الطيار الاريطاليطيار إيطالي يقصف مصنع التكرير بسترة – ميوتي.. بين الفاشية والفساد الشخصي 1-2
دوّن الباحث البحريني حمد عبدالله حياة القائد العسكري الإيطالي إيتوري ميوتي، منطلقاً من صلته بتاريخ البحرين الحديث، حيث قاد الرجل سرباً جوياً لقصف مصفاة النفط في البحرين العام ,1940 مع بداية الحرب العالمية الثانية. وباختلاف عن روايات سابقة، فلقد وضع الباحث تلك الحادثة البحرينية ضمن سياق حياة ميوتي الحافلة، بحيث بدت أكثر واقعية ضمن مسيرته الشخصية التي ترافقت مع التطرف والصخب والإنجازات العسكرية الفردية.

وتشكل الدراسة مدخلاً مناسباً للإطلال على ما يحدث حين ترتبط القدرات الذاتية مع المبادئ المتطرفة والحكم الشمولي. لقد أبدى ميوتي منذ بواكير حياته قدرات ذاتية لم الطيار الايطالي 1تخل من شراسة بالطبع وتوجه للقيادة قد يصل أحياناً إلى حد التسلط. وقادته طباعه تلك، وسط وجود نقمة شعبية إيطالية إزاء تراجع مكانة إيطالية مقارنة مع دول أوروبا حينذاك، إلى الولع بالجهد العسكري كطريق لاستعادة مجد قديم لبلده. وهكذا انهمك وحتى قبل أن يبلغ السن القانونية للانخراط بالجهد العسكري في محاولات للالتحاق بالجندية. ومنذ نجاحه في ذلك كرس حياته لتحقيق إنجازات فردية بارزة، ولكنها ارتبطت بمجهود الجيش الإيطالي المتواضع مقارنة بدول أوروبية أخرى كبريطانيا مثلاً. وترافق ذلك مع رغبة جهات متطرفة إيطالية لنيل نصيب في مجال الاستعمار أسوة مع الدول الأوروبية الأخرى. وتمثلت أبرز جهودها في محاولة استعمار ليبيا أولاً مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وغزو أثيوبيا بنهايات العقد الرابع. وانتهت المحاولتان إلى كوارث ليس فقط على شعبي البلدين وإنما أيضاً على الطغمة العسكرية الإيطالية، التي أدت بها تحالفاتها الدولية إلى الهزيمة العسكرية في الحرب الثانية والانسحاب من البلدين.
ووسط تلك الأجواء المكفهرة عاش أيتوري ميوتي ومات. سطع نجمه بجهوده الذاتية وقدراته الفردية، وهوى طالعه بسبب المبادئ الفاشية التي التزم بها، والفئة السياسية التي اتخذها قيادة له.
ولد إيتوري ميوتي في 22 مايو/ أيار 1902 وفي 24 أغسطس/ آب 1943 أطلق النار عليه وأردي قتيلاً. وبين ولادته ومقتله عاش حياة صاخبة، تضج بالأحداث في فترة هي من أكثر الفترات اكتظاظا بالأحداث بالتاريخ الأوروبي وهي فترة الحربين العالميتين والثورة الروسية والانهيار الاقتصادي. ووسط تلك المتغيرات قام ميوتي ومجموعة من طيارين إيطاليين بمحاولة أسطورية لقصف مصفاة النفط في البحرين، مسجلاً في حينه رقماً قياسياً من التحليق دون توقف. ولكنها كانت محاولة بائسة، حققت القليل من النتائج الفعلية.
العراقة وتواضع العيش والسادية
ولد ميوتي في عائلة عريقة وتنتسب للبابا بينيدكتوس الأول (575-579) والبابا سيفرينوس (بدأ عهده وانتهى العام 640). إلا أن عائلة ميوتي المباشرة كانت متواضعة الحال، حيث إن والده كان موظفاً حكومياً بسيطة. ومنذ طفولته سلك ميوتي حياة عاصية لوالديه، لم تخل من محاولات عدة للفرار ومحاولة انتقاله للجيش متجاوزاً متطلبات الحد الأدنى من العمر.
وكانت الحياة العسكرية قد طبعت حياته منذ الصغر وكان للمعسكر القريب من محلته الأثر الكبير في ذلك.
كره النظام المدرسي واتباع الأنظمة والقوانين وأوامر المدرسين. وترافق ذلك مع تبنيه تصرفات عدوانية تجاه من كانوا بعمره، وقسوة مميزة حتى على الحيوانات التي كان يصطادها ويتفنن في تعذيبها حتى إزهاق روحها.
شبّ الولد في فترة عصيبة في تاريخ إيطاليا إذ كانت تعيش تمزقاً بين ماض عريق وحاضر بدا حينذاك أنه لا يليق بها وبالذات مقارنة بالدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا التي كانت قد تمكنت من التقدم الصناعي وتحقيق مكانة اقتصادية، وقامت بفتوح تمكنت من خلالها من إقامة إمبراطورية عالمية.
ساد النظام الملكي في إيطاليا. وشهد العقد الثاني من القرن العشرين تزايد الروح العسكرية والأفكار التي تمجّد الحروب وترى فيها معابر لصنع التاريخ من خلالها. وانتشرت بإيطاليا تيارات اشتراكية وقومية متطرفة في ظل أوضاع اقتصادية قلقة. وقد أدى ذلك بها إلى محاولة الاستفادة من فترة ضعف الدولة العثمانية التي كانت تعيش آخر أيامها حينئذ. أقدمت إيطاليا على احتلال ليبيا في واحدة من أكثر الحملات العسكرية قساوة والتي واجهت مقاومة محلية ضارية. ولكن التقدم التقني الإيطالي النسبي مقارنة مع التخلف العثماني كان حاسماً في الأمر وسقطت ليبيا بين العامين 1911 و.1912
طبول الحرب
دفعت التيارات المتطرفة إيطاليا دفعاً نحو الحرب العالمية الأولى في صف دول التحالف بمواجهة دول المحور، وأوقعت تلك الحرب بالإيطاليين خسائر فادحة وانتهت بهم إلى مرارة كبيرة بسبب تجاهل فرنسا وبريطانيا حين اقتسام المغانم لاحقاً.
وسط تلك الأجواء كان ميوتي يحاول الالتحاق بالجهد العسكري متجاوزاً شرط السن وبعد محاولة فاشلة تمكن من تزوير أوراق لصديقه، مكنته من الالتحاق بالجندية وليبدأ حياة أسطورية أحلته محل الإعجاب بين أوساط الشعب الإيطالي رغم أنها أدت إلى حتفه.
كانت الخسائر الإيطالية تتعاظم في الحرب ووقع 200 ألف أسير من جنودها بيد القوات المعادية العام ,1917 مما أدى إلى تغييرات في القيادة الإيطالية، فعين الجنرال آرماندو دياز بدل لويجي كادورونا كقائد أعلى للقوات المسلحة الإيطالية الملكية.
أرادت القيادة الجديدة اختصار الطريق بتأسيس فرقة عسكرية فدائية عرفت بالآرديتي لتعمل بطرق مختلفة وتحقق خسائر فادحة بالعدو. وتقدم إيتوري بطلب الانضمام لتلك القوة رغم صغر سنه. وشارك في عملية سرية كبيرة جرى الإعداد لها لمهاجمة الجيش النمساوي. ولكن الجيش النمساوي كان عالماً بذلك وبين 800 مجند إيطالي بتلك المهمة قتل 778 ونجا الباقون بفضل قيادة ميوتي لهم. ورغم أن القيادة الإيطالية أرادت تحويل الهزيمة إلى نصر للقوة المنسحبة إلا أن تردد إيتوري باستلام وسام له، أوقع القيادة في شكوك حوله، انتهت باكتشافها لعملية التزوير وإعادة الشاب إلى قريته رافينا.
وبالطبع كان ذلك مقدمة لسطوع نجم إيتوري بين الناس الذي بات يمثل ما يشبه القدوة.
الفاشية: خيار بدل الشيوعية
بنهاية الحرب العام 1918 وقعت إيطالياً وسط اضطراب داخلي واسع فاقم منه سقوط روسيا تحت الحكم الشيوعي، وبروز تيارات داخلية بإيطاليا مشابهة، مما أوقع الخوف من انتقال العدوى إليها. وتأسس الحزب الشيوعي الإيطالي العام .1921 وفاقم من الوضع كشف شيوعيو روسيا عن اتفاق فرنسي بريطاني عرف باتفاق سياكس بيكو لاقتسام تركة الدولة العثمانية بالشرق الأوسط بتجاهل تام لإيطاليا. وأصبحت إيطاليا تمور بحركات أوقعت الذعر في قلوب الدول الأوروبية لخوفها من حدوث ما لا تريد رؤيته بروما.
ووسط تلك الأجواء تأسس الحزب الفاشي العام 1919 برئاسة الصحافي بنيتو موسوليني، الذي اتخذ شعار مجموعة عصى بإشارة للقوة الناتجة من التجمع مقارنة بالضعف المؤكد حين التفرق. ووجد الحزب ضالته في أعداد المجندين الإيطاليين العائدين من الحرب. ومن أولئك كان ميوتي الذي انضم للحزب وارتدى قميصه الأسود العام .1919
ورغب ميوتي في مقابلة موسوليني وتم له ذلك بسرعة بسبب الشهرة التي كان قد حظي بها الشاب، وحين التقى الاثنان استمع موسوليني باهتمام لمغامراته أيام العسكرية، وتناول معه العشاء واهتم به وأوصى بذلك إلى درجة سريان إشاعة بأن ميوتي هو الابن غير الشرعي لموسوليني.
كان الأوروبيين يراقبون ما يحدث بإيطاليا وباتوا قلقين جداً من وقوعها بأيدي الاشتراكيين أو الشيوعيين، ولم يجدوا بالمقابل في القوى الليبرالية قدرة على الوقوف بوجه تلك التيارات. حينها برز الحزب الفاشي كأحد الخيارات المتاحة. وفي العام 1922 اجتمع موسولينيني بالسفير الأميركي بإيطاليا ريتشارد واشبورن تشايلد فسأله الرأي إذا ما تمكن الحزب الفاشي عن طريق القوة من إعادة ترتيب الحكومة الإيطالية، فأبدى السفير دعمه التام وتأييده لموسوليني.
بعدها دعا موسوليني لمهرجان حاشد للاستيلاء على السلطة لم يتمكن إيتوري من المشاركة فيه لانشغاله بمعارك حزبية محلية ببلدته رافينا. أدت دعوة موسوليني إلى حسم الموقف السياسي لصالحه، واضطر الملك إيمانويل الثالث إلى تكليفه بتشكيل الحكومة، وهو خيار بدا حينها للملك أهون من القبول بالأحزاب الاشتراكية والشيوعية التي وضعت على أجندتها إسقاط الملكية بإيطاليا.
ميوتي والفاشية
عند اعتلائه السلطة أنشأ موسوليني مليشيا حكومية عرفت بميليشيا متطوعي الأمن الوطني. وسرعان ما التحق ميوتي بها ليرقيه قادة الحزب، وهو لم يزل في الواحدة والعشرين من عمره لمهمة إدارة الفيلق الفاشي رقم .81 وبالتوازي مع السلطات التي حصل عليها كان الفتى يعيش حياة بذخ واقتنى سيارة زرقاء باهضة الثمن سحرت الشباب من الجنسين. وانهالت على ميوتي جميلات إيطاليا والمقبلات على الزواج اللائي أعجبن بشخصيته المغامرة. وانغمس ميوتي بحياة من اللهو والشهوات.
وبالدولة المركزية كانت الفاشية تستولي على حريات الشعب الإيطالية تحت غطاء من الشرعية الدستورية، مما أوجد أجواء من النقمة في أوساط سياسيين وصحافيين وكتاب وأدباء فقاموا بتحذير الشعب مما يجري. ومن بين أولئك صحافي إيطالي هو جيوفاني أمندولا الذي وصف النظام الفاشي بالشمولية وكان أول استخدام لهذا المصطلح العام .1923
ومن بين المعارضين وقف السياسي الاشتراكي جياكومو ماتيوتي بنشر كتاب: ”فضح الفاشية”، فقامت مجموعة من أعضاء الحزب الفاشي بخطفه وقتله العام .1924 وأدى ذلك إلى تفشي السخط بأوساط الناخبين الإيطاليين. قذف ذلك الرعب بقلب موسوليني، إلا أن متشددين بالحزب الفاشي ضغطوا عليه للسير قدماً في تمكين الحزب الفاشي من السيطرة على إيطاليا. وسار الزعيم الفاشي قدماً بذلك متعهداً منذ 1925 بنيته سحق معارضيه.
وسط تلك السيطرة ازدادت أدوار ميوتي وتنامى سطوع نجمه. وجرت محاولة اغتيال له كادت أن تودي بحياته. وفي الوقت ذاته جرت ثلاث محاولات لاغتيال موسوليني.
العام 1929 نقلت السلطات المركزية ميوتي إلى روما، لينغمس مجدداً في مزيج بين الإنجازات الحزبية والملذات الفردية بعلاقاته مع كبار شخصيات الدولة وأشهر نساء إيطاليا. وقد تطلبت تلك حفلاته أموالا طائلة اقترضها من البنوك ومن زملائه. ودأب حين يرتاد الأوبرا على إزعاج من حوله بصوته الجهوري، وسط عجز أصحاب دار الأوبرا، بسبب علاقاته الحزبية. كان يقاطع المغنيين ومقدمي الحفلات، ليهوي بعدها على كرسيه مخموراً نائما وضجراً من أداء مغني الأوبرا التي لا يفهمها.
حروب إيطاليا
إثر محاولتين فاشلتين لاحتلال إثيوبيا العامين 1895 و1896 أعلنت إيطاليا الحرب عليها العام 1935 بهدف استعمارها عبر تأسيس مستوطنات بها. وتطوع ميوتي للقتال هناك، سعياً وراء مزيد من الإنجازات والنياشين. كان حينها قد أصبح طياراً يشارك بقصف قوات الدفاع الإثيوبية بأسلحتها البدائية. ومرة أخرى يقوم ميوتي بعمليات جاذبة للأنظار، إذ أنه وبعد مهام رتيبة كلف بها، قام بمبادرة ذاتية بالتحليق في سماء العاصمة الإثيوبية أديس أبابا باثاً الرعب وسط السكان البسطاء، ومنتزعاً الإعجاب من المحيطين به، وقد وصلت أخباره لموسوليني شخصياً. وانتهت الحرب بانتصار إيطالي وقتل من السكان 200 ألف في فترة ثمانية أشهر.
وعاد نجم ميوتي يسطع وسط الحرب الأهلية الإسبانية بين الشيوعيين وقوات الجنرال فرنسيسكو فرانكو بعد زحف الأخير على العاصمة العام .1936 اقتدت إيطاليا الفاشية بألمانيا النازية وأرسلت 50 ألف جندي و80 طائرة وعتاداً عسكرياً. وشارك ميوتي في عمليات قصف واسعة ضد الجمهوريين كانت مؤثرة عليهم لدرجة أنهم أعلنوا عن مكافأة مالية لمن يلقي القبض عليه حياً أو ميتاً. وبانتصار قوات فرانكو حصل من الحكومة الإيطالية على عديد من الأوسمة بينها وسامين ذهبيين وخمسة أوسمة فضية.
النهاية
ارتبطت نهاية ميوتي بنهاية النظام الفاشي بإيطاليا. فلقد دخلت إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا وتكبدت خسائر كبيرة. ووسط الحملات العسكرية التي قامت بها القوات العسكرية الإيطالية، كان ميوتي يقوم بمهماته الجوية. وبين نوفمبر/ تشرين الثاني 1940 وحتى يناير/ كانون الثاني ,1941 شملت غاراته الجوية 36 طلعة جوية. ولكن إيطاليا بدأت تواجه عدة انكسارات حربية بنتاج إقحام موسوليني لها في حرب منطلقاً من تملكه لمقدرات السلطــــة بها. ووسط أجــــواء التشـــاؤم تلك، تمـــت ترقية ميوتي إلى رتبة مقدم. وتبنى سياسة القصف العشوائي للأهداف العسكرية ملحقاً خســــائر فادحة بالمدنيين. ومع ذلك لم يمنع هو أو قيادته العسكرية بلدهمــــا من التردي في مهاوي الهزائـــم.
وبدا بيونيو/ حزيران 1943 أن إيطاليا على وشك أن تخسر جميع مستعمراتها. وعندئذ بدأ الكثير من قادة الحزب الفاشي يتساءلون عن مدى كفاءة موسوليني بل ويفكرون بالانقلاب عليه. وشكل سقوط جزيرة صقلية بأيدي الحلفاء الحادث الفارق الذي اتجه بعده سياسيو المجلس الفاشي الأعلى للملك طالبين منه عزل موسوليني، وهو ما تم. وعاد بعدها موسوليني على يد القوات الألمانية، ولكن ذلك لم يكن ليغير في مسار الأحداث التي انتهت إلى قيام الحكومة الإيطالية بمحاولة التخلص من كل الفاشيين. وكان ميوتي على رأس من تخوفت الدولة من إمكان قيامه بالعمل لعودة الفاشية، فدُبّر له أمر بالاعتقال تلاه افتعال معركة أدت لإطلاق النار عليه ومقتله العام .1943 ولقد حزن موسوليني حين سماعه الخبر إلى درجة أنه انخرط في بكاء استمر لساعات عدة.
ولقد حظي ميوتي بسبب حياته الحافلة وإنجازاته العسكرية بمكانة خاصة في أوساط الشعب الإيطالي، وبات رمزاً لمقاومة قوات التحالف. بل وحظي جثمانه بتكريم إذ نقل إلى قريته وأعيد دفنه وسط مراسم تكريم حضرها الآلاف، وأصبح مزاراً يلتقي عنده سنوياً اتباع الفاشية الجدد.

 

الجزء الثاني

أفرد الباحث حمد عبدالله قسماً أساساً من كتابه عن حياة الطيار الإيطالي إيتوري ميوتي لتجربته في قيادة سرب طائرات للبحرين وقصفه لمصفاة سترة للبترول. كانت أزمات إيطاليا، وسيطرة الحزب الفاشي عليها تدفعها دفعاً نحو المشاركة في الحرب العالمية الثانية. كانت ألمانيا دولة أوروبية أخرى يحكمها نظام شمولي شبيه، وكانت الدولتان قد دخلتا في أعمال عسكرية مشتركة كما في الحرب الأهلية الإسبانية. وكانتا تشتركان بالشعور بالمرارة من نتائج الحرب العالمية الأولى والطريقة التي تصرف بها المنتصرون حين استحوذت فرنسا وبريطانيا على الغنائم تاركة دولا أخرى محرومة منها.
كانت قطاعات واسعة من الشعب الإيطالي بنحو خاص يستحثها شعور بأن لبلادهم تاريخ عريق أيام الدولة الرومانية، ودور هام لعبوه في الحضارة العالمية، ولكن ذلك الحضور كان ضامراً في القرن التاسع عشر والعشرين. وأن ذلك يعود بشكل أساس لتحكم دول إمبريالية حرمت إيطاليا من حق مشروع لها بحكم التاريخ والحاضر. وكانت تلك القطاعات تشكل موقعاً ومتجهاً للأحزاب القومية المتطرفة مثل الحزب الفاشي. كما أن تلك المشاعر هي التي ساقت إيطاليا للانجرار إلى مغامرات استعمارية فاشلة لطخت يد ساستها بالدماء، وجعلت منهم زعماء مكروهون بالعالم. وكانت غزوتيها لليبيا العام 1911 وإثيوبيا العام 1935 أبرز تلك التجارب.
تكمن قراءة الكتاب من عدة جوانب، أحدها هو رؤية ماذا يفرز المجتمع المعبأ بشعور صحيح أو متصور من وجود ظلم واقع من دول أخرى أو ضمن المجتمع الدولي القائم. تؤدي مثل تلك الوضعية إلى احتقان في المشاعر وضمن نسيج مجتمع يدفعه أحياناً إلى سياسات تطرف، ورغبة في ابتسار طرق التقدم والفعل، والقبول بالأصداء الإعلامية الخاوية.
وتأتي مسألة الهجوم الجوي الإيطالي على البحرين ضمن تلك الأمثلة. فلم يقتصر اختيار العسكرتاريا الإيطالية على هدف بعيد عن قدراتها، ومواقع نفوذها العسكري، وإنما وقعت تحت الرغبة في الحصول على نصر إعلامي أكثر منه تحقيق إنجاز عسكري فعلي. تجاهل موسوليني وهو بأعلى سلطة بالبلاد نصائح مساعدين له بعدم ركوب المغامرة. وتم اختيار أحد أفضل طياري إيطاليا وهو ميوتي لقيادة العملية، لتلتقي بشخصه كل متطلبات العملية الخالية من المضمون الحربي الحقيقي. وبالواقع فإن ميوتي كان من أفضل المرشحين للعملية ليس فقط لكفاءته الذاتية ولكن لشخصيته المغامرة أيضاً، ولحياته الصاخبة، وروحه المكابرة.
واكتملت تلك التصرفات التي تفيد كثيراً حين المقارنة مع تصرفات شعوب تمر بتجارب مماثلة، حين انتهت العملية إلى الإخفاق الفعلي. ولكن العقلية القائمة خلف تنفيذها لم تكن لتقبل بذلك فأعيد تصوير الفشل على أنه إنجاز عسكري، وأحيطت حوله هالات إنجاز متخيل. بل لربما أدى لنتائج معاكسة من حيث إنها دفعت بشعب صغير مثل سكان البحرين إلى مزيد من الالتفاف حول الحلفاء، وتكثيف الجهود ضمن قدرات البلد المتواضعة لدعم المجهود العسكري
دخلت إيطاليا الحرب رسمياً في 10 يونيو/ حزيران 1940 بجانب ألمانيا النازية واليابان رغم عدم استعداد القوات الإيطالية للدخول في حرب طاحنة وبعيدة الأمد أمام قوى عالمية. أما على المستوى الفردي فقد وجد الطيار الإيطالي المغامر تلك الخطوة فرصة للانخراط في الجهد الأقرب إلى قلبه وهو العمل العسكري. كانت الحياة الحزبية للفاشيين قد اجتذبت الشاب، ودرج في مراتب التطور التنظيمي حتى غدا في منصب سكرتير الحزب. ولكن ذلك لم يكن ليستهويه بقدر العمل الحربي، وهكذا استقال من منصبه على الفور.
إلى رودس
قررت القيادات العسكرية العارفة بمقدرات الضابط الطيار الفردية وحبه للمغامرة أن تكلفه بتنفيذ أحد أخطر العمليات العسكرية آنذاك وهو قصف مصفاة سترة للبترول، وذلك اعتقاداً منهم بأن ذلك العمل سيصيب جهود الحلفاء في الصميم للدور الذي تلعبه إمدادات النفط في المجهود الحربي. وقد شكلت مصافي النفط بأوروبا والشرق الأوسط أهدافاً عسكرية للجانبين، للوعي بأن العتاد العسكري وبغض النظر عن تقنيته المطورة يضحي حديداً خردة وأهدافاً سهلة إن تعرض لشحة الوقود وبالتالي تجمدت حركته. وهكذا لم يكن استهداف محطة سترة للتكرير جديداً بجوهره ولكن بُعد الهدف الجغرافي عن محطة الانطلاق هو ما أعطى تميزاً للعملية العسكرية، حيث توجب للقيام بالعملية قطع مسافة طويلة جداً في الذهاب للهدف وقصفه ثم العودة من دون الحاجة للتوقف للإمداد بالوقود. وكانت تلك عملية متطلبة بحسب تقنيات الطيران في العقد الرابع من القرن العشرين.
ويروي حمد عبدالله أن فكرة قصف مصافي نفط البحرين تعود إلى أحد أبرز قادة وطياري القوات الإيطالية وهو الجنرال باولو موتشي (ولد العام 1911). وكان له باع طويل في عدة انتصارات ميدانية وشارك بجانب القوات الإيطالية برفقة ميوتي بعدة معارك حاسمة في الحرب الأهلية الإسبانية. وقد استمد موتشي فكرة قصف مصافي النفط في البحرين من النظريات العسكرية التي وضعها الجنرال الإيطالي جوليو داوهيتي، وهو أحد رواد نظرية القصف الجوي الاستراتيجي الحربي والداعين لها. وقد رأى دواهيتي فعالية القصف الجوي بدخول الطيران لأول مرة ميادين القتال بحرب إيطاليا على الدولة العثمانية بليبيا العامين 1911-.1912
وسط شكوك بين جنرالات إيطاليا حول نجاح قصف مصافي سترة، تمكن موتشي شخصياً من الحصول على موافقة القيادة العليا، بعد اجتماع بموسوليني الذي أعجب بالفكرة ومنح موتشي جميع التسهيلات لتنفيذها.
وعلى ذلك أرسل فرنسيسكو بريكولو قائد القوات الجوية الإيطالية إلى ميوتي أربع طائرات حربية من طراز سافويا مارتشيتي إس إم 82 (Savoia-Marchetti SM 82) وقد دخلت الخدمة للتو العام .1940 إلا أن بريكولو ساورته المخاوف على ميوتي وطلب من موسوليني توكيل المهمة لغير ميوتي حرصاً على سلامته، فرد موسوليني ”لا تخش على ميوتي. إن كان يعتقد بأنه ورجاله قادرون على إتمامها، فدعهم ينجزونها."
نُقل ميوتي إلى جزيرة رودس الواقعة بالبحر المتوسط ووضعت بإمرته ثلة من العسكريين للتدرب على المهمة والاستعداد لها. وكانت رودس التابعة لإيطاليا قد استخدمتها القوات الإيطالية لشن هجمات على أعدائها بالبحر المتوسط.
الحرب في البحرين
لم تشهد البحرين عمليات عسكرية مباشرة للحرب ولكن أجواءها لم تكن بعيدة عن آثارها. فلقد تحمّل سكانها مصاعب شح الموارد الغذائية والتي لولا ترتيب توزيعها بالبطاقة لهلك الكثير من الناس. وكان المواطنون يتابعون مجريات الحرب عبر الصحف والإذاعات العربية. بل ولقد أنتجت الحرب أول صحيفة أسبوعية هي ”جريدة البحرين” والتي صدرت بدعم بريطاني، لتكتيل الناس إلى جانب جهد الحلفاء.
ومال الناس إلى جهد الأخيرين وأعدوا أنشطة تعليمية وتربوية وثقافية تتمحور حول أهوال وكوارث الحروب لنيل العدالة والحرية. ومن ذلك قيام عدد من معلمي وطلبة المدارس في البحرين بالتطوع لإعداد مسرحية حملت عنوان ”فظائع الطليان”، مستمدة من مرويات الأحداث والجرائم التي ارتكبتها الجيوش الإيطالية بليبيا منذ احتلالها العام .1911
في رودس نظم ميوتي قواته، فاشترك بطائرة هو وموتشي، وقاد الطائرة الثانية العقيد فيدريشي والثالثة القبطان ماير والرابعة القبطان زانيتي، وحملت كل واحدة ثلاثة من سلاح الجو الملكي الإيطالي. واقتضت الخطة الطيران من رودوس وقصف المصافي والعودة تالياً لمدينة مصوع على ساحل إريتريا بالبحر الأحمر والخاضعة حينها لإيطاليا.
المهمة
أقلعت الطائرات في الساعة 10,5 عصراً يوم 18 أكتوبر/ تشرين الثاني 1940 محملة بما يقارب الثمانية أطنان من القنابل.
مرت الطائرة بالأجواء القبرصية ثم عبرت مسار بيروت ثم دمشق، وما بعدها لم يتبق سوى الامتداد الصحراوي.
طار السرب في ارتفاع مريح بلغ 3500 عن سطح البحر، ولكن ذلك لم يمنع من انقطاع فيدريشي عن السرب لانعدام الرؤية. ووصلت الطائرات بعد نصف ساعة من منتصف ليل طيرانهم إلى سواحل الخليج العربي أي صبيحة 19 أكتوبر/ تشرين الثاني ,1940 وعندها بدأ التوجه مباشرة للهدف، وأصبحت مدينة القطيف تحت السرب.
تمكنت المجموعة وبمساعدة أنوار الطائرات من العثور على البحرين في تمام الثانية صباحاً، واقتربت من مصافي النفط الساعة 20:2 وكانت حينها مضاءة، فبدت كأنها في النهار، فبدأ القصف.
ويصف موتشي ما حدث ”قمنا بإنزال 132 قنبلة، تزن كل واحدة منها 15 كيلوغراما، وهي صغيرة الحجم نسبياً استخدمت باقتراح مهندسي الهيئة العامة للأسلحة على أنها الأنسب للمهمة. فباستطاعتها إلحاق أضرار واسعة للمرافق والمنشآت المخطط قصفها”. ولقد اعتقد موتشي أن غارتهم ”قد نجحت بإلحاق خسائر جسيمة لمنشآت مصافي النفط”.
ويلحظ موتشي ”أن الغريب في العملية أنه وعند اقترابنا من مطار المنامة لم يفكر القائمون عليه ولو للحظة إذا ما كانت تلك الطائرات معادية! حيث قاموا بإنارة مدرج الهبوط لمساعدتنا على الهبوط. ولكن الأنوار أطفئت مباشرة بعد قصف مصافي النفط”.
في تلك الأحيان كانت طائرة فيدريشي التائهة قد وصلت للمنطقة الشرقية بالسعودية وحين تراءت لها مصافي نفط الظهران قصفتها ظناً منها أنها المصفاة المقصودة.
بعد إتمام عملية القصف اتجهت الطائرات إلى مصوع، وعندما شارفوا على الوصول وردت إليهم إشارة بأن المدينة تتعرض لقصف مكثف، وبدأت إشارات أخرى بوجود مقاتلات معادية بالقرب. ونظراً لتخوف الطائرات من مواجهة غير متكافئة مع طائرات من نوع جلوستر تابعة للطيران البريطاني، غيرت وجهتها وحطّت في مدينة زولا الصومالية، وقد بقي معها وقود وصفه موتشي بأنه ”مخزون وافر، حيث بقي عندنا مخزون يعادل ثلاثون دقيقة جوية”.
ظن البحرينيون لأول وهلة أن القصف هو لمدافع رمضان المعتادة. وفي الصباح تضاربت الأنباء وسط الأهالي فظن بعضهم بأنها عملية دعائية لقوات التحالف لقلب الرأي العام ضد دول المحور، إلى أن سمع أحد العاملين بحقول النفط وهو كال روس إعلان الإذاعة الإيطالية ”تم تدمير البحرين. وقد ظلّت الحرائق مشتعلة ومن الممكن للطيارين رؤيتها على بعد مئات الأميال بعيد مغادرتهم الموقع”. وأذاعت إذاعة باري الإيطالية ”البحرين تحترق! لقد استطاعت وحدة من سلاح الجو الإيطالي أن تضرب أماكن إمدادات البترول في البحرين والتابعة للأسطول البريطاني في منطقة الخليج وشرق آسيا، والتي تعتبر من أهم مراكز الإمدادات البترولية لقوات الحلفاء في تلك المنطقة”.
وبالطبع كان ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة، فلم تلحق بمناطق القصف أية أضرار جسيمة. وبقدر ما شكلت المغامرة إنجازاً فعلياً بمقاييس طيران تلك الأيام، خلت من المضمون العسكري الحقيقي.
وانضاف بتلك العملية، درس إنساني آخر حول المصائب التي تحل بالشعوب حينما توكل أمرها إلى مبادئ متطرفة وغير إنسانية، وحين تترك إدارة شؤونها بيد متعصبين، لا يتوانون عن جر شعوبهم للحروب من أجل المجد والسراب.
ورغم أن الكتاب يعتني بسيرة رجل عسكري مُزجت أيامه منذ طفولته وحتى اغتياله بالرصاص بالمخاطر، إلا أن به سرداً مقابلاً لحياته الشخصية وعلاقاته النسائية والتي نتج عن إحداها ولد له. كما يورد علاقة ميوتي مع أسرته المباشرة والتي لم تخل من تعقيد ومرارة. فلقد هرب من بيت أسرته مرتين وسط حرقة والدته. وظل والده إلى أخريات حياته وهو يحلم ويعمل من أجل أن يعيد ابنه العنيد والمغامر إيتوري ميوتي إلى ما اعتبره جادة الصواب، يعيش فيها مثل أي امرأ عادي، ولكن ذلك كان على الضد تماماً من شخصية الابن الميالة إلى الاختلاف وتجربة الجديد وكره الانتظام والحياة الرتيبة المعتادة. وبكل المقاطع التي توردها السيرة تنبعث المشاعر الإنسانية المعتادة وسط قسوة الطريق الذي قرر ميوتي سلوكه والذي انتهى به إلى قمم الإنجازات الحزبية والسياسية، ورفعه إلى السحاب حين قرر سلوك تعلم الطيران واختياره تخصصا له، ثم عاد لينهي حياته مبكراً حين تجاوز الأربعين بقليل.
؟ ؟ ؟ ؟
تبقى ضرورة الإشارة إلى مصاعب تجشمها كاتب البحث حين قرر القيام بذلك لتصادف السنة مع الذكرى السبعين لحادثة القصف. لقد واجهت حمد عبدالله مشكلة ندرة المصادر التي تطرقت لسيرة ميوتي وإنجازاته باللغتين العربية والإنجليزية، مما جعله يرتكز بالأساس على المصادر الإيطالية، من دون أن يتضح كيف تسنى له ذلك إن كان قد اعتمد على تملكه الذاتي للغة الإيطالية أو اعتمد على مساعدين له لإكمال مهمته. وبكل الأحوال فاطلاع الباحثين البحرينيين على المصادر الإيطالية شحيح ولربما أفادت تلك التجربة في الولوج في منطقة بحثية ظلت بعيدة عن الاهتمام في أوساط الكتاب البحرينيين.
؟ عبدالله، حمد، .2010 إيتوري ميوتي: أسطورة إيطاليا الفاشية، منشورات أوال. يقع الكتاب في 164 صفحة من القطع المتوسط، وبه صور وجرد بالمصادر
(على هامش سيرة إيتوري ميوتي لحمد عبدالله- مثّل البحرينيون مسرحية «فظائع الطليان» فقصف الإيطاليون سترة 2-2)
الوقت – قسم الدراسات والتطوير – أحمد العبيدلي