OLYMPUS DIGITAL CAMERA         ليس من السهل أن تكتب عن حدث محلي مضى على وقوعه أكثر من مئتين وسبعين سنة، بحسب بعض الاقوال وأكثر بذلك بكثير في أقوال أخرى، وخاصة أنه لم يوثق في أي من المصادر الرسمية ولم يبق من أخبار هذة الواقعة إلا القليل في الذاكرة الشعبية، يتحدث عنه بعض من كبار السن نقلا عن آبائهم في كل من الدير وسماهيج – باعتبار أن الدير جزء من سماهيج التاريخية. نقول لم يبق إلا النزر اليسير من المعلومات، وهي لاشك تأثرت سلبا أو إيجابا من طول الفترة الزمنية كما أنها في معظمها لا ترتقي الى  مستوى التوثيق الصحيح في هذا الجانب، وذلك للاختلاف في نقطتيتن أساسيتين، مكان حدوث الواقعة،

وزمن وقوعها. لكن ما يشجع على المضي في البحث والتدقيق هو الاتفاق التام على مكان دفن الشهداء، وهو الجهة الجنوبية الشرقية من مقبرة سماهيج الحالية، وهذا المكان واضح لكل من يريد أن يتحقق لأن الأهالي حافظوا عليه وتعهدوه بالرعاية، فالقبور لم تصبح قبورا لمرات أخرى عكس المتعارف عليه في الكثير من المقابر؛ إذ يصبح القبر إذا تقادم عليه الزمن قبرا لاشخاص كثيرين، أما هذه القبور الجماعية المعروفة بـ «عبيد الله الصلاح» فهي باقية على حالها من يوم وقوع المجزرة إلى هذا اليوم.
نرجع إلى الأقوال التي تتحدث عن توقيتها الزمني فالبعض يرجح حدوثها في يوم عيد الفطر 1129هـ (1717م) وقول يرى أنها حدثت في يوم عيد الفطر أيضا (1149هـ) (1737م). لكن ما يكرس أخبار المجزرة ويجعلها تحتل أهمية في الوجدان الشعبي كما قلنا وجود هذة القبور التي تثير تساؤلات الشباب من هذا الجيل وتدفعهم للبحث والتحري على أمل الحصول على مصادر حقيقية عن تلك الواقعة، وما ذلك ببعيد في ظل الانفتاح الإعلامي في هذا الزمن؛ إذ يأمل بعض المثقفين في الوصول إلى الإرشيف البريطاني الذي لاشك يدوّن الاحداث المهمة لبلدان المستعمرات والمحميات السابقة، أو ربما في سلطنة عُمان البلد الذي انطلقت منه جيوش الغزو في ذلك الوقت.
يردد الناس بعض الأقوال القديمة التي نسبت للإمام علي (ع)، منها «يا ويل جزيرة أوال»، وياويلها من وقعات تترادف عليها من كل ناحية فتؤخد كبارها وتهتك صغارها، «وإني لأعرف بها تسع وقعات، فأول وقعة منها في الجزيرة المنفردة عنها من قرنها الشمالي الشرقي يقال لها سماهيج» … هذا ما أورده كتاب «الذخائر في جغرافيا البنادروالجزائر»، تأليف الشيخ محمد بن علي آل عصفور.
هذة المجزرة جاءت نتيجة حملة غزو انطلقت من عمان، وكانت حملة بحرية مباغتة في يوم عيد الفطر المبارك أثناء تجمع الأهالي للصلاة في صبيحة ذلك اليوم، وهم للتو أنهوا فريضة الصيام مع مايرافق ذلك من إنهاك وتعب شديد، وقد تعامل الغزاة كما هو متوارث من أقوال الأهالي بوحشية متناهية مع الضحايا؛ إذ قطعت الرؤوس والأعضاء، وبعثرت الأشلاء على مساحة كبيرة من الأرض، كما تمت ملاحقة المصلين العزل إلى مسافات داخل عقر سماهيج، وأجزاء واسعة من الدير الحالية، ولم يثن هذه الحملة الغازية عن القتل والتنكيل استغاثات النساء وبكاء الأطفال، وما انسحب هذا الجيش الغازي إلا بعد أن ملأ الأرض من جثث القتلى وأشلائهم. وعلى رغم ذلك قام الأهالي بعد أن لملموا جراحهم في دفن شهدائهم على خوف وعجل في قبور جماعية يضم القبر الواحد خمسة أو أكثر من الشهداء.
أما عن زمن الواقعة فشخصيا المرجح وقوعها – بحسب تقصي ما ورد من روايات – في تاريخ 8 سبتمبر/ أيلول 1717م؛ أي 1 شوال 1129هـ وقد وجدت في ترجمة الشيخ عبدالله بن صالح السماهيجي الذي أرخ له الشيخ يوسف البحراني أن وفاة الشيخ عبدالله حدثت في العام 1135 هـ أي في العام 1722م وقد عاصر هذا الشيخ الكثير من الهجمات الخارجية على البحرين وتوقيت وفاته قريب من تاريخ وقوع هذه المجزرة. كما أن الشيخ ياسين بن الشيخ صلاح الدين بن علي بن ناصر البلادي وهو تلميد الشيخ عبدالله السماهيجي عاصر أيضا حوادث الخوارج في البحرين؛ إذ ينقل الشيخ يوسف البحراني في كتابه «لؤلؤة البحرين» أن هذا الشيخ الجليل «ضرب بالرماح والسيوف من أهل الظلم والعناد من الخوارج وهرب على أثرها جريحا إلى شيراز».
أما مكان الواقعة فيوجد أيضا رأيان، رأي يقول، إن المجزرة حدثت قرب مقبرة سماهيج بجانب مسجد يقال له مسجد الشيخ مالك وتسمى واقعة «التلين»، والرأي الثاني يقول، إن موقعها في المنطقة البرية الفاصلة بين الدير وسماهيج من جهة الجنوب؛ إذ اعتاد الأهالي في مثل هذه المناسبات الدينية أن يصحروا أي يذهبوا الى منطقة بعيدة نسبيا عن مناطق سكناهم لأداء الصلاة في العيدين، وما يعزز ذلك أن أحد الأشخاص – من خارج الأهالي – عندما رأى لاحقا تدفق الماء بغزارة بالقرب من هذه المساحة امر أتباعه بتسويرها بسعف النخيل (أنظر مدونة عبدالقيس لعلي هلال) ولكنه استثنى هذا الجزء من تخطيط المزرعة ولا نعرف إلى الآن هل المخططين للمزرعة لديهم علم أن هذا المكان مصلى قديم أو أمر آخر، ومازالت هذه المساحة إلى اليوم – وحتى بعد تخطيط المزرعة وبيعها كقسائم سكنية – هذا الجزء أرضا فضاء.
والنقطة الثانية التي تعزز هذا الرأي أيضا رواية جدي الحاج علي بن حسين الوردي رحمه الله المولود في «الدير» نحو 1889م بأنه شاهد في طفولته أثناء ممارسة هواية صيد الطيور المهاجرة بعض الصخور في هذه المنطقة وهي عبارة عن جماجم متحجرة بقيت في هذا المكان وغفل الناس عن دفنها لخوفهم الشديد من ارتياد هذه المكان الموحش، وموقع هذه الأرض الآن هو المساحة الواقعة قرب البوابة الشرقية لمدرسة الدير الابتدائية الاعدادية للبنات.
إن هذه الواقعة تستحق اهتماما أكبر من الباحثين لأنها تشكل مفصلا مهما لتاريخنا وتضحيات آبائنا واجدادنا، ومحبتهم وولائهم الشديد لهذه الأرض الطيبة وإصرارهم على التشبث بها وعدم مفارقتها على رغم المحن والمصائب التي تعرضوا لها.
الوسط: حسن الوردي