الشيخ جمال الثائر والشهيد

في عام 1995م عندما كنت مسجونا في العدلية سألني أحد السجانين من اصحاب البشرة السوداء من أي منطقة انت؟ فأجبته من المعامير، قال ما شاء الله هل تعرف الشيخ جمال فقلت نعم، فقال كنت اتولى حرسته في الزنزانة، فسألته حدثني عنه؟ فقال: كان الشيخ يملك شخصية صلبة وفي نفس الوقت كان دائم الابتسامة الى درجة انه اصبح صديقي فكنت امزح معه وفي كل ليلة اطلب منه ان يقرأ لي مصيبة مسلم بن عقيل وبعض القصائد الحسينية وكنت استمع له ولصوته الجميل، ورغم الفارق بيني وبينه لكني احببته كثيرا.
هو الشهيد الشيخ جمال بن الشيخ علي بن محمد بن محسن العصفور، ولد في العام 1958م في فريق الحياكة بمدينة المحرق، ثم انتقل وعاش في قرية المعامير، درس المرحلة الابتدائية في مدارس البحرين ثم أكمل دراسته في مدارس الجمهورية العراقية في النجف الأشرف، ثم التحق بالدراسات الدينية في مدينة قم المقدسة مع والده، ودرس على أيدي العديد من العلماء والفضلاء، وتعلم اللغة الفارسية، وحينها وصل إلى مرحلة السطوح لكنه لم يتمها حيث عاد إلى البحرين وعمل في سلك التدريس في مدارس البحرين الأكاديمية، برع في الخطابة الحسينية وتولى الإرشاد الديني في مواسم الحج والعمرة، تميز بالخلق والطيب وكان محبوبا بين الناس، وعرف بالذكاء والتقدم في الدراسة، وتميز بالشجاعة حتى عندما كان وسط السجن حيث كان يحمل نفسية صلبة ودائم التفاؤل، وكان بشوشا كثير الابتسامة، له العديد من الأنشطة والمواقف ومنها: تأسيس (جماعة أنصار الشهداء) في العام 1979م، وقد قامت حركته بعدة أعمال- تميزت بالعنف – ضد الحكومة، وتضامن مع تحركات الشيخ محمد علي العكري، وكان الشهيد أحد أعضاء الوفد الشعبي الذي ذهب إلى الجمهورية الإسلامية مهنئا امام الامة الإمام الخميني(قدس) بانتصار الثورة المباركة، قاد الشهيد إحدى أكبر التظاهرات الشهيرة في تاريخ البحرين في 29 من شهر رمضان اثر اعتقال بعض العلماء وهم: والده الشيخ علي والشيخ جاسم قمبر والشيخ محمد علي العكري، له العديد من المحاضرات المسجلة على أشرطة كاسيت، وكتب الكثير من المقالات التي نشرت في الصحف والمجلات، تولى تعليم الصلاة والتدريس في مساجد القرية، تم اعتقال الشهيد مع أعضاء حركته في شهر مارس 1981م، وقد دوهمت مقرات الحركة، وصودرت منها بعض الأسلحة والنشرات كما أعلنت الحكومة في وسائل اعلامها الغير نزيهة، وحينها تعرض هو وأصحابه لأشد أنواع التعذيب والتنكيل على يد الجلادين، ثم قدم للمحاكمة فمثل الشهيد وأعضاء الحركة أمام محكمة أمن الدولة وحكم عليهم بالسجن لمدة سبع سنوات، وحينها هزأ الشهيد بالقاضي قائلاً: نحن نتمنى الشهادة، وأنت تهددنا ببضع سنين، أما سبب شهادته فقد دست له الاجهزة الامنية السم في طعامه في السجن وذلك اثناء افطاره في شهر رمضان المبارك، فاشتد به المرض من جراء ذلك، فتسمم كلّ دمه، فاحتاج إلى تغيير الدم فسلمته الداخلية إلى أهله مخافة أن يستشهد عندهم، وقام أهله بنقله إلى مستشفى السلمانية، وأعلن عن احتياجه للدم، فتسارع الناس إلى المستشفى للتبرع بالدم، فمنع النظام المستشفى من الاستمرار في معالجته، فأخذه أهله إلى مستشفى خاص(مستشفى البحرين الدولي)، وبعد يومين انتقلت روحه الطاهرة إلى ربها مظلومة، وكان ذلك في 19/8/1981م، وقد شيع الشعب جنازة الشهيد بمشاعر ملتهبة، وهتافات وشعارات تندد بالنظام الحاكم ورموزه، وانطلقت الجنازة من قرية المعامير إلى مقبرة الشيخ سهلان في العكر وما زال قبره مزارا يقصده الناس.