الشيخ حسين العصفورمؤتمر العلامة الشيخ حسين العصفور الذي بدأ في صالة الدانة بقرية مقابة في 14 مارس/ آذار الجاري، يختم أعماله اليوم، بعد أن استعرض باحثون أوراقا عديدة عن التراث الفقهي للشيخ حسين… وواحدة من الأوراق المهمة التي طرحت كانت بحثا قدمه الدكتور محمد علي الستري تحت  عنوان «مدرسة البحرين الفقهية»، إذ أشار بحثه إلى أن هذه المدرسة تتمثل في تراث أربعة فقهاء هم الشيخ يوسف العصفور (ت 1772م)، الشيخ حسين العصفور (ت 1802م)، الشيخ عبدالله الستري (ت 1853م) والشيخ محمد أمين زين الدين (ت 1998م). وبحسب وجهة نظر الستري، فإن الفقهاء

الأربعة يمثلون مدرسة فقهية واحدة، يمكن اعتبارها مميزة ومختلفة عن المدارس الفقهية الأخرى.
إن الحديث عن علماء البحرين المذكورين في كتب التاريخ أمر مهم؛ لأن تراثهم وسيرتهم تعطينا ملامح عن تاريخ بلادنا، فالحديث عن انتقال الشيخ حسين العصفور في نهاية القرن الثامن عشر من الدراز إلى الشاخورة يعطينا بعض المؤشرات عن تاريخ مناطق البحرين.
كما أن قرية «مقابة» التي تحتضن المؤتمر هذا العام كانت ذات شأن كبير، وهناك أسماء كبيرة تنتسب إلى «المقابي»، مثل الشيخ محمد بن سليمان المقابي (ت 1674م)، وما يروى عنه مليء بالعبر. فهذا العالم الكبير بدأ حياته فقيرا، ومن ثم عمل بجد إلى أن أصبح واحدا من أكبر تجار اللؤلؤ، وفي الوقت ذاته كان واحدا من كبار الفقهاء.
وتحكي القصص المدونة في كتب التاريخ أن الشيخ محمد بن سليمان المقابي… كان «في أول أمره فقيرا سيئ الحال»، وذُكر أنه في وقت لاحق من حياته «انّه إذا كان وقت الغوص وأتت سفن أهل تلك القرية من الغوص مضى الشيخ واشترى جميع ما أتوا به من اللؤلؤ والأقمشة، وكان تجار بلاد البحرين الذين يشترون اللؤلؤ يقصدون بيت الشيخ… وحيث أن أهل القرية لا يبيعون على أحد غير الشيخ فكان يبيع ذلك عليهم بالمرابحة ويقسمه بينهم بحيث لا يرجع أحد خائبا». واذا لاحظنا مصطلح «المرابحة»، فإنه ذاته الذي تتحدث عنه المصارف الإسلامية حاليا، وهو كان يطبق فعليا في «مقابة» في القرن السابع عشر الميلادي.
ويُذكر كتاب «لؤلؤة البحرين»: «ومن عجائب الزمان… انّه كان رجل من قرية بني جمرة قد باع على الشيخ (محمد بن سليمان المقابي) لؤلؤة كبيرة مجهولة بقيمة قليلة واتّفق أن الشيخ أعطاها من أصلحها فصارت جيدة فباعها بثمن أعلى، فلمّا جاء البائع من الغوص قال له الشيخ: «إن تلك اللؤلؤة التي اشتريناها منك قد بيعت بهذه القيمة الزائدة وأنا إنّما أخذتها منك بشيء قليل فأنا آخذ رأس مالي من هذا الثمن والباقي لك»، فامتنع الرجل وقال: «إنّي بعتك والمال مالك ولو ظهرت فاسدة لصارت نقيصته عليك وعلى هذا فالزائد لك» فامتنع المقابي من القبول «حتى حصل من أصلح بينهما بأن يعطيه بعضا ويأخذ الشيخ بعضا».
بقلم: منصور الجمري
بلد حضارةٍ وموطن علمٍ عريق
مؤتمر الشيخ حسين العلاّمة:
انطلق صباح الأحد المؤتمر العلمي الخاص بشخصية الشيخ حسين العصفور (عاش حتى العام 1802م)، بحضور جمعٍ من العلماء والباحثين والمهتمين من البحرين والسعودية والعراق ولبنان وإيران… وتختتم أعماله مساء اليوم، في خطوةٍ رائدةٍ لإحياء تراث أحد علماء البحرين التاريخيين الكبار.
الشيخ حسين المعروف بالعلامة، من كبار الفقهاء الذين أنجبتهم البحرين، وأسرته التي تعود جذورها إلى قرية الدراز، من الأسر التي حكمت البحرين (بجغرافيتها القديمة) نحو ثمانين عاما بين 1308 الى 1388م، ولكن اهتمامات العائلة لم تنحصر بالسياسة، إذ إن لها دورا كبيرا في التجارة، وفي الدراسة الدينية وهذه الأخيرة تركت بصماتها واضحة على الأرض، إذ خرّجت أعدادا من العلماء والفقهاء والخطباء والقضاة حتى عهدنا الراهن.
مثل هذا المؤتمر يسلّط الضوء على حقبةٍ علميةٍ زاهيةٍ من تاريخ البحرين (التاريخية)، التي كانت إحدى بؤر الإشعاع الفكري لمدرسة أهل البيت، إلى جانب مدارس النجف والحلّة بالعراق، وجبل عامل في لبنان. هذه المدارس الفقهية لعبت دورا كبيرا في التحوّل الذي مرّت به دولةٌ إقليميةٌ كبيرةٌ مثل إيران نحو مذهب أهل البيت، على خلاف ما هو شائعٌ في الأذهان.
العلامة هاجر من قريته (الدراز) الواقعة في القرن الشمالي الغربي من الجزيرة وذلك في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، إلى الشاخورة التي لا تبعد أكثر من كيلومترين، لكنها كانت نقلة كبيرة بمقاييس تلك الفترة، إذ افتتح مجلسه للبحث والتدريس، وأسّس حوزة علمية قوية ظلت تضخّ بتأثيراتها في المكان إلى دول الجوار؛ وفي الزمان حيث مازالت حاضرة حتى الآن.
التعليم النظامي بدأ رسميا في العام 1919م، مع بداية تشكّل معالم الدولة الحديثة، لكن مسيرة التعليم كانت أقدم بكثير، فالبحرين لم تكن أرضا قفرة. فقبل ثلاثة قرونٍ كان الطلاب يأتون مدرسة العلامة العصفور من مختلف المناطق لتلقّي العلوم الدينية في غرفٍ دراسية، على يد نخبةٍ من المدرّسين. هذه البيئة التعليمية تعكس وضعا ماديا مزدهرا، ومستوى ثقافيا متقدما، فالبحرين لم تكن مجتمعا بأكمله من الفلاحين والمزارعين وصيادي الأسماك. العلم لا يزدهر إلا في الحواضر الكبرى المرتاحة ماديا… هذا ما يقوله التاريخ.
في هذه المدرسة تخرّج العشرات من كبار الفقهاء والمحدّثين، وبلغ تلامذته 2200 طالب من مناطق البحرين والقطيف والإحساء وغيرها. الألقاب تكشف لك خريطة توزّعهم جغرافيا: (الجدحفصي، التوبلي، البلادي، الستري، البحراني، الإحسائي، الشويكي، القطري…). وإذا كانت الألقاب الثلاثة الأولى لا تعني شيئا لقربها من الشاخورة، إلا أن الألقاب الأخرى تعني الكثير من المشقة والعناء بسبب بدائية المواصلات، سواء سترة التي لم ترتبط بالجزيرة الأم عبر الجسر إلا في السبعينيات، فضلا عن قرى الشرقية والإحساء التي تفصلها عنّا ساعاتٌ أو أيامٌ من السفر عبر البر والبحر.
المؤتمر تم الإعداد له جيدا، وشُكّلت لتنظيمه عدة لجان، وزار وفدٌ كلا من العراق ولبنان والسعودية لدعوة كبار العلماء، واستجابت نخبةٌ منهم بالمشاركة وتقديم الأوراق العلمية. وتناول الباحثون جوانب مختلفة من هذه الشخصية العلمية الغنية… فقيها ومحدّثا ومتكلّما ومؤرخا وأديبا وشاعرا، فضلا عن التعريف بسيرته وظروف عصره السياسية والثقافية.
الرجل خلّف أكثر من تسعين مؤلّفا، تتوزع بين الفقه والعقائد والتفسير والحديث والسيرة والعرفان والأدب والأنساب، لم يطبع منها إلا القليل.
المؤتمر الذي اهتم بمتابعته مئات الرجال، غابت عنه المرأة تماما، فلم يُخصّص لها حتى ركنٌ صغير. والمؤكد أن هناك الكثيرات، حوزويات وغير حوزويات، كن يرغبن بالحضور، فالمهتمات بالتاريخ والثقافة والمعرفة من البحرينيات لسن قليلات.
المؤتمر بادرةٌ ثقافيةٌ طيبةٌ، فالعلامة من العلماء الذين قدّموا إسهامات فكرية مهمة لمدرسة أهل البيت في هذه المنطقة من العالم الإسلامي الكبير.
الوسط: قاسم حسين