Suez Crisis - Bahrain - 1956..هل ابتدع جيل التسعينات فكرة الدستور العقدي والمطالبة بمجلس تشريعي منتخب كامل الصلاحيات. لقد ابتكر جيل التسعينات فكرة تداول السلطة أي حق الشعب في اختيار حكومته وإلغاء مبدأ التعيين بمعنى أنه ركز عليها أكثر مما كانت عليه سابقا. وعلى هذا الأساس كان جيل التسعينات يخطو لاستكمال تاريخ طويل

قارب الثمانية عقود من المطالبة بدستور عقدي ومجلس تشريعي كامل الصلاحيات.
تحتاج هذه الخلاصة إلى شيء من التفصيل لا من أجل زيادة المعرفة أو التذكير بها فحسب وإنما لجعل التاريخ خلف الحاضر مما يعني أهمية البناء على ما تم انجازه في الماضي والانطلاق إلى الأمام في المطالبة والعمل السياسي، بدلا من الرجوع إلى النقطة الصفر. وفي هذا الشأن قد لا يكون السؤال عن بداية المطالبة بالدستور والسلطة التشريعية مطلبا ملحا بقدر ضرورة تقديم إجابة عملية ومقنعة على سؤال لماذا استمر الوضع هكذا من دون تقدم ولماذا ظلت تلك المطالب معلقة وصعبة التحقيق. فالسؤال الأول يكفي أن نقول أن أول ذكر لمطلب سلطة تشريعية منتخبة انتخابا حرا ومباشرا يعود إلى حركة 1938 ثم تزايد المطالبة بها في حركة هيئة العليا سنة 1954 ثم تجددها سنة 1994 وصولا إلى ما هو عليه الواقع السياسي اليوم. أمام هذه الإجابة المختصرة جدا تبرز أسئلة أكثر وعيا من وعي الإحاطة والمعرفة بحوادث التاريخ وهي أسئلة تتعلق بالفهم والتفسير. يفضل البعض الأخذ بطريقة التسلسل المنطقي للأحداث وما تفرضه تلك الطريقة من تجزئي التاريخ وفهم كل جزء على حدة وصولا لتكوين إطار فهم شامل بعد ذلك. في المقابل يذهب البعض إلى إمكانية الإحاطة بالأجزاء التاريخ السياسي وفق منطق الوحدات أو القضايا التي تكرر نفسها وتتطور بتطور آليات عملها سواء لدى السلطة أو المعارضة والمجتمع.
ما سوف نعالجه هنا يقوم على الأخذ بالطريقة الثانية في التحليل لمميزات عديدة أهمها القدرة على فهم تحولات الظاهرة السياسية في البحرين من خلال رصد تحولات القضايا وكيف تبدأ وإلى أين تنتهي والأدوات التي تلجأ إليها السلطة في مواجهة المجتمع والمعارضة. لذا فالمطلوب من القارئ الكريم أن يكون مدركا للتحولات وأثرها في تشكيل المطالب السياسية من جهة ومن جهة ثانية يدرك تحولات السلطة في مواجهتها للمطالب أو الاحتيال عليها.
سنرى في الاستعراض التالي كيف أن السلطة السياسية الحاكمة قد رفضت مطلب المجلس التشريعي سنة 1938 انطلاقا من أن تشكيل مثل هذا المجلس يعني سحب سلطات الحاكم وكان الحاكم الشيخ حمد بن عيسى قد واجه وفد البحارنة سنة 1934 عندما تقدموا بالطلب نفسه بقوله إنه لم يسمع في التاريخ أن الشعب يشارك الحاكم في إصدار القرارات وإدارة الدولة. ومع التقدم في تطور أجهزة الدولة وامتلاك القدرة على التحكم في مصير الثروة الاقتصادية وارتفاع تكلفة المواجهة مع قوى المعارضة وافقت السلطة السياسية في 2001 على التنازل عن نصف السلطة التشريعية وظلت محتفظة بالنصف الثاني. ومع ما يشار إليه من تمتع المجلس الوطني سنة 1973 بصلاحيات أوسع إلا أنه في الحقيقة يظل مشابها في تفاصيله لما عليه الوضع حاليا في دستور 2002 فالمجلس الوطني في دستور 1973 يتكون من ثلاثين نائبا في الدور التشريعي الأول وفي الدور التشريعي الثاني يصبح عدد النواب أربعين نائبا. وفي كلا الحالين فإن دستور 1973 يعتبر الوزراء الذين يتم تعينهم من قبل الحاكم أعضاء بحكم مناصبهم ويحق لهم التصويت والمشاركة، فإذا افترضنا أن عدد النواب أربعين نائبا وكان عدد الوزراء عشرين فإن ثلث السلطة التشريعية بحكم نصوص دستور 1973 تصبح مملوكة للحاكم . والذي حصل أن دستور 2002 سمح للحاكم أن يزيد حصته في السلطة التشريعية من الثلث إلى النصف وهو ما يعد تراجعا حقيقا يستحق طرح سؤال جوهري حوله أي لماذا حدث ذلك وكيف مرر هذا التنازل وسمح للحاكم أن يزيد من حصته بدل أن تنقص؟ لا مجال هنا لاستعراض تبادل التهم أو إلقاء اللوم على أطراف المعارضة لأننا سنعالج ذلك لاحقا، فالذي أريد أن أصل إليه هو التأكيد على بقاء فكرة أن المجلس التشريعي يعني سحب صلاحيات الحاكم في ذهنية الحكومة منذ بداية طرح المطالب السياسية في الثلاثينات وإن اختلفت الصيغ بين فترة تاريخية وأخرى. لذا فإن توجيه والاستمرار على طرحها يجب أن لا ينفصل عن طبيعة الذهنية التي توجه إليها المطالب وكيف تنظر إليها وهو شق يتعلق بسياسة صنع الخطاب السياسي و أدواته لدى قوى المعارضة.
لنبدأ الآن بالإجابة على السؤال البديهي وهو كيف تشكلت المطالب السياسية في الدستور والمجلس التشريعي؟ ومن الذي كان يقف وراءها ؟ وما هي الظروف الداخلية والإقليمية التي ساعدت على طرحها؟
إذا ما استثنينا ما جرى سنة 1911 وسنة 1923 فإن أول مطالبة وطنية من دون تحيز طائفي أو قبلي لإنشاء مجلس تشريعي كانت مع حركة 1938، قبلها بأربع سنوات رفع البحارنة عريضة سياسية إلى الحاكم آنذاك الشيخ حمد بن عيسى سنة 1934 طالبوه فيها بمجموعة من المطالب السياسية والإدارية تتضمن تحسين أوضاع الشيعة وتمثليهم في المجالس الإدارية كمجلس المعارف ومجالس البلدية، بالإضافة إلى هذه المطالب الفئوية الخاصة بأوضاع الشيعة في البحرين لرفع التمييز عنهم، ضمت العريضة مطالب سياسية وطنية واضحة على رأسها تشكيل مجلس تشريعي يضم السنة والشيعة. إلا إننا لن نأخذ هذه المطالبة كبداية وطنية للمطالبة الدستورية بالمجلس التشريعي، لكونها كانت تمثل وجهة نظر واحدة ولم تكن منطلقة بعنوان التوافق والإجماع الوطني.
إن التدقيق في صياغة المطلب التشريعي بصورة منفردة في مؤتمر 1923 وعريضة 1934 يأخذنا إلى فهم الظروف السائدة آنذاك ويعكس التطور الذي لحق بالوعي السياسي . ففي سنة 1911 شكل الحاكم الشيخ عيسى بن علي لجنة من أعضاء القبائل المتحالفة وهي أول لجنة رسمية تشكل في تاريخ البحرين إلا أن الهدف من وراء تشكيلها كان مواجهة اتفاقيات منع تجارة الرقيق ومنع تجارة الأسلحة التي وقعها الحاكم حيث أن الضرر الواقع من تنفيذ تلك الاتفاقيات كان ينصب على القبائل لامتلاكها أعداد هائلة من العبيد قدرهم لوريمر سنة 1905 بأكثر من عشرة آلاف عبد يسكنون المحرق والرفاع والمنامة، كما إن تجارة الأسلحة كانت محتكرة من قبل أفراد ينتمون للعائلة الحاكمة وبعض أفراد القبائل أيضا. أما ما طالبت بها القبائل المتحالفة مع العائلة الحاكمة سنة 1923 من إنشاء مجلس شورى على غرار ما يجرى في البلدان المجاورة فقد انطلق من خلفية عزل الحاكم عيسى بن علي في السنة نفسها ومحاولة الإدارة البريطانية فرض الإصلاحات الإدارية بالقوة بعد فشل المحادثات السياسية لإقناع الحاكم المعزول بضرورة إدخال الإصلاحات الإدارية. على مستوى العلاقات الداخلية بين أطياف المجتمع المحلي فإن العلاقة بين الشيعة والسنة كانت متوترة جدا وتقترب من حافة نشوء حرب أهلية بل إن بعض الأطراف المتضررة من الإصلاحات الإدارية عملت على تعجيل تلك الحرب الأهلية وإشعالها إلا أنه بات بالفشل رغم وقوع ضحايا مدنيين. مثل هذه الظروف المتوترة كانت تحجب توافق الشيعة مع السنة حول إيجاد مطلب وطني مثل المجلس التشريعي.
ومع الأسف فإن واحد من المثقفين الأكفاء عزل رفض البحارنة المشاركة في المؤتمر الذي عقد في 23 اكتوبر سنة 1923 في المحرق عن تلك الظروف وساير ما قدمه محمد الرميحي من تفسير غير منطقي لرفض الشيعة المشاركة في ذلك المؤتمر. ولما كانت هذه الفترة غير مطروقة بالبحث سأحاول استعراض بعض النقاط فيها وذلك لأهمية نتائجها في المراحل التاريخية التالية. إن رفض البحارنة المشاركة في مؤتمر المحرق 1923 لا يعني رفضهم لأحد المطالب المهمة المترشحة عنه وهو مطلب إنشاء مجلس تشريعي. وذلك استنادا للآتي:
1- إن المطالب التي خرج بها المؤتمر لم تكن مطروحة لنقاش قبل ذلك ولم يطلع عليها البحارنة وإذا ما تمت صحة توجيه دعوة للحاج عبدعلي بن رجب فهي دعوة عامة جاءت في ظل انقسام سياسي ومذهبي حاد جدا.
2- إن القائمين على المؤتمر كانوا زعماء قبائل متحالفة حلفا سياسيا وقبليا مع الحاكم، فإلى سنة 1894 كانت الاتفاقيات الموقعة مع بريطانيا تحمل تواقيع تلك القبائل وبجانبها توقيع الحاكم بعنوان رئيس أو كبير قبيلة آل خليفة. في حين أن البحارنة لم يكونوا طرفا في تشكيلة الحكم مطلقا . وبالتالي فإن وجود شخص واحد يمثل البحارنة مقابل أثنى عشر شخصا يمثلون القبائل لا يعد منطقيا أو لا يحمل على تشجيع المشاركة حتى بدون توتر طائفي وسياسي.
3- إن بعض المشاركين في المؤتمر من زعماء القبائل كانوا عدائيين جدا وشرسين في تعاملهم مع البحارنة.
4- وهو الأهم إن فكرة المؤتمر انطلقت بعد فشل جهود عديدة بذلها زعماء القبائل لمنع إدخال الإصلاحات الإدارية التي أيدتها جماعات البحارنة وطالبت بها، وكانت هناك خشية لدى البحارنة حتى بعد تطبيق الإصلاحات من التراجع عنها.
الخلاصة إن فكرة وجود مجلس تشريعي سنة 1923 كانت متطورة من ناحية سياسية إلا أنها جاءت مبهمة ومتحيزة لأطراف محددة عمليا وبسبب ذلك لم يكن ممكنا تلاقي الطائفتين أو تحقيق إجماع وطني عليها. إن احتياجات البحارنة آنذاك كانت متوجهة نحو رفع المظالم والحيف الواقع عليهم من قبل أفراد بعض القبائل و من نظام الحكم وبالتالي فهم كانوا يسعون لرفع التمييز الواقع عليهم منذ ذاك الوقت، في المقابل فإن احتياجات القبائل كانت مختلفة جدا ومتوجهة في أغلبها ناحية الإبقاء على الوضع الاستثنائي والأوضاع القانونية التي ينتمون إليها بما في ذلك الإبقاء على نظام المقاطعات والسخرة والضرائب الخاصة وهذا كان عاملا رئيسا في منع تلاقي الطائفتين على مطالب وطنية متحدة. عامل آخر كان له دور مؤثر هو طبيعة نظام العمل وما ينتج عنه من علاقات اجتماعية مختصرة ومقتصرة على الطائفة نفسها. فالعديد من البحارنة والعديد من أهل السنة لم يكونوا على تواصل بل لم يكونوا يلتقون بحكم طبيعة العمل القائمة على الفصل بين الطائفتين. وجزء من ذاك الانقسام كان منطويا تحت عنوان الأجير والسيد فالبحارنة العاملون في الغوص والعاملين في الزراعة لم يكونا يملكون رأس المال بحكم ظروف سياسية واقتصادية مورست عليهم لفترة طويلة ومن هنا عمل الكثير منهم تحت إمرة ملاك رأس المال من رؤساء القبائل وكثيرا ما كانت تحدث مشاجرات بين أرباب العمل والعمال البحارنة سواء في الغوص أو الزراعة وبعض تلك المشاجرات كان يحدث تحت وطأة أمور عقائدية تدخل في صلب طقوس الشيعة في أيام محرم بالتحديد، ولم يتم التوصل إلى حل لتلك المسائل إلا بعد صدور قرار من حكومة البحرين في نهاية العشرينات بمنح الشيعة إجازة تاسع وعاشر من المحرم. وكخلاصة تاريخية لم يكن البحارنة معارضين أو غير مهتمين بالمطلب التشريعي سنة 1923 وعنما كانت هناك ظروف منعت البحارنة من المطالبة بالمشاركة في السلطة التشريعية لذا عندما تهيأت الظروف بعد عشر سنوات باشر البحارنة طرح المشاركة السياسية وسنرى في الحلقة القادمة كيف حدث ذلك ولماذا؟ وكيف يمكننا استخلاص واحدا من أهم مبادئ الحركة السياسية في البحرين.

بقلم: عباس ميرزا