي حالة مياه خزان الدمام الجوفي الذي تستمد العيون مياهها منه، مسبباً انخفاضاً حاداً في مستوى الماء، مما أدى إلى جفاف معظمها وردمها وتصحر الأراضي الزراعية حولها، وساعدت على القضاء على الأنظمة الايكولوجية بها، لذلك كان لزاما الاهتمام بالعيون الطبيعية وإحيائها وإبراز قيمتها التاريخية والتراثية واستغلالها كمواقع سياحية. ونظراً لتعذر تحسن وضع خزان الدمام الذكور حالياً، كان يجب ان تحل المشكلة بشكل اصطناعي ومؤقت ويعتمد على استغلال مياه الصرف الصحي المعالجة في إحياء العيون، وري المزارع المحيطة بها. وسد منبعها بشكل مبدئي منعاً لتلوث الخزان الجوفي.

دور وزارة البلديات في إعادة إحياء العيون :
أخذت وزارة شئون البلديات والزراعة على عاتقها هذه المهمة وبدأت ببرنامج إعادة إحياء العيون التراثية وذلك من ضمن حرصها على الحفاظ على التراث العمراني والبيئي لمملكة البحرين، وقد تم اختيار أهم العيون بكل من البلديات الخمس المكونة في مملكة البحرين واعتماداً على تاريخها وجمالها وموقعها وأمكانية أستغلالها كأماكن سياحية وترفيهية. وكان أول ما قامت به هو تطوير عين عذاري بالمنطقة الشمالية والذي تم فيه إحياء العين بصورة اصطناعية وإعادة بناء ما كان موجوداً حول العين وإضافة مساحات جديدة للجلوس والاستجمام وتبقى من الموقع مساحات كبيرة عهد إلى مستثمر للقيام بتطويره وإنشاءه.
أما عين الحنينية بالمنطقة الجنوبية والتي سوف يتم التعاون مع شركة إستثمارية وضعت تصميم لمنتزه يحتوي على مرافق ترفيهية وسكنية وملاعب رياضية. وعين الرحى بالمنطقة الوسطى وهي في مرحلة التصميم لدى قسم تصميم المنتزهات بالوزارة، وأخيراً عين رية بالمحرق التي سوف يصل دورها قريباً. كما كان لعين أم الشعوم بالمنامة التي أخذت نصيبها حيث تم افتتاحها منذ فترة قريبة وهذه الورقة حولها.

عين أم الشعوم:
سميت العين بأم الشعوم نسبة إلى سمك الشعوم الذي كان يعيش بها بكثرة، وبفعل قوة تدفق مياهها التي كان يتفرع منها في أكثر من ستة جداول وتتفرع إلى مئات من جداول المياه الصغيرة تسقي مساحات شاسعة من النخيل والبساتين. وكانت لا تروى منطقة الماحوز فحسب بل المنامة والقضيبية وأم الحصم والزنج بمائها العذب. وهي مكونة من عينين العين الكبيرة التي كانت تسقي الناس والمزارع المحيطة بها وتستخدم للسباحة والإستجمام صيفاً، والعين الصغيرة التي كانت تستخدم لغسل الثياب وسقاية وغسل الدواب والخيول نظراً لضحولة الماء بها وسهولة الدخول والخروج منها، مما أدى إلى إتخاذ منطقة الماحوز مركزاً لقيام حظائر المواشي، وشجع أصحاب إسطبلات الخيول القيام بسباق الخيل المعروف آنذاك مستخدمين العين الصغيرة لتجهيز الخيول للسباق .
ومن تراث البحرين كان فيها سابقاً حمام من جهة الشرق يستخدم لتجهيز العرائس. وجدير بالذكر أن المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة كان يزور العين بين الحين والأخر، وهو الذي أمر بتشييد مسجد الإمام الجواد الموجود حاليا قرب العين. وهي من أهم العيون الطبيعية وذلك لموقعها المتميز فهي تقع حاليا في الجزء الشمالي من منطقة الماحوز، ويمكن الوصول إليها من شارع أسامة بن زيد أو شارع العدلية أو الانعطاف يميناً من شارع الكويت.

إحياء العين:
قامت إدارة التطوير والبحوث بوزارة شئون البلديات والزراعة بوضع تصميم وإنشاء حديقة أم الشعوم كتنفيذ مباشر للمحافظة على ذكرى العين وإنشاء مكان للترفيه لمنطقة الماحوز والمناطق المجاورة. والتي هي جزء من خطتها لإحياء التراث البحريني بكل جوانبه الثقافية والعمرانية والترفيهية.

أهداف التصميم:
بعد أن كان المشروع مركوناً على الرف لحقبة من الزمن، قام قسم تصميم المنتزهات بوزارة شئون البلديات والزراعة بعمل دراسة ومسح للموقع، وعمل إستبيان لمعرفة رأي الأهالي بمشاركة فعالة من المجلس البلدي لبلدية المنامة، وإعد تصميماً فريداً لحديقة أم الشعوم بهدفين رئيسين هما:

1- إعادة إحياء العين:
– الحفاظ على شكل العينين.
– الحفاظ على المسجد القائم.
– الحفاظ على الشارع الرئيسي للقرية سابقاً.

2- خلق نقطة للترفيه والاستجمام:
الأخذ بعين الاعتبار احتياجات سكان المنطقة.
– تصميم يناسب جميع الأعمار من الصغار إلى الكبار.
– مراعاة إدخال عناصر العمارة التقليدية في التصميم.

الأفكار التصميمية:
بدأت الفكرة الأساسية في مرحلة التصميم بالحفاظ على شكل العينين الأًصلي حيث أن الماء كان ينبع منها إلى فترة قريبة من الزمن وأهالي المنطقة يتذكرون شكلها، وتحويلها إلى حمامين للسباحة. والمحافظة على وضعية المسجد والشارع الرئيسي للقرية سابقا.
جاءت فكرة إنشاء حديقة حول العينين لتخدم أهل منطقة الماحوز والمناطق المجاورة وتتسم بالطابع التقليدي للعمارة البحرينية فنرى مزج لعناصر العمارة التقليدية والحديثة في تصميم واحد. فنرى مثلاً العمارة التقليدية في تصميم المباني على وضع الزخارف العربية الإسلامية على الأرضيات وأضافة بعض عناصر والعمارة الحديثة في استخدام الحديد المطاوع في الاجزاء المهمة من المشروع.
ومن دراسة الموقع قبل التصميم والنظر إلى إحتياجات أهالي الماحوز، تبين أن شباب المنطقة يستخدمون الأرض الفارغة حول العين للعب الكرة، وأن هناك مقاعد موجودة حول العين مما يؤكد حب الأهالي للتجمع والجلوس حول العين،والذي أكد احتياج الاهالي وبالخصوص العوائل لهم إلى ملاعب مخصصة لذلك أضيف ومساحات للجلوس حول العين. وجاءت فكرة وضع تماثيل الأحصنة وسط العين الصغيرة لتذكر أهل المنطقة وتعرف صغارها أنها كانت تستخدم لغسل الخيول والحيوانات وتنظيفها.
خلق نقطة جذب اجتماعي بين منطقة الماحوز والعدلية والزنج، معتمدة على ذاكرة المكان التي كانت تمر بها المناطق التي تحيط بالعين، لذلك تم تصميم المدخلين الرئيسين من شارع الكويت وشارع أم الشعوم على هيئة شلالات ماء لتكون زوايا رؤية واضحة للعيان .

مكونات التصميم: (شكل 3)

1- ملاعب كرة قدم وسلة وطائرة للشباب.
2- ساحة ألعاب أطفال.
3- أماكن متفرقة لجلوس العائلات.
4- مساحات التشجير.
5- ممشى.
6- العين الصغيرة.
7- العين الكبيرة.
8- شارع القرية سابقاً.
9- مساحة لمراقبة الأطفال.
10- مبنى مكاتب وخدمات.
11- المسجد.
12- ساحة.

مرحلة الإنشاء:
قام قسم الإنشاءات بوزارة البلديات بالإشراف على تنفيذ المشروع، الذي استمر مدة أقل من سنة ( من نوفمبر 2004 إلى أغسطس 2005 ) مما يعتبر فترة قياسية، وتكلف المشروع حوالي نصف مليون دينار. من المعوقات التي واجهت مرحلة التنفيذ وجود أهم خطوط كابلات الكهرباء التي تمر في حدود الأرض المملوكة من قبل البلدية وتم حل هذه المشكلة بترك مساحة من حدود الملك بطول 3 أمتار من الجهة الجنوبية و1,5متر من جهة الشرق نقلت هذه الخطوط إليها وذلك تسريعاً للبدء في التنفيذ. ونظراً لضيق مساحة الأرض بالنسبة لمتطلبات التصميم فإن مضخات ومعدات التصفية حمام السباحة والخزان الضخم تم تركيبها تحت مبنى الخدمات بعمق 4 أمتار.
clip_image022

شكل (3) مخطط تصميم حديقة عين أم الشعوم ( قسم التصميم- وزارة البلديات )

 

الخلاصة:
إن النتائج والمردود الاجتماعي والثقافي والترفيهي لإنشاء الحديقة قد كان له الأثر الكبير في حياة أهالي المنطقة وخصوصا الشباب والاطفال ويمكن تلخيصها الآتي:

المردود الاجتماعي:
هذا المشروع يعتبر تجربة رائدة وفريدة من حيث الناحية التصميمية والإنشائية يمكن تكرارها على العيون الأخرى. فهي أول حديقة من نوعها في مملكة البحرين، توجد بها حمامين للسباحة إحداها للصغار والأخرى للبالغين بالإضافة إلى عدة ملاعب كرة للشباب، مما يشجع المواطن على العودة لإرتياد الحدائق والمنتزهات بعدما تم هجرها، وأصبحت المجمعات التجارية المكان الوحيد للترفيه.

المردود الثقافي:
الحفاظ على ذكرى العين كجزء من تراث البحرين يبقى في ذاكرة الأجيال القادمة، ونجاح هذا المشروع يشجع على تكرار التجربة للحفاظ على ما تبقى من العيون التراثية الأخرى.

المراجع:
1- History and Present Conditions of Natural Springs in The State of Bahrain Hind A.Aziz Al-Gosaibi September 1997.
2- مقالة مشروع تطوير عين أم الشعوم – جاسم رضا حسين- مجلة المهندس.
3- رسالة أهالي الماحوز إلى المهندس علي سلمان (مصمم المشروع) – رئيس قسم التصميم والمنتزهات – وزارة شئون البلديات والزراعة.
4- قسم التصميم والمنتزهات – وزارة شئون البلديات والزراعة.
5- قسم الإنشاءات – وزارة شئون البلديات والزراعة.

 

……………………..

لمصدر: مؤتمر العمل البلدي الأول ، عنوان الورقة: إحياء العيون الطبيعية

إحسان عبدالقدوس أخصائي تطوير – وزارة شئون البلديات والزراعة.
المحور: مسيرة العمل البلدي: الفرع: أهمية العمل البلدي في دعم مسيرة التنمية العمرانية والحضرية