المحرق في السبعيناتللبحث والتنقيب عن مايسمى بأسقفية «مسماهيج» كما تلفظ بالسريانية فيه صعوبة كبيرة وذلك لشحة المصادر وبالخصوص عن الفترة التي مرت بها الديانة المسيحية في اقليم البحرين، وتعتبر الدراسة التي قام بها الكاتبان الفرنسيان جول بوشامب وكرستن روبن تحت عنوان (الأسقفية النسطورية  في مسماهيج، بأرخبيل البحرين ) والتي قام بترجمتها للعربية الدكتور منذر الخورتعتبر المصدر الوحيد المتناول بين أيدينا، الا ان هناك بعض المعلومات ذات العلاقة نجدها بين السطور في الكتابات الواسعة للدكتور جواد علي في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وكتاب النصرانية وآدابها في الجاهلية للأب

لويس شيخو اليسوعي وبعض من الكتابات المعاصرة قد أشارت الى الأسقفية، وبالطبع هؤلاء الكتاب اعتمدوا في كتاباتهم عن طريق نقل المصادر الأجنبية والسريانية وغيرها وهي معلومات قيمة وثمينة في قيمتها وتدل على جزء من الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية لفترة زمنية مرة على هذه البقعة من أرخبيل البحرين وهي الفترة الزمنية الواقعة في بدايات القرن الاول الميلادي الى القرن السابع الميلادي لظهور الإسلام وانتشاره في الجزيرة العربية.
مدخل لانتشار المسيحية للبحرين :
مرت المسيحية في بداية نشأتها بظروف صعبة وقد لاقى أتباع هذا الدين التضييق والحرمان والقتل من قبل الأباطرة الرومان الى أن جاءت فترة القرن الرابع الميلادي وتم الاعتراف بالمسيحية كدين معترف به داخل
الدولة الرومانية في مرسوم ميلان العام 312م وبه تم التسامح مع المسيحين برد كل الحقوق الدينية الى اصحابها واعادة الكنيسة،وكان لانتقال العاصمة الرومانية من روما في الغرب الى بيزنطه في الشرق (اسنطبول) أثر كبير في انتشار المسيحية وتعاليمها في البلاد المطلة على العاصمة الرومانية ومن ثم توسعها وانتشارها الى الشرق وبالتحديد في أراضي البحرين (أوال – سماهيج أو مسماهيج ) وشبه الجزيرة العربية وذلك إثر اعتناق الإمبراطورية الرومانية في بيزنطه الدين المسيحي وترك الدين الوثني، وبعد التوسع ونشر الدين المسيحي في معظم البلدان المنطقة أصابت المسيحية اختلافات بين رموزها وجدل عقائدي مما أدى الى ولادة بعض الفرق المسيحية ( وتولد عن هذا الجدل ظهور «الآربوسية» أتباع «آريوس»، و«السبيلية» Sabellians وأتباع «الثالوث» Trinitarians ومذاهب أخرى نبعت من تلك البلبلة الفكرية التي أظهرها الاختلاف في طبيعة المسيح ) كما نشأت بعض المذاهب المسيحية في الشرق مثل المذهب النسطوري والمذهب اليعقوبي والمعروفة بالمذاهب الشرقية كما يذكر الدكتور جواد علي (وهما من المذاهب الشرقية، أي من المذاهب النصرانية التي ظهرت وانتشرت في الشرق، ووجدت لها مجالا وانتشارا في العراق وفي بلاد الشام ومصر والحبشة وجزيرة العرب) والمذهب النسطوري ينسب للبطريق «نسطوريوس» «نسطور» Nestorius، ومذهب اليعاقبة ينسب إلى «يعقوب البرادعي» Jacabus Baradaeus.
لعب أنصار المذهبين دورا كبيرا في التبشير بين القبائل العربية ونشر التعاليم المسيحية بينهم فأتباع المذهب اليعقوبي بذلوا جهدا كبيرا في نشر المسيحية في عرب بادية الشام و أهل العراق،( وصارت «تكريت» القاعدة الكبرى للمذهب اليعقوبي في العراق وبقيت محافظة على هذا المركز في الاسلام) بل أنهم أثروا في دولة الغساسنة وصار أكثر الغساسنة على مذهب اليعاقبة.
أما أتباع المذهب النسطوري فقد تسربت عقيدتهم الى شرق العراق وايران ووصلت الى قطروجزر البحرين واليمامة ومواضع أخرى من شبه الجزيرة العربية، الا هنا تبدو الامور واضحة أن الديانة المسيحية قد تغلغلت في أراضي البحرين ووصلت الى السواحل والجزر ومنها سماهيج بفضل جهود المبشرين النساطرة وتحركاتهم في أوساط البدو من القبائل العربية .
وسائل التبشير :
المحرق بعد الاعتراف بالدين المسيحي في القرن الرابع الميلادي كدين معترف به داخل أراضي الدولة الرومانية الى فترة بداية مسيحية الإمبراطورية وترك الوثنية ومابعدها سعى قياصرة الروم الى نشر المسيحية في العالم عن طريق البعثات خصوصا بلاد الشرق وقد أنشئت العكثير من الكنائس في شبه الجزيرة العربية وعلى سواحل الخليج (عدن وظفاروهرمز سوقطرى ونجران) ومن الوسائل التي استخدمها المبشرون للمذاهب المسيحية وكان لهم دور كبير في نشر المسيحية وتعاليمها بين صفوف القبائل الوثنية العربية ويوضح الدكتور جواد علي هنا إحدى الوسائل (فالأساقفة الذين كانوا يديرون أمور النصارى العرب ويبشرون بين القبائل الوثنية، أسهموا في الجدل الديني الذي قام أكثره على بحث موضوع طبيعة المسيح واشتركوا فيه، وبذلك نقلوا إلى العرب هذه الأبحاث اللاهوتية التي شغلت بال العالم المتمدن منذ القرن الأول للميلاد فما بعده، وكانت أهم مشكلات النصرانية يومئذ مشكلة شغلت بال المؤمنين واللغة العربية كانت إحدى تلك الوسائل فقد كانت مجموعة من الملتزمين بالمسيحية ورموزها عربا (وبينها أسماء أساقفة بشروا بين العرب، وأساقفة يظهر أنهم كانوا من أصل عربي بدليل أسمائهم العربية الخالصة أو المنقولة إلى اليونانية والسريانية. وقد عرف بعضهم بأساقفة الخيام، لمرافقتهم للاعراب ومعيشتهم بينهم في الخيام معيشة الأعراب.
ومن أساقفة الأعراب أسقف عرف باسم «بطرس»، وقد وقع على أعمال مجمع «أفسوس» بصفة كونه «أسقف محلة العرب»، والأسقف «تاوتيموس أسقف العرب» الذي وقع على أعمال مجمع انطاكية الذي انعقد العام 363 للميلاد، وقد كان بين أساقفة القدس في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس للميلاد، أسقف من أصل عربي، اسمه الياس «494- 513 م»
وسيلة أخرى متبعه وهي وسيلة التنقل والانتقال في أطراف شبه الجزيرة وعلى السواحل مع البحارة والتجار في تجارتهم للمناطق العربية من خلال تنمية وتوثيق العلاقات التجارية عبر القوافل، وكان لنصارى الحيرة في العراق التابعين لدولة المناذرة دور كبير في نشر تعاليم المذهب النسطوري (وأما العربية الشرقية، فقد دخلت النصرانية اليها من الشمال، من العراق في الغالب. ولكن بعض الروم كانوا قد وجدوا سبيلهم اليها، فدخلوها من البحر أيضا. فعششت في مواضع منها مثل البحربن، وقطر، وهجر، وبعض جزرالخليج. وكانت غالبية نصارى هذه الأرضين على مذهب نسطور آخذين هذا المذهب من نصارى الحيرة الذين كانوا على اتصال وثيق بهم، كما كان رجال دينهم يسافرون إلى هذه المنطقة للتبشير بها، فزرعوا فيها بذور مذهبهم، ونشروه بين من أقبل على النصرانية من العرب).
وكذلك اتباع المبشرين في عملهم المستمر والمتواصل بطرقهم التبشيرية الخاصة مبدأ الإقناع والتأثير والتطبيب وبالتقرب من ضعاف الحال،إذ كان لهم شان مهم في نقل التراث اليوناني والأرامي إلى جزيرة العرب في ايام الجاهلية.
الصراع السياسي الفارسي البيزنطي :
كان للصراع الحاد بين القوى العظمى آنذاك الامبراطوريتين الرومانية والفارسية أثر كبير على مواقف القبائل العربية في القرون الاولى الميلادية خصوصا بعد سقوط الأسرة الفرثية في فارس وقيام الدولة الساسانية 226م فنجد هنا الولاء والتبعية موزعان بين الدويلات العربية للقوى الكبرى، فإمارة الغساسنة وموقعها غربا على الحدود الشرقية للشام وولاؤها للامبراطورية البيزنطية،وامارة اللخميين (المناذرة) وموقعها في الشرق على التخوم الغربية لنهرالفرات وولائهم وتبعيتهم للأمبراطورية الفارسية وهو مايسمى بالإمارات الحدية التي كانت كل من الإمارتين العربيتين تقوم بحماية حدود الإمبراطورية التي تدين لها بالتبعية والولاء من خلال التوسع ومد النفوذ، وكانت هاتان القبيلتان في صراع مستمر وفي بعض الاحيان يكون الصراع دفاعا عن مصالح القوى الكبرى في المنطقة، واستثمرت الدولتان العظيمتان في ذلك الوقت الخلافات الاقتصادية والسياسية والدينية التي نشبت بين هاتين الإمارتين العربيتين في مد النفوذ والتوسع.
والسؤال هنا هل لتبعية الإمارتين للدول العظمى في ذلك الوقت تأثير ودور كبير في انتشار المذاهب المسيحية الشرقية ؟ وهل كان لهذه المذاهب نصيب منها في أرخبيل البحرين (أوال- سماهيج) ؟
يمكن الاستنتاج من خلال ماورد من أخبار عن مواقف وسلوك أمراء هاتين الدولتين وأتباع المذاهب المسيحية من المبشرين،فالإمارة الغسانية كانت تدين بالمسيحية على مذهب اليعاقبة وتدين بالولاء والتبعية الى الامبراطورية البيزنطية، والمناذرة اللخميون كانوا يتبعون الامبراطورية الفارسية التي لاتزال على الوثنية، وفي الحيرة التابعة للفرس يكثرأتباع المذهب النسطوري المنبوذين من قبل العاصمة القسطنطينية والكنيسة البيزنطية معا بعد أن أبعدوا عنها وتكاثروا في شرق العراق بالحيرة وهنا تعليق للدكتور جواد علي (وأنا حين أقول ان النسطورية كانت قد وجدت لها سبيلا إلى أهل الحيرة، فدخلت بينهم، فأنا لا أقصد بقولي هذا ان أهل الحيرة كانوا جميعا على هذا المذهب، أو انهم كانوا كلهم نصارى. فقد كان جل أهل الحيرة على دين أكثر ملوكهم، أي على الوثنية، اما الذين اعتنقوا النصرانية، فهم العباديون، وبينهم قوم كانوا على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة، أي مذهب اليعاقبة، وبينهم من كان على مذهب آخر). ومن خلال العداء ومجابهة التوسع البيزنطي سلكت الامبراطورية الفارسية (الساسانية) سياسة الاحتضان لهذه الإمارة فكانت في اتم الاستعداد لحماية ومساعدة هؤلاء النساطرة في منحهم حرية العقيدة ومنحهم حرية التبشير بين أتباعهم والإستفاده من علومهم خصوصا من الناشطين المبشرين في مدينة الحيرة النسطورية التي من خلال رموزها نشروا تعاليم المذهب النسطوري والعقيدة النسطورية الى الجزيرة العربية واقليم البحرين وجزرها بما فيها جزيرة سماهيج، رغم ما كانت تدين به الامبراطورية من ديانة وثنية الا أنهم استثمروا هذا الخلاف الديني بين المسيحيّين واوعزوا للنساطرة حرية التبشير ضد المذهب الرسمي للعاصمة القسطنطينية لمد نفوذهم وتحكمهم في المنطقة .
ولم يقتصر الصراع السياسي بين الامبراطوريتين على الجانب الشرقي لشبه جزيرة العرب وجزرها بل امتد الى جنوبها لمحاولة استقطاب القبائل والإمارات العربية بجانبهما ونرى ذلك في حادثة الأخدود في العام 523م في الصراع الذي نشب بين المسيحية واليهودية في نجران حينما أرسل النصارى يستنجدون بالامبراطور البيزنطي جستن الأول ومنها اقتناص القسطنطينية فرصة أن تكون لها موطأ قدم في المنطقة عن طريق نجاشي الحبشة وهو أقرب ملك مسيحي لها، وماتلا ذلك من احداث في استعمار حبشي مسيحي للمنطقة جعل الحاكم الحميري اليهودي الاستنجاد بأمير الحيرة في الحصول على المساعدة من الامبراطورية الفارسية وهو ماحصل بالفعل بامتداد نفوذ الامبراطورية الفارسية الى جنوب الجزيرة العربية في العام 628م
سماهيج – جعفر يتيم- الوسط

المحرق في السبعينات

المحرق في مطلع السبعينات