نخلة 1النخلة ربما تكون الشجرة الوحيدة في منطقتنا التي صنفت فيها الكتب والموسوعات وأفردت معاجم خاصة بها، وذلك لأنها ارتبطت ارتباطا كبيرا بالشعوب منذ قديم الزمان، هي الشجرة الوحيدة التي يجب أن تخدم بالطريقة الصحيحة لكي يتمكن الفرد من الاستفادة منها، بقدر ما يخدمها الفرد تعطيه. لا نعلم بالتحديد منذ متى قدست النخلة من قبل الشعوب التي سكنت الخليج العربي إلا أننا نستطيع الجزم أنها كانت مقدسة، فنلاحظ كيف نقشت النخلة على الأختام الدلمونية ونلاحظ اسمها يتكرر في الأساطير السومرية، يقول مايكل رايس (رايس 2002م) إنه وفق تقاليد سومر فإن النخلة قد جلبت إلى أرضهم من الخليج للإكثار منها وقد نظر السومريون إليها باحترام نظر ا لجدب أرضهم وقد اعتبروها صهر النحاس إلا أن النخلة كانت الفائقة في تقديرهم إذ كانت مكرمة في الشعائر والأساطير. ففي ترنيمة للآلهة ننسينا تعلن فيها

عراقة مدينتها أيسين فهي أقدم حتى من دلمون فتقول «بيتي وجد قبل دلمون وكان طرازه من شجر النخيل».
«كانوا يدللون ملوكهم كما تدلل نخيل دلمون»
لم تكن النخلة مقدسة فقط كرمز بل كانت النخلة نفسها تقدس وتدلل كونها الشجرة الوحيدة التي تخدم بعناية فحتى التكاثر في النخيل يفضل أن يقوم به الإنسان حتى يكون المحصول مضمونا ووافرا، وربما كان منظر خدمة النخيل ورعايتها في دلمون مألوفا وهكذا خرج لنا هذا المثل السومري «كانوا يدللون ملوكهم كما تدلل نخيل دلمون» الذي يصور لنا كيف كان الدلمونيون يقدسون النخيل حتى أن كل نخلة كانت تدلل أي تعامل بصورة خاصة حتى ضرب بها المثل في كثرة التدليل وهناك قصائد سومرية يظهر لنا فيها هذا المثل جليا فهذا هو الملك شلجي الذي حكم سومر بين (2094 ق. م.- 2047 ق. م.) يسطر قصيدة يمدح فيها نفسه فيأتي في سياق الوصف: «أنت مدلل من قبل ناينيجالا كنخلة في أرض دلمون المقدسة».
الشجرة المقدسة عند الآشوريين
تم العثور على العديد من النقوشات التي تمثل شجرة مقدسة عند الآشوريين وقد أطلق عليها اسم «الشجرة المقدسة عند الآشوريين» ومن بين الرموز العديدة يبدو أن هذه الشجرة هي الأكثر نقاشا عند المؤرخين فعلى مدى أكثر من 150 عاما تم نقاش هذه الشجرة أو الرمز. في عام 2004م قدمت ماريانا جيوفينو أطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه والتي نشرت في عام 2007م في صورة كتاب (Giovino 2007). وقد ناقشت الباحثة جميع المراجع ما بين الأعوام (1849م – 2004م) التي درست ماهية هذه الشجرة المقدسة وقد تبين أن هناك ثلاثة آراء حولها والرأي الأكثر رواجا بين الباحثين هو أن هذه الشجرة هي النخلة, وأن بعض النقوشات التي عثر عليها توضح آلهة تقدس النخلة أو آلهة تقوم بعملية التلقيح الصناعي للنخلة.
تشريع القوانين للاهتمام بالنخيل
إن وجود قوانين تحث على الاهتمام بالنخيل يعتبر منطقيا وذلك لأنها شجرة مقدسة ومدللة فنقرأ في قائمة قوانين حمورابي القانونين رقم 64 و65 إذ يرجح غالبية المترجمين على أنها تنص على إجبار ضامن الأرض على الاعتناء بالنخيل وتلقيحها، وقد توارث شعب البحرين منذ القدم قوانين منظمة للري وزراعة النخيل وقد كان المزارعون في قرى البحرين المختلفة تطبقه حتى تم جمع مواد القانون ونشرها تحت مسمى قانون مياه النخيل الذي ناقشناه في فصل سابق، وتنص إحدى تلك القوانين وهو القانون رقم 20:
«شروط التلقيح وهو قطع الكرب اليابس على الضامن قطعه في أحد وقتين الأول بعد جمار النخيل بعد النبات ويجب على الضامن أن يترك دورا واحدا يابسا عن ضرر النخيل وفي الوقت الثاني في أول بشرة الرطب على أن يترك دورين أو ثلاثة وإذا ترك الضامن التلقيح في الوقتين المذكورين فللمالك الحق أن يؤجر على التلقيح وقطع الكرب اليابس من النخيل ويحسب المصرف على الضامن لأنه ملزوم به كشرط أساسي إلا إذا سمح عنه المالك».
قطع النخيل بمثابة تدمير للحضارة
على مر العصور لم يكن الشخص الذي يقطع نخلة متعمدا لينجو من العقاب فنقرأ في لائحة قوانين حمورابي القانون رقم 59 الذي يجبر الشخص الذي يقطع نخلة بدفع غرامة. وفي قانون شعب البحرين القديم الذي توارثه أهل قراها فإن القانون يعاقب على قطع «سعفة» واحدة إما بالحبس أو الغرامة ونجد التفصيل في القانون رقم 21:
«شروط قطع السعف اليابس يكون في أول طلوع الثريا أي وقت ابتداء موسم البارح وإذا سمح المالك بقطعه قبل ذلك فلا بأس على أن يقطع اليابس فقط ويترك الأخضر والوقت الثاني في نفاض إثمار النخيل فللضامن الحق في قطع السعف اليابس فقط وإذا تعدى وقطع سعفا أخضر يعاقب الضامن على قدر جرمه إما بحبس أو غرامة بحسب ما تراه المحكمة».
أما في حال سقوط نخلة فالقضية ليست بالسهلة فيجب أن تشكل لجنة تحقيق لتتقصى الحقائق ليتم التأكد هل سقطت النخلة من جراء نفسها؟ أي أن موتها طبيعي أو أنها قتلت أي اجتثت من أرضها وهي مازالت على قيد الحياة، هذا ما ينص عليه القانون رقم 22 من قانون مياه النخيل البحراني:
«النخلة الساقطة والميتة ليس للضامن فيها حق التصرف إلا بعد كشف المالك أو من يقوم مقامه وإذا عمل بخلاف ذلك فهو مسئول للمالك عن ثمن النخلة في ما لو كانت حية تثمر وإذا تعمد المالك عدم الحضور فللضامن حق التصرف»
النخلة كانت ثروة لا تقدر بثمن في الحضارات القديمة التي قامت في منطقتنا وبسقوطها تسقط الحضارة وهذا كلام غير مبالغ فيه، ويؤكد ذلك دانيال بوتس (Potts 2002) في كتابه عن النخلة إذ يستشهد بما وثق عن الملك الآشوري سرجون الثاني (721 ق. م. – 705 ق. م.) فبعد عودته منتصرا من حملة شنها على المناطق الجنوبية الغربية من إيران قال مفتخرا «قطعت نخيلهم التي يعتمدون عليها، ثروة منطقتهم»
أجزاء النخلة
هناك كم كبير من الأسماء التي تخص النخلة ولكل اسم عدد كبير أيضا من المترادفات ومعاجم اللغة تزخر بها ومن تلك المترادفات الأسماء المستخدمة في البحرين وشرق الجزيرة العربية خصوصا والخليج عموما وقد استخدمت هنا الأسماء العربية القريبة من لهجتنا وتركت الغريب منها، وقد اعتمدت في إثبات المصطلحات على كتاب النخلة للسجستاني (المتوفى 869م) والمخصص لابن سيده ولسان العرب لابن منظور.
1 – الجذع
الجذع أسطواني مستقيم لا يتفرع ويكون عادة ذا سمك واحد، وفي نهاية الجذع توجد أوراق خضراء وهي السعف والتي عادة ما تقطع بعد يباسها ولكن تبقى قواعد تلك السعف أي الكرب محيطة بالجذع ما يعطي الجذع الشكل المدرج. وعادة ما ينتهي الجذع ببرعم ضخم مستدير وهو منطقة نمو النخلة وهي التي تحتوي على الجذب (تسميه العامة الجدب). وتكون القمة مغلفة بالليف والذي يعمل بمثابة عازل يحمي القمة من تقلبات الجو.
2 – السعف
السعفة عبارة عن ورقة مركبة تتكون من قاعدة عريضة تسمى (كربة) وساق طويلة تسمى (جريدة) تنمو عليها وريقات تسمى (خوص) والمفرد (خوصة)، وينمو الخوص من قاعدة السعفة حتى نهايتها إلا أن الخوص الذي في قاعدة السعفة يكون صلبا ومدببا على شكل أشواك يسمى (السلاء) ومفردها (سلاءة) إلا أن العامة تسميه (سِلّا) والمفرد (سِلّاية). ويسمى الجزء السفلي من السعفة (بالقذف) وتسميه العامة (الگدف) أو (الگادوف)، ويطلق الاسم الأخير على السعفة كاملة أي من القاعدة حتى قمتها عندما يجرد عنها الخوص. والسعفة في بداية تكوينها تعرف محليا باسم (السِفّانة) وهي تؤكل من قبل البعض.
3 – الفسيلة والراكوب
تتكاثر النخلة خضريا وذلك بتكوين نخلة جديدة من أحد البراعم الطرفية التي تنمو بها، وهناك نوعان من النخيل الجديدة التي تتكون، الأول ويتكون من برعم طرفي قريب من قاعدة النخلة الأم وهو الأجود للتكاثر ويسمى الفسيلة الأرضية، وقد ينمو برعم أبطي وهو برعم يوجد في إبط السعفة أي عند الكربة من الداخل وينمو هذا البرعم ليصبح نخلة، وتكون مرتفعة عن قاعدة النخلة وهذا يسمى (راكوب) وتسميه العامة (الكاروب) وهو لا يصلح للإكثار. جاء في المخصص لابن سيده عن (الراكوب) :
«فإذا كانت الفسيلة في الجذع ولم تكن مستأرضة – أي متمكنة فهي خسيس النخل ويسمى الراكب، أبو حنيفة هي الراكوب والركوب واللاحقة ولا خير فيها، والركابة – الفسيلة تخرج في أعلى النخلة عند قمتها وربما خرجت في أصلها وإذا قلعت كان أفضل لأمها».
والحديث ذاته يروى عند العامة عن (الكاروب)، يقول الشايب (الشايب 2004م) في كتابه عن الأمثال المرتبطة بالنخلة في الإحساء في شرح المثل الشعبي «أگول له كاروب يگول فسيلة»:
«الكاروب هو ما ينمو من خلال جذع النخلة ولا يصلح أن يزرع أو يكون نخلة وبقاؤه يضر النخلة بينما الفسيلة تظهر من عند جذر النخلة».
4 – الأزهار
الأزهار هي أعضاء التكاثر في النخلة وهناك زهور مذكرة تسميها العامة (نبات) وبالعربية الفصحى تسمى (السَّف) وأخرى مؤنثة تسمى (الطلع) إذ إن النخيل ثنائية المسكن أي أن أعضاء التذكير أو الزهور المذكرة توجد على نبته مختلفة عن التي تنمو عليها أعضاء التأنيث، وتسمى تلك التي تحمل الزهور المذكرة (فحال) وتسمى تلك التي تحمل الأزهار المؤنثة (نخلة). وتكون الأزهار سواء المذكرة أو المؤنثة محاطة بغلاف خارجي بصورة تامة، ويسمى هذا الغلاف (الكافور) أو (القفور) وتسميه العامة (گروف).
5 – العذق والثمار
العذق هو ذلك الجزء من النخلة الذي يحمل الثمار أي أنه أعضاء التأنيث في النخلة بعد أن تنضج. ويتكون العذق من العود أو الساق الذي يربط العذق بالنخلة ويسمى (عرجون)، ويرتبط بالعرجون زوائد تحمل الثمار تسمى (شماريخ). ويسمى الجزء العلوي من الثمرة الذي يربطها بالشمراخ (القمع) وتلفظه العامة (گمع).
أما الثمار فلها عدة مسميات بحسب مراحل النمو:
أ – الحبابو أو الحبمبو
تعرف أول مرحلة من تكون الثمرة باسم (الحبابو) أو (الحبابوك) أو (الحبمبو) إذ تكون الثمرة كروية الشكل تقريبا وخضراء اللون، وهذه تسمية محلية ولا أعرف ما يقابلها بالعربية الفصحى إلا أنه في كتب اللغة عادة ما يعمم الاسم (خلال) على (الحبابو) في نهاية مرحلته ودخوله للمرحلة الثانية التي تتميز بتغير في الشكل والحجم، وهذه الألفاظ العامية مشهورة في الخليج عموما، وخاصة البحرين وشرق الجزيرة العربية وشط العرب وقد ارتبطت هذه التسميات بمثل شعبي مشهور هو «بعد ما رطبت ردت حبابو» أي بعد أن نضجت وتحولت لرطب عادت لتبدأ دورة حياتها من جديد ويضرب عادة في الشيخ الذي يتصابى أو يتشبب.
في نهاية فترة الحبابو وبداية مرحلة الخلال تتعرض الثمار لعديد من الآفات والحشرات فيتساقط على الأرض ويرطب أي ينضج ويتغير لونه للبني المسود ويعرف حينها باسم (الخمال) ويتم جمع الخمال وأكله وأحيانا يتم نظم الحبابو في خيط على شاكلة عقد ويؤكل.
ب – الخلال
وهي المرحلة الثانية إذ تكبر الثمرة وتبدأ بالشكل الكروي ثم تتحول تدريجيا للشكل البيضاوي تقريبا، ويبقى لون الثمرة في هذه المرحلة أخضر. وقد يتساقط الخلال ويرطب ويسمى أيضا حينها (خمال) ويؤكل.
ج – البسرة
وهي مرحلة تلون الثمرة فتكتسب اللون إما الأصفر (كبسرة البرحي والبرحي) أو الأحمر (كبسرة المواجي والخنيزي) أو الأشهل أي الأحمر المصفر (كبسرة الأشهل والحلاو) أو الأبيض (كبسرة الحلاو الأبيض). وبعض أنواع البسر تؤكل قبل أن ترطب كالبرحي والخنيزي.
د – الرطب
عملية نضج البسر تسمى ترطيب فيقال رطبت البسرة أي نضجت فتصبح لينة ويتغير لونها للبني.
هـ – التمر
هي الثمرة عندما يتم نضجها فيتغير لونها للأسود وتفقد جزءا من رطوبتها فتصبح جافة أو شبه جافة.
النخلة الشيصاء
عندما لا يتم تلقيح النخلة أو لا تلقح بصورة جيدة تنمو الأزهار غير الملقحة لتتحول لثمرة لكنها لا تحتوي على بذور، وعادة ما تكون هناك ثلاث ثمرات ملتصقة في قمع واحد، تعرف حينها هذه الثمار باسم (الشيص) وهي تمر بمراحل الثمرة الطبيعية نفسها لكن طعمها ليس جيدا. وفي اللغة الفصحى يقال أشاصت أو شيصت النخلة أي أثمرت الشيص والعامة تقول (نخلة مشيصة) و(شيصت النخلة).

 

الجزء الثاني
العمليات الزراعية التي تتطلبها النخلة
تتميز النخيل عن باقي الأشجار بالعمليات الزراعية التي تتطلبها والتي تعتبر ضرورية لنمو وإثمار النخيل وتحتاج هذه العمليات للمهارة والدقة من حيث الأداء وكذلك الدقة في التوقيت وقد ارتبطت هذه العمليات بمسميات ومصطلحات وأوقات معينة يجب أن تجرى فيها، كل هذا الكم من المعلومات أدى لتكون ثقافة خاصة بالنخلة. وحتى يقوم الفلاح بتلك العمليات فإنه بحاجة لأداتين مهمتين هما الكر والمنجل، إما المنجل فهو أداة حادة تستخدم للقطع وإما (الكر) فهو عبارة عن حبل متين يصنع من ليف النخيل أشبه بالحزام له جزء عريض ليّن يسند به الفلاح ظهره وقد عرفته العرب منذ القدم باسم (الكر) جاء في لسان العرب:
«الكَرُّ: حَبْلٌ يُصعَد به على النَّخْل، وَجَمْعُه كُرورٌ، وقال أبو عُبَيْد: لا يُسمَّى بذلك غَيْرُه من الحِبال. قال الأَزْهَرِيّ: وهكذا سَماعي من العرب في الكَرِّ. ويُسوَّى من حُرِّ اللِّيف».
أما العمليات الزراعية التي تتطلبها النخلة فهي الترويس والتنبيت والتحدير والخفاف والخراف والنفاض والصرام والتغليق، وتفصيل تلك العمليات كالتالي:
1 – الترويس
وهي عملية تقليم تجرى لإزالة السلاء من السعف لأنها حادة وتكون أحيانا كثيفة بحيث تمنع الوصول للأزهار أو الثمار. وتتم عملية الترويس في بداية الموسم وقبل إجراء عملية التلقيح، ويتم إزالة الأشواك باستخدام المنجل حيث يبدأ الفلاح بإزالة شريحة رفيعة من السعف تشمل السلاء من كلا جانبي السعفة مبتدئا من أعلى السعفة عند بداية السلاء ووصولا حتى قاعدة السعفة. وتشمل عملية الترويس إزالة ما قد يوجد من السعف الجاف أو العذوق اليابسة.
2 – التنبيت
اشتقت كلمة تنبيت من اسم (نبات) وهو الاسم العامي للأزهار المذكرة للنخلة أما الاسم العربي الفصيح للزهور المذكرة للنخلة فهو (السف)، وتسمي العامة حبوب اللقاح (الگُمح) أو (القُمح). ويقصد بالتنبيت عملية التلقيح الصناعي للنخلة أي نقل حبوب اللقاح من (النبات) أو (السف) أي الزهور المذكرة التي توجد في الفحال إلى (الطلع) أي الزهور المؤنثة التي توجد في النخلة. بالطبع يمكن أن يتم التلقيح طبيعيا بواسطة الرياح التي تحمل حبوب اللقاح الجافة الخفيفة من الذكور إلى الإناث القريبة منها، إلا أنه يراعى في هذه الحالة توفر عدد من الذكور مساويا لعدد الإناث أو بأقل تقدير نصف عدد الإناث بالإضافة لتوزيعها بصورة إستراتيجية بين النخيل، لذلك يعتبر التلقيح الطبيعي غير اقتصادي، وبما أن النجاح التام في إنتاج المحصول يتوقف على عملية التلقيح وإتمام الإخصاب فقد فطن الفلاح منذ زمن قديم لعملية التلقيح الصناعي، ولا نعلم بالتحديد متى بدأ ذلك، هناك زعم بوجود نقوشات آشورية توضح عملية التلقيح الصناعي إلا أن هناك آراء مضادة لها، وبالرجوع لكتاب ماريانا جيوفينو (Giovino 2007) فإن أقدم ذكر واضح لعملية التلقيح الصناعي ذكره الكتاب اليونانيين هيرودتس وثيوفراستوس وبليني وهي نفس الطرق التي تمارس حاليا.
وتتم عملية التلقيح الصناعي بعد تفتح طلع النخيل وخروج الشماريخ من غلافها حيث ينشق الكافور عنها ويكون ذلك في شهري فبراير/ شباط ومارس/ آذار بحسب الصنف حيث أن هناك أصناف مبكرة وأخرى متوسطة وأخرى متأخرة. ويمكننا تقسيم عملية التنبيت لقسمين: تحضير دقيق حبوب اللقاح وعملية التلقيح نفسها.
أ – تحضير دقيق حبوب اللقاح
يلجأ الفلاح في غالبية الأحيان لجمع حبوب اللقاح في إناء ضخم يكون بمثابة المخزن وذلك ليسهل عملية استعماله وكذلك ليتم تخزينه لتلقيح النخيل التي تتفتح أزهارها متأخرة. وفي سبيل جمع حبوب اللقاح يقوم الفلاح بقطع الزهور المذكرة أي السف في بداية تفتحها حيث ينشق عنها الكافور ويفضل أن تترك لفترة لتجف ولكن ليس في الشمس وبعدها يأخذ الفلاح (السف) ويزيل عنه الكافور بحيث تبقى شماريخ السف كلها متصلة بالقاعدة، بعدها يقوم بهز هذه الشماريخ داخل إناء فخاري والضرب عليه بمنجل أو قطعة من الخشب لكي تنزل حبوب اللقاح كلها، وبذلك تجمع حبوب اللقاح والتي تبدو داخل الإناء كالدقيق ذات لون أصفر شمعي، ويعرف محليا باسم (القمح).
ب – عملية التلقيح
يفضل أن تتم عملية التلقيح خلال 2 – 10 أيام بعد تفتح طلع النخلة، ولإجراء عملية التلقيح يقوم الفلاح بوضع قليل من حبوب اللقاح في قطعة قماش رقيقة ومسامية وتلف أطراف قطعة القماش حول قطعة من الخشب أو جريد النخيل بحيث يكون جزء منها ممتد حتى نهاية القماش ثم يربط القماش بإحكام حول قطعة الخشب فتكون حبوب اللقاح داخل القماش وتسمى هذه (صرار) أي صرة، وعندما يريد الفلاح تلقيح النخلة يأخذ هذه الصرة ويضرب بها الأزهار المؤنثة فتنطلق حبوب اللقاح متطايرة على شكل غبار لتستقر على الأزهار المؤنثة ثم تؤخذ 3 – 4 شماريخ من تلك التي سبق وأخذ منها حبوب اللقاح وتربط مع الأزهار المؤنثة باستخدام خوص النخيل بحيث تكون الشماريخ في وسط طلعة النخلة.
عندما يكون الفلاح يمتلك عدد بسيط من النخيل وتكون هناك كميات كافية من (السف) متوفرة يقوم الفلاح بأخذ عدد من شماريخ السف ويهزها على طلعة النخلة حيث تنطلق حبوب اللقاح كالغبار ثم يقوم الفلاح بربط هذه الشماريخ مع طلعة النخلة بخوص النخيل وذلك ليضمن تلقيح كل أزهار النخلة. يذكر الشايب في كتابه مثل شعبي يجمع بين (النبات) و(القمح) وهو «حط نبات ولا قُمح» وهو يقال في حالة الحث على إنجاح الشيء بتزويده بلوازمه مثلما تحتاج عملية تلقيح النخلة إما لجزء من النبات أو بنثر دقيق القمح.
3 – التحدير
في هذه العملية يقوم الفلاح بتدلية عذوق النخلة إلى الأسفل وتثبيتها وذلك بربطها في السعف، وتتم العملية بثني عرجون العذق ويقوسه بصورة بسيطة بحيث تصبح الشماريخ في كتلة واحدة أسفل سعف أي إلى آخر خط من السعف بعدها يربط العرجون بسعفة في الصف الأخير أو ما قبل الأخير من السعف وتبقى الشماريخ كلها متدلية بموازاة القمة، كذلك توزع العذوق على مسافات منتظمة مكونة حلقة تحيط بقمة النخلة، بذلك تبقى العذوق مدلاة ثابتة لا تتحرك بسهولة مع الرياح. وتعتبر هذه العملية مهمة فعندما يتم العقد وتبدأ الثمار في النمو ويكبر حجمها تصبح شماريخ العذق ثقيلة وتتدلى ولاسيما أن قاعدة العذق أو العرجون تكون قائمة منتصبة إلى أعلى وبذلك تكون الشماريخ الثقيلة سائبة تتلاعب بها الرياح وقد يؤدي ذلك لانكسارها، كما أن بقاء العذوق بدون تثبيت يجعل الشماريخ مبعثرة وسط القمة النامية للنخلة بين السعف والكرب. وتتم عملية التحدير بعد شهرين من التلقيح تقريبا أي في مرحلة الخلال في الشهرين أبريل/ نيسان ومايو/ أيار.
4 – الخفاف
الخفاف أو الخف هي عملية مصاحبة لعملية التحدير ففي نفس الوقت الذي تتم فيه عملية التحدير تتم أيضا عملية الخفاف والتي يتم فيها التخفيف من ثمار النخلة، ففي أحيان كثيرة تكون ثمار النخلة غزيرة جدا لدرجة يخشى على النخلة من ثقل الثمار أو إجهادها فتكون قليلة الإثمار في السنة القادمة لذلك يقوم الفلاح بتخفيف ثمار النخلة وذلك بقطع بعض العذوق خاصة الضعيفة منها وكذلك يتم قطع ما قد يكون مصابا أو مكسورا والتي لا يرجى منها ثمر. تتيح عملية الخف كذلك للنخلة أن تعطي ثمار كبيرة وجيدة النوعية لأن الغذاء سيوزع على عدد أقل من الثمار.
5 – الخراف والنفاض والصرام
هي ثلاث عمليات لجمع ثمار النخلة عندما ينضج أي عندما يصبح البسر رطبا وثلاث العمليات وردت بنفس الاسم في معاجم اللغة العربية. فأما الخراف فهي عملية جني الرطب الطازج وذلك بتسلق النخلة وقطف الرطب، وعادة ما يجمع الرطب في وعاء يسمى المخرفة (ذكرت في المعاجم العربية باسم المخرف) وهي سلة ذات ثقوب كبيرة مصنوعة من عراجين العذوق. وأما النفاض فهو أن يوضع العذق وهو مثبت في النخلة داخل سلة كبيرة تسمى منفاض (ذكر في المعاجم باسم منفض) ثم يهز العذق بقوة (أي ينفض) فتتساقط الثمار داخل المنفاض. وأما الصرام فهي عملية قطع عذوق النخلة قبل أن يكتمل نضج كل الثمار فيها.
الجدير بالذكر أن ليس كل النخيل ينضج ثمارها في وقت واحد فهناك أصناف من النخيل تعرف باسم المبكرة وهي التي تنضج ثمارها بداية الموسم أي في شهري يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز ومن تلك الأصناف المبكرة المشهورة المواجي. وهناك أصناف متوسطة تنضج في أغسطس/ آب كالمرزبان مثلا، وهناك أصناف متأخرة تنضج في الشهور اللاحقة ومن تلك الأصناف خصبة العصفور الذي يبدأ تسويقه خلال شهري سبتمبر/ أيلول وأكتوبر/ تشرين الأول وقد يستمر حتى شهري نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول بحسب الظروف.
5 – التغليق
وهي عملية تقليم النخلة في نهاية الموسم حيث يتم إزالة العذوق الجافة المتبقية بعد إزالة الثمار منها وكذلك إزالة السعف الجاف وكذلك كرب السعف المتبقية بعد أن قطعت السعف عنها وذلك خلال عمليات الترويس والتحدير.
إنضاج الثمار صناعيا
وهي طرق قد يلجأ لها بعض المزارعين لإنضاج الثمار صناعيا وذلك لاستباق الموسم والحصول على أسعار أعلى، ومن أهم تلك الطرق المتبعة في إنضاج الثمار هي التشديخ والذبال والخمال.
أ – التشديخ
تجمع ثمار النخيل بعد أن يتغير لونها أي تتحول لبسر وتنشر على حصير أو سمة ثم تضرب بسعف النخيل بعد تقطيع خوص السعف إلى شرائط ويتواصل ضرب الثمار حتى يجرح سطحها بصورة خفيفة ويترك في الشمس لفترة ثم يجمع في أكياس مصنوعة من الليف (خياش) ويدفن في الأرض المكشوفة الحارة ويستخرج في اليوم التالي، إلا أن البسر الذي ينضج بهذه الطريقة تكون حلاوته قليلة لأن النضج الطبيعي يكون مصاحبا له تغيرات كيميائية تزيد من نسبة السكريات التي تعطي الرطب طعما أكثر حلاوة. ومن الأنواع التي تنضج بهذه الطريقة هو المواجي وهو من الأصناف المبكرة التي تنضج في أول الموسم.
ب – الذبال
وفي هذه الطريقة تجمع الثمار وتنشر فوق الحصير أو السمة تحت أشعة الشمس لمدة يومين حتى ينضج ويصبح رطبا وتتبع هذه الطريقة مع صنف الخنيزي.
ج – الخمال
وفي هذه الطريقة تغمر الثمار في إناء بالماء المغلي المضاف له الملح ويحكم غلق الإناء حتى اليوم التالي تصبح بعدها الثمار ناضجة، إلا أن هذه الطريقة غير شائعة حاليا وربما تركت كليا وذلك أنها قد تؤدي إلى تلوث الثمار وأحيانا تعفنها بسرعة. ومن الأصناف التي كانت تنضج بهذه الطريقة الخنيزي.
صناعة التمر
تتم عملية تحول الرطب إلى تمر بصورة طبيعية إذا تركت على النخلة ولم تقطف إلا أن الظروف الجوية تلعب دورا مهما في سرعة التحول وفي نوعية التمر المتكون حيث يتطلب الأمر جوا حارا جافا لإتمام عملية التحول إما الجو الرطب فيتسبب في تلف الرطب وتعفنها وتساقطها وعليه كان لابد على الفلاح أن يتدخل ليضمن الحصول على تمر ذي جودة عالية. فيقوم الفلاح بجمع الرطب المكتمل النضج وينشره في مكان خاص على بساط خاص والطريقة ذاتها معروفة منذ القدم فالألفاظ المحلية ذاتها وردت في معاجم اللغة. أما البساط فيسمى (السمة) وهي حصير ضخمة مصنوعة من الخوص وكذلك العرب استخدموا البساط ذاته بنفس الاسم أما المكان الذي يجمع فيه الرطب فقد كانت تسميه العرب في هجر والبحرين باسم (الفداء) وهو تسمية خاصة بقبيلة عبد قيس، وقد بقيت الكلمة ذاتها أي الفداء ليومنا هذا إلا أن العامة تنطقها بالتخفيف فتقول (الفدى). وللفداء أسماء أخرى يعرف بها في مناطق مختلفة من الخليج العربي. ويتم نشر الرطب على السمة بطبقة خفيفة بحيث لا يتكدس على بعضه البعض. وقديما كان الرطب الذي يتمر يجمع في أوعية مصموعة من خوص النخيل تسمى الگلة أي الجلة والكبيرة تسمى (الخصفة) وكلا التسميتين المحليتين وردت في كتب اللغة وتم تخصيص الاسم (خصفة) بمنطقة البحرين فقط وعبارة المخصص لابن سيده هي « والخصف: الجلال البحرانية واحدتها خصفة أبوحنيفة الخصفة: الجلة العظيمة التي تكون عدلا والجمع خصاف». وتأتي كلمة خصفة عند العامة بنفس معنى السمة أي الحصير الكبير وهي كذلك في الفصحى أيضا.
المنامة – حسين محمد حسين

نخلة 1

 

نخلة 2

 

نخلة 3

 

نخلة 4