نخيلقد يتعجب بعض الإخوة ماهو سر التنافس لمعرفة موقع مدينة هجر الدارسة؟

أقول لهم بكل صراحة مدينة هجر وقراها «البحرين القديم» هي مركز التشيع في العالم بعد مدينة رسول الله من هجر برز أصحاب الإمام علي ومنهم رشيد الهجري وصعصعة بن صوحان، وزيد بن صوحان، والحارث بن مره العبدي، وجويرية بن مسهر العبدي،…الخ، هؤلاء أهالي هجر، هم شيعة أهل البيت الذين كانت سيوفهم مع


الامام علي في جميع حروبه، هم عبد القيس أفضل أهل المشرق، الذي ينطبق عليهم قول الإمام الصادق «شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا». 
وضمن الدراسة التي قمت بها «كتاب مخطوط» عن تاريخ قرامطة هجر كان جزءا منها تحديد موقع مدينة هجر ونظرا لكثرة ماوردني من استفسارات عن موقع هجر اضطررت لان أنشر هذا الجزء، للإجابة على هذه التساؤلات.
البحرين وقراها:
viewimageأطلق مسمى البحرين على المنطقة بسبب عينان كانتا تسيحان بالمياه بين قصبتي منطقة البحرين، القطيف وهجر، وأشار حمد الجاسر إلى ذلك قوله: «جاء في كتاب نصر: قال الأصمعيُ: إنما سميت البحرين لأنهما عينان بينهما مسيرة ثلاث: إحداهما محلم[1] ، والأخرى قضباء وهي خبيثة الماء، على إحداهما هجر، والأخرى قطيف، وهي الخط» انتهى[2] .
كانت الاحساء قبل حكم القرامطة خارج مدن البحرين ولكن بعد أن حكم القرامطة أصبحت ضمن مدن البحرين المعروفة أيضا بمدن هجر ولتوضيح ماذهبنا إليه نقول:
• أولا: لم تكن الاحساء ضمن أراضي البحرين القديم قبل الإسلام، كما بين الشاعر الجاهلي الحارث بن حلزة بن بكر بن وائل، قوله:[3]
إذ ركبنا الجمال من سعف البحرين
سـير أ حـتـى نهـاهـا الحـسـاء
• ثانيا: كما لم تكن الاحساء ضمن مدن البحرين حتى بدايات القرامطة، وهذا ما أوضحه أبن خرداذبة المتوفي عام 300ه في كتابه المسالك والممالك بقوله: «قرى البحرين وهي الخط والقطيف، والآرة، وهجر، والفروق وبينونة، قال النابغة الجعدي:
عليهن من وحش بينونة
نعاج مطافيل فـي ربـرب
والمشقر، والزارة، وجواثا، قال الشاعر:
ماضر اشناس لا يكون له
يـوم جواثـا ويـوم ذي قار
وسابون ودارين والغابة، والشنون» انتهى[4]
• ثالثا: سكن الاحساء بني تميم وبني سعد ولم يسكن الاحساء أفراد قبيلة عبد القيس.
• رابعا: كانت الاحساء قبل القرامطة بريه يعيش فيها الأعراب ولم تذكر كتب التاريخ أن الاحساء ضمن مدن البحرين قبل القرامطة كما ذكر المؤرخون أن مدينة هجر قصبة البحرين تبعد عن الاحساء القرمطية حوالي مسير منتصف الليل حتى الصباح.وأشار الجاسر قوله:«ورد في كتاب بلاد العرب أن الاحساء من هجر على ميلين، وهو يقصد مدينة الاحساء القديمة التي أصبحت القاعدة منذ عهد القرامطة» انتهى[5] .
أين تقع مدينة الاحساء القديمة التي بناها القرامطة وسكنها أبو سعيد عندما حاصر مدينة هجر؟
سيكون بداية مفتاح المعرفة لمواقع المدن الدارسة بالبحرين هو تحديد مدينة الاحساء التي بناها القرامطة ومن هنا سنتمكن من تحديد موقع هجر ومن ثم القطيف والزارة والخط وقرى هجر الاخرى:
أحساء القرامطة «المؤمنية»
الاحساء:
يجب أن نبين للقارئ الكريم أن موقع الاحساء التي أقامها القرامطة تختلف عن أحساء اليوم التي إقتربت من حدود قطر بينما كانت بدايات مدينة الاحساء هي تلك المدينة التي بناها القرامطةعام 314ه عندما حدث خلاف بين العقدانية «المجلس القرمطي» وأهل البحرين وشكل أزمة حادة، اضطر بسببها ابو طاهر ان ينقل مركز ثقله الى الاحساء واسس مدينته المؤمنية[6] وفي الحقيقة ان مدينة القرامطة تلك كانت بالقرب من منطقة القطيف ولكن أندرس ذكرها كما اندرس ذكر القرامطة، حتى أصبح من الصعب على أبي الفداء المتوفي عام 732ه تحديد أحساء القرامطة حيث قال: الاحساء علم لموضع من بلاد العرب وهي أحساء بني سعد بن هجر وهي دار القرامطة بالبحرين وقيل أحساء بني سعد غير أحساء القرامطة وليس للإحساء سور»[7] . وسنوضح للقارئ ذلك بالتفصيل.
القبائل التي تسكن البحرين في الفترة القرمطية:
قال المسعودي: «مدن البحرين، وكان أهلها في نهاية العدة والقوة كالقطيف، وكان بها علي بن مسمار وإخوته، وهم من عبد القيس، وقتله علياً والزارة، وكان بها الحسن بن العوام من الأزد وصفوان، وكان بها بنو حفصن وهم من عبد القيس أيضاً والظهران والإحساء[8] ، وكان بها بنو سعد من تميم وجواثاً، وكان بها العريان بن الهيثم الربعي» انتهى[9] .
أوضح المسعودي أن بنو سعد من تميم كانوا في الظهران والإحساء وذلك في عرض حديثه عن بدايات القرامطة أي في نهاية القرن الثالث الهجري، وقد يرد إلى البعض بعد المسافة بين الاحساء والظهران واشتراك بنو سعد في إقامتهم فيهما، وكما هو متعارف عليه حتى وقتنا الراهن موقع مدينة الظهران الواقعة في أقصى جنوب القطيف، مازالت معالمها معروفه ومازال بقايا بعض نخيلها متناثر في إرجاء الظهران المجاورة لمدينة الخبر الحديثة. وبالتالي فحدود قبائل بني سعد التميمية من الاحساء حتى الظهران، وأعتقد أن بني سعد كانوا ينتشرون في بادية الظهران الى الاحساء«احساء القرامطة»، أما سكان الظهران فهم من الحضر المزارعين من بني عامر من قبيلة عبد القيس كما أشار الحموي في معجمه واشتهرت قديما بالثياب الظهرانية، وقد أوضح الدكتور جواد علي موطن عبد القيس قوله:«فنزلت جديمة بن عوف بن بكر بن عوف بن انمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز الخط وأفناءها ونزلت شن بن افصي طرفها وأدناها الى العراق ونزلت نكرة بن لكيز القطيف وماحولها والشفار والظهران الى الرمل ومابين هجر الى قطر وبينونة»[10] فهذه مواقع تواجد عبد القيس ولم تكن الاحساء موقع سكناهم قبل الحكم القرمطي.
موقع الاحساء القرمطية:
قبل البدء بتحديد موقعها قد يقول البعض أن هناك الكثير من المناطق عرفت بالاحساء ومنها أحساء القطيف، فمن الصعب تحديد تلك الاحساء التي سكنها القرامطة. هنا يسعفنا بالإجابة قول الأزهري:«وقد رأيت بالبادية أحساء كثيرة على هذه الصفة، منها أحساء بني سعد بحذاء هجر وقراها، قال: وهي اليوم دار القرامطة وبها منازلهم»[11] .
كما بينا آنفا إن الاحساء التي سكنها القرامطة هي أحساء بني سعد الذين كانت مرابعهم بين الظهران والاحساء، أين تلك الاحساء القرمطية؟.
مواصفات وحدود احساء القرامطة:
ذكر المقريزي ان الاحساء تبعد عن هجر ميلان حيث قال:«وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس، وأجابه كثير منهم، وفر منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفاً من شره، ولم يمتنع عليه إلا هجر وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه فنازلها شهوراً يقاتل أهلها، ثم وكل بها رجلا.وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان فابتنى بها دارا، وجعلها منزلا، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ويعقب قومه على حصارها»انتهى[12] .
حدود أحساء القرامطة كما وصفها خسرو:
الرحالة المؤرخ ناصر خسرو الذي زار احساء القرامطة وكتب بالتفصيل معالم هذه المدينة والمسافات التي تربطها بمحيطها، يقول خسرو«وحين يسير المسافر من الحسا الى الشمال سبعة فراسخ يبلغ جهة القطيف وهي مدينة كبيرة بها نخل كثير» كما يقول في موضع آخر «ومن اليمامة «الخرج» الى الحسا أربعون فرسخا» وايضا يقول: «والبحر على مسيرة سبعة فراسخ من الحسا إلى ناحية الشرق فإذا اجتازه المسافر وجد البحرين»[13] .
من قول خسرو يتبين للقارىء أن المسافة بين الاحساء والبحر من جهة الشرق، هي المسافة ذاتها بين الاحساء والقطيف من جهة الشمال وهي سبعة فراسخ. والفرسخ كما هو متعارف عليه ثلاثة أميال أي مايعادل«5.544» كيلومتر. وبالتالي المسافة بين الاحساء القرمطية والقطيف «38.808» كلم.
أحساء اليوم:
وقبل معرفة موقع أحساء القرامطة نتعرف أولا على موقع أحساء اليوم:
كما هو معرف أن مدينة احساء اليوم، تقع على بعد«170» كلم تقريبا عن منطقة القطيف وبهاعدة مدن وقرى واراضيها شاسعة، فكيف لنا معرفة تلك الاحساء التي سكنها بنو سعد كما ذكرها المسعودي المعاصر للقرامطة.
وهنا نتساءل اين تقع مدينة الاحساء«المؤمنية» التي بناها القرامطة بعد إختلافهم مع اهالي القطيف ونزوحهم الى الاحساء وتعميرمدينتهم؟
ولمعرفة أكثر عن الاحساء القرمطية نستذكر ماقاله خسروا المعاصر للفترة المتأخرة من القرامطة بوصفه للاحساء بشيء من التفصيل يقول «والحسا مدينة وسواد أيضاً وبها قلعة ويحيط بها أربعة أسوار قوية متعاقبة من اللبن المحكم البناء بين كل اثنين منها ما يقرب من فرسخ وفي المدينة عيون ماء عظيمة تكفي كل منها لإدارة خمس سواق ويستهلك كل هذا الماء بها فلا يخرج منها ووسط القلعة مدينة جميلة بها كل وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة وفيها أكثر من عشرين ألف محارب وقيل إن سلطانهم كان شريفاً وقد ردهم عن الإسلام وقال إني أعفيتكم من الصلاة والصوم ودعاهم إلى إن مرجعهم لا يكون إلا إليه وأسمه أبو سعيد وحين يسألون عن مذهبهم يقولون إنا أبو سعيديون وهم لا يصلون ولا يصومون ولكنهم يقرون بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وبرسالته وقد قال لهم أبو سعيد إني أرجع إليكم يعني بعد الوفاة وقبره داخل المدينة وقد بنوا عنده قبراً جميلاً وقد أوصى أبناءه قائلاً يرعى الملك ويحافظ عليه ستة من أبنائي يحكمون الناس بالعدل وللقسطاس ولا يختلفون فيما بينهم حتى أعود ولهؤلاء الحكام الآن قصر منيف هو دار ملكهم وبه تخت يجلسون هم الستة عليه ويصدرون أوامرهم بالاتفاق وكذلك يحكمون ولهم ستة وزراء على تخت آخر ويتداولون في كل أمر كان لهم في ذلك الوقت ثلاثون ألف عبد زنجي حبشي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين وهم لا يأخذون عشوراً من الرعية وإذا افتقر إنسان أو استدان يتعهدونه حتى يتيسر عمله وإذا كان لأحدهم دين على آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال الذي له وكل غريب ينزل في هذه المدينة وله صناعة يعطى ما يكفيه من المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات ويرد إلى الحكام ما أخذ حين يشاء وإذا تخرب بيت أو طاحون أحد الملاك ولم تكن لديه القدرة على الإصلاح أمروا جماعة من عبيدهم بان يذهبوا إليه ويصلحوا المنزل أو الطاحون ولا يطلبون من المالك شيئاً وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجانا ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها وأجور الطحانين وهؤلاء السلاطين الستة يسمون السادات ويسمى وزراؤهم الشائرة وليس في مدينة الحسا مسجد جمعة ولا تقام بها صلاة أو خطبة إلا إن رجلاً فارسياً اسمه علي بن أحمد بنى مسجداً وهو مسلم حاج غني كان يتعهد الحجاج الذين يبلغون الحسا والبيع والشراء والعطاء والأخذ يتم هناك بواسطة رصاص في زنابيل يزن كل منها ست آلاف درهم فيدفع الثمن عددا من الزنابيل وهذه العملة لا تسري في الخارج وينسجون هناك فوطاً جميلة ويصدرونها للبصرة وغيرها وإذا صلى أحد فإنه لا يمنع ولكنهم أنفسهم لا يصلون ويجيب السلاطين من يحدثهم من الرعية برقة وتواضع ولا يشربون مطلقاً وعلى باب قبر أبي سعيد حصان مهيأ بعناية عليه طوق ولجام يقف بالنوبة ليلاً ونهاراً يعنون بذلك إن أبا سعيد يركبه حين يرجع إلى الدنيا ويقال إنه قال لأبنائه حين أعود ولا تعرفونني إضربوا رقبتي بسيفي فإذا كنت أنا حييت في الحال وقد وضعت هذه الدلالة حتى لا يدعي أحد أنه أبو سعيد.
وقد ذهب أحد هؤلاء السلاطين بجيش إلى مكة أيام خلفاء بغداد فاستولى عليها وقتل من كان يطوف بالكعبة وانتزع الحجر الأسود من مكانه ونقله إلى الحسا وقد زعموا إن هذا الحجر مغناطيس يجذب الناس إليه من أطراف العالم ولم يفقهوا إن شرف محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وجلاله هما اللذان يجذبان الناس فقد لبث الحجر الأسود في الحسا سنين عديدة ولم يذهب إليها أحد وأخيراً اشتري منهم الحجر الأسود وأعيد إلى مكانه.
وفي الحسا تباع لحوم الحيوانات كلها من قطط وكلاب وحمير وبقر وخراف وغيرها وتوضع رأس الحيوان وجلده بقرب لحمه ليعرف المشتري ماذا يشتري وهم يسمنون الكلاب هناك كما تعلف الخراف حتى لا تستطيع الحركة من سمنها ثم يذبحونها ويبيعون لحمها. والبحر على مسيرة سبعة فراسخ من الحسا إلى ناحية الشرق فإذا اجتازه المسافر وجد البحرين وهي جزيرة طولها خمسة عشر فرسخاً والبحرين مدينة كبيرة أيضاً بها نخل كثير ويستخرجون من هذا البحر اللؤلؤ ولسلاطين الحسا نصف ما يستخرجه الغواصون منه وإذا سار المسافر جنوب الحسا يبلغ عمان وهي في بلاد العرب وثلاثة جوانب منها صحراء لا يمكن اجتيازها وولاية عمان ثمانون فرسخاً في مثلها وهي حارة الجو ويكثر بها الجوز الهندي المسمى نارجيل وإذا أبحر المسافر من عمان نحو الشرق يبلغ شاطئ كيش ومكران وإذا سار جنوباً يبلغ عدن فإذا سار في الجانب الآخر يبلغ فارس. وفي الحسا تمر كثير حتى أنهم يسمنون به المواشي ويأتي وقت يباع فيه أكثر من ألف من بدينار واحد وحين يسير المسافر من الحسا إلى الشمال سبعة فراسخ يبلغ جهة القطيف وهي مدينة كبيرة بها نخل كثير وقد ذهب أمير عربي إلى أبواب الحسا ورابط هناك سنة واستولى على سور من أسوارها الأربعة وشن عليها غارات كثيرة ولكنه لم ينل من أهلها شيئاً وقد سألني حين رآني عما تنبئ به النجوم قال أريد إن أستولي على الحسا فهل أستطيع أم لا فإن أهلها قوم لا دين لهم فأجبته بما فيه الخير له. وعندي إن كل البدو يشبهون أهل الحسا فلا دين لهم ومنهم أناس لم يمس الماء أيديهم مدة سنة أقول هذا عن بصيرة لا شيء فيه من الأراجيف فقد عشت في وسطهم تسعة شهور دفعة واحدة لا فرقة بينها ولم أكن أستطيع إن أشرب اللبن الذي كانوا يقدمونه إلي كلما طلبت ماء لأشرب فحين أرفضه وأطلب الماء يقولون أطلبه حيثما تراه ولكن عند من تراه وهم لم يروا الحمامات أو الماء الجاري في حياتهم»[14] .
أحساء القرامطة أقرب من القطيف من أحساء اليوم:
وبالتالي بعد أن أوضحنا المسافات والمواصفات الخاصة باحساء القرامطة، فاعتقد انها أقرب الى القطيف من الاحساء الحالية فهي تبعد عن القطيف «38.8» كلم بينما تبعد أحساء القرامطة عن احساء اليوم حوالي «130» كلم تقريبا.وإذا حاولنا أن نضع تقريب الى موقع احساء القرامطة فهي في منتصف الطريق بين الدمام وبقيق من جهة البحر«لقربها من مدينة هجر الساحلية كما سيأتي»، حيث المسافة بين الدمام وبقيق 85كلم تقريبا، فأحساء القرامطة أقرب الى الدمام منها الى مدينة بقيق.
مدينة هجر:
مدينة هجر تعتبر الرقم الصعب للباحثين وقد نسبها بعض مؤرخي احساء اليوم الى احسائهم دون تحقيق وتثبت بل نسبوا قرى هجر الى الاحساء «بالطبع لم يستطعوا أن يقولوا القطيف والزارة والخط من قرى هجر، بينما جميع المؤرخين الأوائل يذكرون أن قرى هجر هي القطيف والخط والزارة» ولكن بحثوا في قراها الدارسة ونسبوها الى الاحساء كما عملوا جاهدين على تصحيف بعض قرى الاحساء الى قرى هجر الدارسة وهكذا اصبحت قصبة البحرين هجر في قلب الاحساء وهذا من المضحكات المبكيات وسخريات القدر.
وفيما يلي نذكر بعض النصوص التاريخيه التي توضح للقارىء موقع هجر بشكل حسابي كما ذكرت المسافات الموضحة لموقع هجر، لنتمكن بعدها من تحديد موقع هجر التقريبي:
بين الأحساء وهجر ميلان = «3.696» كلم، وماءعين هجر الى البحر!
قال المقريزي: «واتفق أن البلد كان واسعاً، ولأهله عادة بالحروب، وهم رجال شداد جهال، فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته في تلك الديار، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى اشتدت شوكته.
وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس، وأجابه كثير منهم، وفر منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفاً من شره، ولم يمتنع عليه إلا هجر وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه فنازلها شهوراً يقاتل أهلها، ثم وكل بها رجلا.
وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان فابتنى بها دارا، وجعلها منزلا، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ويعقب قومه على حصارها.
ودعا العرب فأجابه بنو الأضبط من كلاب، وساروا إليه بحرمهم وأموالهم، فأنزلهم الأحساء، وأطمعوه في بني كلاب، وسائر من يقرب منه من العرب فضم إليهم رجالا، وساروا فأكثروا من القتل، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة إلى الأحساء، فدخل الناس في طاعته، فوجه جيشاً إلى بني عقيل فظفر بهم، ودخلوا في طاعته.
فلما اجتمع إليه العرب مناهم ملك الأرض كلها، ورد إلى من أجابه من العرب ما كان أخذ منهم من أهل وولد، ولم يرد عبداً ولا أمة ولا إبلا ولا صبيا إلا أن يكون دون الأربع سنين. وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قوماً، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعاً لهم. وقبض كل مال في البلد، والثمار، والحنطة، والشعير. وأقام رعاةً للإبل والغنم، ومعهم قوم لحفظها، والتنقل معها على نوب معروفة. وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه. هذا وهو لا يغفل عن هجر، وطال حصاره لهم على نيف وعشرين شهراً حتى أكلوا الكلاب، فجمع أصحابه، وعمل دبابات، ومشى بها الرجال إلى السور، فاقتتلوا يومهم، وكثر بينهم القتلى، ثم انصرف عنهم إلى الأحساء، وباكرهم فناشوه، فانصرف إلى قرب الأحساء، ثم عاد في خيل، فدار حول هجر يفكر فيما يكيدهم به، فإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء، تخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، فيجتمع ماؤها في نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر، ثم ينزل إلى النخل فيسقيه، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم. فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء، ثم غدا فأوقف على باب المدينة رجالاً كثيراً، ورجع إلى الأحساء، وجمع الناس كلهم، وسار في آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف، وأمر بجمع الحجارة ونقلها إلى العين، وأعد الرمل والحصى والتراب، ثم أمر بطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب في العين، وطرح فوقها الرمل والحصى والتراب والحجارة، فقذفته العين، ولم يعن ما فعله شيئاً، فانصرف إلى الأحساء بمن معه.
وغدا في خيل فضرب البر حتى عرف أن منتهى العين بساحل البحر، وأنها تنخفض كلما نزلت، فرد جميع من كان معه، وانحدر على النهر نحوا من ميلين، ثم أمر بحفر نهر هناك، وأقبل يركب هو وجمعه في كل يوم والعمال يعملون حتى حفره إلى السباخ، ومضى الماء كله فصب في البحر ثم سار فنزل على هجر وقد انقطع الماء عنهم ففر بعضهم فركب البحر، ودخل بعضهم في دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء، وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم، ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم، وأخذ ما في المدينة، وأخربها فبقيت خراباً، وصارت مدينة البحرين هي الأحساء. ثم أنفذ سرية إلى عمان في ستمائة، وأردفهم بستمائة أخرى، فقاتلهم أهل عمان حتى تفانوا، وبقي من أهل عمان خمسة نفر، ومن القرامطة ستة نفر، فلحقوا بأبي سعيد، فأمر بهم فقتلوا، وقال: هؤلاء خاسوا بعهدي ولم يواسوا أصحابهم الذين قتلوا. وتطير بهلاك السرية، وكف عن أهل عمان»[15] .
كما يذكر الحميري قوله: «ودخل أبو سعيد هذا مدينة هجر من بلاد اليمن[16] سنة سبع وثمانين ومائتين بعد حصار أربع سنين، فدخل على قوم هلكوا جوعا وهزلا وبعد أن كان الوباء وقع فيهم فمات منهم خلق، وقتل منهم القرمطي ثلاثمائة الف فطرحهم أحياء في النار، ونجا قليل منهم إلى جزيرة أوال، ولم يبق من أهل هجر يومئذ إلا عشرون رجلا» [17] .
هجر أعظم مدن البحرين في ساحل هجر:
قول المسعودي: «وجزيرة أوال فيها بنو مَعْن وبنو مسمار وخلائق كثيرة من العرب بينها وبين مدن ساحل البحرين نحو يوم، بل أقل من ذلك، وفي ذلك الساحل مدينة الزارة والعقل والقطيف من ساحل هجر»..
قال المسعودي: «مدن البحرين، وكان أهلها في نهاية العدة والقوة كالقطيف، وكان بها علي بن مسمار وإخوته، وهم من عبد القيس، وقتله علياً والزارة، وكان بها الحسن بن العوام من الأزد وصفوان، وكان بها بنو حفصن وهم من عبد القيس أيضاً والظهران والإحساء، وكان بها بنو سعد من تميم وجواثاً، وكان بها العريان بن الهيثم الربعي» انتهى.
الى أن قال:«وهجر وكانت أعظم مدن البحرين، وكان بها عياش المحاربي، وكان أعظمهم عدة، وأشدهم شوكة»[18] .
مدينة هجر بالقرب من قرية آفان القطيفية:
قال الفرزدق في مدح عمر بن هبيره:[19]
أنت رجائي بأرضـي إنني فرق
من واسط والذي نلقـاه ننتظـر
اسـأل زيادا ألم ترجـع رواحلنا
ونخـل أفأن مني بعـده نظـر
ومافرقـت وقد كانت محاضـرنا
منها قريبا حذاري وردها هجر
وقد شرح الشيخ المرحوم/ حمد الجاسر، شعر الفرزدق، قوله: وأفان: قرية بالقطيف، للأزد وعبد القيس. وهجر: لأخلاط من العرب الأزد وغيرهم يقول: قد كانت القطيف مني بقدر مايدركها. كما أشار الجاسر أن بلدة سيهات «القطيفية»يظهر انها قامت على أنقاض بلدة أفان[20] .
من النصوص السابقة واقوال المسعودي نستشف أن بني تميم اراضيهم من الظهران الى الاحساء بينما يسكن هجر أفراد من قبيلة عبد القيس وهي دار اقامتهم، وبالتالي مدينة هجر تقع ضمن أراضي عبد القيس وقراهم كانت متناثره بين الخط والقطيف والزارة والظهران وكانت هجر أعظمها وكان نهر محلم يسقي نخيل هجر وقراها.
من قول المقريزي ايضا في حصار ابو سعيد لهجر يتضح ان عين هجر بالقرب من البحر، وأن ابو سعيد انتقل من الاحساء القرمطية«التي تبعد مايقارب 38.8كلم عن القطيف» في منتصف الليل ووصل مدينة هجر في الصباح باكرا،وهجر تبعد عن احساء القرامطة ميلان، وبالتالي يتضح ان هجر تبعد عن القطيف «34» كلم.
وايضا من شرح الشيخ حمد الجاسر الذي أوضح قرب الفرزدق من قرية آفان القطيفية وهو في مدينة هجر، وبالتالي فأعتقد أن هجر تقع في الاراضي الواقعة بالقرب من ساحل نصف القمر على مسافة 34كلم من مدينة سيهات القطيفية، ويؤكد قولنا ماأوضحه جواد علي، قوله: ونزلت نكرة بن لكيز القطيف وماحولها والشفار والظهران الى الرمل ومابين هجر الى قطر وبينونة»[21] انتهى. فكانت هجر بعد مدينة الظهران، ومن النصوص السابقة التي توضح أن هجر مدينة تقع بالقرب من البحر وبالتالي فهي ضمن المنطقة المعروفة في أيامنا هذه بساحل نصف القمر، والله أعلم.
- من القطيف إلى الظهران =20 كلم.
- من الظهران إلى مدينة هجر = 14كلم.
——————————————————————————–
[1] قال الفرزدق:قد كان في هجر ونخل محلم*** تمر للملتمس الطعام فقير.
وقال الحفصي: محلم نهر بالبحرين وهو نهر لعبد القيس.«حمد الجاسر في معجمه ق4 ص1585». وأقول هنا يجب علينا لمعرفة اين تقع هجر ونهرها محلم معرفة مواقع سكنى قبيلة عبد القيس وفي الحقيقة قبيلة عبد القيس لم تسكن الاحساء بل كانت مناطقها في الخط والقطيف حتى الظهران، وكان بنو سعد من تميم هم سكان الاحساء.
[2] معجم البلاد العربية السعودية/ المنطقة الشرقية للشيخ حمد الجاسر القسم الرابع ص1438
[3] شرح المعلقات العشر أحمد الامين الشنقيطي ص111
[4] المسالك والممالك خرداذبة ص152 مكتبة الثقافة الدينية
[5] المعجم الجغرافي «البحرين قديما» القسم الرابع ص1582.
[6] ساحل الذهب الاسود محمد سعيد المسلم ص143
[7] كتاب تقويم البلدان أبي الفداء ص99
[8] نلاحظ ان المسعودي في كتابه التنبيه والاشراف لذي انتهى من تاليفه عام 345ه إعتبر الاحساء ضمن مدن البحرين بخلاف ابن خرداذبة الذي توفي عام 300ه لم يعد الاحساء من مدن البحرين، وهذا يوضح ان الاحساء كانت تعد خارج مدن البحرين حتى قيام الحركة القرمطية وتأسيس وبناء مدينة الاحساء.
[9] التنبيه والاشراف المسعودي
[10] المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج4 ص485
[11] لسان العرب ابن منظور
[12] اتعاظ الحنفا للمقريزي
[13] سفرنامة ناصر خسرو.
[14] سفرنامه ناصر خسرو.
[15] اتعاظ الحنفاء المقريزي.
[16] يرى الحميري أن منطقة البحرين تقع ضمن نطاق اليمن وقد أشار الى ذلك في ص 176 فيما يتعلق بجزيرة جنابا وحددها أنها جزيرة في البحر من جزائر البحرين باليمن.
[17] الروض المعطار في خبر الاقطار الحميري ص17
[18] التنبيه والاشراف المسعودي
[19] ديوان الفرزدق، دار صادر بيروت، ص229 ج1
[20] التصحيف في أسماء المواضع الواردة في الاخبار والاشعار، الشيخ حمد الجاسر، ص30
[21] المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج4 ص485.