دستورحركة 1938 وتأسيس آليات العمل السياسي المسيرات والمنشورات والكتابة على الجداران
في معرض الحديث عن سيرة الذاكرة الدستورية رأينا أن حركة 1938 كانت البداية الأولى للمطالبة الوطنية وإنها جاءت على إثر قناعة الجماعات السياسية بأن العمل المنفرد لا يأتي بالثمار ناضجة. ففي هذه الحركة كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها الشيعة بأهل السنة لوضع مطالب سياسية مشتركة. وقد أشرنا إلى أنها كانت حركة ناضجة سياسيا

متأثرة بعوامل محلية وعوامل دولية استفادت منها كل جماعة سياسية بحسب تكوينها الاجتماعي والعقائدي.
ابتدأت الحركة باجتماع عقد في بيت سعد الشملان ضم ممثلين عن الشيعة وهم ( منصور العريض،محسن التاجر السيد سعيد السيد خلف، عبدالله ابو ذيب) وممثلين عن السنة وهم ( خليل المؤيد ، احمد الشيراوي، علي بن خليفة الفاضل) بغرض توحيد الطائفتين وتقديم مطالب سياسية مشتركة للحاكم، وزيادة في تعميق هذا الهدف أجرى المجتمعون اتصالات مع بعض الشخصيات في المحرق واستمرت اللقاءات ثلاث ليال على أمل استكمالها والحفاظ على سريتها إلا أن جبر المسلم وهو من الشخصيات التي تم الاتصال بها في منطقة الحد قد أخبر الشيخ حمد بن عيسى بمجريات الاجتماعات وما يدور فيها وهو ما جعل قادة الحركة التقدم بالمطالب إلى الحاكم قبل توحيد الطائفتين جماهيريا. التقرير الحكومي الذي وثقته الوثائق البريطانية يذكر أن هؤلاء الأعيان تقدموا بخمسة مطالب هي " تشكيل مجلس تشريعي، جعل القضاء بيد مواطنين بحرانيين وعدم اقتصاره على العائلة الحاكمة، تشكيل مجلس لإدارة شؤون التعليم إبعاد الشرطة الأجانب وإحلال بحرانيين مكانهم وإصلاح الجهاز الإداري " ألا أن المقال الذي نشرت الحركة في صحيفة الميزان العراقية بتاريخ 23-12-1938 قد احتوى على عشرة مطالب هي :
1- إنشاء مجلس تشريعي مؤلف من عشرين عضوا عشرة منهم سنة ومثلهم من الشيعة بانتخاب عام دون تدخل أية سلطة أجنبية ويعين الحاكم رئيسا للمجلس.
2- طرد الموظفين الهنود واستبدالهم بموظفين وطنيين وعند اللزوم عراقيين.
3- السعي إلى إيجاد حكومة منظمة ذات قوانين وأنظمة ومسئولة اتجاه الحاكم والأمة.
4- تعديل مالية البلاد بصورة تكفل اطلاع الأمة على مصروفاتها وواردتها.
5- إيجاد شرطة عربية من أبناء البلاد يحلون محل الأعاجم.
6- طرد الموظفين الخونة.
7- بذل الجهود لتعليم أهل البلاد وإرسال بعثات تعليمية خارج البحرين.
8- إصدار جريدة سياسية تنشر حرية الفكر والكلام وتنتقد أعمال الحكومة .
9- الاتصال بالهيئات والجمعيات السياسية العربية في الخارج للاستعانة بهم وبمعلوماتهم أدبيا وسياسيا.
10- منع اليهود من دخول البحرين وإلغاء جنسياتهم البحرانية.
ويمكن لأي ملاحظ أن يتعرف على مستوى الوعي السياسي ومدى مطابقته لأغلب المطالب المعاصرة من خلال النظر إلى المطالب العشرة التي تقدم بها قادة الحركة.
أدوات وآليات عمل حركة 1938
من ضمن الأمور التي تجب الإشارة إليها أن حركة 1938 لم تنفرد بتوحيدها الطائفي و مطلبها الدستوري فحسب بل إنها أسست أيضا لآليات عمل سياسية كانت هي المرة الأولى التي يمارسها الناس لمطالبهم السياسية و الحقوقية. على رأس تلك الأساليب هي توزيع المنشورات السياسية والكتابة على الجداران والخروج في مظاهرات سياسية. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها توزيع منشورات واضحة المغزى بطريقة سرية ، وتنتشر فيها ملصقات تتحدى سلطة آل خليفة وتستهدف التدخل البريطاني السافر في شؤون إدارة البلاد وتطالب بالخصوص بإقالة المستشار تشارلز بلجريف فخلال شهر أكتوبر شاهد الناس منشورات على شكل ملصقات في كل من المنامة والمحرق وقد كتبت عليها شعارات عديدة منها:
" بشرى أيها الشعب النبيل ، سوف يزول الظلم عنكم ، ولقد سمعتم من زعماء الشعب وخطبائه في المجتمعات ما أثبت لكم زوال الظلم عنكم . كونوا على أهبة الاستعداد حتى يأتيكم أمر ثاني " وقد قامت الحكومة بإزالة معظم هذه الملصقات وعلقت مكانها إعلانات وأوامر تختص بمنع الناس من تنظيم العرائض ولكن الملصقات عادت مرة أخرى في نهاية أكتوبر وشوهد عدد منها على جدران المكاتب الرسمية ، جاء فيها : " نشكر نواب الشعب الوطني على البشرى التي أكدت لنا زوال الظلم ، ونحن متأهبون لصدور الأمر الثاني " كما ظهرت بعض الكتابات على جدران محكمة البحرين منها " يسقط المستشار . تسقط تسقط هذه المحاكم الظالمة " ، وتصاعدت المطالبة بإقالة مراقب التعليم ( فائق أدهم ) ، الذي كان تعيينه شرارة التحرك الطلابي الأول من نوعه عام 1930 . ووضعت في بيته رسائل تهدده بالقتل إذا لم يستقل من منصبه . كما قام بعض الشباب بتشويه الإعلان الذي وزعته الحكومة بخصوص منع توزيع المنشورات والملصقات . فقاموا بشطب اسم الشيخ حمد الذي ذيل به الإعلان وكتابة " الثور الأحمر " مكانه وكانوا يقصدون بذلك المستشار . وبعد أن قامت الحكومة والإدارة البريطانية باعتقال بعض قادة التحرك وبعض الشباب كانت منشورات عديدة قد وزعت موقعة باسم " الشباب الوطني " في المنامة والمحرق تطالب بإطلاق سراح المعتقلين وتدعو عمال النفط إلى الإضراب وتطلب من الناس مقاطعة السينما ، وتطالب بتكوين مجالس للإشراف على إصلاحات أجهزة التعليم والمحاكم وإنشاء نقابات عمالية .
وقد لا يسع المجال هنا لمناقشة موقف المعتمد البريطاني وبلجريف وموقف الحاكم إلا أن رسالة كتبها المعتمد البريطاني للمقيم في 8 ديسمبر طرح فيها وجهات نظره حول بعض القضايا وقال فيها أنه وبلجريف متفقان في كل النقاط وجاء في الرسالة :
" إن كلمة " تنفيذي " أو " استشاري " لا تعني شيئا ً لشعب البحرين فتكوين مجلس بأمر من الحكومة البريطانية سوف يفهم بشكل كامل على أنه سحب السلطة والقوة من الشيخ وحلفائه . وسيعتبر الشيخ والعائلة الحاكمة فرض المجلس عليهم من قبل الحكومة البريطانية خيانة للثقة التي أولوها للحكومة البريطانية ولصداقتهم الطويلة مع بريطانيا العظمى . وفي هذه الأيام التي تتصاعد فيها المشاعر المعادية لبريطانيا في هذا الجز من الشرق الأدنى فإنه من غير اللائق تقليص صلاحية أحد الحكام الطيعين وإغضاب العائلة الحاكمة والعرب في البحرين " وعن موقف العائلة الحاكمة من الفكرة قال المعتمد : " إن فكرة إنشاء مجلس نوقشت من قبل الشيوخ منذ بداية الاضطراب السياسي الحالي . ويعتبر جميعهم اقتراح المجلس نهاية حكم آل خليفة في البحرين ويعتقد الشيوخ أن الحكومة البريطانية لن ترغب في إضعاف موقعهم كحكام للبحرين . وأنهم متأكدون بأنه حال وجود مجلس في البحرين ( مهما كان شكله أو صورته ) فإن آل خليفة لن يبقوا حكاما ً للبحرين "
وتأتي هذه الرسالة بعد حملة قمع واعتقالات واسعة في صفوف قادة التحرك وفي صفوف الشباب المنطوي تحت قيادة الحركة ففي 6 نوفمبر 1938، اعتقلت الحكومة كلا ً من سعد الشملان وأحمد الشيراوي متهمة إياهما بالتحريض على الاضطراب ، وباستعمال كلمات غير لائقة ضد الشيخ حمد . وفي اليوم التالي ( الأحد 7 نوفمبر ) دعت " حركة الشباب الوطني " عمال شركة بابكو بالإضراب ، فتوقف العمل في مكاتب الشركة وفي حقول النفط ، وكان زعماء الإضراب من بين سائقي السيارات والفنيين وموظفي المكاتب . كما حدثت اعتصامات وتظاهرات في المنامة والشوارع الخارجة منها حيث تمكن المتظاهرون من منع العمال من الذهاب إلى الشركة . ولكن عددا ً منهم تم اعتقاله . على أثر ذلك تجمع عدد من أفراد حركة الشباب في جامع صلاة الجمعة وطلبوا رؤية المعتمد ، الذي رفض مقابلتهم . فما كان منهم إلا أن انتشروا في السوق وتمكنوا من إغلاق الدكاكين . وبعد قليل جاءت مجموعة من الشرطة إلى السوق واستعملت القوة لتفريق المتظاهرين مما أدى إلى حدوث إصابات بين المتظاهرين . وتم في الوقت نفسه اعتقال كل من علي خليفة الفاضل وإبراهيم كمال ، والأول كان أحد قادة الحركة .
وفي 12 نوفمبر جاءت أول وثيقة مشتركة وهي عبارة عن رسالة إلى الحاكم من خمس شخصيات تمثل طائفتي المسلمين في البحرين وهي كالتالي :
" إلى حضرة … الشيخ حمد بن عيسى الخليفة أطال الله عمره بعد تقديم جزيل الشكر والاحترام لمقامكم السامي نتشرف أن نعرض لجلالتكم بخصوص المسائل التي نلتمس إجراءها من حكومة البحرين الجليلة والتي نعتقد أن فيها راحة الحكومة ورضاء رعاياها وهي كما يأتي :
أولا ً : المعارف : تشكيل مجلس للمعارف يتألف من ثمانية أعضاء أربعة سنيين وأربعة شيعيين . يشرف المجلس على سير التعليم في المدارس وبمعرفته توضع برامج التدريس وكذلك جلب مديري المدارس والمعلمين وإرسال بعثات إلى الخارج .
ثانيا ً : المحاكم : إصلاح المحاكم بتغيير القضاة الموجودين في العدلية وتشكيل هيئة من ثلاثة قضاة لكل محكمة بحيث يكونون اثنين من الوطنيين الأهالي واحد سني وواحد شيعي ، والثالث حسب نظر الحكومة . وإنشاء محكمة خاصة للجنايات يكون يحكم فيها قاضي قانوني بمفرده يطلب من العراق ، وأن يكون من ذوي السمعة الحسنة وهو بصفة مؤقته إلى أن يوجد من الوطنيين من يحل محله .
ثالثا ً : إصلاح البلديات بتعيين الوطنيين في الوظائف محل الأجانب على السواء .
رابعا ً : تأسيس نقابة للعمال يعترف بها رسميا ً من الحكومة تتولى شؤون العمال الوطنيين جميعا ً سواء كانوا في الشركات أو في غيرها تنظر في شؤونهم وتحافظ على حقوقهم .
خامسا ً : تجنبا ً لما يحدث من سوء تفاهم غير مقصود في المستقبل بين الحكومة والأهالي نطلب اختيار ستة أشخاص ثلاثة من السنيين وثلاثة من الشيعيين يمثلون الأهالي للتفاهم مع الحكومة .
والأمر لكم ودمتم .
التوقيع : ( يوسف فخرو ، سيد سعيد بن السيد خلف ، منصور العريض ، محسن التاجر ، عيسى بن صالح ) .
في 19 رمضان 1357 هـ
ملحق عريضة مؤيدة للحكومة مقابل عريضة حركة 1938
في 24 رمضان 1357هـ ( 17 نوفمبر 1938 ) بعث عدد من أهالي الحد رسالة إلى الحاكم يعربون فيها عن عدم موافقتهم على رسالة قادة حركة 1938 وكانت كالتالي :
" إلى جانب عالي جانب الأجل الأمجد حاكمنا المعظم صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى الخليفة وحكومتنا الموقرة دام مجدها آمين . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام .. أما بعد نحن الموقعين أسماءنا أدناه ، نفيدكم أنه قد بلغنا أنه قدم لكم مطالبنا وحنا ليس لنا ولا عن اطلاعنا وحنا راضين من حاكمنا وحكومتنا ليحيط بعلمكم حببنا اطلاعكم بذلك والسلام .
التوقيع : جبر بن محمد المسلم ، السيد أحمد بن يوشع ، أحمد بن محمد بن عبد الرزاق ، السيد إبراهيم بن عبد الله ، أحمد بن محمد آل محمود ، محمد الشيخ عبد اللطيف ، ناصر بن سالم السويدي ، خليفة بن زعل البوفلاسه ، حمد بن صغير البوفلاسه ، أحمد بن سيف السويدي ، عيسى بن حمد بن مفتاح ، سعيد بن مبارك ألسليطي ، صالح بن سيف المسلم ، فهد بن حسين المسلم ، أحمد بن راشد النعيمي ، عبد الله بن عيسى الوادي ، جبر محمد العماري . ثلاثينات القرن الماضي بداية التنظيمات السياسية وفترة المطالبة الدستورية
تحتاج عملية استيعاب التاريخ إلى عملية تذكير دائمة وإلى تحديد العوامل والنتائج. وفي حالات عديدة لا تقوى بعض الأطراف على حذف الأحداث التاريخية من الذاكرة لذا فهي تتجه إلى العبث بها وإطفاء عوامل التحريف عليها من أجل أن تكون الذاكرة التاريخية ذاكرة منقسمة على نفسها ومهمشة في شكلها الخارجي. وهذا ما يمهد الأرضية لوضع القوى السياسية المعاصرة في موقع الغريب والطارئ على التاريخ وعلى السياسة، من جهة ومن جهة أخرى إكساب الأوضاع الحالية شرعية سياسية وتاريخية. وإذا كان الاقتصاد هو الذي يؤثر بقوة على الحياة السياسية في البلدان الديمقراطية فإن التاريخ السياسي والذاكرة التاريخية تؤثر بقوة أكثر في مجريات البلدان غير الديمقراطية أو التي لم تنجز مهمة بناء الدولة الحديثة فيها بعد.
إن فترة الثلاثينات من القرن الماضي تعتبر فترة البداية الحقيقية للمطلب التاريخي في البحرين وهو مطلب إنشاء مجلس تشريعي منتخب يشارك في عملية صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمواطنين، كما تعتبر تلك الفترة فترة نمو وعي سياسي حقوقي وسياسي استمر لعقود يتراكم بتراكم الخبرات وزيادة الضغوط والمواجهة. وإذا ما أردنا بحث جذور ما طرح في انتفاضة التسعينات وما تلاها من سنوات فيمكن القول أن ما طالب به شعب البحرين في سنة 1938 من مطالب سياسية وحقوقية يعتبر الجذر الأول للمطالب السياسية الوطنية وجذر الخلاف المتجدد مع السلطة السياسية بشكل علني نابع من إجماع وطني يجمع الشيعة والسنة في حركة سياسية واحدة. ويشكل هذا الامتداد التاريخي ترسانة صلبة لا يمكن القفز على أفقها، بمعنى أن هذا التراكم التاريخي هو ما يجعل من المطالبة بمجلس تشريعي كامل الصلاحيات وبدستور عقدي مطالبة باقية ومستمرة يصعب على أية قوة سياسية أن تتنازل عنها إلا بتنازلها عن التاريخ والهوية السياسية للبحرين.
وسنحاول هنا استعراض تلك الفترة المهمة سياسيا وتاريخيا لكونها عنصرا أساسيا في تشكيل الهوية السياسية لقوى المعارضة ولغالبية شعب البحرين.
ولعل السؤال الأول الذي تجدر الإجابة عليه هو هل أن الوعي السياسي في تلك الفترة كان وعيا ناضجا ووعيا متقدما فعلا ؟ أم أن الأمر كما يحلو للبعض مجرد حركة عادية كانت تقف من وراءها مصالح شخصية أبرزها رغبة الشيخ سلمان بن حمد في تثبيت نفسه كولي للعهد مقابل الشيخ عبدالله بن عيسى؟ وجهة النظر الثانية سوف تستمر في طرح نفسها أمام كل مفصل من مفاصل التاريخ السياسي لإظهار التاريخ أنه مصنوع من قبل فئة محددة وتمتلك مصادر القوة والسلطة وبالتالي فإن القوة الشعبية وتنظيماتها ومطالبها لا تمثل تاريخا مجتمعيا ولا تمثل عنصرا تتشكل منه الهوية السياسي للبحرين. وبالتالي فإن الاستثمار المعاصر للذاكرة التاريخية سوف يظهر في وصف المطالب السياسية بدستور عقدي وبسلطة تشريعية كاملة الصلاحيات على أنها مطالب طارئة ولا تتوافق والخبرات التاريخية والسياسية للبحرين وللمنطقة عموما. وفي النهاية يجب التسليم بما تطرحه الرؤية الرسمية للإصلاح السياسي والقبول به كحد أعلى لأنها هي صاحبة الوعي وصاحبة الخبرة في التاريخ والسياسة.
التعاطي مع الأحداث التاريخية بشكل موضوعي لا يتسع ولو بشكل ضئيل لقبول وجهة النظر القائمة على سحب عنصر الوعي والتحرك الذاتي للناس. ويحيلنا ذلك إلى تحليل استراتيجيات السلطة في التعاطي مع المطالب السياسية وهي ما يمكن تسميته بإستراتيجية الاستثمار والتوظيف الجيد، بمعنى إن السلطة السياسية تبرع في استثمار الأحداث السياسية وتوقف مفعولها من خلال دخول بعض عناصرها في خلطة المجريات أو ما بات يعرف حاليا بوجود حرس قديم وحرس جديد. فهناك دائما أطراف تؤيد الاستجابة للمطالب السياسية، مقابل أطراف أخرى أكثر تشددا وتصلبا في رفض المطالب أو الاستجابة لها بأي طريقة. وهو ما يمكن السلطة السياسية في النهاية من الالتفاف على مطلب المجلس التشريعي والدستور العقدي.
مصادر وعي المطالبة الدستورية وبداية التنظيمات السياسية
بالعودة إلى نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات يمكن التوصل إلى أن الوعي السياسي في تلك الفترة كان متصلا بشكل مباشر وغير مباشر بالوعي السياسي في المنطقة عموما وبحركات ونهضات سياسية مشابهة شهدتها المنطقة العربية. ورغم قلة الفئات المتعلمة أو القادرة على القراءة، إلا أن الناس كانوا على دراية بما يحدث ويمتلكون القدرة على الفهم والتحليل وبالتالي التقدم بمطالب سياسية وحقوقية عادلة. وهو أمر أثار دهشة بعض الأجانب الزائرين للبحرين مطلع العشرينات ووصول مبادي ولسون " رئيس الولايات المتحدة" حول حرية الأوطان والعدالة والحرية لأهالي القرى. فالشيعة كانوا على اتصال بما كان يجرى في العراق وإيران والهند وما تشهده تلك الدول من حركات دستورية بحكم توافدهم على زيارة تلك الدول إما للزيارات المقدسة أو للتجارة أو لطلب العلم، والسنة بعد ضعف الرابطة القبيلة في بداية العشرينات كانوا على اتصال وثيق بما يجرى في مصر وبلاد الشام وظهور الوعي القومي وتنظيمات سياسية كان الشيخ رشيد رضا صاحب المنار يؤيد إنشاءها وقد جند بعض تلاميذة الأزهر لعمل تنظيمات دينية في البحرين على غرار التنظيمات السرية التي أسسها في مصر وبلاد الشام.
وإذا ما تجازنا المصادر الخارجية كمصدر رئيسي لطرح المطالب السياسية، فإن التغييرات والتطورات التي شهدتها البحرين في تلك الفترة قد أرست قواعد العمل السياسي والتأسيس لمطالب سياسية وحقوقية وطنية. فمن ناحية الوضع الاقتصادي كان النفظ مسئولا عن تحولات اجتماعية واسعة أبرزها بروز العمال كفئة واضحة تضم أفرادا من كلا الطائفتين يعملون معا وتحت ظروف واحدة خلافا لنظام العمل الذي كان سائدا والقائم على الفصل بين الطائفتين وبسبب تدهور صناعة اللؤلؤ تحول الكثير من الغاصة إلى قطاع العمل المدني وهو ما وفر لهم وقتا واسعا لمناقشة قضاياهم بدلا من الانخراط في العمل لثلاثة شهور وأكثر في الغوص، وفي الوقت نفسه أزداد عدد التجار في مدينة المنامة والمحلات التجارية وبرزت كثير من القضايا التجارية ذات العلاقة بالمصالح المالية ولم يكن هناك نظام قضائي ونظام قانوني يستوعب مثل هذه التحولات. ومن ناحية سياسية فإن مرحلة الإصلاح الإداري كان من المفترض أن تستمر وأن تبدأ في تحويل المشيخة إلى دولة إلا أن الأمور ظلت ثابتة في محلها وبقيت المظالم مستمرة رغم التطور الإيجابي الذي حدث بعد إدخال الإصلاحات الإدارية إلا أن تطبيق بعض القوانين وعلى رأسها قانون ملكية الأراضي أوجد مظالم جديدة لم تكن السلطة السياسية مقتنعة بضرورة تفاديها كما إن الإدارة البريطانية قد أخلت يدها من قضية الإصلاح السياسي منذ عزل الحاكم الشيخ عيسى بن علي وكانت تهتم كثيرا بتعزيز موقع الحاكم ومن وراءه مؤسسة الحكم التي نالها الضعف الشديد.
فبالرغم من أن الإصلاحات كان قد تم العمل بها في عهد الشيخ حمد إلا أنه كان بطيئا ً في استيعاب معطياتها . إن حكومة الهند لم يكن لديها سياسات بعيدة المدى باتجاه البحرين . فقد فعلت وقامت بردة الفعل بطريقة عفوية . وكانت تتعامل مع كل حادثة أو أزمة حال حدوثها تقريبا ً ( أي بدون تخطيط مسبق ) . فأحيانا ً كانت تراهن على عامل الزمن ، وأحيانا ً كانت تتحاشى القضايا الحساسة في البلاد ولذلك تصاعدت الضغوط المحلية ونتجت عنها مطالب مشتركة بين الشيعة والسنة. وهذا ما حدث على أثر مطالب البحارنه التي تضمنتها في البداية العريضة التي قدمت في نهاية عام 1934 .
وفي الواقع كان إلغاء نظام السخرة ونظام الضرائب الطائفي إلغاءا شكليا إذ تحولت السخرة والضرائب الطائفية إلى تمييز اقتصادي واجتماعي لحق بالغالبية من السكان وما زال مستمرا حتى اليوم. فعلى سبيل المثال لم يحظى البحارنه بفرص عمل في شركة بابكو كما كان لغيرهم الأمر الذي دعا البحارنه في 28 يناير 1935 للاجتماع في مأتم مدن بالمنامة حضره جمع غفير من سكان القرى لمناقشة مسألة توظيف البحارنه في شركة النفط لأن أكثرهم كان بدون عمل ، وتم تسجيل أسماء العاطلين عن العمل على أمل رفع القضية للحكومة . وكان الحضور الهائل بمثابة صدمة للمستشار الذي اعترف فيما بعد بأن المطالب التي قدمت كانت بإقرار الجماهير وليس من جعبة الأشخاص الثمانية الشعية. وفي مجال الخدمة التعليمية كان ممنوعا على البحارنة التسجيل في مدارس أخرى وهو ما وفر غطاءا لاحقا في اختيار الطلاب المبتعثين للدراسة في الخارج حتى متنصف الأربعينات. وظلت القرى في آخر قائمة الخدمات الإنمائية لدرجة أن بعض القرى لا تزال حتى اليوم غير مجهزة ببنة تحتية حديثة. أما الجانب السني فقد شهد تحولا هو الأخر تمثل في انتقال كثير منهم من النظام القبلي إلى النظام المدني وفقدت كثير من القبائل سلطتها وشهرتها وكان عليهم الانخراط في النظام المدني والحضري وهو ما ولد لديهم نزعة سياسية ومطلبية مشابهة لما يحدث في القرى والمدن.
نتيجة لكل ذلك تبلور الوعي السياسي لدى المواطنين حول ضرورة الدفع بالإصلاح السياسي وتجديد المطالبة بالمجلس التشريعي والدستور العقدي وفي عام 1938 تمخض عن تفاعل الحوادث الداخلية في البحرين حركة شعبية واسعة كانت ثمرة إصرار البحارنه على تحسين الوضع السياسي في البلاد وبداية لحركات إصلاحية امتدت خلال نصف القرن الأخير من عمر البحرين.
ففيما كان وجهاء البحارنة ورؤساء القرى يجتمعون ويتداولون شؤون البلاد ويتدبرون في الخطوات التالية لتحركاتهم كان الوعي السياسي يزداد ترسخا ً في أوساط واسعة من الشباب الذين التحقوا بالمدارس وانفتحوا على العالم الخارجي . ولما كانت حكومة الهند قد تمادت في دعم الحكومة وإبقائها مسطيرة ومنفردة في الحكم وقمع التحركات المناوئة الأخرى ، فقد تمخض عن ذلك وعي جماهيري يمعن في المطالبة ليس بحقوق طائفية محدودة ، بل بحقوق وطنية شاملة تتسع حتى تصل حد المطالبة بمجلس تشريعي وتبلغ درجة طرح فكرة إبعاد المستشار البريطاني لحكومة البحرين تشارلز بلجريف عن البلاد.
ومع حلول عام 1938 كانت قضية الوضع في البحرين تأخذ بعدها الدولي فتظهر المقالات في الصحف العربية وغيرها تنتقد السياسة البريطانية وسياسة الحكومة في البحرين وتطالب الناس بالتحرك السياسي الواسع . وتظهر مقالات سياسية عن أوضاع البحرين في مجلات مثل " الناس " في البصرة و " المستقبل " في بغداد و " الرابطة العربية " و " الشباب " في القاهرة و " النهار " و " صوت الأحرار " في بيروت و " العمل القومي " في دمشق و " البيان " في نيويورك وكلها تتحدث عن الوجود البريطاني في البحرين وعن بناء قاعدة الجفير وعن نشاط المستشار البريطاني فيها.
بقلم: عباس المرشد