عالم دين شيعي يتمشى في أزقة المحرقخلاصة ما توصلنا إليه في الحلقات السابقة أن القرية البحرانية أسست مفهوم المقاومة السلمية والمقاومة الدبلوماسية لحماية نفسها من مظالم كبيرة كانت تلحق بها. ونتيجة لذلك واجهت القرية مزيدا من العنف والإرهاب بهدف إجبارها على التراجع وسحب الاعتبار السياسي عنها. في المقابل فإن القرية البحرانية ظلت متمسكة بخيارها السياسي واستمرت في مقاومتها السلمية حيث استطاعت في النهاية أن تحصل على مطالبها  الأساسية المتعلقة بالأمن والقيمة السياسية، ورغم حالات العنف والمجازر التي تعرضت لها القرية في تلك الفترة وقيام القرى

البحرانية بحماية نفسها والتصدي للمهاجمين عليها إلا أن العنف لم يتوقف وظل مستمرا ولكن بصيغة أخرى. ففي الحلقة السابقة استعرضنا دور العنف الرسمي ومواجهة القرية البحرانية له، أما الآن وقبل دراسة انتقال الحركة السياسية في القرية البحرانية من الطور التأسيسي إلى الطور التنظيمي فتجدر ضرورة الإشارة إلى العنف الرمزي التي واجهته القرية في تاريخها السياسي، حيث التشويه والتحريف في الإعلام وهو جهد ينصب ضمن فرض ذاكرة الهيمنة.
تجديد التراث السياسي
لا توجد مؤشرات كافية تدلنا على أن القرية البحرانية كانت تطمح لاستعادة نظامها السياسي والإداري اللذين كانا سائدين قبل دخول النظام الجديد إلى البحرين، بل إن إحدى العرائض السياسية كانت تشير إلى قبول القرية البحرانية سياسية الأمر الواقع إلى ما قبل ثلاثين سنة من بدء التحرك المقاوم أي قبل إدخال نظام المقاطعات ونظام الفداوية كأنظمة إدارة وحكم ، وبالفعل فإلى ما قبل ذاك التاريخ كانت القرية لا تزال تحتفظ بالكثير من خصوصياتها ولا تزال الإدارة المحلية باقية بعنوان أصغر مما كانت عليه في القرن السادس عشر والسابع عشر الميلادي.وبالتالي فإن سيطرة النظام الجديد على خيرات القرية ومصادرة ثرواته وإلحاق المظالم بأهلها كان موجودا إلا أنه استفحل وكثر بعد 1890 تقريبا.
كانت أولى المحاولات الثورية التي واجهت سياسية النظام الجديد هي محاولة السيد شبر الستري سنة 1894 وبتعبير البلادي فقد أخذته الغيرة الإيمانية على ما يحدث في بلاده، فعمل على جمع السلاح في الداخل والخارج وحاول مد جسور دبلوماسية مع القوى الإقليمية لحماية التحرك كما حاول استغلال تصدع النظام السياسي الجديد في داخله وهو ما سنفرد له حلقة منفصلة، إلا أن تحرك السيد الستري لم يحققه أهدافه وتبين أن بعض الرهانات السياسية لم تكن كافية لإحداث تحول في مجرى السياسة في البحرين. لذا فإن الجيل الذي أتي لاحقا كان مدركا لأهمية الأخذ بعين الاعتبار التحولات السياسية في المنطقة وفي الداخل خصوصا وأنه جيل عاصر وكان على اتصال بالحركات السياسية العالمية في الهند وإيران والعراق وأمريكا، وعلى هذا الأساس بنيت المقاومة السلمية وليس كما يدعي البعض أنها حركة مرتبطة بالانجليز وبالرغبة في تأسيس حزب موال لبريطانيا.
فرض ذاكرة الهيمنة
مثل هذا الإدعاء الأخير الذي ساقته سوسن الشاعر في كتابها قصة الصراع السياسي في البحرين وقبلها مي آل خليفة في كتابها سيزآباد هي محاولات متكررة لحذف دور القرية البحرانية من الذاكرة التاريخية من خلال بناء ذاكرة تاريخية مشوهة تقلب الأمور وتخلطها وتصير إلى تمجيد الجلاد وإلباسه لباس الوطنية. وفي الواقع فإن بث هذا الإدعاء كان أحدث حلقة في وقتها من مسلسل التشويه والحذف لتاريخ القرية البحرانية السياسي، فعلى إثر انتفاضة القرية البحرانية سنة 1994 ظهر جهد رسمي قوي من أجل إعادة كتابة التاريخ البحراني واستخدام التاريخ الجديد في معركة سياسية ضد المطالب الشرعية التي رفعتها القرى البحرانية في تسعينات القرن الماضي. فرغم أن مي الخليفة كانت تسعى لفضح الميجر ديلي وهو كذلك بالفعل و أوردت كافة تفاصيل حياته بما في ذلك وصيته ومبلغ تركته بعد موته إلا أنها عندما أوردت تقاريره حذفت الجزء المتعلق بالجرائم والانتهاكات التي كتبها وهي جرائم منسوبة لأشخاص ومحددة بالتاريخ وبأسماء القائمين عليها. من المعروف أن للكاتب أن يذهب بعيدا في التحليل لكنه مجبرا على الأخذ بالحقائق والوقائع التاريخية لا أن يحذفها وينكرها لمجرد أنها لا تخدم غرضه ويمكن أيضا أن يتجاهلها إذا لم تكن لديه قوة إقناع كافية. إن هناك وثائق وشواهد أكثر وضوحا على مدى تغلغل الموالاة والتقرب للإدارة البريطانية من قبل الأشخاص الذين يحاول اليوم وفي الأمس إظهار بلبوس الوطنية كما أن هناك شواهد أكثر تدل على قيام أولئك بجرائم إرهابية بحق المواطنين ولا يخفي على أحد أن الدواسر على سبيل المثال عندما هاجروا إلى الدمام كانوا يخططون لسيطرة على الحكم بالتعاون مع بن سعود ورفعوا رايات الحرب على البحرين من الدمام.
الحرب الإعلامية في الخارج
بعد أن حققت القرية البحرانية بعضا من مطالبها وبالأخص المطالب الأمنية وتم عزل الحاكم الشيخ عيسى بن علي واجهت القرية البحرانية طرفين سياسيين هما : الإدارة البريطانية والأطراف المتضررة من الإصلاح الإداري والسياسي. فالإدارة البريطانية كانت واضحة جدا في سياستها مع القرية البحرانية ومطالبها العدالة فقامت بتوجيه تحذير للبحارنة حذرتهم فيه من الاستمرار في العمل السياسي كما أوضحت الإدارة البريطانية أنها تؤمن إيمانا جازما بضرورة منح أهل السنة تفوقا سياسيا على الشيعة وطالبتهم بالكف عن المطالبة بالمساواة السياسية. أما الأطراف المتضررة من الإصلاحات فقد تنبهت إلى أهمية الدور الإعلام والتأسيس لذاكرة تاريخية يمكن الاستفادة منها في المستقبل أو في حالات متشابهة. وهذا ما أطلق عليه بسياسة الحرب الإعلامية وفرض ذاكرة الهيمنة. ففي فبراير 1923 ذكر الشيخ عيسى بن علي في رسالة كتبها محاميه في الهند الجنرال محمد علي نجاح " أن هناك فئة مخدوعة من الشيعة أثارت التوتر وأصبحت أداة في يد أعدائي ( سواء بالتخطيط المسبق أو الجهل) مما أدى إلى شكاوي كاذبة ومصطنعة ضد إدارتي لخلق نوع من البغضاء تجاهي من قبل الحكومة البريطانية" في المقابل وصف قبيلة الدواسر وممثليهم بأنهم " نواب الشعب" بل إن سكرتير البلدية الفداوي علي بن حسين خلفانا صبح شريفا ووطنيا وقادوا حملة إعلامية في الخارج مثل رسالة محمد بن عبدالله بن عيسى الذي بعث برسالة سنة 1924 من الكويت إلى حكومة الهند أو بعض المقالات التي نشرت في صحف عربية مثل جريدة ألف باء السورية الغريب في الأمر أن حادثة العزل أو التقاعد القسري أعادت للحاكم لحطة تسلمه للحكم وكتب إلى الكولونيل نوكس بعد عزله مباشرة " لقد اختارني الناس حاكما على البحرين بعد مقتل والدي وعليك أن تشاورهم وليس لأحد غيرهم حق في هذا الأمر"
استعادة المهام السياسية
مهما يكن فإن القرية البحرانية ظلت متمسكة بمطالبها وواعية لحدوث انتكاسات تقف من وراءها التحالفات والمصالح السياسية. والدور الذي سنبين جزءا منه يوضح مدى الوعي السياسي المتمكن لدى القرية البحرانية وحرصها على انجاز مهمتها السياسية. كان لعزل الحاكم وتنصيب أبنه دورا كبيرا في تحريض الأطراف المتضررة من الإصلاحات ضد المقاومة السلمية للقرية البحرانية وبعد أن فشلت سبل العنف والإرهاب، ابتدأ العمل السياسي بوتيرة عالية وصاخبة من أجل إرجاع الأوضاع إلى ما كانت عليه، إلا أن تلك المحاولات بآت بالفشل وانتشرت مقولة "طلع من الباب الشرقي" كمثل شعبي يشير إلى خروج الوفد المعارض للإصلاحات عندما خيرهم المقيم البريطاني بين الالتحاق بالدواسر في الدمام أو القبول بما تم من إصلاحات فخرجوا من الباب الشرقي لمنزل المقيم البريطاني حفاة تاركين أخذيتهم. وكانت القبائل المعارضة بتحريض من الحاكم المعزول توقع يوميا عرائض تطالب بتنحية المجير ديلي وإعادة الأوضاع السابقة. ولمقاومة هذا الدور بادر أهالي القرى بكتابة عريضة سياسية توضح إمكانية مجارة المعارضين في كتابة العرائض وأن سكان القرى يشكلون الأكثرية في البلاد كما كتبوا عريضة ثانية في اكتوبر 1923تعيد زمام السيطرة للقرية. العريضة المشار إليها تعد العريضة الأولى التي تكتب بلهجة المساءلة الشعبية للإدارة البريطانية وتطرح مجموعة من الأسئلة للإجابة عليها مع تخيير المقيم البريطاني بخيارات أخرى في حالة عدم الرد على الأسئلة المقدمة في العريضة. عبر هذه العريضة التي وقعها أهالي القرى بكثافة ردت الإدارة البريطانية برسالتين واحدة بخصوص عرائض القبائل المعارضة والمتحالفة مع الحاكم المعزول بين فيها أن الإصلاحات هي خيار بريطاني لا دخل للميجر ديلي أو غيره بها وفي الرسالة الثانية التي عنوانها إلى عموم البحارنة أوضح المقيم البريطاني أن الإصلاحات قائمة وان لا تراجع عنها.
في الوقت الذي كانت المقاومة السلمية والمقاومة الدبلوماسية تؤثر كثيرا على مجرى الأوضاع فقد أثرت أيضا على زعماء القبائل المتحالفة مع الحاكم المعزول وهي أثنى عشر قبيلة وبعد أن كانوا يطالبون بعودة الأوضاع السابقة اجتمعوا في المحرق في نهاية اكتوبر 1923 وأطلقوا على اجتماعهم المؤتمر الوطني الذي احتوى على مطالب مختلفة ومتوافقة مع نغمة الإصلاح السياسي منها تشكيل مجلس شورى سمي لاحقا بالمجلس التشريعي. ولم يكن لهذا التطور أن يحدث لولا استعادة القرية البحرانية زمام المبادرة السياسية وإصرارها المتواصل على إحداث تغييرات داخل النظام السياسي. وهذا ما دفع بالحاكم الجديد الشيخ حمد إلى الطلب من بريطانيا لمساعدته في نفي أثنين من قادة القبائل حيث يعتبران الأكثر وعيا والأكثر حيوية وهما عبدالوهاب الزياني وأحمد بن لاحج وقد تم الاستجابة لطلب الحاكم وقامت بريطانيا بنفي هؤلاء فنفي الزياني إلى الهند وأحمد بن لاحج إلى السعودية.
نتيجة أخرى كان للقرية البحرانية دور الريادة فيها هي منع الاحتراب الطائفي وتقديم نموذج التعالي على الجراح وهو دور برزت آثاره في الثلاثينات من القرن الماضي عندما تمت صياغة أول عريضة سياسية موقعة من كلا الطائفتين تطالب بالمطالب نفسها التي استمرت منذ سنة 1938 ولا تزال مستمرة وهي مجلس تشريعي منتخب وقانون موحد وعدالة في توزيع الثروة.
clip_image001
جواب المقيم البريطاني على عريضة البحارنة

 

رسالة الشيخ حمد بن عيسى إلى المقيم الكولونيل تريفور:
" إنني طلبت من الدولة البهية المساعدة في ثلاث مادات : الأولى لتعبير من بلادي ( تسفير ) ثلاثة أنفار محركين الذين أحدهم الآن غير حاضر والاثنين عبد الوهاب الزياني وأحمد بن لاحج والمساعدة في ( خصوص ) الدواسر الذين شالوا من بلادي بنوع إهانة لحكومتي ، الثالث المساعدة اللازمة لمنع بقايا العشائر الباقين الذين سيخرجون من بلادي لمعاندة الطاعة . قد افتهمت عن الإصلاحات في البحرين بموجب أوامر الدولة البهية والذي سببها عدم نظام الحكومة في السابق ومن جملة الإصلاحات أطلب من فخامتكم أن تطلبون من الدولة البهية أن يفتكرون في مسألة الرخصة لي لإقامة قوة عسكرية لمحافظة الأمن في داخلية بلادي ولأجل شرف حكومتي. أما من طرف معاشات التقاعد ومعاشات بيت الخليفة عموما ً فأتعهد بأني لا أزيد عن المبلغ الذي يسير الآن إلا بمشاورة باليوز البحرين ورضا الدولة البهية . هذا ما لزم " .