clip_image002المنطقة الشرقية.. مدن النفط تعانق مدن الملح «القرامطة» و«العيونيون» و«العصفوريون» و«الجبريون» و«بنو خالد».. مروا من هنا
حوّل اكتشاف النفط وتدفقه في المدن الشرقية من السعودية، قبل حوالي ثمانية عقود، بالإضافة إلى الاكتشافات المماثلة في المناطق الأخرى من البلاد حول المملكة، إلى

أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، ومعه
قامت مدن حديثة، كان لها حضور في التاريخ الإنساني قبل العصر الحديث.
وشكّل موقع المنطقة الشرقية للسعودية عاملا مهما في رسم ملامح المنطقة على مدى العصور، حيث يعد الخليج العربي أقدم ممر مائي طويل استخدمه الإنسان لأغراض تجارية، وعلى سواحله وداخل صحرائه قامت حضارات قديمة لعل أبرزها حضارة «ديلمون» خلال الألف الثالث قبل الميلاد، ودولة «القclip_image002رامطة» في واحة الاحساء أوائل العصور الوسطى.
وتوالى على المنطقة قيام دول أبرزها دولة «العيونيين» التي اتخذت الاحساء عاصمة لها، ثم القطيف التي حلت محل العقير وأصبحت الميناء الأول للمنطقة الشرقية، ثم دولة «العصفوريين» التي ازدهرت في عهدها المنطقة وأصبحت تمورها ولؤلؤها وخيولها سلعا تتهافت عليها قوافل التجارة العالمية المتجهة إلى الهند في تلك الفترة من تاريخ المنطقة. ثم دولة «الجبريين» التي امتد حكمها إلى البحرين، ومن أشهر حكامها أجود بن زامل الجبري، الذي توجه إلى مكة عام 1507، مع فوج من حجاج دولته بلغ نحو 30 ألف حاج، ثم تحولت الاحساء والبحرين إلى منطقة صراع دولي ثلاثي تمثل في القوة الصاعدة للأتراك العثمانيين، البرتغاليين، ودولة الصفويين الصاعدة في إيران. وفي عام 1680 أعاد بنو خالد القبيلة الكبرى في شرق جزيرة العرب التي تسيطر على أرجاء إقليم الصحراء من البصرة إلى قطر الحكم المحلي والقبلي التقليدي إلى الاحساء، وأحدثوا مركزا لحكمهم خارج الهفوف مباشرة في المبرز، وظلت الاحساء تحت حكم بني خالد قوة محلية عظيمة. وفي عام 1790، انضوت المنطقة الشرقية تحت لواء الدولة السعودية الأولى، وأصبحت الاحساء منفذ الدولة السعودية على البحر. وبعد سقوط الدولة السعودية الأولى عام 1818، أمام غزو مسلح بقيادة مصرية ـ عثمانية، وجلاء الغزاة عن المنطقة بعد عام من ذلك التاريخ، عادت الاحساء إلى حكم آل حميد، وهم أفخاذ قبيلة بني خالد. وفي عام 1824، وبعد أن نجح الإمام تركي بن عبد الله في إحياء الدور السعودي السابق واختياره الرياض لتكون عاصمة له وللدولة السعودية الثانية، عادت الاحساء لتشكل منفذ الدولة على البحر. ثم عاد العثمانيون ليخضعوا الاحساء إلى حكمهم وذلك من عام 1871 وحتى عام 1913، وخلال هذه الفترة شهدت المنطقة أحداثا لعل أهمها محاولة عبد الرحمن بن فيصل تحرير الهفوف في عام 1874، واغتيال الحاكم العثماني عام 1909، نتيجة خلاف مع أهالي المبرز، وبعد أن نجح الملك المؤسس من احتلال الرياض عام 1902، تمكن من تثبيت سيادته على معظم مناطق الجزيرة العربية ومنها الاحساء، التي انضوت تحت الراية السعودية.
وبعد اكتشاف النفط عام 1938، تحت قبة الدمام وبكميات تجارية، اجتذبت ثروة المنطقة الشرقية أنظار العالم، ومعه بدأ النمو والتطور يعمان مدن المنطقة التي تحولت إلى مراكز حضرية، كما نمت المدن التي كانت قائمة قبل تدفق النفط بكميات تجارية.
ووفقا لإحصائية تعود إلى عام 1908، فإن عدد سكان المنطقة الشرقية في أوائل القرن العشرين بلغ 158 ألف نسمة، منهم 101 ألف من الحضر، و57 ألفا من البدو، موضحة أن عدد السكان من الحضر يبلغ في واحة الاحساء 67 ألف نسمة، منهم 25 ألفا في الهفوف و8500 في المبرز، ويبلغ عدد سكان جزيرة جنّا في ذات الفترة 500 نسمة، ووادي المياه 1000 نسمة، وجزيرة المسلمية 2000 نسمة، وسكان واحة القطيف 26 ألف نسمة، منهم 10 آلاف في القطيف لوحدها، وقصر صبيح 1000 نسمة، وجزيرة تاروت 3500 نسمة، في حين يبلغ عدد سكان قبيلة العجمان في أوائل القرن العشرين 35 ألف نسمة، وبنو حجر 5 آلاف، وبنو خالد من غير المستوطنين الحضر 10 آلاف، وبنو مرة 7 آلاف. أما اليوم فقد أصبح سكان المنطقة يلامس الملايين الأربعة.
ويشار إلى أنه قبل العصور الحديثة انحصر الاستيطان في المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية بشكل تقريبي في مدن الواحتين الكبيرتين وقراها: الاحساء والقطيف.
واشتهرت المنطقة بمدن أبرزها الهفوف التي عرفت بأنها البلدة الرئيسة داخل بر المنطقة الشرقية، وبلغ عدد سكانها عام 1950، نحو 60 ألفا، وتلك تمثل زيادة كبيرة عن الـ 25 ألفا الذين كانوا يسكنونها عام 1905. وقد تم استيعاب هذه الزيادة التي واكبت الازدهار والاستقرار المتعاظمين خلال السنوات التي استهلت بقيام حكم آل سعود المستمر في المنطقة منذ عام 1913، ببناء المنازل في البساتين التي كانت داخل سور البلدة، وبالشروع في بناء مساكن أخرى خارجه.
ظلت الهفوف المركز الإداري للمنطقة الشرقية حتى عام 1953، حين أصبح لا مناص من الانتقال إلى الدمام بسبب التغيرات السكانية والاقتصادية الجذرية التي نجمت عن اكتشاف النفط.
كانت بلدة الهفوف القديمة ذات أسوار، وعلى الرغم من زوال تلك الأسوار اليوم، فلا تزال قلعة إبراهيم التي تضم المسجد العثماني المقبّب، تذكّر بأجواء المدينة القديمة. وكان سور البلدة يحيط بثلاثة أحياء هي الكوت ورفاعة ونعيتل، وقسمت هذه الأحياء بعد ذلك إلى مناطق.
وعلى بعد ثلاثة كيلومترات من الهفوف، تقع المبرز، وهي بلدة حديثة نسبيا، وقد تنامت البلدة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر من مجرد أرض كانت قبيلة بني خالد تتخذها مضارب لها خارج الهفوف، وهي محاطة بالبساتين، وكان عدد سكانها في عام 1905، يقدر بنحو 8500 نسمة، وبحلول عام 1950، تزايد عدد السكان ليبلغ 28 ألف نسمة، واشتهرت المبرز بسوقها الخاص يوم الأربعاء، وبقصر صاهود القديم الذي ارتبط بمقاومة السعوديين للعثمانيين عام 1799.
أما القطيف التي اشتهرت وبرزت أهميتها في عهد الجبريين أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس، فقد أصبحت كنزا مغريا يتقاتل عليه العثمانيون والبرتغاليون بعد سقوط حكم الجبريين عام 1524، ووصلت شهرتها إلى إطلاق بعض واضعي الخرائط من الجغرافيين المعاصرين على الخليج اسم «بحر القطيف»، وقد كثرت في البلدة التحصينات التي يعود تاريخها إلى عهد «القرامطة» على أقل تقدير.
ويتألف صلب بلدة القطيف من حي واحد محصن (كوت)، على الساحل. وكان هذا الكوت، أو قلعة القطيف، يضم نحو سبعمائة منزل وذلك في بداية القرن العشرين، وأحيطت البلدة بسور، وتكاثرت خارجه مناطق سكنية أخرى ليصل بها عدد سكان القطيف إلى نحو عشرة آلاف شخص، خمسة آلاف منهم يعيشون داخل الكوت الذي تميزت منازله في معظمها بمتانة البناء من الأحجار والجص. ولم يكن ارتفاع تلك المنازل يزيد على طابقين أو أكثر بقليل.
ولمسجد الكوت في القطيف مئذنة كبيرة بادية للعيان بوضوح.
وتعد القطيف واحة بحرية، لذا فإن سكانها اشتهروا بالعمل في صيد اللؤلؤ والسمك والتجارة البحرية بالإضافة إلى الزراعة.
واشتهرت الاحساء بزراعة الواحات وكثرة العيون والينابيع التي يصل عددها إلى المئات، بعضها عام وبعضها خاص، وشكلت أشجار النخيل الرقم الأكبر في عدد الأشجار ويصل عددها إلى أكثر من 3 ملايين نخلة. وأقرت الحكومة السعودية مشروعا لتوزيع المياه من العيون والآبار، وهو مشروع الري والصرف، يهدف إلى سقاية البساتين بالماء العذب والحد من الملوحة المتزايدة، والقضاء على ظاهرة تبديد المياه وهدرها التي كانت سمة نظام توزيع المياه القديم.
واشتهرت المنطقة، خصوصا القطيف وتوابعها، بما فيها جزيرة تاروت، باعتماد السكان على الموارد البحرية، إذ مارس السكان تجارة البحر والغوص بحثا عن اللؤلؤ والسمك جنبا إلى جنب مع الزراعة، واشتهر الاخوة القصيبي ضمن كبار تجار اللؤلؤ في المنطقة الشرقية، كما برز سكان سواحل المنطقة بصناعة القوارب والسفن الشراعية.
أما اليوم فقد ظهرت مدن جديدة في المنطقة الشرقية لتقوم بدور محدد في الاقتصاد الوطني اعتمادا على النفط وأبرزها الجبيل التي قامت فيها مصانع للبتروكيماويات او الصناعات التحويلية الضخمة من النفط ، أما الدمام التي كانت حتى مطلع الثمانينات من القرن العشرين، عاصمة المنطقة الشرقية منذ عام 1953، مدينة منفصلة، لكن قريبة من الخبر والظهران بحيث لا تتجاوز الرحلة بينها بضع دقائق. وفي عام 1982، تم دمج تلك المدن معا في ما يعرف اليوم بمنطقة الدمام، تدير شؤونها سلطة بلدية واحدة، وتغطي المنطقة مساحة تصل إلى حوالي 800 كيلومتر مربع، ويقدر عدد سكانها بحوالي نصف مليون نسمة.
وتعد الدمام المركز الصناعي والتسويقي الرئيس في المنطقة الشرقية، كما تعد المركز الثالث في السعودية بعد الرياض وجدة، وتضم الدمام معالم اقتصادية أبرزها ميناء الملك عبد العزيز الذي يعد أكبر الموانئ في البلاد، إضافة إلى الخط الحديدي الممتد بين الدمام والعاصمة الرياض الذي كان أحد منجزات الملك عبد العزيز.
أما الخبر التي كانت قبل اكتشاف النفط قرية يمارس أهلها صيد السمك واستخراج اللؤلؤ وتجارة متواضعة مع البحرين، فقد وصل عدد سكانها حاليا إلى حوالي 150 ألف نسمة، وتحولت إلى مركز تسوق، وترتبط بالبحرين بجسر الملك فهد الذي افتتح عام 1986، يمتد على مسافة 15 كيلومترا.
أما الظهران التي تقع على بعد 10 كيلومترات عن الخبر والدمام، فهي مدينة تحتضن مقر شركة «أرامكو» السعودية، التي تعد بحد ذاتها كيانا حضريا قائما بنفسه، إضافة إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن المؤسسة التقنية الرائدة في السعودية، وأحد المراكز العالمية في هذا المجال. كما تضم مطار الملك فهد الدولي، البديل الأوسع لمطار الظهران الدولي الذي كان بحد ذاته المطار الأول في السعودية، ويخدم هذا المطار ما يصل إلى عشرة ملايين مسافر سنويا.
000000000000000000000000
المنطقة الشرقية .. موطن الحضارات من انسياح الماء في الواحات إلى انفجار النفط في الثلاثينات
رمال الشواطئ تتفيأ ظلال الذهب الأسود ونخيلات الواحات تعانق منصات الحفر وأعمدة دخان المصافي * تجمعات سكانية متباعدة في نسيج واحد لأول مرة في التاريخ بسبب النفط وملحمة التوحيد * حضارات قديمة قامت في المنطقة أبرزها «دلمون» ودولة «القرامطة»

الملك عبد العزيز مع بيرسي كوكس في مؤتمر العقير عام 1922م وبدا واقفاً الميجور فرانك هولمز الذي منح أول امتياز للبحث عن النفط في الاحساء
clip_image004
مركز الجمارك في العقير في صورة التقطت اواخر الثلاثينات من القرن الماضي
clip_image005
الأخوة القصيبي من كبار تجار اللؤلؤ في المنطقة الشرقية يتفحصون بضاعتهم عام 1935م
clip_image006
مدينة الدمام حاضرة المنطقة الشرقية
clip_image007
الخبر احدى المدن الحديثة في المنطقة بعد اكتشاف النفط
clip_image008
سوق الخميس في الهفوف في صورة التقطت عام 1905 م خلال الحكم العثماني
الرياض : بدر الخريف

عرفت منطقة شرق الجزيرة العربية عبر أزمنة طويلة ازدهارا حضاريا واستفادت من موقعها الجغرافي المتوسط بين المراكز الكبرى للحضارات، وشهدت المنطقة قيام مجتمعات مزدهرة قبل العصر الحديث، ومع اكتشاف النفط قبل أكثر من سبعة عقود تحولت المنطقة التي لا تنام على أكبر كمية من احتياطيات النفط في العالم إلى منطقة جذب لآلاف العمال والفنيين ورجال الأعمال والخبراء من خارج البلاد، بالإضافة إلى قطاع كبير من سكان السعودية الذين آثروا الهجرة إلى المنطقة للمساهمة في غمرة النشاط التنموي الذي أحدثه انفجار النفط ومعه تعانق القديم مع الحاضر المعاصر، وتزاوجت الواحات الخضراء في الاحساء والقطيف التي ارتوت من المياه المتجمعة والمتفجرة على مدى العصور السحيقة مع مدن النفط الجديدة، وتحققت في النصف الثاني من القرن الماضي في المنطقة الشرقية من السعودية انجازات باهرة تضاف إلى حلقات في سلسلة انجازات تحققت في المنطقة صنعها الإنسان فيها خلال تاريخ حافل بالأنشطة يعود إلى ماض سحيق يصل إلى جذور الحضارات القديمة، ولعل أبرزها حضارة «دلمون» خلال الألف الثالث قبل الميلاد، ودولة «القرامطة» أوائل العصور الوسطى.

أسهمت عدة عوامل في رسم ملامح المنطقة الشرقية عبر أزمان طويل من خلال موقعها الجغرافي المتوسط بين الحضارات الكبرى كقطب مهم في النشاط التجاري وعامل جذب في هذا النشاط الذي أصبح حافزًا إلى تحقيق التحضر والاستقرار من خلال انتشار المستوطنات الزراعية لتتطور إلى شبه مدن من القوافل المستقرة، كما أسهم التفاعل بين البدو والحضر على الساحل وفي الواحات والبحر في رسم ملامح المنطقة عبر العصور والأزمان المختلفة من خلال انتقال السلطة السياسية والعسكرية إلى الحكام المستقرين الذين تميزوا بذلك من قبائل البدو الرحل التي كانت السيادة تعود إليها في فترات أخرى، وعلى هذه الشاكلة كانت الحياة في شبه الجزيرة العربية تتأثر بإيقاع تناقل السلطة بين البدو الرحل والحضر المستقرين، كما كانت مغريات مناطق الاستقرار في الواحات وعلى الساحل تشّكل حافزا قويا ومستمرا للبدو كي يستقروا ويهجروا حياة الترحال ويشاركوا بعض الأحيان في النشاط الأعظم وهو الاضطلاع بمهام تأسيس الدولة.
استيطان وحضارات قديمة
* يعود تاريخ الاستيطان في المنطقة الشرقية من السعودية إلى ما قبل أكثر من خمسة آلاف عام وقد كان لتميز المنطقة الطبيعي الذي اكتسبته من موقعها الذي يمتد 700كم على ساحل الخليج العربي أثر كبير في جذب الأنظار إليها لكونها حلقة اتصال ما بين العالم الخارجي والمناطق الأخرى القريبة منها .وهناك دلالة على أن عمليات الاستيطان البشري إضافة إلى الأعمال التجارية كانت سائدة منذ آلاف السنين. كما أن بقايا المباني وأطلال المدن والفخاريات والأعمال اليدوية المنحوتة وخلافه تؤكد أن درجة عالية من الإنجازات قد تحققت على أيدي السكان والقاطنين آنذاك. كما أثبتت الحفريات أيضاً أن المنطقة تقع في مفترق طرق ما بين العديد من الثقافات والأنشطة.
وقد تأثرت المنطقة بصورة رئيسية بثقافات حضارة العبيد «من 3000 إلى 2000 سنة قبل الميلاد» وسكان ما بين النهرين وحضارة وحوض نهر السند والإغريق واليونانيين والفرس، وفي التاريخ الحديث تأثرت بثقافات العثمانيين، كما أن البرتغاليين قاموا ببناء قلاعهم في تاروت كدلالة على اهتمامهم بهذا الجزء من العالم وقاموا بتركيز أنفسهم بالرغم من قصر بقائهم في المنطقة مقارنة بالآخرين. وقد حافظت هذه الموجات الثقافية على تواجدها الصامت من خلال الحلي الذهبية والأحجار نصف الكريمة والهياكل الحجرية والتماثيل والآثار التاريخية وغيرها وقد أتى العثمانيون إلى المنطقة عام 960هـ (1553م ) إلى أن عادت المنطقة تحت سيطرة بني خالد لفترة، ثم ما لبثت أن عادت تحت سيطرة العثمانيين حتى قيام الدولة السعودية الأولى في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، حيث استمر ذلك لربع قرن تنعم فيه المنطقة بالأمن والاستقرار إلى أن وجهت الدولة العثمانية حملة عسكرية من قبل واليها على مصر آنذاك محمد علي باشا وتم احتلالهم للإحساء عام 1818م. ومرت المنطقة بفترات متفاوتة من الاستقرار وعدمه إلى أن قيض الله لها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، حيث دخلها في منتصف ليلة الاثنين 8 مايو 1913م وفي صباح اليوم التالي استسلم متصرف الاحساء العثماني وجنود حاميته فأعطاهم الملك عبد العزيز الأمان وأمر بترحيلهم عن طريق العقير ثم أرسل الملك عبد العزيز حملة إلى القطيف فقامت باستردادها حيث عادت جميع المنطقة تحت الحكم السعودي وانضمت للمناطق الأخرى من هذه الدولة الفتية.
شكّل موقع المنطقة الشرقية للسعودية عاملا مهما في رسم ملامح المنطقة على مدى العصور، حيث يعد الخليج العربي أقدم ممر مائي طويل استخدمه الإنسان لأغراض تجارية، وعلى سواحله وداخل صحرائه قامت حضارات قديمة لعل أبرزها حضارة «ديلمون» خلال الألف الثالث قبل الميلاد، ودولة «القرامطة» في واحة الاحساء أوائل العصور الوسطى. وتوالى على المنطقة قيام دول أبرزها دولة «العيونيين» التي اتخذت الأحساء عاصمة لها، ثم القطيف التي حلت محل العقير وأصبحت الميناء الأول للمنطقة الشرقية، ثم دولة «العصفوريين» التي ازدهرت في عهدها المنطقة وأصبحت تمورها ولؤلؤها وخيولها سلعا تتهافت عليها قوافل التجارة العالمية المتجهة إلى الهند في تلك الفترة من تاريخ المنطقة. ثم دولة «الجبريين» التي امتد حكمها إلى البحرين، ومن أشهر حكامها أجود بن زامل الجبري، الذي توجه إلى مكة عام 1507، مع فوج من حجاج دولته بلغ نحو 30 ألف حاج، ثم تحولت الاحساء والبحرين إلى منطقة صراع دولي ثلاثي تمثل في القوة الصاعدة للأتراك العثمانيين، والبرتغاليين، ودولة الصفويين الصاعدة في إيران. وفي عام 1680 أعاد بنو خالد القبيلة الكبرى في شرق جزيرة العرب التي تسيطر على أرجاء إقليم الصحراء من البصرة إلى قطر الحكم المحلي والقبلي التقليدي إلى الأحساء، وأحدثوا مركزا لحكمهم خارج الهفوف مباشرة في المبرز، وظلت الأحساء تحت حكم بني خالد قوة محلية عظيمة. وفي عام 1790، انضوت المنطقة الشرقية تحت لواء الدولة السعودية الأولى، وأصبحت الاحساء منفذ الدولة السعودية على البحر. وبعد سقوط الدولة السعودية الأولى عام 1818، أمام غزو مسلح بقيادة مصرية ـ عثمانية، وجلاء الغزاة عن المنطقة بعد عام من ذلك التاريخ، عادت الأحساء إلى حكم آل حميد، وهم أفخاذ قبيلة بني خالد. وفي عام 1824، وبعد أن نجح الإمام تركي بن عبد الله في إحياء الدور السعودي السابق واختياره الرياض لتكون عاصمة له وللدولة السعودية الثانية، عادت الاحساء لتشكل منفذ الدولة على البحر. ثم عاد العثمانيون ليخضعوا الاحساء إلى حكمهم وذلك من عام 1871 وحتى عام 1913، وخلال هذه الفترة شهدت المنطقة أحداثا لعل أهمها محاولة عبد الرحمن بن فيصل تحرير الهفوف في عام 1874، واغتيال الحاكم العثماني عام 1909، نتيجة خلاف مع أهالي المبرز، وبعد أن نجح الملك المؤسس في احتلال الرياض عام 1902، تمكن من تثبيت سيادته على معظم مناطق الجزيرة العربية ومنها الاحساء، التي انضوت تحت الراية السعودية.
وبعد اكتشاف النفط عام 1938، تحت قبة الدمام وبكميات تجارية، اجتذبت ثروة المنطقة الشرقية أنظار العالم، ومعه بدأ النمو والتطور يعم مدن المنطقة التي تحولت إلى مراكز حضرية، كما نمت المدن التي كانت قائمة قبل تدفق النفط بكميات تجارية.
واحات ومدن ومراكز صناعية
* ووفقا لإحصائية تعود إلى عام 1908، فإن سكان المنطقة الشرقية في أوائل القرن العشرين بلغ 158 ألف نسمة، منهم 101 ألف من الحضر، و57 ألفا من البدو، موضحة أن عدد السكان من الحضر يبلغ في واحة الأحساء 67 ألف نسمة، منهم 25 ألفا في الهفوف و8500 في المبرز، ويبلغ عدد سكان جزيرة جنّا في ذات الفترة 500 نسمة، ووادي المياه 1000 نسمة، وجزيرة المسلمية 2000 نسمة، وسكان واحة القطيف 26 ألف نسمة، منهم 10 آلاف في القطيف لوحدها، وقصر صبيح 1000 نسمة، وجزيرة تاروت 3500 نسمة، في حين يبلغ عدد سكان قبيلة العجمان في أوائل القرن العشرين 35 ألف نسمة، وبنو حجر 5 آلاف، وبنو خالد من غير المستوطنين الحضر 10 آلاف، وبنو مرة 7 آلاف. أما اليوم فقد أصبح سكان المنطقة يلامس الملايين الأربعة.
ويشار إلى أنه قبل العصور الحديثة انحصر الاستيطان في المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية بشكل تقريبي في مدن الواحتين الكبيرتين وقراها: الاحساء والقطيف.
واشتهرت المنطقة بمدن أبرزها الهفوف التي عرفت بأنها البلدة الرئيسة داخل بر المنطقة الشرقية، وبلغ عدد سكانها عام 1950، نحو 60 ألفا، وتلك تمثل زيادة كبيرة عن الـ 25 ألفا الذين كانوا يسكنونها عام 1905. وقد تم استيعاب هذه الزيادة التي واكبت الازدهار والاستقرار المتعاظمين خلال السنوات التي استهلت بقيام حكم آل سعود المستمر في المنطقة منذ عام 1913، ببناء المنازل في البساتين التي كانت داخل سور البلدة، وبالشروع في بناء مساكن أخرى خارجه.
ظلت الهفوف المركز الإداري للمنطقة الشرقية حتى عام 1953، حين أصبح لا مناص من الانتقال إلى الدمام بسبب التغيرات السكانية والاقتصادية الجذرية التي نجمت عن اكتشاف النفط.
كانت بلدة الهفوف القديمة ذات أسوار، وعلى الرغم من زوال تلك الأسوار اليوم، فلا تزال قلعة إبراهيم التي تضم المسجد العثماني المقبّب، تذكّر بأجواء المدينة القديمة. وكان سور البلدة يحيط بثلاثة أحياء هي الكوت ورفاعة ونعيتل، وقسمت هذه الأحياء بعد ذلك إلى مناطق.
وعلى بعد ثلاثة كيلومترات من الهفوف، تقع المبرز، وهي بلدة حديثة نسبيا، وقد تنامت البلدة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر من مجرد أرض كانت قبيلة بني خالد تتخذها مضارب لها خارج الهفوف، وهي محاطة بالبساتين، وكان عدد سكانها في عام 1905، يقدر بنحو 8500 نسمة، وبحلول عام 1950، تزايد عدد السكان ليبلغ 28 ألف نسمة، واشتهرت المبرز بسوقها الخاص يوم الأربعاء، وبقصر صاهود القديم الذي ارتبط بمقاومة السعوديين للعثمانيين عام 1799.
أما القطيف التي اشتهرت وبرزت أهميتها في عهد الجبريين أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس، فقد أصبحت كنزا مغريا يتقاتل عليه العثمانيون والبرتغاليون بعد سقوط حكم الجبريين عام 1524، ووصلت شهرتها إلى إطلاق بعض واضعي الخرائط من الجغرافيين المعاصرين على الخليج اسم «بحر القطيف»، وقد كثرت في البلدة التحصينات التي يعود تاريخها إلى عهد «القرامطة» على أقل تقدير.
ويتألف صلب بلدة القطيف من حي واحد محصن (كوت)، على الساحل. وكان هذا الكوت، أو قلعة القطيف، يضم نحو سبعمائة منزل وذلك في بداية القرن العشرين، وأحيطت البلدة بسور، وتكاثرت خارجه مناطق سكنية أخرى ليصل بها عدد سكان القطيف إلى نحو عشرة آلاف شخص، خمسة آلاف منهم يعيشون داخل الكوت الذي تميزت منازله في معظمها بمتانة البناء من الأحجار والجص. ولم يكن ارتفاع تلك المنازل يزيد على طابقين أو أكثر بقليل.
ولمسجد الكوت في القطيف مئذنة كبيرة بادية للعيان بوضوح.
وتعد القطيف واحة بحرية، لذا فإن سكانها اشتهروا بالعمل في صيد اللؤلؤ والسمك والتجارة البحرية بالإضافة إلى الزراعة.
واشتهرت الأحساء بزراعة الواحات وكثرة العيون والينابيع التي يصل عددها إلى المئات، بعضها عام وبعضها خاص، وشكلت أشجار النخيل الرقم الأكبر في عدد الأشجار ويصل عددها إلى أكثر من 3 ملايين نخلة. وأقرت الحكومة السعودية مشروعا لتوزيع المياه من العيون والآبار، وهو مشروع الري والصرف، يهدف إلى سقاية البساتين بالماء العذب والحد من الملوحة المتزايدة، والقضاء على ظاهرة تبديد المياه وهدرها التي كانت سمة نظام توزيع المياه القديم.
واشتهرت المنطقة، خصوصا القطيف وتوابعها، بما فيها جزيرة تاروت، باعتماد السكان على الموارد البحرية، إذ مارس السكان تجارة البحر والغوص بحثا عن اللؤلؤ والسمك جنبا إلى جنب مع الزراعة، واشتهر الاخوة القصيبي ضمن كبار تجار اللؤلؤ في المنطقة الشرقية، كما برز سكان سواحل المنطقة بصناعة القوارب والسفن الشراعية.
أما اليوم فقد ظهرت مدن جديدة في المنطقة الشرقية لتقوم بدور محدد في الاقتصاد الوطني اعتمادا على النفط وأبرزها الجبيل التي قامت فيها مصانع للبتروكيماويات أو الصناعات التحويلية الضخمة من النفط ، أما الدمام التي كانت حتى مطلع الثمانينات من القرن العشرين، عاصمة المنطقة الشرقية منذ عام 1953، مدينة منفصلة، لكن قريبة من الخبر والظهران بحيث لا تتجاوز الرحلة بينها بضع دقائق. وفي عام 1982، تم دمج تلك المدن معا في ما يعرف اليوم بمنطقة الدمام، تدير شؤونها سلطة بلدية واحدة، وتغطي المنطقة مساحة تصل إلى حوالي 800 كيلومتر مربع، ويقدر عدد سكانها بحوالي نصف مليون نسمة.
وتعد الدمام المركز الصناعي والتسويقي الرئيس في المنطقة الشرقية، كما تعد المركز الثالث في السعودية بعد الرياض وجدة، وتضم الدمام معالم اقتصادية أبرزها ميناء الملك عبد العزيز الذي يعد أكبر الموانئ في البلاد، إضافة إلى الخط الحديدي الممتد بين الدمام والعاصمة الرياض الذي كان أحد منجزات الملك عبد العزيز.
أما الخبر التي كانت قبل اكتشاف النفط قرية يمارس أهلها صيد السمك واستخراج اللؤلؤ وتجارة متواضعة مع البحرين، فقد وصل عدد سكانها حاليا إلى حوالي 150 ألف نسمة، وتحولت إلى مركز تسوق، وترتبط بالبحرين بجسر الملك فهد الذي افتتح عام 1986، يمتد على مسافة 15 كيلومترا.
أما الظهران التي تقع على بعد 10 كيلومترات عن الخبر والدمام، فهي مدينة تحتضن مقر شركة «أرامكو» السعودية، التي تعد بحد ذاتها كيانا حضريا قائما بنفسه، إضافة إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن المؤسسة التقنية الرائدة في السعودية، وأحد المراكز العالمية في هذا المجال. كما تضم مطار الملك فهد الدولي، البديل الأوسع لمطار الظهران الدولي الذي كان بحد ذاته المطار الأول في السعودية، ويخدم هذا المطار ما يصل إلى عشرة ملايين مسافر سنويا.
تقع المنطقة الشرقية في الجزء الشرقي من السعودية وهي عبارة عن سهل صحراوي منبسط يمتد طولياً مسافة 1200 كم من حدود دولة الكويت في الشمال إلى صحراء الربع الخالي والتي تعد أكبر صحراء رملية في العالم، حيث تحتل هذه الصحراء الجزء الجنوبي من المملكة العربية السعودية وتقدر مساحة المنطقة الشرقية بنحو 700 ألف كيلو متر مربع والتي تمثل 36% من مساحة السعودية. وللمنطقة الشرقية حدود مشتركة مع دولة الكويت في الشمال ودولتي قطر والبحرين في الشرق ودولة الإمارات العربية وسلطنة عمان في الجنوب وتتميز المنطقة الشرقية باستواء سطحها وخلوه من التضاريس العالية ولذا تنشط فيها الرياح الشرقية والشمالية الشرقية صيفاً وشتاءً بشكل مباشر وتتميز بارتفاع درجات الحرارة صيفاً وتدني درجات الحرارة شتاءً مما يؤدي إلى ارتفاع المدى الحراري السنوي إلى نحو 18 بالمئوية وترتفع معدلات الرطوبة النسبية صيفاً وتتراوح ما بين 35% إلى 45% في المنطقة وهي أقل نسبياً من معدلات الرطوبة في المنطقة الغربية وتسقط الأمطار على المنطقة الشرقية في فصلي الشتاء والربيع وتتميز بالتذبذب وبتراوح معدلها.
وتعد الدمام من أهم مدن المنطقة الشرقية فهي العاصمة والميناء الرئيسي في المنطقة نظراً لأهمية موقعها ويبلغ عدد سكانها بنحو 482321 نسمة، وهناك عدة مدن ومحافظات أهمها: الاحساء وهي مدينة من المدن الكبيرة وتتميز بالعيون والزراعة وكثرة النخيل وتقدر مساحتها بنحو 534000 كيلو متر مربع ويبلغ عدد سكانها بنحو 225847 نسمة، وحفر الباطن من مدن المنطقة الشرقية الكبيرة وهي تقع جنوب الرقعي وشمال غرب قرية العليا وهي منطقة تتميز بالتجارة ويبلغ عدد سكانها بنحو 137793 نسمة، وتعد الخبر مدينة حديثة ونظراً لموقعها الهام فقد اكتسبت أهمية كبيرة في عالم التجارة وأصبحت الآن مركزاً حديثاً مزدحماً للمنطقة من الناحيتين السكنية والعملية ويبلغ عدد سكانها نحو 141683 نسمة، والقطيف هي مدينة ذات تاريخ موغل في القدم وتمتد من رأس تنورة والجبيل شمالاً إلى مدينة الدمام جنوباً، وتضم بالإضافة إلى القطيف المدينة مجموعة من المدن والقرى، ويحدها شمالاً وغرباً صحراء الببياض، وجنوباً بر الظهران أما الجهة الشرقية فيكتنفها ساحل الخليج العربي، وتبعد عن مدينة الدمام عاصمة المنطقة الشرقية 25 كم ويبلغ عدد سكانها بنحو 98920 نسمة، وتقع مدينة الجبيل شمال مدينة القطيف وتبعد عنها مسافة 55 كم وعن الدمام 80 كم. وتعتبر الجبيل من المناطق الأثرية القديمة وقد اكتشفت فيها عدة مواقع أثرية، وهي من أشهر الموانئ في المملكة فقديماً كانت أحد المراكز الرئيسية لصيد اللؤلؤ وتسويقه وحديثاً هي أحد المراكز الرئيسية للصناعات البتروكيماوية عالمياً ويبلغ عدد سكانها بنحو 140828 نسمة، وتقع الخفجي على الحدود بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت وشمال النعيرية في الطرف الشمال الشرقي للمنطقة الشرقية ويبلغ عدد سكانها بنحو 49729 نسمة، وتقع مدينة بقيق في قلب الصحراء وتبعد عن مدينة الدمام إلى الجنوب الغربي بحوالي 80 كيلومترا وتبلغ مساحة مدينة بقيق حوالي 853هكتارا ويبلغ عدد سكانها أكثر من 150ألف نسمة.
تتميز المنطقة بخصائص اقتصادية مميزة لعل أهمها الصناعات المتعلقة بالبترول من أعمال تنقيب وتكرير وتسويق إلى صناعات تجميع الغاز الطبيعي والصناعات البتروكمياوية.
تتمركز الصناعات البتروكيماوية في مدينة الجبيل الصناعية المدينة التي بنيت من لا شيء وأصبحت الآن مثلاً فريدا للتجارب الصناعية الناجحة على مستوى العالم . كما أن هناك ثلاث مدن صناعية أخرى موزعة في هذه المنطقة تحتوي على الصناعات المعدنية والتحويلية والغذائية وتصدر العديد من منتجاتها خارج السعودية غيضا.
ولموقع المنطقة الشرقية أهمية بارزة فهي بوابة السعودية الشرقية وتتمتع بامتدادها أكثر من 700كم على ساحل الخليج العربي، الأمر الذي مكنها من بناء موانئ تصدير واستيراد يستفاد منها على مستوى المملكة كما أن المنطقة الشرقية تعتبر أيضا مصدراً طبيعيا للغذاء، حيث تقع به أكبر واحة طبيعية في العالم وهي واحة الاحساء والتي تضم العديد من أجود أنواع النخيل في العالم. المنطقة الشرقية بالإضافة إلى كونها إحدى القلاع الصناعية الكبرى على مستوى الشرق الأوسط، فقد حباها الله بطبيعة فريدة فهي تجمع ما بين البحر والشواطئ الجميلة والواحات الخضراء الوارفة إضافة إلى احتوائها على الصحاري الفسيحة الهادئة.
مدن النفط تعانق مدن الملح
* حوّل اكتشاف النفط وتدفقه في المدن الشرقية من السعودية، قبل حوالي ثمانية عقود، بالإضافة إلى الاكتشافات المماثلة في المناطق الأخرى من البلاد حول السعودية، إلى أكبر دولة منتجة للنفط في العالم، ومعه قامت مدن حديثة، كان لها حضور في التاريخ الإنساني قبل العصر الحديث.
ولعبت شركة أرامكو منذ توقيع امتيازها للتنقيب عن النفط في السعودية، دورا مهما ولافتا في نقل البلاد الناشئة إلى مراحل من التطور، حيث ساهم تدفق الإنتاج البترولي وتزايد العوائد المالية إلى انتقال السعودية من مرحلة البداوة والمجتمع الريفي إلى عصر الدولة الحديثة، كما لعبت الشركة دورا في تغيير مسيرة إنسان هذه الأرض عبر محطات ومنعطفات مهمة شكلت الحياة الجديدة للأرض والإنسان بعد أن تفيأت رمال الشواطئ البيضاء أو رمال الصحراء الذهبية ظلال الذهب الأسود، وعانقت نخيلات الواحات منصات الحفر، وأعمدة دخان المصافي، وصدت الفيلات الحديثة والمساكن المسلحة وعربات «الكرفانات» الرياح التي تحرك أروقة الخيام وتكاد تقلع أطنابها. لقد صنع النفط بعد ملحمة التوحيد التي خلقها الملك المؤسس تجمعات سكانية متباعدة، واحتضنت المدن الحديثة شرقا ووسطا وغربا وجنوباً أفرادا وأسرا من جميع مناطق البلاد، وأتاحت الشركة العملاقة لكثير من أبناء الصحراء وسكان الشواطئ، وساكني الجبال خوض تجربة العمل في مهن لم يعهدها من قبل.
لقد تحول راعي الأغنام الأمي إلى صاحب مهنة أخرى، اعتمر خوذة العمل بدلا من الشماغ، ودس في يديه قفازات الشغل والفك والربط، استبدل عصا الرعي التي يهش بها على غنمه بأدوات تشغيل محطات الدفع ومعامل التكرير، وورش التصليح، تحول سائق الأجرة إلى عامل يلبس بدلة العمل ويستيقظ فجرا ليذهب إلى معامل فصل الغاز، واستبدل السائق رخصة القيادة لسيارته الونيت برخصة لقيادة الرافعات والنقليات، لقد انخرط الجميع ببسالة في رحلة كفاح عبر سفينة تمخر عباب أنهار النفط التي تفجرت بالذهب الأسود، وملأت الأرض نماء ً، لقد أصبح الراعي الذي يلتحف السماء، ويفترش الأرض ويردد أناشيد الرعاة كل فجر، ينطق لغة ابراهام لنكلن دون أن يتلقاها في مدرسة أو حلقة تدريب ودون أن يحمل قلما ليكتب ما يقوله، جاء الفلاح من وسط الصحراء «حيث تصارع نخيلات مزرعته ملوحة الأرض وقلة المياه» تاركا خلفه عباءاته ومنجله إلى جبل الظهران ليلتحق بركب القافلة التي انطلقت لتحفر الأرض، ثم يختلس ساعات راحته ليندس في «البركسات» ويغفو على أسرتها الحديدية وفرشها الوثيرة، ثم يستيقظ ويتناول وجبة منوعة مستخدما الشوكة والملعقة والسكين بدلا من اليد.
وعلى بعد أمتار من مكان الجيولوجيين في السواحل الشرقية، حيث بقايا حلقات الكتاتيب التي تعلم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة وشيئا من القرآن والحساب، كانت الأرض تؤسس والرافعات تعمل لبناء مدارس حديثة، وتشغيل القائم منها وصيانتها، في حين انشغل المحاسبون في صرف رواتب المعلمين والإداريين العاملين في تلك المدارس بعد أن التزمت ارامكو بدفعها.
وفي غرفة بالظهران قبل نصف قرن تجمعت أسرة العامل القادم من وسط الصحراء ليعمل في شركة أرامكو أمام قناة تلفزيونية لمتابعة البرامج التي كانت تبثها القناة رقم 3 التي تعد أول محطة تلفزيونية تبث في الخليج وعرفت بمحطة تلفزيون أرامكو.
وفي بقيق يلاحق الأطفال سيارات بيضاء مقفلة ليكتشفوا أنها لم تكن سوى عيادات منتظمة تخترق المدن لتقدم لسكانها الخدمات الطبية.
وقبل 57 عاما تقاطر الألوف من الموظفين إلى مكتب في المنطقة الشرقية لينضموا إلى برنامج تملك البيوت في الشركة العملاقة الذي شكل أول نواة لإقامة تجمعات سكانية أصبحت لاحقا مدن الدمام والخبر والظهران ورأس تنورة وبقيق.
من هنا تبدأ قصة التغيير الذي طرأ على الأرض والإنسان في ملحمة أشبه بالخيال والأسطورة بعد ان تفجرت الأرض بالنفط.
أول ربط بري مع البحرين في التاريخ
* تحتضن المنطقة الشرقية معالم رئيسة لعل أهمها ميناء الملك عبد العزيز الذي يعد أكبر الموانئ في السعودية وأكثرها نشاطًا، إضافة إلى الخط الحديدي الممتد من الدمام والرياض والذي يعد أحد منجزات الملك المؤسس عبد العزيز، كما تحتضن المنطقة مقر شركة ارامكو السعودية الذي يعد كيانا حضريا كبيرا، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وهي إحدى المؤسسات التقنية الرائدة في السعودية وأحد المراكز العالمية في هذا المجال هي تضم مجالات الدراسة فيها الهندسة والإدارة الصناعية والتصميم البيئي، كما تحتضن المنطقة مطار الملك فهد الدولي في الدمام الذي هو البديل الأوسع لمطار الظهران الدولي الذي كان المطار الأول في السعودية قبل سنوات، كما توجد في المنطقة جامعة الملك فيصل في الاحساء التي يحلق بها مستشفى الملك فهد الجامعي في الخبر وجراحة الاحساء ومركز للحاسب ومراكز أبحاث خاصة بالنخيل التي تشتهر بها المنطقة إضافة إلى أبحاث عن الجمال والمصادر المائية. وبحكم أن المنطقة قريبة من مصادر الطاقة ومنتجة لها فقد احتضنت إحدى المدن الصناعية السعودية من خلال مدينة الجبيل الصناعية التي تجسد مع مدينة ينبع على البحر الأحمر الجهود السعودية لتحقيق التنمية الاقتصادية المتنوعة وتتبع المدينة للهيئة السعودية الملكية للجبيل وينبع التي أنشئت عام 1975م، ويتبع الهيئة الملكية للجبيل وينبع ميناء الملك فهد الصناعي بالجبيل، ومن معامل المنطقة جسر الملك فهد الذي يؤمن الربط البري الأول من نوعه في التاريخ بين السعودية والبحرين، ويعد الجسر ثاني أطول جسر من نوعه في العالم ويبلغ طوله 25 كيلو مترا وبلغت تكلفته 102 مليار دولار وافتتح في عام 1986م، ويمتد الجسر فوق المياه الضحلة للبحر في الخليج. وأنشأت الحكومة السعودية ضمن برنامج ضخم لإعادة تنظيم قطاع المياه وعدم الاعتماد على المصادر غير المتجددة مشروع تحلية مياه البحر من خلال محطة التحلية في الجبيل الأكبر من نوعها في العالم من خلال إنتاج 200 مليون جالون من المياه العذبة في اليوم،. ويضخ قسم كبير من تلك المياه إلى الرياض موفرة ما نسبته 80 في المائة من احتياجات العاصمة من المياه، ويستخدم الباقي على نطاق محلي.

الرياض: بدر الخريف